الإثنين 20 ذو القعدة 1440 هـ :: 22 يوليو 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

التنافر والتجاذب في العلاقات الشخصية


عناصر المادة
مقدمة:
أسباب التنافر في العلاقات بين الناس:
 ضعف الإيمان:
سوء الظن:
النظرة المادية الموجودة في المجتمع: 
حب الرئاسة:
عدم المصارحة:
فضل الاصلاح بين المتخاصمين في الشريعة:
حث الاسلام وحرصه على الاصلاح بين الناس:
الموعظة:
التجاذب:
أنواع التجاذب:
التجاذب لأمور مادية:
التجاذب لأجل التقارب في الطباع:
التجاذب لأجل المعاصي والفواحش:
التجاذب لأجل العشق والتعلق المحرم: 
شرع الله أمان لأهل الأرض:
الأسئلة:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مقدمة:
00:00:17
 هذا الموضوع -أيها الإخوة- يدور حول فقرة من الفقرات التي تناولها حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في دلائل الإيمان، وهذه الفقرة هي قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح:  وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله  [رواه البخاري: 16، ومسلم: 43].
وهذه القضية تتكون من شقين أريد أن أتناولهما بالكلام معكم في هذه الليلة.
الشق الأول: التنافر الذي يحدث بين النفوس عندما تتقابل في وسط واحد.
والشق الثاني: التجاذب الذي يحدث بين بعض النفوس عندما تتقارب في الوسط الواحد.
من أكثر المشاكل التي تواجه فريضة الأخوة في الله في واقعنا ما يحدث بين بعض الشباب من التنافر أو التجاذب، ولكل منهما إيجابيات وسلبيات.
التنافر لا خير فيه، ولكن التجاذب هو الذي أقصد بكلامي أن فيه إيجابيات وفيه سلبيات.
ونظراً لكثرة المشاكل الحادثة في هذا الموضوع نريد أن نسلط عليه بعض الضوء.
أسباب التنافر في العلاقات بين الناس:
00:03:08
 ضعف الإيمان:
00:03:08
 أما التنافر فإنه يكون بأسباب؛ منها: ضعف الإيمان.
ولذلك تجد أنه لو التقى أخوان شابان -مثلاً- اثنان أو اثنتان في وسط واحد، فحدث بينهما تنافر، فإن هذا التنافر وهذا الكُره الذي يقوم في نفس كل واحد منهما، أو نفس واحد منهما له أسباب.
أنت عندما تنفتح على مجموعة من الناس له أسباب، تدخل -مثلاً- مركزاً من المراكز الصيفية، أو مدرسة من المدارس، أو مجتمعاً من المجتمعات، فإنك تحس بالقرب من أناس، وبالابتعاد عن أناس آخرين.
بعض الناس يهجر أخاه لأدنى سبب من أسباب الابتعاد، ولا يبالي بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث  [رواه البخاري: 6073، ومسلم: 2560].
فهناك الآن من الناس من يظن أو يُحسب على قائمة المتمسكين بهذا الدين قد هجر أخاً له أو صاحباً ليس في ذات الله، وإنما لهوىً يحدث في نفسه، فمثلاً: يحدث بينهما اختلاف في وجهة نظر حول قضية من القضايا، كيف نطبّق أمراً من الأمور؟، أو كيف نسلك سبيلاً لحل مشكلة ما؟، فيكون هذا الخلاف في الرأي مفسداً للود، مفرّقاً لهذا الإخاء الذي من المفترض أن يقوم في النفوس.
مع أن السبب تافه في بعض الأحيان، يكون الشيء يسيراً جداً، لكنه يولّد مفسدة عظيمة من الفرقة والاختلاف - كما قلت- يكون السبب ضعف الإيمان في نفس أحدهما أو كلاهما.
الآن  الأرواح جنود مجندة  [رواه البخاري: 3336، ومسلم: 159].
وأهل الإيمان يلتقون، وينجذب بعضهم إلى بعض، ولو كانوا لا يعرف بعضهم بعضاً.
أليس يحدث أحياناً في موسم الحج -مثلاً- أن تلتقي بأخ لك من الباكستان، أو من الهند، أو من أندونيسيا، أو من ليبيا، أو من أوروبا، فيحدث أثناء الكلام، عندما تستمع ما لديه، انجذاب فيما بينك وبينه بسبب الأخوة الإيمانية الحاصلة، إذا ضعف الإيمان عند أحدهما فإنه لن ينجذب إلى الآخر الذي قوي إيمانه في بعض الأحيان؛ لأنه في بعض الأحيان الأخرى قد يحبه من باب أن يستفيد منه، أو يقتدي به، أو أنه يجده ضالاً ومنقذاً له من حمأة المجتمع السيئ الذي يعيش فيه.
فالآن لو أن إنساناً لاحظ أن بينه وبين أخيه نوعاً من التنافر، عليه أن يبحث عن السبب، ما هو السبب؟
قد يكون الضعف في الإيمان هو الذي أدى إلى هذا التنافر بينهما، لو قوي الإيمان لارتفع هو وأخوه فوق مستوى الخلافات في الآراء، وفوق مستوى النزغات التي ينزغها الشيطان، لذلك الله -عز وجل- يقول: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ [الإسراء: 53].
هناك نزغات يحدثها الشيطان هكذا في نفس كل واحد منهما.
سوء الظن:
00:07:30
 من الأسباب مثلاً: سوء الظن.
فترى واحداً من هذين الأخوين مثلاً عندما يرى تصرفاً من أخيه يقول: هذا ما عمل التصرف إلا ليضرني، هذا ما تقدم علي بالكلام في المجلس إلا لكي يعزلني على جنب ويستلم هو صدارة المجلس ويكون هو المتحدّث الرسمي باسم الدين مثلاً في ذلك المجلس.
ويقول: أخذ علي الوقت كله، ولم يترك لي فرصة للكلام، لماذا؟ إذن هو يريد أن يجعلني إنسان لا قيمة له بين هؤلاء الجالسين، وقد يكون الشخص الأول قصده طيب، رأى نفسه منطلقاً في الكلام ورأى الحاضرين تأثروا بكلامه جلس يتحدث ويتكلم، ولم يخطر باله لحظة واحدة أن يقصد بإطالة الكلام أن يجعل ذلك الشخص معزولاً منبوذاً عن هذا المجلس، فيأتي الشيطان فيسوّل لهذا الشخص، ما قصد بهذه الحركة إلا كذا! وهكذا كثير.
مثلاً يحدث تصرف من التصرفات، كلمة يقولها واحد لآخر، فيسمعها الشخص المقصود الذي يسيء الظن فيفسرها كل التفسيرات السيئة إلا التفسير الحسن الذي قد يكون هو القريب من الواقع فعلاً.
ولذلك الله -عز وجل- نبّه المؤمنين إلى هذه المسألة في سورة الحجرات، وقال الله أن الظن:  إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات: 12]. لأن هناك ظناً شرعياً مثل غلبة الظن الذي تبنى عليه كثير من الأحكام الشرعية.
مثل أن الإنسان عندما يرجح في الصلاة أن التي صلاها أربعاً وليست ثلاثاً فإنه لا يأتي برابعة، لا يأتي بركعة زائدة، وإنما يبني أو يعتمد على ما غلب على ظنه من رجحان أن تكون التي أتى بها هي الركعة الرابعة فلا يزيد.
هذا الآن ليس موضوعنا، موضوعنا عن ظن سيئ يقوم في بعض النفوس من أمثلته: تفسيرات سيئة لبعض الكلمات والتصرفات تسبب التنافر والابتعاد.
النظرة المادية الموجودة في المجتمع: 
00:10:07
 أحياناً يكون سبب التنافر غير شرعي أيضاً مثل أن يقول: إن فلاناً منظره ليس جميلاً، أو أن هندامه ليس أنيقاً، أو أن مركبه ليس وثيراً وهكذا، فيحدث نوع من التباعد وخصوصاً عندما يكون الإنسان من طبقة اجتماعية معينة فيها غنى أو ثراء فإنه تراه يحس نحو بعض الذين دونه في الطبقة الاجتماعية ودونه في الغنى والثراء أنهم بعيدون عنه، وأنه فوق، وأن هؤلاء تحته بمنازل.
كيف يمكن أن تحدث الأخوة في الله بين الذي ينظر هذه النظرة المادية؟
ولذلك ترى بعض الناس يتقاربون ممن هم في طبقتهم الاجتماعية أو مثلهم في الغنى والثراء تقارباً زائفاً قد يبدو في الظاهر أنه أخوة في الله لكنه ليس أخوة في الله.
هذا السبب من أسباب التنافر وهو النظرة المادية أيضاً من الأشياء التي يجب أن تعالج في النفس ومجتمع الرسول -صلى الله عليه وسلم-، من عظمة هذا المجتمع أنك تجد فيه أثرى الناس وأفقر الناس يجتمعون مع بعضهم البعض يقاتلون صفاً واحداً ويحضرون مجالس العلم المختلفة.
لا يأنف عبد الرحمن بن عوف أن يجلس بجانب بلال، وهكذا.
لكن عندنا الآن في مجتمعاتنا قد يحدث هذا، وقد يرى بعض المتفوقين دراسياً أنهم أرقى عقولاً أو أذهاناً أو قوة في التفكير من أناس آخرين من البسطاء المتخلفين في الدراسة فيجد كيف يمشي مع هذا الشخص؟، لا بد أن يمشي مع أشخاص متفوقين دراسياً، ولذلك فهو يبتعد عن الضعفاء، والرسول صلى الله عليه وسلم بين كما ورد في صحيح البخاري:  ابغوني الضعفاء، إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم [رواه البخاري: 2896].
أحياناً في بعض الأنشطة الإسلامية بعض الشباب يحتقر ناساً من البسطاء الموجودين في هذا النشاط، وقد يكون هؤلاء البسطاء هم السبب أو من الأسباب الكبيرة في توفيق الله لهذا النشاط الإسلامي؛ لأن الله مع الضعيف.
لماذا يستجاب دعاء المظلوم؟ لماذا يستجاب دعاء المسافر؟ لماذا يستجاب دعاء المريض؟
لأن الذي يجمعهم هو الضعف الذي يحصل لهم بسبب وجودهم في هذه الحالات التي سببت ضعفهم.
المسافر بسبب غربة ومشاق السفر، يصبح ضعيفاً فيه ذلة، المريض أيضاً فقد صحته وهو يرى الأصحاء، فيه نوع من الذلة والمسكنة، المظلوم مقهور مغلوب، فيه نوع من الذلة والمسكنة، ولذلك يستجاب لهم كما بين ابن القيم -رحمه الله- في تحليل رائع في مدارج السالكين لهذه النقطة.
فإذن تنافر بعض الشباب عن آخرين بسبب تفوقهم عليهم في بعض النقاط المادية سبب ليس بشرعي للتنافر ولا الإعراض ولا الهجران.
ويجب أن تتلمس هذه الأسباب في النفوس، وكل واحد منا مسئول عن النزعات التي تقوم بنفسه.
حب الرئاسة:
00:14:21
 أحياناً يكون سبب التنافر حب الرئاسة، وهذا سبب دقيق، وهي الشهوة الخفية التي جاء التعبير عنها في بعض الآثار، حب الرئاسة؛ هذا يريد أن تكون له القيادة، وأن تكون له الريادة، وأنه يجمع في يده زمام أكبر عدد ممكن من المسؤوليات، وقد يكون صاحب شخصية قوية، والشخصيات القوية في الغالب تنزع هذا المنزع.
وعندما يجتمع مجموعة من الناس في وسط فإن الأمر لا يخلو أن يوجد أكثر من واحد صاحب شخصية قوية، وأكثر من واحد يريد أن تكون له القيادة ويريد أن يستلم الريادة ويريد أن يكون هو الذي يوجه ويسير دفة الأمور.
والعادة أن هذه الشخصيات لا تتنازل بسهولة عن آرائها، ولا ترضى بسهولة أن يمشي أو تطبّق فكرة شخص آخر غير هذا الشخص، وعندما يجتمع اثنان على الأقل من هذه النوعية كل منهما يريد أن تكون له الكلمة، يحدث بينهما تنافر وابتعاد، ويرى كل منهما أنه أهل لأن يكون في هذا المكان.
ولذلك ترى حالة هذا الوسط المصغر الذي نتكلم عنه والذي وضعنا الآن شريحته تحت المجهر، إما أن يكون الصراع قائماً محتدماً لفترة طويلة من الوقت، حتى يهدي الله أحدهما أو كلاهما أو أنك تجد واحداً استطاع أن يسيطر على الموقف ويقهر الآخر، فيضطر الآخر للخروج من الساحة، أو أن يقبع ساكتاً طيلة الوقت.ويكون ما بينهما من الضغينة والبغضاء شيء كثير جداً.
عدم المصارحة:
00:16:39
 هذه طائفة من الأسباب التي تولد التنافر، أحياناً يكون هناك سبب نفسي، تجد تفسير هذا السبب فيه بعض العبارات التي يبغضها البعض، فتجد واحداً يقول: يا أخي أنا ما أرتاح لفلان، ما أرتاح لطريقته، ما أرتاح لكلامه، لا أرتاح لإلقائه، أنا عندما يتكلم أريد أن أسد أذنيّ، أنا عندما يأتي في المجلس، أود أن أفارقه بأقصى سرعة، لا أريد أن أقع له على أثر، ولا أرى له منظر، ولا أسمع له خبر، وهكذا.
يجب أن لا تقف المسألة عند هذا الحد، بعض الناس أحياناً يقولون: ما دام وصلنا إلى هذا، الشكوى لله، إذن اجتنب هذا الشخص، ويذهب كل منكما في طريق آخر وفي سبيل آخر، لكن المشكلة لم تُحل.
ولذلك ينبغي أن يدقق وتحلل هذه المواقف، ما هو السبب وراء هذه القطيعة وهذا التنافر؟ هل هو مواقف؟
أحياناً يكون السبب موقفاً من المواقف حصل ينبني عليه كره وبغضاء شديدة جداً.
أحياناً يكون الموقف فعلاً خطأ، واحد أخطأ فعلاً، ولكن ينبني على هذا الخطأ خطا أكبر منه وهو الكره الذي يحصل في نفس هذا المخطأ عليه، أليس يحدث أو قد حدث لكل واحد منا مثلاً في حياته الدراسية أنه في حصة من الحصص مثلاً قد اختار المدرس، بدأ يختار المدرس مجموعة أو واحداً من الطلاب لكي يقول رأيه في مسألة، يطرح موضوعاً ويقول: تكلم يا فلان.
كل الطلاب يرفعون أيديهم، وهو ينتقي: تكلم يا فلان، تكلم يا فلان...
أليس قد حدث مرة من المرات أو أكثر من مرة أنك عندما تكون لست الشخص الذي يختارك المدرس للكلام في ذلك الموقف أن تحس أن هذا المدرس يتقصدك، وأنه لا يريدك أن تتكلم عمداً، وإلا لانتقاك؟.
ويكون في نفسك شيء من البغضاء لهذا المدرس، لماذا سمح لفلان وفلان بالكلام، ولم يفسح لي المجال أنا للكلام؟ لماذا؟ أليس قد حدث هذا؟
قد يكون المدرس فعلاً هو بهواه وميوله الذاتية أو الشخصية قد انتقى الناس الذين يميل إليهم ليفسح لهم المجال للكلام، وقد يقول إنسان: معذور جداً، وأن وقت الحصة أو الوقت المقرر لمناقشة هذا الموضوع في الحصة حقيقة وواقعاً وعقلاً لا يكفي ولا يستوعب كل طلاب الفصل، ولذلك فهو انتقى انتقاءً عشوائياً مثلاً، وليس هناك سبب معين لأن يحرم طالباً من الكلام، ولكن ذلك الطالب قد لا يكون عنده فقه في المسألة، فيتصور أنه متقصّد، فيعادي هذا المدرس، ويكره هذا المدرس، ويكون هذا الموقف الواحد سبباً في أن تتراكم الكراهية في نفس هذا الطالب، وأن يفسر كل التصرفات التي تحدث بعد ذلك من هذا المدرس على أنه هو مُتقصَد فيها.
هذه صورة، ولكن ما يحدث في واقع الأخوة في الله كثير جداً في هذا الجانب.
ولذلك نحن ندعو دائماً ونقول: يا أيها الشاب إذا أحسست ببعض المواقف مما أذكره لك الآن فلا تتردد لحظة واحدة في إجراء عملية مهمة جداً وهي: "المصارحة".
كثير من النفسيات في كثير من الأحيان تفضل تخزين المواقف في الداخل، ولا تصارح البتّة، ولا تقول مطلقاً ماذا يعتلج في داخلها، ولا يأتي ويصارح، ويقول: يا أخي لقد حدث منك تصرف في وقت كذا وكذا، وأنا الصراحة، أقول لك الصراحة أنني فهمت منه كذا وكذا، قد يكون هذا من الشيطان وقد يكون هذا أنت فعلاً قصدته فأنا أريد أن توضح لي الأمر وأن تبيّن.
كثير من الناس ليس عندهم هذا الأسلوب وهذا المنهج، منهج المصارحة، وبسبب فقدان هذا المنهج؛ منهج المصارحة فإنك تجد النقاط السوداء تتراكم في النفس حتى تكوّن بركاناً ينفجر يوماً من الأيام.
والصحابة -رضوان الله عليهم- عندما نستعرض واقعهم، عندما نستعرض واقع بعض الصحابة نجد أن الأمر بينهم فيه مصارحة وفي معاتبة، فتجد الواحد منهم لو صار بينه وبين أخيه شيء جاء يعاتبه عما حصل، والآخر يعتذر إليه.
في كثير من الأحيان نحن نفتقد إلى المعاتبة والاعتذار، قد تحدث معاتبة ومصارحة قليلاً من الأحيان، وقد تواجه بخطأ آخر وهو عدم الاعتذار وعدم التبرير الواضح، وإذا لم يكن هناك تبرير واضح، فمن أين تأتي الراحة؟
ولذا أوصيكم إخواني: إذا وجد أحدكم شيئاً في نفسه على أخيه، في موقف من المواقف، كلمة من الكلمات، حدث من الأحداث أن يبادر، لا يسكت ولا يؤجل لأن الأثر يبقى في النفس والموضوع يبرد، وإذا برد الموضوع لن يتجرأ ولن يكون هناك حماس في فتحه مرة أخرى، ولكن النقطة السوداء بقيت في النفس.
فالبدار البدار إلى المصارحة وإلى فتح النفس، وتقول له معاتباً: أنا أعتب عليك يا أخي في هذا التصرف، وأنا كلي آذان صاغية لأسمع عذرك.
بعض الناس قد يخجل -أقول يخجل ولا أقول يستحي- يخجل من المصارحة، وخصوصاً عندما يكون الشخص الذي يظن أنه أخطأ عليه أكبر منه سناً.
ويبدأ الكره ينبض في قلبه، ولا يستطيع أن يكلمه، ونجد أمثلة كثيرة جداً لهذه النقطة بين بعض الآباء وبعض الأولاد، كثير من الأولاد عندما يجتمع مع أقرانه يبث إليه أشجاناً أو شجوناً كبيرة وعظيمة، ويفتح له صدره على مكنونات سوداء تجاه أبيه، لماذا لا يصارح الولد أباه؟ لهذا السبب، قد يكون لفارق السن يجد أنه لا يمكن أن يفاتح أباه، قد تكون شخصية الأب غير متفهمة.
ولكننا في كثير من الأحيان نفتقد إلى الجرأة، ولو أننا فعلنا المصارحة أو المعاتبة مرة واحدة لانكسر ذلك الجدار من الخجل أو من الهيبة.
أحياناً الواحد يقول: كيف أنتقده في وجهه؟ كيف أقول له: أنت فعلت لي كذا وأنا فهمت كذا.
نقول: اكسر الحاجز أفضل من أن تتراكم الكراهية في قلبك.
ما هو موقفنا نحن من حالات التنافر؟ نحن قد نرى في الواقع، قد نرى في الأوساط التي نعيش فيها، في المدارس، في الجامعات، في البيوت، في الديوانيات والمجالس قد نرى حالات تنافر، في وسط أقربائنا قد نرى حالات من التنافر، ما هو موقفنا من هذه الحالات؟
فضل الاصلاح بين المتخاصمين في الشريعة:
00:25:37
 من الإنجازات العظيمة -الإنجازات العظيمة- وأقولها وأنا واثق من هذه الكلمة "الإنجازات العظيمة" أن تؤلّف أو توفّق وتقرّب بين اثنين متنافرين؛ لأن المسألة صعبة جداً أن تجمع اثنين متنافرين.
والله -عز وجل- قال لرسوله -صلى الله عليه وسلم-:  لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ  [الأنفال: 63]. ولذلك المرتزقة الذين يقاتلون في كثير من الأصقاع ضد الإسلام أو في الصراعات التي تدور في العالم.
حقيقة ليسوا بمؤتلفين، حقيقة قلبياً ليسوا بمؤتلفين، ربما لو أنه قتل صاحبه بجانبه لا يتأسف عليه؛ لأن المهم أن يستلم الراتب في النهاية، أو يستلم هذا الارتزاق الذي يزعمه.
ولكن الأخوة في الله، المجتمع المسلم، الأخوة الإسلامية ليس فيها شيء من هذا.
حث الاسلام وحرصه على الاصلاح بين الناس:
00:26:48
 أولاً: نجد في الإسلام أشياء تساعد على التقريب بين المتنافرَين أو المتنافرِين.
مثلاً: وضح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح أنه ليس من الكذب أو ليس من الفساد، وليس من الإثم أن تكذب للإصلاح بين المتخاصمَين.
فمثلاً: لو جاءك واحد قال: يا أخي أنا هذا فلان أكرهه، أكرهه كرهاً شديداً.
لماذا؟ قال: بلغني أنه قال في المجلس الفلاني عني كذا وكذا وكذا، بلغني أنه قال عني في المجلس الفلاني نقداً أو عيباً، استهزاء، سخرية، يمكنك في هذه الحالة شرعاً أن تقول له، وأنت كنت حضرت في المجلس مثلاً: لا يا أخي ليس بصحيح، أنا كنت موجوداً في المجلس، صحيح فلان تكلم بكلام لكن ليس مثل الذي تقوله أنت أبداً، يعني أنه تكلم كلاماً فيه شيء من النقد، لكنه شيء بسيط ما يذكر، هذا الذي قال لك نمام، هذا الذي نقل لك الكلام نمام وهو يريد الإفساد بينك وبين فلان، لا! أنا كنت موجوداً، ما قال هذا الكلام، الذي تقوله أنت الآن ما قاله، وبهذه الحالة ينبغي أن ننتبه لأمور:
 الأمر الأول: أن يكون الإنسان حكيما ًعندما يكذب للإصلاح بين المتخاصمين، لأن بعض الناس مثلاً يعاب في مجلس، ويأتيه ثلاثة أو أربعة أو خمسة أشخاص يقولون له: فلان قال أنك بخيل – مثلاً -، وأن القرش لا يخرج من جيبك بسهولة، وأن الإنسان.... إلى آخره.
ليس من الحكمة هنا أن تقول: لا يا أخي أبداً ما ذكر كلمة بخيل مطلقاً، بالعكس قال إنك كريم.
الآن هذه الكذبة ليس فيها حكمة؛ لأن أربعة وخمسة أشخاص يقولون ويؤكدون للشخص، تجتمع رواياتهم أنه قال أن فلان قال عنه بخيل وبعد ذلك أنت تقول له العكس تماماً، رواية من طريق واحد، هذا ليس فيه حكمة أبداً.
ولذلك نجد أن بعض المصلحين أو الذين يحاولون الإصلاح يزيدون الأمر تعقيداً وسوءاً، أو على الأقل أنهم يستثنون أنفسهم من الإصلاح، كيف؟ عندما تقول له: فلان ما قال عنك بخيل، كذب، أبداً، قال عنك: كريم.
ماذا سيقول في نفسه؟ يقول: نعم، هذا! أنت على جنب! أنا أعرف شغلي مع فلان؛ لأني أعرف أنك أنت الآن تريد الإصلاح، فإذن، لا بد من الحكمة في الإصلاح بين المتنافرين، ولا بد من الحكمة حتى في الكذب للإصلاح، وليست كل كذبة صحيحة ودقيقة أو هي تكون بلسماً على الجرح، وإنما قد تزيد الجرح إيغاراً أو تعميقاً.
بعض الناس المصلحين بين المتخاصمين يزيد الطين بلة أيضاً بأشياء أخرى من الكلام، فقد يفسر؛ نُقِل كلام لواحد، كلام سيئ قيل عنه في مجلس.
فقد يأتي واحد مصلح يريد الإصلاح لكن ليس عنده حكمة، فيقول يفسر ويبرر تبريراً أسوأ وأسوأ، يقول لنا: ربما ما قصد كذا، ولكنه قصد كذا، وهذا القصد الثاني هو أطم وأعظم من القصد الأول، فإذن، هذا العلاج غير نافع.
بعض الناس قد يلجئون إلى أساليب خصوصاً في أوساط الطلاب.
مثلاً: اثنان بينهما خصام، فيقول لهم: أنتم الاثنان – مثلاً – رتبا هذه الغرفة.
الآن هذا إشراك الطرفين في أمر واحد ليس دائماً تهيئة للأجواء الطيبة، بل قد يكون الكره الذي بينهما شديداً لدرجة لو أنك جمعتهما في مناسبة واحدة لازداد الخطب وعظم، وكل واحد منهما يكظم غيظاً وهو ساكت ولكنه يغلي من الداخل؛ لأنه بقرب فلان، ولكنني أذكر لكم مثالاً واقعياً في طريقة حصلت بإصلاح بين متنافرين كان لها أثر واقعي فعلاً، حصل بين زيد وعمرو من الناس خصام، كُره، بغض، فقال المدرس لكلا الطالبين: ليأخذ كل منكما سيارة الآخر وليتبادلا بالسيارات، وفعلاً، استجابا للطلب؛ لأنه من شخص أعلى منهما في المنزلة.
فأخذ كل منهما سيارة صاحبه، هذا الحل أو هذا العلاج، هذه الوسيلة ليس فيها جمع للنقيضين في مكان واحد، وطلب من كل منهما أن يعمل نفس العمل، كلا، وإنما هو أن يشتركا في شيء ولكن كل منهما بعيد عن الآخر، ولكن هذا الشيء مشترك بينهما.
أيها الإخوة، نحن نحتاج في علاج القضايا الشائكة إلى خبرة بالنفوس، وهذه الخبرة لا تأتي إلا بالممارسة والاحتكاك بالواقع، والمسألة تحتاج إلى قليل من التركيز، وقليل من الانتباه، لا أقصد قليلاً، ربما أكون مخطئاً بالتعبير.
تحتاج إلى انتباه، وإلى تركيز للاستفادة مما يدور.
الناس أصناف، الناس أنواع، بعضهم ينظر في الواقع فيستشف منه أشياء، ويربط ويحلل، وبعض الناس لا يهمه ماذا يدور في الواقع أبداً مطلقاً، يرى الناس يتخاصمون، ويفترقون، ويجتمعون، ويتصالحون ويشاحنون، وهو بعيد عن النظر في المشكلة، ومعرفة الأشياء التي أدت إلى التقارب والتنافر، وهكذا.
الموعظة:
00:34:15
 من الطرق: الموعظة.
عندما تعظ كل واحد من هذين المتخاصمين بالأحاديث التي فيها ذمّ الهجران والقطيعة، وأنها من أسباب الفشل في المجتمع المسلم وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ  [الأنفال: 46].
حديث عائشة في صحيح البخاري حديث قيم جداً عندما صار بينها وبين الزبير، عائشة ما هي قرابتها لابن الزبير؟ أجيبوني، وعائشة خالة عبد الله بن الزبير، خالته أخت أمه، وأمه أسماء.
هذا الحديث الذي رواه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه في كتاب الأدب، أن عبد الله بن الزبير انتقد على عائشة، خالته تصرفاً تصرفته ببيع أو شراء فاتهمها بأنها لا تحسن التصرف، فلما سمعت بذلك نذرت أن لا تكلم عبد الله بن الزبير أبداً طيلة حياتها.
الصحابة بشر، ويعتلج في نفوسهم مثل ما يعتلج في أنفس الناس، قد يخطئون فينتقدون، والمنتقَد أيضاً يحدث في نفسه تفاعل مع الموقف فيتخذ موقفاً آخر، ولكن نحن سنعلم من ثنايا القصة ما هو الفرق بيننا وبين الصحابة؟
فبقيت عائشة لا تكلم عبد الله بن الزبير مدة، وطال الأمر، وشق على عبد الله بن الزبير أن لا تكلمه خالته أم المؤمنين، هذه أمه، صحيح أنها خالته لكن أمه، أم المؤمنين.
فتوسط لدى اثنين من القرابة أن يدخلاه على خالته.
فجاءا إلى عائشة وعبد الله مختبئ خلفهما، فاستأذنا بصوتيهما فقط، فلما عرفتهما عائشة قالت: "ادخلا".
قالا: كلنا؟  قالت: "كلكم" يقصدون كلنا يعني معنا عبد الله بن الزبير.
فلما دخلا عليها، جعلا يعظانها ويذكرانها بأنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، وجعل عبد الله بن الزبير يقبلها ويبكي، ويناشدها أن تكلمه، وكان موقفاً مؤثراً جداً اجتمعت فيه الموعظة مع التناصح مع التواصي، فكلمته عائشة وأعتقت في نذرها ذلك كفارة النذر، وكانت كلما تذكر نذرها ذلك تبكي حتى تبل دموعها خمارها.
الصحابة -رضوان الله عليهم- رجّاعون إلى الحق، يرجعون يفيئون بسرعة، ويتأثرون من تذكر الذنب، أو تذكر المشهد، أو تذكر الخطأ، وكانت عائشة تبكي كلما ذكرت نذرها ذلك حتى تبل دموعها خمارها.
لكن من منا اليوم لو حصل بينه وبين أخيه قطيعة وتصالح معه، كلما تذكر اللحظات أو أيام الفرقة والهجران بكى مثلاً حتى تبتل لحيته أو ثوبُه، أو حتى تسيل دموعه على خديه؟
إذن، لا بد من الموعظة، التواصي بالحق والصبر لجميع الأطراف، ولا بد أن يأتي كل منهما الآخر، لأن المشكلة أحياناً من يأتي إلى من؟ ومن يبدأ؟ ومن الذي يكون من جهته التواصل؟
هذه المواقف الآن بين كل اثنين مختلفين، أو بينهما تخاصم، المشكلة من الذي يأتي أولاً ويطلب المفاهمة أو المصالحة؟ لأن كل واحد منهما يقول له الشيطان: إذا ذهبت معناها أنك أنت الأضعف، معناها أنك أنت ضعيف الشخصية، معناها أنك ذللت نفسك لفلان ((وليس الواصل بالمكافئ)) الذي يصل من قطع، ليس مثل الذي يكافئ الشخص الواصل بوصل مثله، ليس الواصل بالمكافئ  [رواه أحمد: 6524، والطبراني في الأوسط: 6623، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 5385]. أكتفي بهذا القدر في أسباب التنافر وعلاج قضية التنافر التي تحدث أحياناً في أفراد المجتمع الواحد، وأنتقل إلى مسألة أخرى وهي مسألة التجاذب:
التجاذب:
00:39:47
 التجاذب والالتقاء ظاهرة أخرى توجد بين أفراد الوسط الواحد، ولكي نختصر الكلام أقول إنه في بعض الأحيان تكون قضية التجاذب أخطر في نتائجها من قضية التنافر.
قد يستغرب البعض هذا الكلام، ولكن دعونا نستعرض معكم ونحلل ما هي أنواع التجاذب التي تحصل بين الأفراد في المجتمع الواحد؟
أنواع التجاذب:
00:40:31
 أحياناً يكون هذا التجاذب أو هذه العلاقة، علاقة التقاء، علاقة أخوة في الله مبنية على الإيمان الصادق، وهذا هو المطلوب وهو الهدف، وهو الذي ينبغي أن تُقطّع كل العلاقات إلا هذه العلاقة.
التجاذب لأمور مادية:
00:41:01
 ثانياً: علاقة بين اثنين – مثلاً – أو أكثر يجمعهما مصلحة مادية.
واحد يحب الثاني لأجل أن الآخر غني، أو عنده مال، أو عنده سيارة وهذا ما عنده سيارة، وأنه سينفعه بسيارته.
أو مثلاً زيد يحب عمراً؛ لأن عمراً متفوق دراسياً وزيد الآن في الثانوية العامة وهو يحتاج لمن يشرح له، ولذلك فهو يتقرب من عمرو، ويقيم معه العلاقات، ويتودد إليه؛ لكي يستفيد من شرحه مثلاً.
هذا كل ما بينهما فقط قضية مصلحة مادية.
أو مثلاً أبو عمرو لديه منصب في شركة، أو مؤسسة، أو دائرة حكومية، وزيد يريد الوظيفة، وسيتخرج بعد قليل، فزيد يتقرب إلى عمرو لكي يتوسط عمرو له عند أبيه ليوظفه في تلك الشركة أو الدائرة أو المؤسسة.
فهذه العلاقة علاقة منفعة مادية، وبعض الناس يسمون أنفسهم في بعض الشركات مسئول العلاقات العامة، مسئول العلاقات العامة ما هي وظيفته في الغالب؟ كل شيء إلا الأخوة في الله، نفّعني وأنفّعك، أقيم علاقات مع هذا الطبيب إذا مرضت يعالجني، أقيم علاقات مع هذا المدير لكي يمشي لي المعاملة، أقيم علاقات مع هذا التاجر لكي إذا اذهبت إلى الدكان يعمل لي خصم، وهكذا مبنى العلاقة كلها علاقة مادية.
التجاذب لأجل التقارب في الطباع:
00:43:05
 النوع الثالث من أنواع العلاقات: علاقة ارتياح تقتضيه المشابهة في الطباع، فتجد مثلا ًاثنين من الناس بينهم علاقة حميمة، تقارب، دائماً يسيران مع بعضهما البعض ويخرجان مع بعضهما البعض ويدخلان مع بعضهما البعض، ويتكلمان مع بعضهما البعض وهكذا.
السبب ارتياح شخصي؛ أعطيكم مثالاً:
مرة ذكر لي واحد يسألني هل هذه أخوة في الله ولا لا؟ يقول: أنا أشعر بارتياح كبير لفلان.
لماذا؟ قال: يا أخي هناك أشياء عجيبة، أولاً: اسمه مثل اسمي، وسيارة أبيه مثل سيارة أبي، ونفس المستوى الدراسي، ونفس الفصل، ونفس المعدل الدراسي، وعنده أخ صغير اسمه محمد، وأنا عندي أخ صغير اسمه محمد، وبيته من برا يشبه بيتنا من برا، وشكله يشبه شكلي.
هذه الأشياء المشابهة، ونفس نوع الأكل الذي يحبه، ونفس نوع الأكل الذي أنا أرغب فيه، ودائماً نتفق في الأشياء.
هذه المشابهة، المشاكلة أحياناً تسبب علاقة، فتجد أن هؤلاء الاثنين مع بعض، دائماً هذين الاثنين مع بعض، دائماً في رواح، ومجيء، وجلوس، وكلام، لماذا؟ لمجرد هذا التشابه في الظاهر، لا، لأن هناك قوة إيمانية، ولا لأن هناك إيمان يربط كل واحد منهما بالآخر، وإنما هي مسألة الشكل العام، أو في مجموعة من الأشياء العامة في حياة كل منهما.
التجاذب لأجل المعاصي والفواحش:
00:45:23
 النوع الرابع من العلاقات: علاقة معصية - والعياذ بالله - تجمعهما المعصية، فيشاهدان المحرمات مع بعضهما البعض، وينظران إليها ويستمتعان بها ويأتيانها، تجمعهما الأشياء المحرمة، مثل ما يجمع واحد مع آخر سفر إلى الخارج لقضاء الوقت في الأمور المحرمة، وعصيان الله ومبارزته ومحادّته بأنواع الكبائر.
وقد يكون الأمر بينهما أدهى وأخطر من ذلك إلى درجة –مثلاً- أن يقع كل منهما في الفاحشة في الآخر.
هذا النوع من أسوأ أنواع العلاقات طبعاً؛ لأنه علاقة تزيين المعصية، كل واحد منهما يزين المعصية للآخر، ويتعاونان عليها، والله يقول:  وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ  [المائدة: 2].
والناس من هذا النوع كثيرون الآن في المجتمع، والروابط التي تربط كل منهما بالآخر هي المعاصي، عندما تبحث لماذا فلان يتقرّب من فلان؟ ولماذا بينهما علاقة؟ تجد في النهاية مثلاً أن هذا يأتيه بالخمر، وهذا يأتيه بالنساء، وهذا يأتيه بالمجلات الفاجرة، وهذا يأتيه بالأفلام السيئة، هذا موجود.
التجاذب لأجل العشق والتعلق المحرم: 
00:47:09
 وهناك علاقة خامسة وهي علاقة قد تكون في خطورتها أخطر من النوع الذي ذكرناه الآن قبل قليل، وهي: علاقة العشق والتعلُّق لدرجة أنه يحبه مع الله، لا يحبه في الله.
يحبه مع الله لدرجة تصل إلى صرف أنواع من العبادة لهذا الشخص، وهذه مشكلة تنشأ بسبب دوافع كثيرة تكون بدايتها بسيطة، ولكنها تنمو وتنمو وتعظم وتكبر حتى تصبح العلاقة بين هذين الاثنين علاقة بحيث أن كلاً منهما أو واحد من الطرفين لا يستطيع أن يغيب الآخر عن ناظريه أبداً.
فلا بد أن ينظر إليه دائماً وأن يتصل به باستمرار، وقد يكلمه الساعات الطويلة هاتفياً يومياً، والأدهى من ذلك أنه يفكر فيه في صلاته، وعندما يقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  [الفاتحة: 5] ليس فكره مع الله ولكن مع ذلك الشخص.
عندما يقول:  إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  [الفاتحة: 5].
يكون فكره مع ذلك الشخص، وكأنه الهواء الذي يستنشقه، وأنه لو غاب عنه لحظة واحدة يتألم جداً للفراق، جداً حتى يعود إليه.
وهذا النوع من التعلق الشديد له درجات، قد تكون في بعضها غلو، وفي نهايتها شرك أكبر.
وبعض الناس يستبعد هذا ويقول: كيف يحدث؟ ولكنه يحدث.
وهنا نعود إلى حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  وأن يحب المرء  [رواه البخاري: 16، ومسلم: 43].
لاحظوا -أيها الإخوة- الرسول -صلى الله صلى الله عليه وسلم- وحي  إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى  [النجم: 4] يوحى إليه -صلى الله عليه وسلم-.  وأن يحب المرء  [رواه البخاري: 16، ومسلم: 43].
لم يقل: وأن يحب المرء في الله مثلاً، مع أن العبارة صحيحة، لكن لان الله -عز وجل- الحكيم الخبير العليم يعلم بأنه تنشأ بين العباد علاقات ليست شرعية، وأن هذه العلاقات قد تكون قوية جداً، وأن الشيطان يلبّس على بعض الناس أن علاقتك يا فلان مع فلان أخوة في الله، ولكن الحقيقة ليست كذلك.
وقد يزين لهما الشيطان القيام بشيء من الطاعات مع بعضهما البعض، ولكن المسألة ما زالت في حقيقتها نوعٌ من العشق المذموم شرعاً، فمثلاً لكي يخرجان من دائرة الانتقاد أو نوع من وخز الضمير فترى واحداً يقترح على الآخر: ما رأيك أن نقرأ سوياً كتاب؟ طيب، نسمع شريطاً؟ طيب، نحفظ قرآناً؟ طيب، نقوم الليل سوياً؟ طيب.
فيفعلان هذا فترة من الوقت أو بعضاً من الأحيان، ولكن ما زالت العلاقة في حقيقتها ليست أخوة في الله، وإنما يحاول كل منهما أن يخدع نفسه وأن يظهر أمام نفسه وأمام الآخرين أنها أخوة في الله، ولكن الحقيقة أنها ليست كذلك، بل ربما لو جلسا يقرآن كتاباً لذهب فكر كل واحد منهما في الآخر، ولم يفقها شيئاً مما يقرآن، وهكذا.
فإذن، ما الذي يجرد لنا هذه الصور على حقيقتها؟ ويظهرها واضحة وجلية تحت مجهر الكشف عن الحقيقة، إنه هذه الفقرة من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إنها قوله -عليه الصلاة والسلام-:  وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله  [رواه البخاري: 16، ومسلم: 43].
لاحظ الاستثناء القوي المسبوق بالنفي، وهذا أقوى أساليب الحصر في اللغة،  وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله  [رواه البخاري: 16، ومسلم: 43]. نفي ثم استثناء، أقوى أساليب الحصر في اللغة؛ لأن القضية موجودة بين العباد فعلاً، علاقات محبة بين العباد، لكن ليست لله، كثيرة، ومتنامية، ومتشعبة، وكثيراً ما تكون مدمرة على بعض الأطراف أو جميعها.
وكثيراً ما تفشل مجموعة أو تجمعا ًإسلامياً بأكمله؛ لأنها مرض معدٍ في كثير من الأحيان، تحتاج إلى وقفات صارمة من جميع الأطراف. وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- في كتابه العظيم: "الجواب الكافي" وهذا الكتاب أصلاً هو عبارة عن جواب على سؤال كما يتبين لمن يقرأ المقدمة، لكن نحن أحياناً قد نقرأ فلا نستجمع الصورة الكلية للكتاب الذي نقرؤه إذا كان وحدة واحدة، الآن في كتاب الجواب الكافي وحدة واحدة حقيقة، وحدة واحدة متكاملة.
لكن عندما لا يتمعن الإنسان يجد أشياء متنافرة، يرى أنه يتكلم أولاً عن الدعاء، اللجوء إلى الله، أضرار الذنوب، قوم لوط، تكلم على بعض الناس الذين أُهلكوا، تكلم فيها على قصص من العشق، ولكن عندما نتأمل في منهج ابن القيم -رحمه الله- في الكتاب، فهو حقيقة كتاب عظيم لعلاج مشكلة العشق والتعلق، وأصلاً هذا السؤال يدل عليه، وأن مصيبة وقعت في إنسان كادت أن توبقه وتهلك دنياه، تفسد عليه دنياه وآخرته.
هذا آخر قسم ذكرناه تكلمنا فيه عن أنواع العلاقات، هذه هي المشكلة التي سأل عنها ذلك الشخص ابن القيم -رحمه الله- فأجابها عنه بهذا الجواب.
وهنا نلاحظ منهج العلماء -أيها الإخوة- منهج العلماء في علاج المشاكل، ليس الكلام على نقطة معينة، وإنما الكلام عن نقطة بجميع الأشياء، فأنت ترى أنه أولاً يقول له: إلجأ إلى الله، الدعاء، وأوقات الإجابة، وما هي الأدعية المأثورة؟ طائفة منها؟، ما هو الاسم الأعظم؟، ما هو الشيء الذي إذا سئل الله به أعطى وإذا دُعي به أجاب؟، وهكذا تتوالى.
ثم يتكلم له عن أضرار الذنوب والفواحش، وأن عملك هذا عندما ترى مضاره فإنك إذا كنت عاقلاً ينبغي أن تبتعد عنه. ذكر أشياء عجيبة في مضار الذنوب في كتاب الجواب الكافي، وأتبعهم بذكر – مثلاً – قصة قوم لوط، وماذا فعل الله بهم؛ لأن المسألة قد تؤدي إلى شيء من هذا.
وابن القيم -رحمه الله- ليس إنساناً سطحياً في علاج القضايا، رجل عميق، وقد نقرأ ولا نفهم عمق الكلام تماماً، ولكن عندما يقرأ الإنسان عدة مرات يلوح له المنهج وترابط الكلام الذي ذكره، والقصص الواقعية، ما قال فقط الأدلة من القرآن والسنة، لا، وإنما تجد في كتاب الجواب الكافي قصصاً واقعية، قصة حمّام منجاب، وقصة فلان، وقصة الذين ختم لهم بخاتمة سيئة مثلاً.
لماذا ختم لهم بخاتمة سيئة؟ وأن بعضهم كان متعلقاً بالمال، بعضهم كان متعلقاً بامرأة، بعضهم كان متعلقاً بشخص، بعضهم كان متعلقاً بسلطان، وهكذا من الأشياء.
فهو منهج ممتاز جداً ينبغي ليس فقط أن نستفيد في علاج مشكلة التعلق والعشق فقط، وإنما أيضاً في علاج أو في وضوح المنهج في علاج بقية المشاكل.
وذكر حتى أنواع من العلاجات، وكان يذكر بقوة ويطرح أطروحات قوية بالعلاج، بعلاج هذه المشكلة.
 وكان يقول: "فإذا كان الأمر لا بد له أن يبتعد أحدهما عن الآخر حتى يضطر أن يسافر إلى بلد آخر، بحيث لا يرى صاحبه، ولا يقع له على خبر، ولا على حس ولا على أثر، فإنه يفعل ذلك ابتغاء السلامة في الدين".
تحس أن العلماء المخلصين أصحاب الوعي بالواقع طرحهم في علاج المشاكل طرح قوي، طرح جذري، طرح متكامل، بخلاف كثير من الحلول القاصرة التي نراها تُطرح لعلاج مشاكل قد تكون أ صعب مما كان موجود من قبل.
فإذن، نحتاج لمزيد من الوعي، ولمزيد من الاطلاع، ولمزيد من الإخلاص قبل كل شيء حتى نصفي مشاكلنا كلها، وحتى نصل إلى مجتمع إسلامي نظيف جدا ًخالٍ من الشوائب، وإلا فكيف ينصر الله قوماً قد تناوشتهم سهام الشياطين من كل جانب؟ وقد اعتورت فيهم أنواع الفواحش والمنكرات من كل جانب؟ كيف ينصرهم الله؟
وأنت قد رأيت من قول الله -عز وجل-: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا  [الروم: 41]، كوارث الطائرات، كوارث السفن، الكوارث الجوية، كوارث البيئية، التلوث، فساد البحر، أنواع من الحيوانات قد تنقرض وقد تزول، أماكن خضراء قد تتحول إلى جرداء، أماكن قد تغطى بالثلوج فتصبح الحياة فيها صعبة، أمراض جديدة تنشأ في المجتمع لم تكن موجودة من قبل، من هذه الطواعين الموجودة الآن التي لم يتوصل العلم بعد إلى حل لها، ولا إلى علاج، ولكن قد يروج اليهود أنهم قد اكتشفوا علاجاً وليس بعلاج.
وأنواع القنابل والأسلحة الفتاكة التي تدمر الأرض، والأخضر، واليابس، والإنسان، والحيوان، بل إنها حتى تفسد الجو، وتصبح المنطقة موبوءة، وانفجارات بأنابيب الغاز، وأشياء من الكوارث تحدث في جميع أنحاء العالم، وتصادم القطارات، والكوارث الجوية بين الطائرات، وغرق السفن، وفساد الثمار، والنوع الفلاني هذا من التفاح فيه أشياء اكتشف أنها تؤدي إلى مرض السرطان، وهكذا.
ما هو هذا الشيء؟ ما هي هذه الكوارث؟ الآن الكوارث في هذا القرن لم تكن موجودة بهذه الكثرة، لو رجعنا إلى تاريخ البشرية لا توجد كوارث، فيضانات تبتلع آلاف البشر، هزات أرضية، خسف، براكين، أشياء عجيبة تحدث في العالم الآن. لو استعرضت التاريخ العالمي في هذه السنوات الأخيرة تجده مملوءاً بالكوارث، لا تمضِ نشرة أخبار إلا وفيها كارثة قد وقعت في صقع من أصقاع الأرض، ما هو هذا الشيء؟ إنه قول الله -عز وجل-:  ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ  انظر العموم الذي يسببه الفساد نتيجة الابتعاد عن شرع الله  ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ  ببعدهم عن شريعة الله، ببعدهم عن الدين، ببعدهم عن منهج الله -عز وجل- بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا  [الروم: 41] ليذوقوا وبال أمرهم، حتى يعلموا عاقبة الانحراف عن الشريعة، وحتى يعلموا ما هي أهمية تطبيق منهج الله في الأرض.
شرع الله أمان لأهل الأرض:
00:59:55
 أيها الإخوة، لو أن منهج الله مطبّق في الأرض الآن لما وجدتم هذه الكوارث، وهذه المصائب.
ولذلك عندما ينزل المسيح بن مريم، ويقوم معه الخليفة الصالح في الأرض ويطبقان منهج الله ليس هناك كوارث، حتى أن الولد يدخل يده في الحية فلا تضره، ويصبح الذئب في الغنم كأنه كلبها الحارس، ويستظل الناس بقحف الرمانة.
من أين أتت البركة؟ كيف كانت الثمار فاسدة وفجأة صارت الثمار مبروكة حتى أن الناس يستظلون بقحف الرمانة؟ إنه تطبيق منهج الله في الأرض.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعلنا وإياكم ممن يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويؤمن بكتابه، ويطبق شرع الله في نفسه، ونسأله عز وجل أن يصلح نياتنا وذرياتنا، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وصلى الله عليه نبينا محمد.
الأسئلة:
01:00:52
 يقول السؤال: ما دور الذنوب في عملة التنافر والتجاذب؟
لقد أخبرنا -صلى الله عليه وسلم- في حديث صحيح أنه ما تحب اثنان في الله فيفرّق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما.
فلا شك أن الذنوب لها أثر في قطع العلاقات والأواصر بين الإخوة، ولذلك تجد المذنب بطبيعته مكروها ًمنبوذاً مقبوحاً محقوراً ممن حوله، هذا إذا لم يتب إلى الله، لكن إذا تاب إلى الله ولو كانت ذنوبه كثيرة أو متكررة لكن يتوب إلى الله توبة صحيحة فإن علاقته بإخوانه تبقى غضة طيبة، وهو يحتاجهم لتقوية نفسه لكي يتغلب على المعاصي والشيطان والنفس الأمارة بالسوء.
وليس معنى هذا  -كما يفهم البعض- أن الإنسان إذا كان مصرّ على ذنب معيّن أنه ينبغي أن يقطع علاقته بالناس الطيبين؛ لأنه لا يستاهل أن يكون في هذا الوسط النظيف، أو أنه سيكون سبب الفشل والخيبة، أو أنه منافق لأنهم ينظرون إليه بأنه شخص مستقيم وهو في الحقيقة في الباطن بخلاف ذلك.
هذه من مداخل الشيطان، الشيطان يفرح جداً إذا ابتعد الأخ عن إخوانه، ربما تكون هذه عرس من أعراس الشيطان، فرحة مثل فرحة العرس أن ينفرد بأخ لإخوة في الله يبتعد عنهم.
الشيطان كثيراً عندما يأتي من باب الطاعة، فيقول لهذا الشخص: أنت إنسان مذنب مصر على المعصية، وهؤلاء أناس طيبون، كيف نسمح لنفسك القذرة أن تبقى بينهم وأن تعكر صفو إيمانهم وطاعتهم؟ لا بد أن تخرج من هذا الوسط.
الشيطان الآن جاي من أي باب؟ جاء من باب طاعة ليقول له: أنت يجب أن تخرج الآن ديانتك، يجب أن تخرج من بين إخوانك ديانة، يعني الإسلام يقتضي أن تخرج من بين إخوانك.
فإذن، الشيطان يأتي من باب الطاعات أحياناً، ولكن هذه أشياء شيطانية مغلفة بقالب من الطاعة، وليست طاعة أبداً، إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية .
ولكن وجد الواحد في نفسه وحشة من إخوانه، هذه النقطة، لو واحد وجد في نفسه وحشة تجاه إخوانه، وأن هناك هوة فيما بينهم وبينه، فإن الأمر لا يعدو غالباً أن يكون بسبب ذنب يحدثه هو، ولذلك يجد نفرة من الواقع العام.
لكن هذا لا يعني أن يخرج عنه، هو ما زال محتاجاً إليهم؛ لكي ينقذوه من براثن الشيطان والمعصية.
يقول السؤال: ما هي ضوابط الهجر لأصحاب المعاصي؟
من أجود من تكلم على هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- كما وردت أقواله في مجموع الفتاوي، وأذكر لكم خلاصة مهمة ذكرها -رحمه الله- قال: "إن العاصي أو الفاسق أو الفاجر يُهجر، يعني يقاطع، لا يُكلَّم، لا يُسلّم عليه، يعادى، لا يُشيّع، لا يُزار، لا يؤاكل، لا يُشارب، لا يُناكح إذا كان الهجر مفيداً له، وإذا كان الهجر نافعاً ودافعاً له لكي يقلع عن المعصية أو البدعة التي هو واقع فيها، أما إذا كان الهجر ضاراً له، ودافعاً له على الاستمرار في المعاصي والفواحش، وأنه لن يزيده هذا الهجر إلا بعداً عن الطيبين، وعن الخير، وعن الخيرين، فإن الهجر في هذه الحالة لا يجوز" [مجموع الفتاوى: 3/286].
وهذا لعمر الله من الفقه الدقيق الذي مُتّع به شيخ الإسلام -رحمه الله- متّعه الله -عز وجل- بفقه دقيق، لا يأخذ الأحكام هكذا، وإنما ينظر فيها، في عللها، وينظر في المصالح والمفاسد، ويقارن ويرجّح -رحمه الله- ولذلك كانت القراءة لشيخ الإسلام ابن تيمية من أنفع الأشياء التي تبني في نفس الشاب، في نفس المسلم عموماً تبني فيه قواعد مستقرة ثابتة يستطيع من خلالها أن يتعامل مع الواقع من غير تذبذب ولا اضطراب ولا نتائج سلبية.
قراءة لكلام شيخ الإسلام -رحمه الله- خصوصاً عندما يتكلم في جوانب التعامل مع الواقع، مثل موقفه من التتار وماذا حدث مع الناس الذين ناقشهم في العقيدة، وهكذا من الأشياء، وموقفه من أصحاب السلطان وغيرهم، أشياء، فقه نابع من الواقع، من الفقه بالقرآن والسنة، ومن التجربة الواعية.
يقول: بعد استماعي للمحاضرة أصبحت أشك في محبتي لجميع أصدقائي، فما هو الحل؟
لقد ذكرني هذا الأخ -جزاه الله خيراً- بتنبيه كنت سأورده في ثنايا الكلام، وهو: أن الإنسان عندما يسمع مثلاً الكلام عندما نقول وبعض الناس يحب شخصاً؛ لأنه ينفعه في الدراسة، وبعض الناس يحب شخصاً لأن أباه قد يتوسط له بشيء من الأشياء الدنيوية وبعض الناس، فهو عندما يفكر بالأمر يجد أنه لا يخلو من أحد هذه الأشياء، فيظن الآن أنه لا تنطبق عليه أحاديث الإيمان، وأنه يحب الناس في غير الله ولكن المقصود أيها الإخوة أن المذموم هو أن تكون علاقاتنا فقط علاقات مصلحة ليس لها علاقة بالإيمان، ولا بالتآخي في الله، ولا بالتواصي على الحق والصبر، أو التواصي بالحق والصبر، ولا بطلب العلم، ولا بالدعوة إلى الله، ولا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا بإصلاح عيوب بين البعض، والتناصح.
إذا كان ليست فيها هذه الأشياء وإنما كل ما هو موجود في علاقاتنا هو علاقات مادية مع هؤلاء الناس، هذا مذموم.
أما كون الإنسان ينتفع من أخيه المسلم بأشياء في الدنيا فليس بمذموم، والله يا أخي لك صاحب، أخ في الله، أنت متآخي معه في الله، أنت معه في مجالس علم وفي حلق ذكر، أنت معه في تعاون على الدعوة إلى الله، ليس عندك سيارة هو يوصلك بسيارته إلى المدرسة أو الجامعة أو العمل، هذا شيء مذموم؟ أبداً.
المفروض أن المسلم يعين أخاه المسلم،  وأحب الناس إلى الله أنفعهم  و أعظم الأعمال عند الله سرور تدخله على قلب مسلم  أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً.
وبعض الصحابة كان يلجأ إلى بعض الصحابة الآخرين لكي يطرد عنه جوعاً.
فإذن ليست هذه الأشياء التي تظهر للحاجة ينتفع بها المسلم من أخيه المسلم، ليست مذمومة.
لكن المذموم أن تكون كل العلاقة مادية.
والله أنا أعرفه عندما أحتاج إليه، وأنا أتجاهله تماماً وأتنكر له عندما لا أحتاج إليه مادياً، هذا المذموم، وهذه موجودة الآن كثير عند الناس.
إذا صارت له مشكلة مع هذا فزع إلى واحد من الناس المعارف يتودد له، ويعزمه، وتستغرب كيف نشأت العلاقة المفاجئة؟، ما هي سبب العزائم المتوالية، والهدايا، والأعطيات، والكلام الطيب؟ تجد أنه هو إذن يحتاج إلى واسطة في أمر من الأمور وهذا الآن الشخص المناسب.
فإذا نفعت الواسطة وأخذ ما يريد من الدنيا، من حظوظ الدنيا رماه وراء ظهره وأعرض عنه، لا عزائم، ولا ولائم، ولا كلام طيب، ولا مودة، ولا شيء.
إذن، لماذا أقام معه العلاقة؟ ولماذا افترق عنه؟ إذاً لحاجة دنيوية، وهكذا.
بعض الشباب مثلاً قد يتودد إلى طالب ذكي مجتهد في الامتحانات، وأيام عندما تكثر الامتحانات يحسن علاقته معه، زيارات، وهدايا، وكلام طيب.
لماذا نشأت العلاقة فجأة حصلت تقارب؟ لأجل الامتحانات.
فإذا نجح في الامتحانات وانتهت العملية وسافر كل منهما إلى مكان نسيه، ونسي معروفه، ونسي كل خير عمله له
إذن، هذه العلاقة الفاسدة المذمومة التي نتكلم عنها، وليس المقصود وأعيد وأكرر وأقول: وليس المقصود أن الإخوان في الله ينفع بعضهم بعضاً أو ينتفع بعضهم من بعض هذا حصل من الصحابة.
يقول: هناك ظاهرة انتشرت بين الشباب الملتزم وهي كثرة الاختلاف في أمور بسيطة ينتج عنها الهجرة بينهم، مثل عدم السلام عليه، والطاعة... إلى آخره، فهل هو من الشيطان؟
نعم، غالباً ما يكون من الشيطان، مثلاً مسألة فقهية ننزل في الصلاة، أنزل على ركبتين أو على اليدين؟ أضع يدي بعد الرفع من الركوع على صدري أم أسبلهما ولا أضعهما على صدري؟
مثلاً مسألة فقهية حديث التسليمة الواحدة صحيح أو ضعيف؟
بعض الناس ما هو موقفه من هذه المسائل؟ يتناقشون، ويتبادلون الأدلة ووجهات النظر، ويقلبونها، وهذا شيء طيب جداً، وهذا أمر مطلوب، أعطيك قناعتي وتعطيني قناعتك، أناقشك في نقاط الضعف في رأيك، وتناقشني في نقاط الضعف في رأيي، هذا شيء طيب جداً، هذا يزيد العلم ويوسّع المدارك العلمية في أذهان الأشخاص المتناقشين، هذه اسمها مباحثة علمية، وكانت المناظرات بين علمائنا معروفة وقديمة.
ولكن المهم ماذا يحدث بعد المناقشة؟ بعد المناقشة ماذا يحدث؟
إن كان الذي سيحدث هو تفرّق، واختلاف، ومقاطعة، ومعاداة،  ومباغضة، يقول: هذا مخالف للسنة في الصلاة، هذه السنة وهذا يخالف، إذن اخرج، ابتعد عني، لا أكلمك، أنت مبتدع، أنت ...
والمسألة مسألة خلافية، أقصد اجتهادية، وأنتم تعلمون القاعدة التي ذكرها علماؤنا ومنهم ابن القيم -رحمه الله- في أعلام الموقعين أو إعلام الموقعين، الخلاف مقبول في مسائل الاجتهاد، الخلاف المقبول هو ما يكون في مسائل الاجتهاد القاعدة: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، وليس مباحثة ولا مناقشة، لا، لا إنكار، إنكار يعني إلى استخدام القوة، والعنف، والشدة، والتقاطع، والتباغض.
لا إنكار في مسائل الاجتهاد، يعني التي فيها مجال للخلاف داخل الدين، ليس الاختلاف فيها، ليست القضية واحدة بدعة والأخرى سنة، أو مثلاً شيء حلال وشيء حرام.
أو شيء، قل بشكل أوضح شيء من العقيدة الصحيحة وشيء من العقيدة الباطلة، هذا الأمر لا يصح أن نقبل فيه الخلاف، المسائل التي وضح فيها الحق، ولا يتسع لها الخلاف في شريعتنا لا يمكن أن نقبل بها خلاف.
لو جاءنا ناس قال: يا أخي لا، الربا فيه خلاف، فيه وجه إنه البنك يأخذها ويشغلها.
فإذن، هذا الربا يمكن منه أرباح يا أخي، وهذا كلام فارغ، هذا أمر متفق عليه، نسبة محددة ثابتة حتى لو تاجر فيها البنك عشرين ومائة صفقة، هذه مسألة واضحة ما تقبل الخلاف.
لا يمكن أقول: ممكن أنا وفلان نجتمع معاً على قضية الربا، الربا هذه مسألة ثانوية.
أو مثلاً نكاح المتعة ممكن! مع أنه قد وضح له الحق، وعرفه الحق الطرف الآخر، وأصر على باطل، لا يمكن أقبل إنه نجتمع أنا وإياه في صف واحد، أو واحد عنده عقيدة زائغة، يقول مثلاً: يجوز البداء على الله.
يعني الله -عز وجل- يبدو له أمر ويغير رأيه، أستغفر الله العظيم يا أخي!
هكذا بعض الضلال وبعض الطوائف من الباطنية وغيرهم يعتقدون هذه العقيدة في الله،لا يمكن أن أجتمع في صف واحد أنا وشخص يؤمن بمثل هذه العقيدة في ربي الذي أعبده.
ولكن لو أن هناك علماء ثقات لهم أدلتهم، قالوا: هذا الشيء مباح.
وعلماء ثقات لهم أدلتهم، قالوا: هذا الشيء محرم...
مسألة فيها مجال للاختلاف، أنا ما أنكر عليه، لكن أن أتباحث معه وأتناصح، وهكذا.
فإذن، لا نحول الأشياء التي اختلف فيها العلماء الثقات ولكل من الطرفين أدلة صحيحة، لا نحولها إلى معارك تشغلنا عن أشياء، وبنفس الوقت لا نميّع القضايا العامة والخطوط العريضة في الشريعة والعقيدة، ونقول: هذه ممكن نقبل الخلاف ولا داعي، أن نشتغل الآن في خلاف الأسماء والصفات، وهذه أشياء تشغل المسلمين عن الماسونية والشيوعية والـ... هذا صحيح نحن لا نصرف وقتنا كله لهذه القضايا، هناك صحيح من الأشياء والأفكار العلمانية ما ينبغي أن نشتغل به أولاً قبل مواجهة أناس آخرون، أناس يقولون ببدع قد تكون قديمة موجودة.
لكن والمسائل عموماً، المسلم يصرف جهده في المواجهة والمحاربة وتكريس الجهود يظهرها أو يقدمها للمشكلة الأكبر وللعدو الأكبر، هذا الصحيح.
لكن هذا لا يعني أن نميّع بقية القضايا وننشغل عنها أو أنه يقول: هذه أشياء تافهة.
تعطي كلاً بحسب وزنه.
ينتابني أحياناً أنني لست بكفء لأن أستمر في طريق الالتزام لكثرة المعاصي التي أرتكبها، وأنني حديث عهد الالتزام فبماذا تنصحني؟
طبيعي يا أخي إذا كنت حديث العهد بالالتزام، طبيعي أن تحدث منك معاصي وذنوب، ولكن ثق إن شاء الله أنك إذا سرت إلى الله بثبات وعزيمة مستعيناً بإخوانك في الله، مستنيراً بالعلم الشرعي الذي تقبل عليه، وتعتصم بالله ومن يعتصم بالله فقد هُدي ووفق إلى أرشد أمره، فثق بأن المعاصي ستقل وتقل حتى ربما تصبح فقط لمَمْ  الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ  [النجم: 32].
وأنت تتوب وأنت مستمر على التوبة إلى الله كلما أحدثت معصية، تحدث وراءها توبة صحيحة، ولا تخطط لعمل المعصية بعد التوبة، تقول: أنا أتوب وبعد ذلك تعمل معصية، تقول: أتوب وغداً سأعمل معصية.
فأنت تعمل المعصية قبل أن تتوب، هذه مشكلة  اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ [يوسف: 9].
لو أحببت عالماً لعلمه هل يكون هذا حبّاً في الله؟
إذا كان هذا العالم من علماء الشريعة فهذا من أعظم أنواع الحب لله، وبعض الناس مع الأسف عندما تكلمنا على العلاقات، لو قلت له: تحب هذا الشخص - يعني مثلاً زميلك معك في المدرسة - أكثر ولا الشيخ؟
فلان الفلاني الذي هو من ثقات علماء المسلمين لما شعر في قلبه بحب في قلبه لهذا الشيخ والعالم الفاضل مثل ما يحب لصديقه قليل العلم؛ لأن المسألة عنده ليست موزعة، مسألة الحب ليست قضية تتكافأ مع من هو أقرب إلى الله ومن هو أفضل، وإنما مع من هو أميل لنفسه، ومن هو أقرب لطبيعته، ومن هو الذي يرتاح لأسلوبه، وشكله، وظرافته، ونكته، وطرائفه، وجمال أسلوبه، وهكذا.
فالمسألة ينبغي أن تكون خارجة عن الهوى؛ لأن هذه قضية عقيدة، هذه قضية دين،  الحب في الله من أوثق عرى الإيمان  [رواه أحمد: وقال محققه الأرنؤوط: حديث حسن بشواهده].
أظن أنني أكتفي بهذه الأسئلة حتى لا نطيل.
ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن ينفعنا وإياكم، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والذين يذكرون ربهم إذا نسوا ويعانوا إذا ذُكروا.
وأصلي وأسلم على محمد صلى الله عليه وسلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.