الأحد 21 صفر 1441 هـ :: 20 أكتوبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

سمات رجل العقيدة


عناصر المادة
مقدمة بين يدي الموضوع:
احتكام رجل العقيدة إلى الكتاب والسنة:
تربية رجل العقيدة الناس على العقيدة:
دفاع رجل العقيدة عن العقيدة ورده على مخالفيها:
وقوف رجل العقيدة أمام محاولات التهوين من شأن العقيدة:
عدم تحكيم رجل العقيدة لعقله في نصوص القرآن والسنة:
اهتمام رجل العقيدة بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
عدم انتساب رجل العقيدة إلى أحد غير الله ورسوله:
تصحيح رجل العقيدة لمعتقدات العامة:
عدم تعصب رجل العقيدة لأحد:
[مجموع الفتاوى: 20/8].
سير رجل العقيدة على منهج صحيح في طلب العلم:
إقامة رجل العقيدة الدروس النافعة لجميع فئات المجتمع:
تربية رجل العقيدة للناس بالقرآن:
مقارعة رجل العقيدة للكفار والمبتدعة والفجار بالكتاب والسنة:
مفاصلة رجل العقيدة للناس عند معصيتهم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
رجل العقيدة صاحب عبادة:
موازنة رجل العقيدة بين كافة نواحي التربية المختلفة:
تركيز رجل العقيدة على بناء الأوساط الإيمانية وتنشئة القدوات:
إنكار رجل العقيدة للمنكر:
تضحية رجل العقيدة بنفسه في سبيل الدين:
عدم أخذ رجل العقيدة متاعاً دنيوياً مقابل تضحيته بنفسه:
معرفة رجل العقيدة بالتيارات التي تخترق مجتمعات المسلمين:
علم رجل العقيدة بالواقع يقوده إلى عظم استشعاره للمسؤولية:
وعي رجل العقيدة بالمؤامرات التي تدبر في بلاد المسلمين:
تقدير رجل العقيدة للأمور وثقل التبعات:
تثبيت رجل العقيدة للناس وإشاعته للطمأنينة في النفوس المزلزلة:
تثبيت رجل العقيدة للناس في اللحظات الأخيرة من حياته:
قيام رجل العقيدة بالدعوة إلى الله حيثما حل وارتحل:
تواجد رجل العقيدة حيثما تكون المصلحة للمسلمين:
استغلال رجل العقيدة لمنصبه ونفوذه ومواهبه في خدمة الدين:
رجل العقيدة يعمل ولو كان يجهله الناس:
رفض رجل العقيدة لاستمالة أهل الضلال:
متابعة رجل العقيدة للمهمات بنفس طويل:
اهتمام رجل العقيدة بضعفاء المسلمين وعوامهم:
مفاصلة رجل العقيدة للكفار وتميزه عنهم:
صدع رجل العقيدة بالحق وإعلانه للإسلام أمام الكفار:
فطنة رجل العقيدة ونباهته:
اعتقاد رجل العقيدة أن المستقبل للإسلام:
مقدمة بين يدي الموضوع:
00:00:04
 إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
بمثل هذه الكلمات -أيها الإخوة- أسلم صحابي من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان قادماً من اليمن، فأوحى إليه كفار قريش: أن محمداً -صلى الله عليه وسلم- رجل مؤذٍ، لكي يتجنبه، ولكنه خطر بباله أن يأتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليسمع منه، فأتاه وعرض عليه أن يساعده إن كان به مرض أو كان به رئي من الجن، فتلا عليه -صلى الله عليه وسلم- هذه الكلمات، من أوائل خطبة الحاجة، فكان هذا سبباً في إسلامه -رضي الله عنه- [رواه مسلم: 868].
إخواني: يسرني أن ألتقي بكم في هذا المكان، ولعل الله -سبحانه وتعالى- يكتب لنا الأجر الكبير في هذا اللقاء، وأن يجعل حضورنا للقاء بعضنا لقاء الأخوة في الله -عز وجل-.
والموضوع الذي أريد أن أتحدث به إليكم هو: سمات رجل العقيدة.
ونعلم جميعاً -أيها الإخوة- بأن الدين الذي ندين الله -عز وجل- به يتعرض في هذا الزمان إلى هجمات شرسة، وأن المسلمين في هذا العصر في غاية الضعف والهوان.
وليس العيب من الإسلام ولكن العيب من المسلمين أنفسهم، فإن هذا الدين دين كامل.
ليست المشكلة في هذا الدين، ولكن المشكلة في الناس الذين من المفترض أن يحملوا هذا الدين على أكتافهم.
ولذلك لما فكر أحد المستشرقين في هذا الدين فتجلت له بعض جوانب عظمة الإسلام فقال: "يا له من دين لو كان له رجال"، فهذا المستشرق أدرك عظمة هذا الإسلام، ولكنه قال: يا له من دين عظيم، لكن المشكلة أن يكون هناك رجال يحملونه.
إن هذا الدين يحمل في طياته عوامل استمراريته وهيمنته على سائر الأديان.
ونحن في عصر الذل الذي يعيش فيه المسلمون لابد أن نضع أمام أعيننا -أيها الإخوة- عدة اعتبارات:
الاعتبار الأول: عدم اليأس واستمرارية العمل لنشر هذا الدين.
والاعتبار الثاني: أن التركيز لا بد أن يتم ويستمر في بناء الشخصيات التي تحمل هذا الدين.
المشكلة الآن مشكلة رجال، لو كان هناك رجال لانتهت المشكلة، وعندما تمنى بعض الصحابة أماني قال عمر: "«أتمنى لو أنها مملوءة رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح" [مستدرك الحاكم: 5005، وقال الذهبي: "على شرط البخاري ومسلم" كما في تخليص الحبير: 5005].
ولذلك نريد أن نتعرف في هذا المقام على بعض السمات التي تتكون منها الخطوط العريضة في نفس رجل العقيدة.
احتكام رجل العقيدة إلى الكتاب والسنة:
00:04:46
 فأما أولها فهو: الإيمان بهذه العقيدة التي نزلت من عند رب العالمين، الإيمان بما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والتحاكم إلى الكتاب والسنة عند التنازع، والاستغناء بهما عما جاء في سواهما، واعتقاد كمال هذا الدين، ووجوب تقديم النقل على العقل في حالة التعارض المتعارض المتوهم، وإلا ففي الحقيقة فإن النقل الصحيح لا يعارض العقل الصحيح.
فالدخول إلى القرآن والسنة بمقررات عقلية سابقة، وترك الخوض في الكلام، في علم الكلام والفلسفة، من حيث أنه علم لا ينفع، وكما ورد في الدعاء:  اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع  [رواه مسلم: 2722].
وأن نؤمن إيماناً تاماً بأنه لا يوجد شيء اسمه فلسفة إسلامية.
تربية رجل العقيدة الناس على العقيدة:
00:05:57
 ورجل العقيدة كما أنه يعتقد بهذه العقيدة، فإنه يربي الناس عليها، ويبينها بالوحي، حتى تمتلئ قلوب الناس بعظمة الله وبعظمة نصوص القرآن والسنة، ويحرص رجل العقيدة على أن يربي نفسه، وأن يربي الشباب بالذات على هذه العقيدة، وعلى سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال عمرو بن قيس رضي الله عنه-: "إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة فارجه -توقع منه الخير-، وإذا رأيته مع أهل البدع، فايئس منه، فإن الشاب على أول نشوئه" [الإبانة الكبرى لابن بطة: 1/205].
ولذلك -أيها الإخوة- الآن لو وجدت هناك الأوعية التربوية الصحيحة المستمدة من عقيدة أهل السنة والجماعة فانضوى إليها، وانظم إليها شباب الأمة لخرجت نوعية عظيمة من الرجال.
ولكن المشكلة أن شباب الأمة الإسلامية تتخطفهم الشهوات والشبهات وطرق الزيغ والضلال، والطرق التي يخلط فيها الحق بالباطل في كثير من الأحيان، ولذلك لا تجد النوعيات التي تحمل هذا الدين، وإنما تجد عقليات مشوشة ومضطربة لا يمكن أن تفهم نصوص القرآن والسنة فهما  صحيحا، وتنطلق بها لتطبقها تطبيقا صحيحا، فأنى لهؤلاء أن يحملوا هذا الدين؟
وقال عبد الله بن شوذب -رحمه الله-: إن من نعمة الله على الشاب إذا نسك -إذا اهتدى وسلك الطريق المستقيم- أن يوافي صاحب سنة يحمله عليه"[شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: 1/66].
وهذا -طبعاً- يشمل النساء أيضاً.
ولذلك يجب أن تنتبه المرأة المسلمة إلى دعاة الضلال الذين يريدون أن يؤثروا عليها بالبدعة؛ مثل دعاة التصوف مثلاً.
والعقيدة الصحيحة إذا استقرت في نفس رجل العقيدة، فإن لها أثراً عظيما في حياته، بل وحتى على فراش الموت يكون لها أثر.
مثال: عن أنس -رضي الله عنه- قال: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل على شاب وهو بالموت، فقال: كيف تجدك؟  فقال: والله يا رسول الله إني أرجوا الله وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وأمنه مما يخاف  [رواه الترمذي: 983، وابن ماجه: 4261، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 1612].
هذا شاب يحتضر بين يدي الرسول -صلى الله عليه وسلم-، لكن العقيدة التي في نفسه عقيدة صحيحة، هو بين الخوف والرجاء والحمد لله.
دفاع رجل العقيدة عن العقيدة ورده على مخالفيها:
00:09:37
 وكذلك من سمات رجل العقيدة: أنه يدافع عن هذه العقيدة، ويرد عنها سهام المبطلين، وكيد المنحرفين، وأصحاب الأهواء، وذلك بمنهج متميز واضح، إنه يعتمد في منهجه على حجية السنة في العقيدة، ومنها أحاديث الآحاد الصحيحة، ويعتقد أن القول بأن أحاديث الآحاد لا تفيد، لا تفيد قطعية الثبوت، فهذه بدعة كبيرة، انتشرت إلينا من كتب أهل البدع، ويعتقد بتقديم أقوال الصحابة في تفسير النصوص الشرعية؛ لأنهم أعلم من غيرهم من أفراد الأمة، ولا ينبز الصحابة بمثل الكلام الذي يتشدق به بعض المنحرفين في كتبهم، وخصوصاً من المعاصرين الذين يقولون: إن الصحابة لم يعلموا علم الكلام؛ لأنهم كانوا منشغلين عن ذلك بالجهاد.
سبحان الله، ما أعظم فريتهم! رموا صحابة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأنهم جهلوا علم الكلام؛ لأنهم كانوا منشغلين بالجهاد، وهل يفوت الصحابة -رضوان الله عليهم- علماً نافعاً؛ لأنهم كانوا منشغلين بالجهاد؟ كل الصحابة غاب عليهم ؟ هذا العلم التافه.
الحمد لله أنه غاب عنهم.
وكذلك يأخذ بطريقة جمع النصوص في المسألة الواحدة وعدم الاقتصار على بعضها دون بعض كفعل أهل البدعة، نأخذ مثال -أيها الإخوة-: لو واحد أخذ بحديث: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة  [رواه الترمذي: 2638، ] فقط ما أخذ بغيره، هذا النص قد يوهم عند البعض بأن مجرد التلفظ بها باللسان بها يكفي لدخول الجنة، ولكنه عندما يأخذ بالنصوص الأخرى، ومنها مثلاً:  من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه [رواه مسلم: 99]، ومنها مثلاً:  أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة  إلى آخر الحديث [رواه البخاري: 25، ومسلم: 22].
فإذًا، تتكامل النصوص وتجتمع لتكون العقيدة الصحيحة من جميع جوانبها.
أما نأخذ بعض النصوص، ونترك بعضاً، إما أن نقع في بدعة وضلال، أو لا نفهم العقيدة الصحيحة.
والاقتصار على الكتاب والسنة في مقارعة المبتدعة أمر مهم يدل على فقه صاحبه، وإليكم هذا المثال: قال صالح بن الإمام أحمد -رحمه الله-: "جعل ابن أبي دؤاد ينظر إلى أبي كالمغضب، قال أبي: وكان يتكلم هذا فأرد عليه، ويتكلم هذا فأرد عليه، فإذا انقطع الرجل منهم، اعترض ابن أبي دؤاد فيقول: يا أمير المؤمنين هو والله ضال مضل مبتدع، فيقول الخليفة: كلموه ناظروه، فيكلمني هذا فأرد عليه، ويكلمني هذا فأرد عليه، فإذا انقطعوا، يقول المعتصم: ويحك يا أحمد ما تقول؟ فأقول: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسوله الله -صلى الله عليه وسلم- حتى أقول به"، لا زال الإمام أحمد على هذه الحالة حتى قال أحمد بن أبي دؤاد وقد نفذ صبره، قال: "أنت لا تقول إلا ما في الكتاب والسنة؟" [سير أعلام النبلاء: 11/246 - 247] قال: ما عندك إلا الكتاب والسنة، وهذا لوحده اعتراض صريح يدين ذلك المبتدع إدانة كاملة.
وقوف رجل العقيدة أمام محاولات التهوين من شأن العقيدة:
00:13:58
 ورجل العقيدة يقف أمام محاولات تهوين العقيدة، الذين يهونون شأن العقيدة، ويقولون: هذه أمور جانبية، هذه أمور تافهة، هذه أمور لا تقدم ولا تؤخر، وماذا يعني إذا اعتقدنا أن لله يداً أو وجهاً؟ -تعالى الله عن قولهم علواً  كبيراً-، لم يعرفوا ربهم ثم يرودن أن يدعوا إليه؟ لم يعرفوا ربهم ثم يريدون أن يدعوا إلى سبيله؟
بعض الناس يتبجحون فيقولون: أين الذين يقولون بعلو الله من الغزو الفكري؟ أين الذين يقولون بعلو الله من التيارات العلمانية؟ أين الذين يقولون بعلو الله من قضايا الجهاد؟
كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً، يعني: لا يمكن أن يجتمع الإيمان بعلو الله والجهاد في سبيل؟ لا يمكن أن يجتمع الإيمان بعلو الله ومقاومة الغزو الفكري؟ لا يمكن أن يجتمع الإيمان بعلو الله وفضح التيارات العلمانية؟ أين التكامل؟ لماذا نقتصر على جانب من الدين ونترك الجوانب الأخرى؟
عدم تحكيم رجل العقيدة لعقله في نصوص القرآن والسنة:
00:15:22
 ورجل العقيدة لا يعتدي على نصوص القرآن والسنة، ولا يُغير عليها بسهام التأويل والرد والتثليث، ويحكم عقله فيها، بل إنه يستسلم لها، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها" جنين "فاختصموا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم، فقال حمل بن النابغة الهذلي: يا رسول الله، كيف أغرم من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يطل؟" هذا الرجل لما سمع الحكم أنه سيدفع دية الجنين اعترض على الرسول -صلى الله عليه وسلم-، قال: كيف تريدني أن أدفع دية جنين؟ والجنين هذا لا أكل ولا شرب ولا نطق ولا صرخ ولا استهل، فمثل هذا الكلام يسقط عني، لا شأن لي به، فما سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا الكلام قال عبارة نسفت كلام الرجل من أصله، وبينت عيبه وزيفه، فقال: إنما هذا من إخوان الكهان  [رواه البخاري: 5758، ومسلم: 1681، واللفظ له] هذا الرجل من إخوان الكهان، هذا المنطق تقديم العقل على النقل والاعتراض على النصوص الشرعية؛ لأنها لا توافق عقل الشخص هذا من الكهانة، تلقاه من الكهان،  إنما هذا من إخوان الكهان .
ولذلك بعض نصوص العقيدة مشكلة بعض الناس أنهم يكذبون بها لأنها لا توافق عقولهم، فمثلاً: لما سئل الإمام عبد الله بن المبارك -رحمه الله- لما روى حديث نزول الله -عز وجل- إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، سأله إنسان في المجلس، قال: كيف ينزل؟ فأجاب عبد الله بن المبارك: ينزل كيف يشاء سبحانه وتعالى [الأسماء والصفات للبيهقي: 2/378].
وفي رواية: إذا جاءك الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاخضع له.
ولذلك كان هارون الرشيد -رحمه الله- مرة من المرات في مجلس، وكان يحدثه بالأحاديث رجل من الصالحين يسمى: أبو معاوية الضرير، أبو معاوية الضرير حدث هارون الرشيد بحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-:  احتج آدم وموسى  إلى آخر الحديث... فقال عيسى بن جعفر -أحد الحاضرين-: كيف هذا وبين آدم وموسى ما بينهما؟" كيف احتج آدم وموسى وبينهما من القرون ما بينهما؟ ما هو خطأ الرجل؟ قدم عقله على النص، الرسول-صلى الله عليه وسلم- يقول:  احتج آدم وموسى  وهذا يقول كيف التقوا؟ أين التقوا وبينهما سنين طويلة؟ هذه جريمة يا جماعة، هذا العقل المحصور الضيق نحكمه في النصوص الشرعية وننفي النصوص، هذه مصيبة، جريمة "فقال هارون الرشيد -رحمه الله تعالى- وثب، وقال: يحدثك عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتعارضه بكيف؟" [عقيدة السلف أصحاب الحديث، الصابوني، ص: 40].
وفي رواية: أنه قال هارون الرشيد -رحمه الله- وكان شديداً على المبتدعة، قال: النطع والسيف، زنديق يطعن في الحديث، فما زال أبو معاوية يسكنه ويقول: بادرة منه يا أمير المؤمنين، حتى سكن [سير أعلام النبلاء: 9/288].
وفي رواية: أنه حبسه ولم يطلقه حتى حلف بالأيمان المغلظة أنه ما سمعه من أحد، يعني: ما تلقى الشبهة هذه من أحد
اهتمام رجل العقيدة بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
00:19:41
 ورجل العقيدة يهتم بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يهتم بها اهتماماً عظيماً في تعلمها وجمعها، وتطبيقها، وتميز صحيحها من سقيمها، فهو يميز الأحاديث الضعيفة من الصحيحة، ما يأخذ بأي حديث سمعه، وإنما يبحث عن صحته لكي يعمل به، ويرويه للناس، ما يجوز -يا جماعة- أن نروي حديثاً عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لسنا متأكدين من صحته، فضلاً عن أن نكون متأكدين من ضعفه أو كذبه:  من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبِين أو الكاذبَين  [رواه الترمذي: 2662، وابن ماجه: 41، وأحمد: 18211، وقال محققو المسند: "حديث صحيح"]، ما يجوز لك تحدث بحديث عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- تحدث به الناس وأنت لم تتأكد من صحته، هذا فضلاً وأنت تحدث به وأنت لا تعلم به أنه ضعيف أو موضوع، هذه جريمة أكبر من الأولى، والآن لا يخلو واعظ أو خطيب أو محاضر إلا وتجد في ثنايا كلامه أحاديث ضعيفة أو مكذوبة يقولون: ترقق قلوب الناس، تؤثر في الناس، نستغلها لصالح الرسول -صلى الله عليه وسلم-، كذبوا والله، وافتروا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذباً، نحن لسنا يهود، والغاية عندنا لا تبرر الوسيلة، وإنما الوسائل لها حكم المقاصد، إذا كان مقصدك صحيحاً لا بد تكون وسيلتك صحيحة.
بعض الناس يأخذ أحاديث، إذا دمعت عيني اليتيم وقعت دموعه في كف الرحمن فيأخذه ويقول: من أبكى هذا اليتيم أعطيت الجنة من أسكته؟ كلام مؤثر لكن الحديث ما ثبت عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، يجوز لنا نأخذ به؟ لا،
ولذلك قام رجال الأمة الذين قيضهم الله لأحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما تركوا شيئاً إلا وضحوه، أسماء الضعفاء جردوها، وأسماء الثقات جردوها، وبينوا درجات الأحاديث، وبينوا ثقة الرجال من ضعفهم، وجردوا الأحاديث المكذوبة، والمصنوعة والمسروقة في كتب حتى يتبين للناس ما هو الحق، ولا زالت الأمور في تنقيح واجتهاد يتوالى عليه الناس المجتهدون منهم في هذا الأمر جيلاً بعد جيل، دلالة على أن الله يحفظ هذا الدين بحفظ القرآن والسنة.
وكذلك من حق سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على رجل العقيدة: أنه يقدم كلام رسول الله على كلام كل أحد، وإذا تعارض كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع كلام واحد من البشر يقدم كلام رسول الله ويترك كلام ذلك الشخص، عن وبرة قال: "كنت جالسا عند ابن عمر فجاءه رجل فقال: أيصلح لي أن أطوف بالبيت قبل أن آتي الموقف؟ فقال: نعم، فقال: فإن ابن عباس يقول: لا تطف بالبيت حتى تأتي الموقف، فقال ابن عمر: "فقد حج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فطاف بالبيت قبل أن يأتي الموقف"، فبقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحق أن تأخذ، أو بقول ابن عباس إن كنت صادقاً؟" [رواه مسلم: 1233].
والاهتمام بالسنة من مقتضيات شهادة: أن محمداً رسول الله، بعض الناس يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وهو يهمل في السنن ولا يطبق السنن، وإذا جاءك بسنة يقول: هذه شيء تافه! وهذه قشور! وهذه أمور جانبية! خلينا وخلي اللحية! وخلينا وخلي إسبال الثوب! دعنا ودع تحريك الإصبع في الصلاة! ووضع اليدين على الصدر! هذه الأشياء قشور تافهة! ما ينبغي أن نشتغل بها؟!
سبحان الله العظيم! ماذا كان يفعل الرسول -صلى الله عليه وسلم-؟
إذا كان كلام هؤلاء المجرمين صحيحاً، هذا يعني أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كوم السنن هذه الصغيرة كلها حتى جاء آخر دقائق من حياته قال: يا جماعة شوفوا ترى أنا كنت مشغلكم في الجهاد وفي الأمور الكبيرة! ترى الآن أنا أذكر لكم السنن الصغيرة هذه في آخر عمري؛ لأني ما أردت أن أشغلكم بها في البداية! وجاء وسردها عليهم ثم مات! هذا معنى كلامهم.
لكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يعلم الناس الأمور الصغيرة والكبيرة بتوازن، يا أخي لو كان عندك كافر تطبق عليه حديث معاذ:  فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله  هذا أول شيء  فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم  الحديث..[رواه مسلم: 19].
لو تعلم وأسلم نعلمه جميع الدين، يجب أن نكون أمناء في تقديم الدين، ما نقول: نقدم بعضه للناس ونترك بعضه، بعد عشرين سنة نبدأ نعلمهم هذه الأشياء، سبحان الله! هذه طريقة الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
ومن المسائل الخطيرة -أيها الإخوة- التي تحدث الآن في هذا العصر، وتخرج بها كتب جديدة الآن إلى الأسواق، هذه المسألة مذهب المعتزلة في تقديم العقل على النقل، ربما تظنون أن هذا الكلام يعني نظري وصعب، لكن لو أخبرتكم: أن رجلاً من المسلمين قد أخرج كتاباً في هذه السنة 1409 يقول فيه: أن حديث موسى في أنه لطم عين ملك الموت ففقأها [رواه مسلم: 2372] مع أنه صحيح وثابت ولكنه غير معقول؛ لأن موسى ما يلطم عين ملك الموت فيفقأها، فإذًا الحديث لا نقبله، ببساطة شطب الحديث.
 لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة  [رواه البخاري: 4425] يقول: لا، هذه أشياء وعادات وتقاليد، ونحن لسنا مكلفين أن ننقل تقاليد عبس وذبيان إلى أمريكا وأستراليا، والرسول -صلى الله عليه وسلم- قاله في مناسبة بنت كسرى! لكن  لو رأى جولدا مائير ، لقال غير هذا الكلام!
سبحان الله! تبت كلمة تخرج من فمه.
يا جماعة نحن نعيش في أخطار، الكتب والأشرطة تقذف إلينا سموماً من هذا المنهج الرديء تقديم العقل على النصوص الشرعية.
في البخاري؟ ما نأخذ منه، في الصحيحين؟ ما يوافق العقل، حديث ثابت؟ ما يوافق طبيعة العصر الذي نعيش فيه، أين الإسلام؟ أين الاستسلام لله بالطاعة، والانقياد له؟
اللهم اهد من كان ضالاً من المسلمين.
عدم انتساب رجل العقيدة إلى أحد غير الله ورسوله:
00:26:56
 ورجل العقيدة لا ينتسب إلى أحد غير الله ورسوله، كما قال ابن القيم -رحمه الله-: "وأهل هذه الغربة هم أهل الله حقاً فإنهم لم يأووا إلى غير الله، ولم ينتسبوا إلى غير رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولم يدعوا إلى غير ما جاء به" [مدارج السالكين: 3/186].
ومن صفات هؤلاء الغرباء: ترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله، لا شيخ ولا طريقة ولا مذهب ولا طائفة، بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبودية له وحده، وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده... وأكثر الناس بل كلهم لائم لهم [مدارج السالكين: 3/188].
فإذًا، المسلمون يجمعهم طريق واحد ليس له ثان، طريق أهل السنة والجماعة، وهو طريق أهل الحديث، سماهم أئمة السلف هكذا، سموهم أهل السنة والجماع تميزاً لهم عن أهل البدعة، سموهم أهل الحديث تميزاً لهم عن الذين يحكمون عقولهم وأراءهم بالنصوص، قال الإمام أحمد: إن لم يكونوا رواة الحديث فلا أدري من هم.
كل تسمية مخترعة مهما كان الذي اخترعها، ومهما كان ملايين ساروا عليها، كلها تسميات مبتدعة يقصد منها تفريق صفوف المسلمين، المسلمون ما لهم جماعة إلا جماعة واحدة، أهل السنة والجماعة، عقيدتهم معروفة لم تختلف على مر العصور، وأعمالهم وأخلاقهم معروفة، وطريقتهم في الدعوة معروفة، ومفاصلتهم للكفار معروفة، وكل شيء واضح في القرآن والسنة.
وعلماء المسلمين يوضحون هذا الطريق لمن يسير فيه، ليست هناك تسميات وأحزاب وطوائف، وإلا فقل لي: ما الذي أخر مسيرة الدعوة الإسلامية الآن إلا هذه التحزبات والتفرقات؟
هذا من الطائفة الفلانية، هذا من الطائفة الفلانية، يا أخي أين أنت من جماعة الرسول -صلى الله عليه وسلم-؟ ماذا كانوا يسمون أنفسهم؟
ليس لهم إلا أوصاف: الطائفة المنصورة، الفرقة الناجية، لكنهم هم أهل السنة والجماعة الذين اجتمعوا على هذه السنة فقط.
ولذلك من المدهش أحياناً أنك تجد اثنين من المسلمين ما بينهم فرق في التصورات لكن هذا يطلق على نفسه اسم كذا، وهذا يطلق على نفسه اسم كذا، صح وإلا لا؟ هذا موجود، لماذا يا أخي؟ لماذا؟ ألسنا أمة واحدة؟ أليس إبراهيم سمانا المسلمين؟ لماذا نتفرق؟
المشكلة ما هي؟
أن كل أحد منتسب إلى طائفة يسميها بأسماء ليست شرعية فإنه يصبح يوالي لها، ويعادي عليها، ويتعصب لها، ويدافع عنها بالحق والباطل.
ورجل العقيدة يدعو إلى مذهب أهل السنة والجماعة، هم الوسط بين الأطراف، والحجة عند الخلاف، المتفقون على العقيدة عبر الأزمان.
تصحيح رجل العقيدة لمعتقدات العامة:
00:30:02
 ورجل العقيدة يصحح معتقدات العامة، فإن كثيراً من العامة عندهم خرافات وشعوذات ومعتقدات باطلة، وهذه قصة تبين لنا كيف كان العلماء يصححون معتقدات العامة الخاطئة، كان نعمان بن محمود الألوسي -رحمه الله- جوزي زمانه في الوعظ والتذكير، فكان في كل سنة يجلس في شهر رمضان للوعظ في أحد المساجد الواسعة، فيقصد من أطراف البلد حتى يغص المكان بالمستمعين، فاتفق له في رمضان سنة 1305 للهجرة، أن استطرد في مجلس من مجالسه بحث سماع الموتى، فذكر ما قاله أهل العلم في كتبهم الفقهية من عدم سماع الموتى كلام الأحياء، فقام حشوية بغداد وقعدوا وأنكروا عليه هذا العزو، وأثاروا أفراد العوام كما هي عادتهم في كل زمان ومكان، وكادت تقع فتنة تسود وجه التاريخ، ولكنه بدهائه وحلمه سكن ثائرتهم فجمع في اليوم الثاني كل ما لديه من كتب المذاهب الأربعة، وارتقى كرسي الوعظ، وقد احتشدت الجموع، فأعاد البحث، وصدع بالبيان ثم أخذ يتناول كتاباً كتاباً، فيتلو نصوص العلماء ثم يرمي بها إلى المستمعين ويصرخ: هؤلاء علماؤكم فإن كنتم في ريب فدونكموهم وناقشوهم الحساب، حتى إذا فرغ نهض واخترق الجموع الثائرة غير وجل ولا هياب، فأقبلوا عليه يقبلون يديه، ويعتذرون إليه من قيامهم بتحريك المرجفين، وفريق المقلدة الجامدين، فكان ذلك سبب تأليف رسالته المشهورة: "الآيات البينات في حكم سماع الأموات".
عدم تعصب رجل العقيدة لأحد:
00:32:06
 ورجل العقيدة لا يتعصب لأحد، ويضع نصب عينيه القاعدة الذهبية التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: (من نصب شخصاً كائناً من كان فوالى وعادى على موافقته في القول والفعل فهو من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً)
[مجموع الفتاوى: 20/8].
00:32:25
 ولا تجوز الطاعة المطلقة لإمام من الأئمة مهما علا شأنه، وشاع بين الناس ذكره، ولكن من يجهل حكماً من الأحكام عليه أن يستفتي الأتقياء العلماء الذين يعتمدون في فتاويهم على القرآن والسنة، وينبغي أن يتحرى الدليل ما أمكن، والناس منهم من يجتهد، ومنهم طالب علم يمحص ويقرأ ويعرف الأدلة، ويتابع القول الذي عليه الدليل الصحيح، ومنهم عامة لا يعرفون ولا يميزون، هؤلاء عليهم أن يسألوا الثقات من العلماء في بلادهم الذين يعتمدون على  القرآن والسنة.
هذه المسألة ببساطة.
وفي الوقت الذي ندعو إلى عدم التعصب لأحد أياً ما كان فإننا في ذات الوقت ننكر على أولئك النفر الذين وضعوا أنفسهم في رتبة الاجتهاد ولما يحصل العلم الشرعي بعد، أو قواعده الأساسية، كيف يطير ولما يريش ولم ينبت لهم الريش في أجنحتهم، فكيف يحلق في سماء العلم، هؤلاء الناس الذين يظنون أنه بمقدورهم هم، وهم العاجزون القصر أن يستنبطوا الأحكام الشرعية لوحدهم، ويقول بعضهم: يزعم أن علماء الحديث عنده كعمال الخدمات يقدمون له الحديث الصحيح وهو الذي يتولى فهمه وشرحه، هؤلاء أساؤوا العلم والأدب وهم من المغرورين.
وفي ذات الوقت عليكم -أيها الإخوة- أن تنتبهوا من خلال قراءتكم وسماعكم لهذه الأشياء المسجلة المنتشرة، إلى ألفاظ الغمز واللمز في أهل السنة الذين تجردوا عن التعصب، هناك من يلمزهم وينبزهم ويغتابهم ويستهزئ  بهم، فترى واحداً يقول: هذه سلفية مزعومة!
والآخر يقول: هذا فقه بدوي!
وثالث يقول: فتيان سوء يتطاولون على أئمة العلم!
مقصودهم تنفير الناس من اتباع الدليل، يريدون التعصب والتقوقع.
سير رجل العقيدة على منهج صحيح في طلب العلم:
00:34:42
 ويجب أن يكون منهاج رجل العقيدة طلب العلم الصحيح، وأن يكون طلبه مبدوءاً بتعلم خشية الله أولاً، فإن رأس العلم خشية الله -عز وجل-، وليس مجرد تعلم التعريفات والمتون، والمصطلحات والاختلافات والأقوال.
وعلم بغير زكاء يكون وبال على صاحبه.
وبعض طلبة العلم يقولون: لا نريد إلا دليل من القرآن والسنة، وبغير ذلك نرمي بالكلام عرض الحائط، فكيف إذا كان إجماعاً صحيحاً؟ فكيف إذا كان قياسا صحيحاً مستنبطاً من القرآن والسنة؟ وهل متابعتهم للعلماء أولى؟ أم متابعتهم لآرائهم الشخصية؟
إقامة رجل العقيدة الدروس النافعة لجميع فئات المجتمع:
00:35:27
 ويجب على رجل العقيدة أن يعمل الدروس النافعة للعامة والخاصة، للبسطاء والمثقفين، لمن له تعمق في الفهم، ومن هو بسيط في الفهم، قال ابن حجر -رحمه الله- في ترجمة أحد العلماء في كتابه: "إنباء الغمر" عن أحد العلماء قال: وكان يعمل المواعيد النافعة للعامة والخاصة، حتى أن كثيراً من العوام انتفعوا به، وصارت لديهم فضيلة مما استفادوا منه.
وقال ابن حجر -رحمه الله-: "أحمد بن محمد الصفدي كانت له عناية بالعلم، وكان يعرف بشيخ الوضوء"، لماذا كان يعرف بشيخ الوضوء؟ لأنه يعلم الناس الوضوء، "كان يتعاهد المطاهر، فيعلم العوام الوضوء[إنباء الغمر بأبناء العمر: 1/532]، فلذلك سمي بشيخ الوضوء".
إذًا، علينا أن نعلم العامة والخاصة.
بعض الناس يقصرون جهودهم التعليمية على فئة معينة من الناس، على الشباب دون الشيوخ أو على الرجال دون النساء، أو على الكبار دون الصغار، هؤلاء ما عندهم تكامل في خطتهم التربوية التعليمية، ويجب أن يكون التعليم عاماً شائعاً في الناس إلى الرجال والصغار والكبار والنساء والشباب والشيوخ، حاول أن لا تخص أحداً دون أحد، واحد أحياناً زوجته تقول له: علمني شيئاً وهو منشغل مع إخوانه، أو يعلم نفسه، ويتعلم مع إخوانه، زوجته التي في البيت لا تعرف أشياء كثيرة من الأحكام، هذا صحيح هذا الواقع.
فإذًا -أيها الإخوة- يجب أن يكون عندنا نظرة شمولية في قضية الدعوة والتعليم، لو رأيت منكراً في الشارع أنكر عليه، لو  رأيت واحداً معك في الطائرة علمه شيئاً، يا أخي ما تخسر شيئاً، اصرف جهودك في الأماكن العامة لتعليم الناس، أئمة المساجد يعملون الدروس لتعليم الناس، المدرسون في المدارس يعلمون الطلاب، يبذلون العلم للجميع، للكل، ينصحون الكل، وبهذه الطريقة نصل إلى منع المنكرات بأقصر وقت، ما أمكن.
أما الانزواء والتقوقع في بيئات معينة منغلقة، نمنع الخير عن الناس، ما هو صحيح.
تربية رجل العقيدة للناس بالقرآن:
00:38:28
 ورجل العقيدة يهتم بالقرآن في التربية، فإن بعض الناس يركزون على المواضيع الفكرية أو الفقهية أو العلمية البحتة، وغيرها، وينسون كتاب الله -عز وجل-، ويقرؤون كلام الأشخاص أكثر مما يقرؤون كلام الله، وذلك يصير اتصالهم بالأشخاص والمؤلفات أكثر من الاتصال بالقرآن الكريم، وهذا فيه نوع من الخطورة -أيها الإخوة-.
والرسول -صلى الله عليه وسلم- لماذا منع في بادئ الأمر قضية كتابة شيء غير القرآن؟
لأنه يريد أن ينصب اهتمام الناس على القرآن، ينطلقون منه، ويفيئون إليه.
وبعض الناس يتصورون أن القرآن لا يوفي جميع الأشياء.
ولكن -أيها الإخوة- القرآن كتاب أحكام، وكتاب تربية، وكتاب أخلاق، يجمع هذا القرآن أشياء كثيرة.
وإذا أردت التربية فستجد هناك التربية بأنواعها، بالقصة، بالموعظة، بالحدث، بالقدوة، بالعقوبة، إلى آخره.
ينبغي أن تكون دراسة رجل العقيدة للقران الكريم دراسة وافية عامة، يدرس قصص القرآن وأمثاله والعلاقة بينه وبين أسباب نزوله، وتسلسل الأحداث بالمكي والمدني ليعرف مسيرة القرآن في تربية المسلمين، وما هي الأولويات؟ وبماذا بدأ؟ وبماذا توسط؟ وبماذا انتهى؟ وأساليب الجدل، والمناظرة في القرآن لمعرفة كيفية إفحام الخصوم وإقامة الحجة عليهم.
وكذلك دراسة نواحي الإعجاز في القرآن حتى يعظم في النفس.
وكل علم قد يتندم الإنسان على الاشتغال به إلا دراسة القرآن والسنة.
كل العلوم سواء القرآن مشغلة *** إلا الحديث وإلا الفقه في الدين
وكذلك فإن التدبر بالقرآن الكريم مهم.
القرآن يزيدك وجهه حسناً إذا ما زدته نظراً.
فعليك بالنظر في هذا القرآن الكريم.
والقراءة للكتاب الذين يأخذون من القرآن ويستشهدون بالقرآن كثيراً، مثل كتابات ابن القيم -رحمه الله تعالى-، فإنك تحس عبرات حية، وأنه لا تمر سطور إلا ويأتي بآية أو حديث، هذا الإمام العالم الرباني، الذي يربط الناس بالقرآن والسنة، وليس أن تقرأ لك كتاب عشرات الصفحات ما فيها آية أو حديث.
مقارعة رجل العقيدة للكفار والمبتدعة والفجار بالكتاب والسنة:
00:41:12
 ورجل العقيدة يقارع الكفار والمبتدعة والفجار بالقرآن الكريم، وسنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- كما حدث لابن عباس -رحمه الله- مع الخوارج؛ فإنه:
أولا: أتاهم فأثنى على عبادتهم، وعلى حسناتهم، ثم استفرغ ما لديهم من الحجج، حجة حجة، وبعد أن قال: أفرغتم؟ وتأكد أنه ما بقي لديهم شيء، بدأ يجيب عليها شبهة بدليل، يأخذ شبهتهم ويردها بدليل، آية بآية حديث بحديث، سيرة بسيرة، وهكذا.. ولم يستثر، ولم ينفعل، لما انتقدوا شخصيته، بعض الخوارج لما رأوا ابن عباس قالوا: لا تناظروا هذا فإنه من قريش، هؤلاء الذي قال الله فيهم:  بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ  [الزخرف: 58] [مستدرك الحاكم: 2/164، رقم: 2656، والسنن الكبرى للبيهقي: 8/309، رقم: 16740]، ما غضب ابن عباس وقال: ما لي ولهم وتركهم وذهب، بل تحمل حتى أبلغهم الحق كاملاً.
قال الشافعي -رحمه الله-: قال رجل من الخوارج لعلي -رضي الله عنه- وهو في الصلاة: لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين، فقرأ علي:  فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ  [الروم: 60] [المنتظم في تاريخ الأمم والملوك: 5/130].
الإمام أحمد -رحمه الله- لما قال له المبتدع: ما تقول في القرآن؟ قال له أحمد: ما تقول أنت في علم الله؟ فسكت المبتدع [الرد على الجهمية والزنادقة، ص: 36]؛ لأنه يعلم ماذا وراء السؤال.
قال الإمام أحمد: فقال لي بعضهم: أليس قول الله -تعالى-:  اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ  [الزمر: 62]، والقرآن شيء، فقال الإمام أحمد: قال الله -تعالى-:  تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ  [الأحقاف: 25]، فإذًا بقيت أشياء ما أراد الله أن تدمر.
قال المبتدع: أليس قد قال الله:  إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا  [الزخرف: 3] أفيكون مجعولاً إلا مخلوقا؟
فقال الإمام أحمد:  فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ  [الفيل: 5] يعني: خلقهم؟ [الرد على الجهمية والزنادقة، ص: 37] وأنت تعلم -يا أخي- أن من معاني كلمة "جعل" صير.
مفاصلة رجل العقيدة للناس عند معصيتهم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
00:43:19
 ومن سمات رجل العقيدة: أنه يوقف الناس عند حدهم ويفاصلهم عندما يعصون رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، عن سعيد بن جبير: "أن قريباً لعبد الله بن مغفل -رضي الله عنه- خذف" فنهاه، وقال: "إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الخذف" الخذف أن يضع الإنسان الحجر بين أصبعيه ويرمي به، فقال: "إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الخذف"، وقال: إنها لا تصيد صيداً، ولا تنكأ عدواً، ولكنها تكسر السن، وتفقأ العين ، قال: فعاد، وأصر وخذف، فما رآه قال: "أحدثك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عنه ثم تخذف؟ لا أكلمك أبداً؟" [رواه مسلم: 1954].
رجل العقيدة صاحب عبادة:
00:44:09
 ورجل العقيدة صاحب عبادة، إيمانيته قوية، متصل بربه -عز وجل-، نأخذ مثالاً فقط، عثمان -رضي الله عنه-؛ لأن حياة عثمان -رضي الله عنه- حقيقة لا يهتم بها كثيراً مثلما يهتم بغيرها من الخلفاء، مع أنه رجل عظيم -رحمه الله-، قال عثمان -رضي الله عنه-: "لو طهرت قلوبنا ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي علي يوم لا أنظر فيه بالمصحف"، وما مات عثمان -رضي الله عنه- حتى تخرق مصحفه من كثرة ما يديم النظر فيه [تاريخ دمشق، لابن عساكر: 39/239]
وقال أنس ومحمد بن سيرين: قالت امرأة عثمان يوم الدار: اقتلوه أو دعوه فو الله لقد كان يحي الليل بالقرآن.
وكان رضي الله عنه لا يوقظ أحداً من أهله إذا قام من الليل ليعينه على وضوئه إلا أن يجده يقظان، وكان كثير الصوم، وكان يعاتب فيقال له: لو أيقظت بعض الخدم يساعدوك في الوضوء في قيام الليل؟ فيقول: لا، الليل لهم يستريحون فيه.
وكان إذا اغتسل لا يرفع المئزر عنه وهو في بيت مغلق عليه من شدة حيائه رضى الله عنه [ينظر: تاريخ دمشق، لابن عساكر: 39/235 - 236].
وتأمل في كلام ابن القيم -رحمه الله- وهو بعبر لك عن نفسية شيخ الإسلام ابن تيمية وعن اتصال ذلك الرجل بالله -عز وجل-، قال ابن القيم -رحمه الله-: "وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: أن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة.
وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت ملء هذه القاعة ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة.
أو قال ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير، ونحو هذا.
وكان يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ، وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى،والمأسور من أسره هواه.
ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال:  فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ  [الحديد: 13].
وعلم الله ما رأيت أحدا أطيب عيشاً منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً، وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً، وأسرهم نفساً، تلوح نضرة النعيم على وجهه" [الوابل الصيب من الكلم الطيب، ص: 48].
موازنة رجل العقيدة بين كافة نواحي التربية المختلفة:
00:48:28
 ورجل العقيدة يوازن في تلقيه وتربيته بين نواحي التربية المختلفة، فتربيته ليست علمية فقط فإنها قد تقسي القلب، وليست إيمانية فقط فإنها قد تقود إلى جهل يورد المهالك، وليست دعوية فقط فكيف يدعو الناس، كيف يهديهم من علمه ضعيف وإيمانه ضعيف.
إن جوانب تربيته لنفسه كاملة، وإنه يعلم أن التربية الإيمانية في غاية الأهمية، وأنه مهما بلغ من الشأن والعلو فإنه لا بد أن يهتم بقلبه، وهذا خلاف ما يعتقده بعض المتكبرين الذين يرون أن التربية الإيمانية مهمة للناشئة فقط، مع أنها مهمة للمتقدمين والمتأخرين، وأنه مهما قطع الإنسان مشواراً طويلاً في التربية فإنه لا يزال يحتاج إلى تقوية قلبه.
تركيز رجل العقيدة على بناء الأوساط الإيمانية وتنشئة القدوات:
00:49:35
 ورجل العقيدة يركز على بناء الأوساط الإيمانية التي من خلالها يتربى الناس، وعلى تنشئة القدوات التي من خلالها يتأثر الناس، وقته مملوء بطاعة الله -عز وجل-:  من أصبح منكم اليوم صائماً؟  قال أبو بكر: أنا،  من عاد منكم اليوم مريضاً؟  قال أبو بكر: أنا،  من تبع منكم اليوم جنازة؟  قال أبو بكر: أنا [رواه مسلم: 1028].
من ذ الذي يستطيع أن يجمع عيادة مريض وشهود جنازة وصيام يوم في نفس اليوم؟ أليس يدل على أن رجال العقيدة في ذلك الوقت كان يومهم الواحد مليئاً بأصناف الطاعات؟
"لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموت غداً ما قدر أن يزيد في العمل شيئاً" [سير السلف الصالحين لإسماعيل بن محمد الأصبهاني، ص: 988].
لو قيل لحماد بن سلمة: إنك ستموت غدا ما قدر أن يزيد في العمل شيئا؛ لأنه أصلاً هو الآن مشبع ببعض الأعمال الصالحة، ما يستطيع يزيد، هو مفترض أصلاً في نفسه أنه سيموت غداً.
إنكار رجل العقيدة للمنكر:
00:50:46
 ورجل العقيدة يعمل على إنكار المنكر.
وهذه نقطة مهمة جداً -أيها الإخوة-.
وما وصل المسلمون إلى ما وصلوا إليه إلا بسبب قيام البعض بفعل المنكر، وقيام آخرين بالسكوت عنهم، وقيام فريق ثالث بالإنكار إنكاراً خاطئاً، فحدث الشر والفساد.
فإنه يبدأ بالمهم، فالأقل أهمية إنكار، ويقدم الأمر بفعل الواجبات على النهي عن المحرمات إذا استوى الواجب والمحرم، وإلا فإنه يبدأ بالأعلى رتبة، والأكثر خطراً والأعلى شراً، وأشد انتشاراً بين الناس.
وهو كذلك يتدرج في الإنكار يداً ولساناً، وإنكاره بقلبه لا يفارق جميع الحالات.
وهو يفارق المجلس إن لم يستطع الإنكار.
وهو كذلك لا يأمر بمعروف إذا كان سيؤدي إلى منكر أكبر منه، ولا يأمر بمعروف إذا كان سيؤدي إلى فوات معروف أكبر منه، ولا ينهى عن منكر إذا كان سيؤدي إلى منكر أكبر منه، ولا ينهى عن منكر إذا كان سيؤدي إلى فوات معروف أكبر منه، وتفصيل هذه الحالات وغيرها في محاضرة بعنوان: "ضوابط في إنكار المنكر".
وهو صاحب هيبة بين أهل المنكر، لو رأوه لهابوه، عن سعيد بن جبير قال: "مر ابن عمر –رضي الله عنه- بفتيان من قريش قد نصبوا طيراً، وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: "من فعل هذا لعن الله، من فعل هذا؟ إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً" [رواه مسلم: 1958].
ورجل العقيدة يهتم بإنكار المنكر حتى آخر لحظة من حياته، ألم تر أن عمر -رضي الله عنه- نهى ذلك الشاب المسبل عن الإسبال وعمر على فراش الموت، "يا بن أخي ارفع ثوبك، فإنه أتقى لربك، وابقى لثوبك" [مصنف ابن أبي شيبه: 5/166].
وأوصى أبو موسى -رضي الله عنه- حين حضره الموت فقال: إذا انطلقتم بجنازتي فأسرعوا المشي، ولا يتبعني مجمر، ولا تجعلوا في لحدي شيئاً يحول بيني وبين التراب، ولا تجعلوا على قبري بناء، وأشهدكم أني بريء من كل حالقة أو سالقة أو خارقة قالوا: أو سمعت فيه شيئاً؟ قال: نعم، من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" [رواه أحمد: 19547، وقال محققو المسند: "إسناده حسن"].
تضحية رجل العقيدة بنفسه في سبيل الدين:
00:53:22
 ورجل العقيدة يضحي بنفسه في سبيل الدين، التضحية في سبيل الدين، هذا الدين لا يقوم بغير تضحيات.
وبعض القاعدين الكسالى يظنون أن الدين سيقوم بمجرد التعلم النظري لهذا الدين، حتى لو لم يؤدوا إليه أي خدمة، أو لم يضحوا في سبيل الدين بأي شيء، وهذا خطأ.
وأريد أن أنبه بهذه المناسبة -أيها الإخوة- على مسألة مهمة، بعض الإخوان الصالحين الطيبين الذين يعتقدون بعقيدة أهل السنة والجماعة ويدينون الله بها يظنون أن مجرد الاعتقاد بعقيدة أهل السنة والجماعة كافٍ في نصرة الإسلام؛ لأن الله سينصر الطائفة المنصورة وينجيهم.
ولكن مجرد الاعتقاد بعقيدة أهل السنة والجماعة من غير محاولة لنشر العقيدة، ومقارعة أهل البدع والإجرام بها، والتضحية في سبيل ذلك بالمال والنفس والوقت والجهد لن يؤدي إلى النصر؛ لأن لله سننا في الكون لا تتخلف، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- طريقته معروفة، آمن واعتقد، وعلم أصحابه العقيدة، ثم دعا إليها، وجاهد في سبيلها، وصبر في سبيل ذلك، وقعد يبحث عن مواطن جديدة للدعوة، وأخرج أصحابا له إلى الحبشة، وخرج هو إلى الطائف، ثم ذهب إلى المدينة وفتحت المدينة بالقرآن، ولم تفتح بالسيف.
القرآن مليء:  وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ  [البقرة: 82] أشياء كثيرة.
فإذًا، مجرد الاعتقاد لا يكفي، أنا أقعد، أقفل على نفسي الباب، وأعتقد عقيدة أهل السنة والجماعة وأقرأ وأحضر مجالس العلم وانتهينا، لا يا أخي، عن أبي برزة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في مغزى له فأفاء الله عليه" غنم "فقال لأصحابه:  هل تفقدون من أحد؟  قالوا : نعم، فلاناً وفلاناً وفلاناً، ثم قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: لا، قال:  لكني أفقد جليبيباً فاطلبوه  فطلب في القتلى فوجدوه إلى جنب سبعة قتلهم ثم قتلوه، فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فوقف عليه، فقال:  قتل سبعة ثم قتلوه، هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه  قالها مرتين أو ثلاثاً. ثم قال بذراعيه هكذا فبسطهما، قال: فوضعه على ساعديه فليس له سرير إلا ذراعيه، ساعدي النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: فحفر له ووضع له في قبره ولم يذكر غسله، حديث صحيح [رواه مسلم: 2472].
جليبيب قتل سبعة في سبيل ماذا؟ ثم قتل في سبيل ماذا؟
عن خباب بن الأرت -رضي الله عنه- قال: "هاجرنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سبيل الله، نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عمير".
مصعب بن عمير ماذا حصل له؟
مصعب بن عمير أسلم مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مكة، وجاهد والديه، وجاهد المجتمع، وأوذي في سبيل الله، وناله من الأذى شيئاً كثيراً، ثم يهاجر مصعب إلى المدينة يختاره الرسول -صلى الله عليه وسلم- لميزات في شخصيته، فيكون سبب انتشار الإسلام في المدينة، من أقوى الأسباب مصعب بن عمير، أسلم على يديه سادات الأنصار.
يخرج في معركة بدر ويقاتل، ويخرج في معركة أحد، ويحمل اللواء، ويقتل مصعب -رضي الله عنه-، ماذا جاءه من نعيم الدنيا؟
لما مات ياسر، وقتلت زوجه أم عمار ماذا نالت من الدنيا؟ ماذا نالت من المغانم؟
لا شيء.
مات هؤلاء في مقتبل الأمر، مات هؤلاء والمسلمين ما زالوا في مرحلة استضعاف، ضحوا ولم يروا نتائج التضحية.
بعض المسلمين الآن يستعجلون، يريدون أن يروا نتائج العمل الآن.
يا أخي: ربما لا ترى النتيجة إلا بعد أجيال، ربما لا تراها أنت أصلاً، ربما لا يراها إلا حفيدك أو حفيد حفيدك، وماذا يضيرك أن تعمل للإسلام، ولو رأى غيرك النتيجة لأنك لست مكلفاً إلا بالعمل.
"قتل يوم أحد، فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة، فكنا إذا وضعناها على رأسه، خرجت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه، خرج رأسه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ضعوها مما يلي رأسه، واجعلوا على رجليه الإذخر ، ومنا من أينعت له ثمرته، فهو يهدبها" [رواه البخاري: 4047، ومسلم: 940].
لكن الصحابة حتى لما فتح عليهم، وجاءتهم أموال يقعد الواحد منهم يحاسب نفسه ويبكي، ويقوم ويترك طعام الإفطار، يقول: "ومنا من أينعت ثمرته" هو الآن يتنعم، يحاسب نفسه فيبكي ويقوم ويترك طعام الإفطار.
عدم أخذ رجل العقيدة متاعاً دنيوياً مقابل تضحيته بنفسه:
00:58:43
 ورجل العقيدة إذا عمل في سبيل نصرة الدين، ويريد أن يضحي بنفسه لا يريد متاعاً دنيوياً، ويصر على أن لا يأخذ متاعاً دنيوياً، عن شداد بن الهاد قال: أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فآمن به واتبعه ثم قال: أهاجر معك، فأصى به النبي -صلى الله عليه وسلم- بعض أصحابه" يعينوه، يكفلوه، يربوه، ويعلموه، أعرابي، "فلما كانت غزوة خيبر غنم النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها شيئاً فقسم، وقسم له"، لهذا الأعرابي، الأعرابي ما كان موجود وقت القسمة كان مشغولاً "يرعى ظهور المسلمين، فأعطى الرسول -صلى الله عليه وسلم- نصيب الأعرابي لأصحابه، فلما جاءهم دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟" ما هذا المال؟ فقالوا: قسم لك النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأخذه فجاء به إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ما هذا؟ فقال: قسمته لك ، قال: ما على هذا تبعتك، ولكن تبعتك إلى أن أرمى هاهنا، وأشار إلى حلقه بسهم فأموت فأدخل الجنة، فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-:  إن تصدق الله يصدقك ، فلبثوا قليلاً ثم نهضوا في قتال العدو، فأتي به النبي -صلى الله عليه وسلم- هو محمول الأعرابي، وقد أصابه سهم حيث أشار، بعد المعركة، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  أهو هو؟  قالوا: نعم، قال:  صدق الله فصدقه ، ثم كفنه النبي -صلى الله عليه وسلم- في جبته، ثم قدمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: اللهم هذا عبدك خرج مهاجراً في سبيلك فقتل شهيداً، أنا شهيد على ذلك" [رواه النسائي: 1953، وقال الألباني: "صحيح" كما في صحيح الترغيب والترهيب: 1336].
معرفة رجل العقيدة بالتيارات التي تخترق مجتمعات المسلمين:
01:01:03
 ومن سمات رجل العقيدة كذلك: أنه يعي الواقع جيداً، ويلم به، وأنه رجل يعيش عصره لا يعيش متقوقعاً لا يعلم ماذا يحدث في بلاد المسلمين، وما هي التيارات التي تخترق مجتمعات المسلمين؟
إن لديه إلماماً بالتيارات التي تواجه المسلمين بأخطارها مثل: التيارات الإلحادية الصريحة، كالشيوعية والقومية، وغيرها، وكذلك تيارات الباطنيين، كالقاديانية والبهائية والحاكمية، وغيرها، وتيارات القوميين والعلمانيين الذي قال بعض قادتهم:
سلام على كفر يوحد بيننا  *** وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم
هؤلاء بعضهم لا يرفض الإسلام صراحة، ولكنهم يجعلونه ضمن دوائر خاصة، يجعلونه جزءاً من التراث، بحيث يشمل كل الفلسفات والأفكار والتقاليد والنظم مما قبل الإسلام أو بعده، سواء كان موافقاً للإسلام أو مخالفاً له، يريدون أن يحصروا الدين في الشعائر التعبدية، والأحوال الشخصية، والتزام الفرد بالأخلاق والآدب فقط.
وكذلك يدركون تيارت التبشير النصراني، وعبادات الفرد من دون الله.
وكذلك يدركون جيداً تيارات أهل البدع من أهل الاعتزال والكلام، وأخطر من يواجه المسلمين في هذا العصر من أهل البدع من جهة العقيدة، غير النصارى والعلمانيين والناس الذين ذكرناهم قبل قليل: الصوفية بفرقها والأشاعرة من ناحية الامتداد والتمركز، وذلك من خلال جامعتهم في العالم الإسلامي، ودروس مشايخهم، وطبع كتبهم، وتقريرها وتوفيرها، والترابط بين مذاهبهم.
علم رجل العقيدة بالواقع يقوده إلى عظم استشعاره للمسؤولية:
01:03:15
 ورجل العقيدة علمه بالواقع يؤدي إلى عظم شعوره بالمسؤولية تجاه الواقع، ما فائدة المعرفة بالواقع؟
أنه يؤدي إلى الشعور بالمسؤولية للتغيير.
إنه يعلم بأن هناك أكثر من ألفي مليون من البشر يعبدون آلهة وثنية من دون الله.
ويعلم بأن هناك أكثر من ستمائة مليون إنسان في الهند يقدسون البقر ويقولون: نموت فداءً للبقر.
ويعلم بالشيوعية وأهدافها، وأحزابها ودولها وهيئاتها التي تعمل ليكون العالم كله شيوعية.
ويعلمون عن اليهود وعقائدهم الذين أخبر القرآن عنهم أنه سبو الله فقالوا: يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ  [المائدة: 64].
وهم الذين قالوا: إن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استراح يوم السبت.
وهم الذين يقولون: إذا احتدم الخلاف بين الله والحاخاميين فإن الحق مع الحاخاميين.
وهم الذين يقولون: إن الأجانب غير اليهود كلاب يحل غشهم والمنافقة معهم عند اللزوم.
ويعلم رجل العقيدة مؤامرات اليهود في العالم، وكيف تنطلق أنشطتهم من البنوك والمصارف والاحتكار والمسارح والسينما والمطابع، ودور النشر التي تصدر كتبهم وصحفهم ومجلاتهم.
ويعلم بأن الغرب مشتغل بعبادة المال وتجارة الرقيق الأبيض والمخدرات والتميز العنصري.
وأن الغرب تنتشر فيه تيارات الهبية والسادية واللواطة وعبادة الشيطان، وأن أولئك الكفار لا يعرفون شيئاً اسمه: الخوف من الله.
وأن الحضارة الغربية والتقدم العلمي ما هو إلا من قول الله -عز وجل-: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ  [الروم: 7].
وصدق من قال: لقد تعلم الإنسان كيف يطير في الهواء ولكنه لا يدري بعد كيف يمشي على الأرض.
وعي رجل العقيدة بالمؤامرات التي تدبر في بلاد المسلمين:
01:05:07
 ورجل العقيدة يعلم بوعيه أن هناك مؤامرات تدبر في بلاد المسلمين ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، هو يعلم جيداً مثالاً من سيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أولئك المنافقين الذين بنوا مسجداً ليكون ظاهر الأمر للمسلمين أنه شيء طيب، ولكنه في الحقيقة يخفي وراءه عذاباً ونكالاً ومؤامرة على المسلمين، ولذلك يقول الله -عز وجل-: وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ  [التوبة: 107 - 110].
ولذلك أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بهدمه مع أنه مسجد، لكنه أمر أن يهدم، أمر أن يهدم ويحرق حتى قال بعض السلف: فهو الآن مزبلة؛ لأن هذه المؤامرات وهذه الدسائس لا تنطلي على الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وليس كل شيء ظاهره الطيبة يعني هذا خير للمسلمين، بل إنه قد يكون وراءه شر مستطير.
والمسلم ينفذ بعين بصيرته لما وراء تلك الجدران فيعلم ماذا يدور وماذا يخبأ للمسلمين؟
وقازان الذي انتحل شخصية رجل الدين وجاء معه بإمام وقاض ومؤذن، لم ينطلِ أمره على شيخ الإسلام ابن تيمية، وعى الأمر على حقيقته، وفتوى شيخ الإسلام في قتال التتار معروفة.
وفي العصر الحديث جاء نابليون إلى مصر، لبس الجبة وحضر مجالس العلماء، وصلى في الأزهر، وأفطروا على مائدته، وانطلى أمره على كثير من المسلمين.
تقدير رجل العقيدة للأمور وثقل التبعات:
01:07:40
 ورجل العقيدة يقدر الأمور، ويقدر أنها مسؤولية، ويعرف ثقل التبعات، ويقف عندما يحس بأن المسألة تحتاج إلى استعداد، عن أنس -رضي الله عنه- قال: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخذ سيفاً يوم أحد فقال:  من يأخذ مني هذا؟  فبسطوا أيديهم كل إنسان منهم يقول: أنا، أنا، قال:  فمن يأخذه بحقه؟  فأحجم القوم، فقال سماك بن خرشة أبو دجانة: أنا آخذه بحقه، قال: فأخذه ففلق به هام المشركين" [رواه مسلم: 2470].
تثبيت رجل العقيدة للناس وإشاعته للطمأنينة في النفوس المزلزلة:
01:08:15
 وفي المواقف الصعبة يظهر دور رجل العقيدة في تثبيت الناس، ويظهر دور تلك الشخصيات العظيمة في إشاعة أجواء الإيمان والطمأنينة في جنبات تلك النفوس المزلزلة، وهذا أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- صار ملجأ الناس لما تزلزلوا عند موت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكشفت تلك الحادثة عن قدرة ذلك الرجل وإيمانه وعلمه، قام بدور لم يقم به بقية الصحابة، فتشهد أبو بكر فمال إليه الناس وتركوا عمر، فقال: "أما بعد: من كان منكم يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله:  وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ  [آل عمران: 144].
قال: والله لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله قد أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس، فما اسمع بشراً من الناس إلا يتلوها في طرق المدينة [رواه البخاري: 1241] هم خارجون، كأنهم ما أحسوا أن الآية ما نزلت إلا في ذلك الوقت، مع أنها نزلت قبل. وهكذا كان دور الإمام أحمد -رحمه الله- في تثبيت الناس يوم المحنة.
تثبيت رجل العقيدة للناس في اللحظات الأخيرة من حياته:
01:09:41
 ورجل العقيدة يثبت نفسه، ويثبت غيره حتى اللحظات الأخيرة من حياته، لما حمل الإمام أحمد ومحمد بن نوح -رحمهم الله- قال الإمام أحمد بعد ذلك يحدث عن الموقف: ما رأيت أحداً على حداثة سنه، وقدر علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح، إني لأرجو أن يكون قد ختم له بخير، قال لي ذات يوم: يا أبا عبد الله، الله الله، إنك لست مثلي، أنت رجل يقتدى بك، قد مد الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك، فاتق الله واثبت لأمر الله، فمات، وفك قيده وغسله الإمام أحمد، وصلى عليه ودفنه يرحمه الله [ينظر: سير أعلام النبلاء: 11/242].
إذًا، هذا دور طالب العلم مع العالم، محمد بن نوح ماذا كان بالنسبة للإمام أحمد؟
علمه قليل وسنه صغير، أين دور طلبة العلم اليوم مع العلماء؟
في تثبيتهم وتوعيتهم وإمدادهم بالمعلومات عن الواقع.
إن طلبة العلم قد يكونوا في تقصير عظيم تجاه العلماء.
فالله الله يا طلبة العلم بالقيام بأدواركم مع علمائكم.
وانظروا إلى دور الرجل الذي يثبت الآخرين في كلام ابن القيم -رحمه الله- لشيخه، في كلام ابن القيم -رحمه الله- عن شيخه: "وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت بنا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة. فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها" [الوابل الصيب، ص: 48].
إذا ضاق الأمر بتلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية وأهل البدعة، كادوا لهم، ضاقت الأمور، كانوا يأتون شيخهم، ما أن يسمعوا كلامه حتى يزول الهم والغم، وينقلب انشراحاً وطمأنينة.
قيام رجل العقيدة بالدعوة إلى الله حيثما حل وارتحل:
01:12:00
 ورجل العقيدة داعية إلى الله -عز وجل- أينما حل وارتحل في كل مكان، ينشر العقيدة.
وهؤلاء رجال العقيدة الذين يدعون إلى الله، يدعون الناس سراً وجهاراً، وليلاً ونهاراً بشتى الأساليب، وشتى الأزمان.
إن أحدهم كان يقطع البلاد من بلد إلى بلد ومن قرية إلى قرية في عشرين يوماً، في بعض الأحيان يصبح في بلد ويتغدى في آخر، ويمسي في ثالث، وينام في رابع، وينام ساعة أو بعض ساعة في اليوم الواحد، وأصحابه يتحدثون حوله.
إن رجل العقيدة يدعو إلى الله في كل وقت حتى لو كان في السجن، انظر إلى يوسف -عليه السلام-:  يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ  [يوسف: 39].
وانظر إلى دور الإمام أحمد -رحمه الله- في السجن، وابن تيمية في السجن، وغيرهم.
لقد وصل الأمر أن بعض من كان من المساجين ممن كانت مدتهم تنتهي كانوا يختارون البقاء في السجن مع أولئك القدوات العلماء الصالحين، الدعاة من رجال العقيدة ليواصلوا تعلمهم.
تواجد رجل العقيدة حيثما تكون المصلحة للمسلمين:
01:13:15
 ورجل العقيدة يكون حيث تكون المصلحة، لا يتطلع إلى أشياء من الدنيا، ويقول: ضعوني هنا، ولا يعجبني هذا المكان، إنه يكون حيث تكون مصلحة الإسلام:  طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة، كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة  [رواه البخاري: 2887].
قال ابن كثير -رحمه الله- في البداية: كتب الصديق إلى عمرو بن العاص، يستنفره إلى الشام فقال له: إني كنت قد رددتك على العمل الذي ولاك به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وسماه لك مرة، وقد أحببت أبا عبد الله أن أفرغك لما هو خير لك في حياتك ومعادك، إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك، شوف الأسلوب التربوي في تحويل الأشخاص من مكان إلى آخر، فماذا قال عمرو بن العاص؟
كتب إلى أبي بكر: إني سهم من سهام الإسلام، وأنت عبد الله الرامي بها، والجامع لها، وأنت عبد الله الرامي بها والجامع لها، فانظر أشدها وأخشاها، فارم بي فيها، ضعني حيث تريد، أنا مستعد أعمل.
بعض الناس  يقال له: كن في هذا المكان، هذا أكثر فائدة يا أخي، هذه ثغرة، فيقول: لا، أنا ما ودي أكون فيها، هذه ما فيها إلا قلة، ما أحد يعرفني، ولا أحد يقدرني، أنا أريد أن أكون هناك حيث تشرئب إلي الأعناق.
لا حول ولا قوة إلا بالله.
استغلال رجل العقيدة لمنصبه ونفوذه ومواهبه في خدمة الدين:
01:14:50
 ورجل العقيدة يستغل طاقاته ومواهبه في خدمة الدين.
أيها الإخوة: إن الله يحاسب الناس على قدر طاقاتهم، فالله لا يحاسب الذكي مثل البليد، ولا يحاسب القوي مثل الضعيف، ولا يحاسب الشاب مثل الكهل الكبير، ولا يحاسب صاحب النفوذ والسلطان مثل الرجل مسلوب السلطان الذي ليس له قوة، ولا يحاسب الرجل الذي عنده قدرة على التداخل في نفوس الناس وإيصال الإيمان والدعوة إليهم مثل الرجل الذي ليست عنده تلك القدرة، انظر إلى مصعب بن عمير كيف استغل ذلك؟
ورجل العقيدة يستغل منصبه ونفوذه وسلطانه في دعم الدين، انظر إلى عمر بن عبد العزيز.
وحتى لو أتاه الله موهبة قرض الشعر فإنه يكتب الشعر لينافح عن دين الله -عز وجل-، ويهتك أستار أهل الباطل، انظر إلى حسان -رحمه الله-.
وإليك -يا أخي- هذا المثال العظيم الذي سطره التاريخ الإسلامي لرجل من رجال العقيدة استغل موهبته في خدمة الدين، قال القاضي بن شداد -رحمه الله- في سيرة صلاح الدين الأيوبي في إحدى الوقعات يقول: ومن نوادر هذه الوقعة ومحاسنها: أن عَوّاماً مسلما كان يقال له عيسى كان يدخل إلى البلد بالكتب والنفقات على وسطه ليلاً، على غرة من العدو، بلد المسلمين محاصرة، وكان يغوص ويخرج من الجانب الآخر من مراكب العدو، رجل من المسلمين ما هي، ما عنده من الموهبة؟ القدرة على الغطس والعوم، كان يستغل قدرته على الغطس والعوم في أي شيء؟ في أنه ينزل قبل مراكب العدو بمسافة ومعه هذه الأحمال إلى البلد المحاصرة، ويخرج بعدها بمسافة يمر من تحت مراكب العدو، ويدخل إلى ساحل البلد المحاصر بسفن العدو، البلد محاصرة من البحر، لا تأتي إليه المؤنة، هذا يأتي إليهم بالنفقات ورسائل من قائد الجيش.
وكان يغوص ويخرج من الجانب الآخر من مراكب العدو، وكان ذات ليلة شد على وسطه ثلاثة أكياس فيها ألف دينار، وكتب للعسكر، وعام في البحر، فجرى عليه من أهلكه، ومات هذا العوام، وأبطأ خبره عنا، فاستشعر الناس هلاكه، ولما كان بعد أيام بينما الناس على طرف البحر في البلد، وإذا البحر قد قذف إليهم ميتاً غريقاً، فافتقدوه فوجدوه عيسى العوام، ووجدوا على وسطه الذهب وشمع الكتب، وكان الذهب نفقة للمجاهدين، فما رؤي من أدى الأمانة في حال حياته، وقد أداها بعد وفاته مثل هذا الرجل، وكان ذلك في الشهر الأخير من شهر رجب في تلك السنة في أخبار تلك الوقعة.
رجل العقيدة يعمل ولو كان يجهله الناس:
01:17:56
 ورجل العقيدة يعمل ولو كان غير معروف، ولو كان يجهله الناس، ولكنه يعمل، لا يبتغي الشهر، ولا يبتغي المعرفة، وأن يشار إليه بالبنان، قال ابن كثير في البداية: ولما أخبر عمر بمقتل النعمان بكى وسأل السائل عن من قتل من المسلمين؟ فقال: فلان وفلان وفلان، ثم قال: وآخرون من أصناف الناس ممن لا يعرفهم أمير المؤمنين، من البلاد المتفرقة، والقبائل المتفرقة، لو قلنا أسمائهم لأمير المؤمنين ما عرفهم، فجعل عمر -رضي الله عنه- يبكي، ويقول: ما ضرهم أن لا يعرفهم أمير المؤمنين، لكن الله يعرفهم وقد أكرمهم الله بالشهادة، وما يصنعون بمعرفة عمر.
رفض رجل العقيدة لاستمالة أهل الضلال:
01:18:44
 ورجل العقيدة إذا تعرض لاستمالة من قبل أهل الضلال فإنه يأبى أن يترك الصف الإسلامي وينحاز إلى صفوف أهل الفجور والبدعة والمعاصي الذين يريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وأنت تسمع قصة كعب بن مالك ترى عظمة ذلك الصحابي -رضي الله عنه- لما فاضت عيناه؛ لأن الناس ما كلموه بناءً على أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم-، "فبينما أنا أمشي في سوق المدينة فإذا بنبطي من نبط أهل الشام يقول: من يدلني على كعب بن مالك؟ قال: فطفق الناس يشيرون إلي حتى جاءني فدفع إلي كتاباً من ملك غسان، وكنت كاتبا فقرأته، فإذا فيه: أما بعد: فإنا قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك، قال: فقلت حين قرأت هذا، هذا الآن الموقف، هذا الموقف يا جماعة، النفوس لا تظهر إلا عند مواضع الاحتكاك، إلا عند الفتنة هنا تظهر المعادن، فقلت حين قرأتها: وهذا أيضاً من البلاء، فتممت بها التنور، فسجرتها به، انتهت العملية.
متابعة رجل العقيدة للمهمات بنفس طويل:
01:20:00
 ورجل العقيدة صاحب نفس طويل في متابعة المهمة، انظر إلى سلمة بن الأكوع -رحمه الله ورضي الله عنه وأرضاه- بايع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة الحديبية ثلاث مرات، فلما نادى منادي المسلمين: يا للمهاجرين في الغزوة بعد الصلح قفز فجأة حال خطير استنفار وجد أربعة من المشركين ألقى القبض عليهم وأخذ أسلحتهم وجاء يقودهم إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم-، واحد يأسر أربعة يقوم يهجم عليهم صار شيء، استنفار، قبض على الأربعة أتى بأسلحتهم إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- في طريق أراد الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يصعد أحد الصحابة إلى جبل مرتفع ليكون الطليعة فينظر هل وراء الجبل أحد من المشركين، فصعده سلمة -رضي الله عنه- مرتين، وهو عائد إلى المدينة، لما قدموا المدينة أغار أناس على إبل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- قتلوا الراعي، وأخذوا الإبل، استنفر الناس، وأول واحد نفر سلمة بن الأكوع، الآن وصلوا إلى المدينة بعد ذلك المجهود العظيم، فجرى سلمة ورائهم وانتزع إبل الرسول -صلى الله عليه وسلم- واحداً واحداً، وانتزع منهم كذلك متاعاً لهم، وظل يطاردهم بالنبل، وجرحهم، وأجلاهم عن الماء، وتركهم عطاشاً حتى وصل فرسان الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فأخذوا المال كله.
وهو في الرجوع جاء واحد قال: من يسابق إلى المدينة؟ فسابقه سلمة -رضي الله عنه- سباقاً إلى المدينة فسبقه، كل هذا فعله في فترة، أشياء متتابعة تأخذ مجهوداً، لكن رجل العقيدة لا يعرف الكلل، ولا يعرف الملل، بل إنه لا يعرف إلا المتابعة والاستمرارية بالعمل.
اهتمام رجل العقيدة بضعفاء المسلمين وعوامهم:
01:21:42
 ورجل العقيدة يهتم بضعفاء المسلمين، وعوامهم، عن بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يعود مرضى مساكين المسلمين وضعفائهم، ويتبع جنائزهم، ولا يصلي عليهم غيره، وإن امرأة مسكينة من أهل العوالي طال سقمها، فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سأل من حضر من جيرانها وأمرهم، يعني: إذا ماتت أن لا يدفنونها إن حدث بها حدث حتى هو يأتي ويصلي عليها، فتوفيت تلك المرأة ليلاً، فاحتملوها وأتوا بها إلى مكان الجنائز، أذنوا رسول الله ليصلي عليها فوجدوه نائماً، ما أحبوا أن يزعجوه من الليل، فصلوا عليها هم ودفنوها، فلما علم عليه الصلاة والسلام صباح اليوم التالي قال: لم فعلتم؟ انطلقوا، فانطلقوا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى قاموا على قبرها فصفوا وراء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما يصف لصلاة الجنازة، فصلى عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
إذًا، اهتم بمن الرسول -صلى الله عليه وسلم- اهتم بمن؟
بامرأة عجوز من المسلمين، الآن بعض الناس ما يهتمون بالعجائز، يموت العجوز وقد لا يدرى عنه، وتتغير جثته في بيته، واحد يقول لي: هؤلاء أولاد فلان تركوا أبوهم في البيت وراحوا واشتغلوا وهو باق في البيت، من البيت للمسجد، مرة من المرات افتقده أهل المسجد يوماً يومين ثلاثة بحثوا عنه، في الأخير راحوا للبيت، وحطموا الباب، ودخلوا وجدوا الرائحة، الرجل متغير، ثلاثة أيام ما أحد سأل عنه ولا شاف، لماذا؟ أين الاهتمام بعامة المسلمين؟ أين الاهتمام بالضعفاء؟ أين الاهتمام بمن لا أهل لهم ولا ناس يسألون عنهم؟
في جنازة المساكين ما تجد إلا ناس يسيرين جداً، لكن لو مات رجل عظيم لوجدت الناس كلهم قد اجتمعوا، هل هذا عدل؟
مفاصلة رجل العقيدة للكفار وتميزه عنهم:
01:23:26
 وكذلك رجل العقيدة له موقف من الكفار، إنه يفاصلهم ويتميز عنهم في عبادتهم ما يقلد، لماذا لا نصلي في وقت شروق الشمس وغروبها؟ تميزاً عن الكفار في العبادة.
ويتميز عنهم في العقيدة، ويتميز عنهم في اللباس، ويتميز عنهم في المظهر، ويتميز عنهم في كل الأشياء، وفي الألفاظ، وكل ما اختصوا به من عادات فإنه لا يفعلها، ولا يقلدهم، يتميز عنهم.
وهو يفاصلهم، ولا يقدم وشيجة القربى على ماذا؟ على العقيدة.
انظر إلى هذه الحادثة العجيبة، الحديث الصحيح في وفاة أبي طالب، لما توفي أبو طالب أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- من المتكلم؟ علي بن أبي طالب، فقلت، انظر ماذا قال علي الغلام الصغير للرسول -صلى الله عليه وسلم-؟ من الذي مات؟ أبوه مات، ماذا يقول علي؟ يقول مخاطباً الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "إن عمك الشيخ الضال قد مات، فمن يواريه؟" قال عليه السلام:  اذهب فواره، ولا تحدث شيئاً حتى تأتيني  فقال علي -رضي الله عنه-: إنه مات مشركاً؟
يا جماعة، والله شيء مذهل، هذه التربية النبوية، أين الآن العالم؟ كيف يتربى أطفالنا وغلماننا؟ هذا الغلام علي -رضي عنه- يقول: لكنه مات مشركاً؟ كيف أدفن مشركاً؟ فيعود عليه السلام ويقول:  اذهب فواره ، قال: فواريته ثم أتيته، قال:  اذهب واغتسل ثم لا تحدث شيئاً حتى تأتيني   قال: فاغتسلت ثم أتيته، قال فدعا لي بدعوات ما يسر لي بها حمر النعم" حديث صحيح رواه الإمام أحمد [رواه أحمد: 1093، وقال محققو المسند: "إسناده ضعيف"، وقال الألباني: "وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير ناجية بن كعب وهو ثقة" كما في الإرواء: 717].
صدع رجل العقيدة بالحق وإعلانه للإسلام أمام الكفار:
01:25:10
 ورجل العقيدة له موقف من الكفار في الصدع بالدين، وإعلان الإسلام، وأنتم تعرفون قصة أبي ذر في الصحيحين، تعرفون أنه لما قال له عليه السلام لما أسلم: ارجع إلى قومك، قال: لا، سأذهب إلى كفار قريش "لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فثار إليه القوم فضربوه حتى أضجعوه على الأرض، أتى العباس فأنقذه، في اليوم التالي يرجع أبو ذر فيعاود نفس العملية [رواه البخاري: 3861، ومسلم: 2474]؛ لأنه يريد رجل العقيدة أن يعلن العقيدة على ملأ الكفار.
فطنة رجل العقيدة ونباهته:
01:25:49
 رجل العقيدة ليس بخب ولا يخدعه الخَب، ليس بغادر لئيم مكار، وفي نفس الوقت لا يسمح لمخادع مكار لئيم خبيث أن يلعب عليه ويخدعه.
رجل العقيدة رجل نبيه، لما سار عمرو بن العاص -رضي الله عنه- بجيشه إلى الرملة وجد الروم وجيشه عليهم الأرطبون، وكان أدهى الروم، وقد وضع بالرملة جنداً عظيماً، فأقام عمرو -رضي الله عنه- مع الجيش بأجناده لا يقدر من الأرطبون على سقطة ولا تشفيه الرسل، يرسل الرسل أخباراً عن ملك الروم لكنها غير كافية، قرر يوماً عمرو بن العاص -رضي الله عنه- أن يذهب بنفسه وهو أمير الجيش على أنه رسول لملك الروم يدخل في عسكرهم ويرى، فدخل على أنه رسول، وبلغ الرسالة لملك الروم، وسمع كلامه، وتأمل حضرته، وعرف ماذا يدور، الذي يريده عرفه، الأخبار، فقال الأرطبون في نفسه وكان داهية، قال الأرطبون: والله إن هذا لعمرو أو أنه الذي يأخذ عمرو برأيه، وما كنت لأصيب القوم بأمر هو أعظم من قتل هذا الرجل، لأن بعض الكفار عندهم خبرة، ماذا فعل، الملك هذا القائد نادى حرسه، همس بأذنه قال: إذا مر بك هذا الرجل رسول المسلمين هذا، روح اختبئ في الموضع الفلاني إذا مر بك فاقتله.
عمرو -رضي الله عنه- فطن، عرف المسألة، عرف المسألة فيها خديعة، فماذا قال للأرطبون، قال: "أيها الأمير إني قد سمعت كلامك" يعني: المراسلة التي كلمتك عنها، "وسمعت كلامي، وإني واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب لنكون مع هذا الوالي" يعني: عمرو بن العاص "نشهد أموره، وإني قد أحببت أن آتيك بهم ليسمعوا كلامك" ويروا ما رأيت أنا، أجيب لك العشرة كلهم، حتى كلنا نكون عندنا شهداء على هذا الكلام، فقال الأرطبون: "نعم، فاذهب فأتني بهم"، ودعا رجلاً فقال: قل للحرس، قل له: لا يقتل هذا الرجل، يجيب لنا العشرة غنيمة، عشرة أحسن من واحد، فخرج عمرو بن العاص فسار من الجيش ووصل إلى جيشه فدخل فيه، ثم تحقق الأرطبون أن هذا هو عمرو بن العاص، فقال: خدعني الرجل هذا والله أدهى العرب [البداية والنهاية: 7/64].
وحتى إرهاب الكفار والكذب في الحرب، يقول ابن كثير -رحمه الله- في البداية قال خالد لماهان في مقابلة جرت بينهما: إنه لم يخرجنا من بلاد إلى ما ذكرت غير أنا قوم نشرب الدماء، وأنه بلغنا أنه لا دم أطيب من دم الروم فجئنا لذلك، فالناس سمعوا الروم فقال أصحاب ماهان: هذا والله ما كنا نحدث به عن العرب [تاريخ دمشق: 2/147].
اعتقاد رجل العقيدة أن المستقبل للإسلام:
01:28:33
 وختاماً: فإن رجل العقيدة يعلم بأن المستقبل للإسلام، ويعلم بأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخبر بأحاديث كثيرة على أن المستقبل للإسلام، ومنها:  بشر هذه الأمة بالسناء والتمكين في البلاد والنصر والرفعة في الدين ومن عمل منهم بعمل الآخرة للدنيا فليس له في الآخرة نصيب  [رواه أحمد: 21222، وقال الألباني: "إسناده حسن"].
هذا الكلام -أيها الإخوة- مهم جداً أن نعلم بأن المستقبل للإسلام، لماذا؟
لأنه عندهم القنابل وعندهم الطائرات، والآن الناس يقولون: مستحيل يخرج اليهود من فلسطين، وعندهم السلاح! وعندهم.. !، وعندهم..!
ولكن أسأل سؤالاً: كم صار الروم في القدس في الماضي؟ كم سنة احتلوا القدس؟
قرابة تسعين عاماً.
الآن اليهود كم احتلوا فلسطين؟ حوالي أربعين سنة.
فإذًا ما بعد فقدناه.
يعني: إذا في الماضي جلس النصارى في القدس تسعين عاماً ثم أخرجهم المسلمون في النهاية، كانوا في ضعف ثم قيض الله للأمة صلاح الدين أخرجهم، يعني: هل هو عزيز على الله أن يخرج في الأمة قائداً ربانياً يجتمع عليه المسلمون فيخرجون اليهود؟
وكذلك مر في التاريخ الإسلامي أشياء سوداء جداً، المسلمون في غاية الضعف، أنتم تعرفون كيف كان التتر والمغول يفعلون في المسلمين في البداية قبل أن يدخل فيهم الإسلام ما كان واحد من التتر يدخل حياً من أحياء المسلمين ويقول وما أحد يتكلم من المسلمين في ذل فيقول: اجتمعوا يا أهل الحي، فينزلون كلهم يجتمعون ما يتخلف منهم رجل واحد، فيقول لأحدهم: ضع رأسك على صخرة، فيضع رأسه على صخرة، ويقول لرجل آخر من المسلمين: خذ هذه الصخرة الأخرى ورض بها رأس صاحبك، فلا يملك ذلك المسكين إلا أن يأخذ الصخرة ويرض بها رأس صاحبه، وهكذا يفعل لهم واحداً واحداً حتى يفنيهم، وهو واحد؛ لأن الذل عم المسلمين، ولكن مع ذلك صد المسلمون بعد مدة حملات التتر.
فإذًا -أيها الإخوة-: المستقبل الإسلام، ومهما كاد الكائدون، ومهما حاول أهل الشر والبغي، ومهما خطط المخططون، أيضاً المستقبل للإسلام.
انظروا إلى التاريخ الإسلامي المعاصر كم ضربة وجهت للإسلام والمسلمين؟ كم خطة أعدت؟ كم محاولة جرت؟
ومع ذلك تزداد الصحوة الإسلامية.
الحمد لله.
هذا يا جماعة ديننا دين عظيم، ديننا يحمل في طياته عناصر استمراريته وهيمنته:  وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ  [التوبة: 32].
وصلى الله على نبينا محمد.
 
  • نبيل

    شكرا