السبت 3 جمادى الأولى 1444 هـ :: 26 نوفمبر 2022 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

أين الخلل


عناصر المادة
رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية لأهل البحرين
داء الخلل في الفهم والتصورات
الخلل في الفهم والتصورات يؤدي إلى انحرافات في السلوكيات والأعمال
الخلل في الفهم الصحيح لتوحيد الأسماء والصفات
الخلل في الفهم السليم في مفهوم القضاء والقدر
الخلل في مفهوم التوكل
الخلل في معيار المفاضلة بين الناس
الخلل في التصور الشرعي للولاء والبراء
التصورات الخاطئة المتعلقة بالدعوة
الخلل في فهم قضية المباحات
الخلل في الرضا بالواقع
الخلل في تضخيم الأنا والذات
الخلل في النظر إلى الآخرين
الخلل في فصل الدين عن الأخلاق والأدب والذوق

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

إخواني: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد:

فهذه فرصة طيبة أن ألتقي بهذه الوجوه الطيبة في هذه البلدة الطيبة، وأسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الطيبين، وأن يرزقنا الفوز بدار النعيم، إنه سميع مجيب.

أيها الإخوة: لعل لقاءنا في هذا المكان يذكر بتواصل العهد واتباع السنة والتمسك بحبل الله القويم، والسير على منهاج النبوة.

هذا العهد الذي أخذه الله -تعالى- علينا جميعًا السير على طريق التوحيد، أخذه الله علينا ونحن في ظهور آبائنا، ونحن في ظهر آدم ، استخرج الله ذريته كأمثال الذر  وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى [الأعراف: 172].

وقد كانت هذه البلد فيها من أهل الدين والتوحيد والسنة أناس عظماء، كان فيها أناس عظماء، وينبغي أن نسير على نهجهم وطريقتهم.

رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية لأهل البحرين

00:01:47

ولعلني أستفتح الكلام برسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- تؤكد هذا المعنى: "بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، من أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية إلى من يصل إليه كتابه من المؤمنين والمسلمين من أهل البحرين" وهذه المنطقة هي المعروفة تاريخياً بالبحرين، "وغيرهم عامة، ولأهل العلم والدين خاصة: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أما بعد: فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل وهو على كل شيء قدير، وأسأله أن يصلي على خيرته من خلقه محمد عبده ورسوله وخاتم أنبيائه، الذي بعثه بالبينات والهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فإن وفدًا قدموا من نحو أرضكم، فأخبرونا بنحو مما كنا نسمع عن أهل ناحيتكم من الاعتصام بالسنة والجماعة، والتزام شريعة الله التي شرعها على لسان رسوله ﷺ، ومجانبة ما عليه كثير من الأعراب من الجاهلية التي كانوا عليها قبل الإسلام من سفك بعضهم دماء بعض، ونهب أموالهم وقطيعة الأرحام، والانسلال عن ربقة الإسلام، وتوريث الذكور دون الإناث، وإسبال الثياب، والتعزي بعزاء الجاهلية، وهو قولهم: يا لبني فلان، أو يا لفلان، والتعصب للقبيلة بالباطل، وترك ما فرضه الله في النكاح من العدة ونحوها، ثم ما زينه الشيطان لفريق منهم من الأهواء التي باينوا بها عقائد السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وخالفوا شريعة الله لهم من الاستغفار للأولين بقوله: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر: 10]، ووقعوا في أصحاب رسول الله ﷺ بالوقيعة التي لا تصدر ممن وقر الإيمان في قلبه، فالحمد لله الذي عافانا وإياكم مما ابتلى به كثيرًا من خلقه، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلًا، ونسأل الله العظيم المنان بديع السموات والأرض أن يتمم علينا وعليكم نعمته، ويوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى من القول والعمل، ويجعلنا من التابعين بإحسان للسابقين الأولين.

وليس هذا ببدع، فإن أهل البحرين ما زالوا من عهد رسول الله ﷺ أهل إسلام وفضل، قد قدم وفدهم من عبد القيس على رسول الله ﷺ، وفيهم الأشج فقال لهم رسول الله ﷺ:  مرحبًا بالوفد غير خزايا ولا ندامى  فقالوا: يا رسول الله إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، بيننا نحن في شرق الجزيرة وأنت في غربها، هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في شهر الحرام، حيث يتوقف القتال عند العرب، فمرنا بأمر فصل نعمل به ونأمر به من وراءنا؟ فقال:  آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم [رواه البخاري: 7556]، ولم يكن قد فرض الحج إذ ذاك، وقال للأشج:  إن فيك لخلقين يحبهما الله: الحلم والأناة  قال:  خلقين تخلقت بهما أو خلقين جبلت عليهما؟ قال: خلقين جبلت عليهما، فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله  [رواه أبو يعلى: 6848، والبخاري في الأدب المفرد: 584].

ثم أنهم أقاموا الجمعة بأرضهم، فأول جمعة في الإسلام بعد جمعة المدينة، جمعة بجواثى قرية من قرى البحرين، ثم إنهم ثبتوا على الإسلام لما توفي رسول الله ﷺ، وارتد من ارتد من العرب، وقاتل بهم أميرهم العلاء بن الحضرمي الرجل الصالح أهل الردة، وله في السيرة أخبار حسان، فالله -سبحانه- يوفق آخرهم لما وفق له أولهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه" إلى آخر الرسالة رحمه الله [ينظر: مجموع الفتاوى: 24/ 163- 166].

ونحن ننطلق من الدعاء الذي دعا به شيخ الإسلام في رسالته، ونقول: نسأل الله أن يوفق آخرهم لما وفق له أولهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وبعد هذه الرسالة في تبيان ما ينبغي أن يكون عليه الخلف من التمسك بطريقة السلف طريقة وفد عبد القيس الذين اتبعوا السنة، وما كانوا عليه من إقامة الدين وشعائره.

داء الخلل في الفهم والتصورات

00:07:07

ننطلق بعد ذلك إلى هذه المحاضرة، وكنت أريد أن أتكلم في موضوع الأمراض، ولعلكم تتوقعون ذلك، ولكن رأيت أن موضوعها طويل، وأن الكلام يمكن أن يكون أهم إذا تكلمنا في أصل الأمراض، ومرض الأمراض؛ لأننا إذا نظرنا إلى الأعراض المرضية الموجودة لوجدنا أنها منبثق عن خلل في الأساس، فنتكلم في المرض الأساسي وهو مرض: الخلل في التصورات؛ لأنه ما من ذنب أو انحراف يقع فيه الناس إلا وهو ناتج عن فساد في التصورات، أو خلل فيها، أو غياب تغيب عن الأذهان، أو جهل بها.

هذه التصورات والقواعد الشرعية: الجهل بها هو سبب الأمراض، هو سبب ما نراه من النفاق والكذب والكبر والعجب والحسد، وغير ذلك من الانحرافات الكثيرة الموجودة في الواقع، وكل تصور خاطئ يؤدي إلى سلوكيات منحرفة، والسلوكيات المنحرفة تكون نتيجة غياب التصور الصحيح، أو انحراف التصور، أو نقص التصور، أو الغبش الموجود في هذا التصور في عقول وأذهان كثير من الناس، ولذلك قبل تغيير السلوك ينبغي أن نغير التصور؛ لأنه هو أساس الأمراض.

والنبي ﷺ لما بدأ بالدعوة بدأ بالدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وما من نبي دعا قومه إلا وقال لهم:  اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ  [الأعراف: 59].

هذا هو الأساس، وهذه الكلمة العظيمة: اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: 59].

وهي كلمة التوحيد التي دعا إليها النبي ﷺ قومه والعرب كافة والعالمين، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، فعارضه عليها قومه.

هذه الكلمة كانت العرب يعرفون معناها، واليوم يجهل كثير من الناس معنى لا إله إلا الله.

لماذا حاربوه ورفضوا أن يقولوها وهي كلمة؟ لأنهم يعلمون أن هذه الكلمة هي عقد وفاء والتزام، وأنه لا بد من الأخذ بمقتضاها، والعمل بها، ولذلك رفضوها وهي كلمة، رفضوها وهم يعلمون أن مقولة لا إله إلا الله سينبني عليها تغييرات جذرية في حياتهم الاجتماعية والاقتصادية وفي أخلاقهم وعاداتهم، سينبني عليها تغيير جذري للمجتمع.

والآن الأمراض في المجتمع كثيرة، أمراض الناس كثيرة جدًا، والإنسان إذا صار يعالج عارض السخونة، وعارض الصداع، وعارض المغص، وعارض الإسهال، وعارض القيء، سيتعب، وربما لا يكافح المرض ولا يحاصره ولا يقضي عليه، لكنه إذا اتجه لمعالجة أصل المرض، فإن هذه الأعراض ستختفي، ولذلك يمكن أن نشبه حال الأمة المصابة بالأمراض المتعددة اليوم بحال رجل فيه أمراض كثيرة، فيه أمراض من السكر والنزيف والسرطان والزكام والحمى، وغير ذلك من الأشياء الأمراض والأعراض، وعندما ينشغل الإنسان بمعالجة الأعراض، ويغفل أصل المرض تتفشى الأمراض، وربما لا يستطيع السيطرة عليها، أو يتظاهر فيظهر له أنه سيطر عليها، ليس كذلك، لكن إذا انشغل بمكافحة أصل المرض وتقوية الجسم معًا، مكافحة أصل المرض، مكافحة المرض وتقوية الجسم قضي على المرض، استنبات الخلايا السليمة، وتكثير هذه الخلايا في الجسم هو الذي يقاوم المرض، بناء الجسم بناء صحيحًا، تغذيته ودفع هذه الأمراض لا بد منهما معًا.

ولذلك نحن نقول الآن: كما أننا نذكر علاج الحسد والعجب والكبر مثلًا، ونكافح الكذب والغيبة والنميمة فإننا ينبغي أن نصحح الأصل، نصحح التصورات.

ولعلنا نرى من خلال عرض بعض الأمثلة الارتباط بين الانحرافات في الأعمال وانحرافات التصورات الأصلية، وقد كان القرآن الكريم ينزل لتصحيح التصورات وإيجاد التصورات الصحيحة، ويقول الله -تعالى- في قصة حاطب : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ [الممتحنة: 1] قاعدة تبين تصورًا من التصورات الإسلامية العظيمة، قاعدة إسلامية، صحيح أنها جاءت في حدث معين، لكنها قاعدة يجب أن ترسخ.

وكذلك كان النبي ﷺ يبين لأصحابه عندما تبدر من الواحد منهم بادرة سوء أو خطأ يبين لهم أصل الداء، فمثلًا: حديث أبي ذر : جاء المعرور بن سويد فقال: لقيت أبا ذر بالربذة وعليه حلة وعلى غلامه حلة، فاستطعماه... الحديث، فقال: يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة، استغربوا من الحلة التي على الغلام، فقال أبو ذر : إني ساببت رجلًا" كان بيني وبين رجل كلام وهو من إخواني.

وفي رواية: أنه بلال وكانت أمه أعجمية فنلت منها، وقلت له: يا ابن السوداء، صار سوء تفاهم، قال له: يا ابن السوداء، فقال الرسول ﷺ: أساببت فلانًا؟ قلت: نعم، قال: أعيرته بأمه؟ فقلت: من سب الرجال سبوا أباه وأمه، قال: إنك امرؤ فيك جاهلية [رواه البخاري: 30، ومسلم: 1661].

لم تتخلص من آثار الجاهلية بالكلية، فيك شائبة، قلت: على حين ساعتي هذه من كبر السن.

كأن أبا ذر تندم، قال: الآن ارتكبت هذه المعصية وأنا على كبر سني، ولا يليق بي أن أفعل ذلك، قال:  نعم، هم إخوانكم خولكم  يعني خدمكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس ، ولذلك كان قد كسا غلامه الحلة  ولا يكلفه من العمل ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه  [رواه البخاري: 6050، ومسلم: 1661، وأبو داود، وألفاظه مجموعة بعضها إلى بعض].

فالنبي ﷺ لما سمع الكلمة أراد أن يعيدها إلى الأصل، قال: إنك امرؤ فيك جاهلية .

ولذلك ينبغي علينا أن نتخلص من شوائب الجاهلية في أنفسنا، وأن نخلع على عتبة الإسلام كل أردية الجاهلية، ونغير من أفكارنا التي فيها انحراف أو فيها قصور أو فيها جهل.

ينبغي أن نضع بدلًا منها قواعد الدين وأسس الشريعة والتصورات الشرعية.

الخلل في الفهم والتصورات يؤدي إلى انحرافات في السلوكيات والأعمال

00:15:38

ولنأخذ أمثلة على أن القصور في التصورات والجهل بها يؤدي إلى انحرافات في السلوكيات والأعمال، فمثلًا: عندما نرى إعراض الناس الآن عن كثير من الأعمال والفرائض الشرعية، ونناقشهم، يقولون لك: يا أخي نياتنا طيبة، نحن نحب الخير، ونحب الدين، ونحن مسلمون، نحن نشهد أن لا إله إلا الله، لكنهم مع ذلك يكذبون، ويغشون، ويتخلفون عن الصلوات، ويكذبون، ويفعلون المنكر، يستمعون إلى المنكر، لماذا؟

هذا من أسبابه غياب التصور الصحيح للإيمان، الإيمان قول وعمل، كثير من الناس لا يفهمون أن الإيمان قول وعمل، ويظنون أن النية الطيبة وحدها تكفي، ولذلك تراهم قنوعين بهذا الشيء، الانتساب العام للإسلام والشهادة اللفظية، النطق اللفظي بلا إله إلا الله، مطمئنين بذلك، قانعين به راضين، ولذلك لا يضيفون إلى إسلامهم إلى هذا المفهوم القاصر والسطحي شيئًا جديدًا، ولا يهتمون بالأعمال.

وفي المقابل أيضًا نجد ناسًا واقعين في البدع، سبب الوقوع في البدعة ما هو؟

أسباب الابتداع كثيرة، لكن من الأسباب ولا شك: القصور في فهم السنة، معنى السنة ومعنى البدعة، ولذلك تجد بعض هؤلاء عندهم صدق، وعندهم الإخلاص، لكن عندهم جهل، فإذا قلت للواحد: يا أخي هذا الشيء الذي تفعله من البدعة لا دليل عليه، بل هو مخالف لسنة النبي ﷺ، قال: كيف هو مخالف؟ ألم يأت في الحديث: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها [رواه مسلم: 1017]، وأنا سننت سنة حسنة؟

لا يفهمون معنى سنة حسنة، ولا يفهمون معنى البدعة، ولذلك يقعون في الحرام، يقعون في البدعة والمنكر بسبب الجهل بالتصور الصحيح للسنة، والتصور الصحيح للبدعة.

مثلًا قضية مصادر التشريع ما هي مصادر التشريع عندنا؟

القرآن والسنة، فهم السلف للقرآن والسنة يبين لنا معنى القرآن والسنة، القرآن والسنة هي مصدر التشريع، هي مصادر التلقي عندنا.

نظرًا لجهل الناس بقضية مصادر التلقي، وأنها فقط الكتاب والسنة وليست شيئًا آخر، لذلك ترى الجهل بهذا التصور المهم جدًا ينعكس على حياتهم في أشكال متنوعة من الانحرافات؛ لأنهم لما غفلوا عن هذا المفهوم صاروا يأخذونه من العادات والتقاليد المخالفة للشريعة، والعيب عندهم صار شريعة، ليس العيب هو ما عيب في القرآن والسنة، ليت ذلك، لكن العيب ما عابوه هم، ما عابه المجتمع، ما نظر إليه أغلب الناس على أنه عيب، أو يقولون: ما دام موجوداً في الواقع، يعني أنه صحيح، أو الأكثرية يقولون به، أكيد أنه ما اتفق أكثر الناس عليه إلا وهو صحيح وجائز ومشروع.

ولا شك أن هذا مخالف لمسألة مصدر التشريع عند المسلمين، ومصدر التلقي عند المسلمين، ولذلك يقدمون أمور العادة على أمور الشرع، لماذا يقدمون أمور العادة على أمور الشرع؟

مثلًا: في قضايا النكاح والزواج، لماذا يقدمون العادة على الشرع؟

كثير من الناس يقدمون في أمور النكاح والزواج يقدمون العادة على الشرع، ويأخذون بالعادة ولو خالفت الشرع، لماذا يفعلون ذلك؟

يستمدون أمورهم من الواقع الموجود على عجره وبجره، على عيوبه وما فيه من الأخطاء والانحرافات التي تراكمت بمر السنين والجهل، وسير الناس على هذه القواعد التي اختصوها لأنفسهم، لو نظرت إليه وهو يبحث يقدم الجمال على الدين، إذا جاءه شخص يقدم الغني الفاسق على الفقير المتدين، لماذا يفعلون ذلك؟

لأن هذه العادات الموجودة عندنا، هذا هو ما تعارف عليه المجتمع، النظر إلى شهادته والنظر إلى غناه وماله، وهكذا..

الخلل في الفهم الصحيح لتوحيد الأسماء والصفات

00:20:30

ونأخذ مثلًا آخر: عندما نرى كثرة ارتكاب الناس للمعاصي، وإذا ناقشناهم قالوا: الله غفور رحيم.

هذه الكلمة التي يحتجون بها على المعاصي، ناتجة من الجهل بحقيقة توحيد الأسماء والصفات، يعلمون أن الله غفور رحيم لكنهم ينسون أنه شديد العقاب، وأنه غفور لمن؟ ورحيم بمن؟ هل يغفر للمعاند المكابر المصر؟ أم أن هذا رجل متوعد؟

فإذن، غياب المفهوم الصحيح لتوحيد الأسماء والصفات، الجهل بمعاني أسماء الله -تعالى- وصفاته يقود إلى نتائج سيئة في الواقع.

نحن نقول: إن رحمة الله -تعالى- قريب من المحسنين، رحمة الله قريب من المحسنين، فينبغي أن نكون من المحسنين.

أنت تقول له: إن رحمة الله قريب من المحسنين، فأين الإحسان؟

ثم تقول له: إن الله -تعالى- قال: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ  [الحجر: 49-50].

وقال تعالى: اعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المائدة: 98] فقرن بين شدة العقاب وبين المغفرة والرحمة، فهو سبحانه شديد العقاب وهو سبحانه غفور رحيم.

نعم، إن رحمته سبقت غضبه، ولذلك أهل الأعراف الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم أين مصيرهم؟ أهل الأعراف أين مصيرهم؟ الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم، مصيرهم إلى الجنة، يدخلون الجنة في النهاية، يدخلون الجنة وبسبب أيش؟

أن رحمة الله سبقت غضبه، فلما تساوت حسناتهم وسيئاتهم، ورحمة الله سبقت غضبه دخلوا الجنة، مصيرهم إلى الجنة، لكن بعد دخول أهل الجنة الجنة، ويقفون في ذلك الموقف العظيم، وتصرف وجوههم قبل أصحاب الجنة وأصحاب النار، وتحدث المحاورة التي ذكرها الله -تعالى- في كتابه في سورة الأعراف، لكن ينبغي أن لا يجعل هذا المفهوم وهذه القاعدة أهل الفسق يتمادون في فسقهم، ويتكلون على رحمة الله، يقولون: الله غفور رحيم، وهم سادرون في المعاصي.

الخلل في الفهم السليم في مفهوم القضاء والقدر

00:23:07

نظرًا للجهل بعقيدة القضاء والقدر وعدم فهم عقيدة القضاء والقدر فهمًا سليمًا من أن الله هو الذي علم سبحانه ويعلم كل ما كان وما يكون وما لو كان كيف كان يكون؟ الشيء لو ما حدث هكذا كيف كان سيحدث؟ ماذا كان سيحدث لو ما حدث الشيء الفلاني ؟ ما الذي يعلمه الله ؟ وأنه كتب مقادير الخلائق، وهذه الأحداث التي تجري وجرت في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وأنه له الإرادة والمشيئة النافذة التي لا تقوم لها أي إرادة ولا يمكن رد ما قضى الله ، وأنه سبحانه خلق أفعال العباد، فكل عمل يعمله العبد فالله خالق له: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: 96] إذا استيقن العبد بقضاء الله وقدره وهو من أركان الإيمان فإن كثيرًا من الانحرافات التي تقع من الناس لا تقع عنده.

فمثلًا بعض الناس يتصرفون في أنفسهم، يسرفون على أنفسهم، يقعون في المعاصي، ويقولون: نحن مجبورون على ذلك، نحن مرغمون على ذلك، الإنسان مسير وليس بمخير.

وقضية الإنسان مسير وليس بمخير، أو الإنسان مسير ومخير، لم تكن من النقاشات التي دارت بين السلف، وإنما هي أمر حادث جرى بعد ذلك، والله قضى الأمر وأعطانا إرادات ولا أحد مكره على عمل المنكر دائمًا، يكره على ذلك وهو لا يريده.

وتجد الناس يستمرئون المعاصي بحجة أنهم مجبرون وأن الأشياء مكتوبة وأن القدر مكتوب، ويحتجون على المعصية بهذا.

وفي جانب آخر يعترضون على القضاء والقدر ولا يرضون ولا يسلمون، ما هو السبب؟ قل لي: النياحة، الصياح، الزعيق، شق الثوب، تقطيع الشعر، هذا تصرف ومعصية وانحراف، لكن هو مرده إلى أي شيء؟

نحن نعلم أنه معصية، لكن حلل الموقف، موقف نائحة تصيح وتزعق وتشق ثوبها وتقطع شعرها، وتقول: يا ويلي ويلي يا ويلي يا ظلام ليلي، ما سببه؟ وا فلاناه ما سبب هذا؟

مرده إلى الخلفية.

نحن نريد أن نكون أكثر عمقًا في النظر للواقع حتى يستطيع أن يعالج الدعاة إلى الله لابد أن ينظروا للواقع، ويتلمسوا مواطن الخلل للعلاج.

مرد هذه المسألة ليس أن المرأة مثلًا صوتها قوي، وأن عندها قدرة على الزعيق والصياح، وأن هذا الشخص كان عزيزًا عندها وغاليًا وأن عندها قدرة على التقطيع.

المسألة تتعلق حقيقة بقضية الاستسلام لقضاء الله وقدره، وعقيدة القضاء والقدر والرضا بما قضى الله وقدر، وأن السخط حرام ولا يجوز، وهذا تعبير، يعني قضية تقطيع الثياب وشق الثياب وتقطيع الشعر والصياح هذه تعابير تعبر عن عقيدة مخلخلة أو عن عقيدة في الداخل مهترئة في موضوع القضاء والقدر، ويقول: ماذا فعلت لك يا رب؟ أو ماذا فعل فلان لك يا رب؟ أو فلان ما يستاهل.

نستغفر الله العظيم مما يقول هؤلاء الظالمون.

يقولون إذا صار لواحد حادث شنيع قال: والله فلان ما يستاهل، فلان ما يستاهل، كيف ما يستاهل؟ حلل العبارات المنكرة تجد أنها منطلقة من قواعد سيئة، أو من جهل، أو من غياب التصور، أو غبش، أو تصور منحرف مستقر في النفس.

الخلل في مفهوم التوكل

00:27:30

وكذلك الخلل في مفهوم التوكل على الله، إما تجعل الشخص يتوكل على الناس وعلى الأسباب وينسى الله -تعالى- أو تجعله يتواكل ويهمل الأسباب بحجة التوكل على الله -تعالى-.

فإذن، هؤلاء الناس الموجودين في الواقع ممن يعتمدون على فلان وفلان وهو كل شيء فلان هذا كل شيء في حياته، أو يعتمدون على الأسباب اعتمادًا كليًا وينسون الله -تعالى-، ما هو السبب في هذا الانحراف؟ عدم وضوح قضية التوكل في نفوسهم.

قضية تصور أن الجنة سهلة، وأنها تطال بمنتهى السهولة، وأن الإنسان سيدخل الجنة بسهولة، هذا من المفاهيم المنحرفة، التصور الصحيح سلعة الله غالية، وسلعة الله الجنة، والجنة حفت بالمكاره، فليست جنة عدن التي خلقها الله بيده، وجعل فيها الحور العين والأنهار والأشجار والثمار والأطيار، ليست سلعة رخيصة ينالها أي أحد من الناس.

هذا واحد شخص مضيع للصلوات جاء قريب له ينصحه، هذه قصة واقعية -يا جماعة-، قال له: يا فلان ترك الصلاة، وأنت ما صليت، جاء وقت الصلاة وما صليت، وطلع وقت الصلاة وأنت ما صليت، وهذه المسألة عقوبتها كذا، والله يعاقب ويحاسب، ماذا قال هذا الرجل العامي؟

قال: بس بلا كلام، يعني أنت تظن أن الله يوم القيامة يأخذ الواحد فينا ويحاسبه: أنت ما صليت الصلاة يوم كذا؟ وما صليت الصلاة يوم كذا؟ خلاص سيأتي إلى هؤلاء الذين يقولون: لا إله إلا الله، يقول كلكم ادخلوا الجنة، وخلصنا، يقول: هو ما راح يدقق معنا في الصلاة: فاتت صلاة ما فاتت صلاة، خلاص كلكم قلتم : لا إله إلا الله، ادخلوا الجنة.

فالمسألة فوضى عندهم، الجنة فوضى، كل الناس يدخلونها.

إذن، أين يذهب الفسقة والفجرة ؟

إذن، والنار أعدت لمن؟

للكفار، إذن الذين لن يخلدوا في النار سيعذبون فيها ثم يخرجون كما دلت على ذلك الأدلة الشرعية، من هؤلاء الذين لن يخلدوا في النار، سيمكثون فيها فترة من الزمن ثم يخرجون وقد احترقوا وانتهشوا، ثم ينبتون عندما يلقون في نهر الحياة، ينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، هؤلاء من هم؟ قل لي من هم؟ إذا لم يكونوا هم المضيعون للصلوات من هم؟

 فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم: 59] إلى متى؟

وكذلك تصور أن العبادة منحصرة في هذه الشعائر التعبدية والمساجد، الشعائر المعينة أو المساجد، يقولون : صلاة وزكاة وصيام وحج، هذا هو الدين أشياء، يحصرون الدين في أشياء معينة، هذا من الخلل، حصر الدين في أشياء معينة، والدين أوسع من ذلك بكثير، بني الإسلام على خمس، الإسلام هو البناء، بني على خمسة أركان، فإذا واحد كان عنده أعمدة، الأعمدة الأساسية للبيت لكن ما عنده لا جدران ولا سقوف ولا نوافذ ولا مرافق ولا مطبخ ولا حمام، هل يعيش في بيت هذا حاله؟

إذن، بني الإسلام على خمس يعني هناك دين بناء عظيم فيه شعائر كثيرة جدًا، لكن مبانيه على خمسة أسس، فالناس جاؤوا بالأعمدة ونسوا بقية البنيان، فحصر الدين في شعائر معينة، هذه من الأشياء التي تجدها موجودة عند العامة.

أنت -يا أخي الداعية- أيضًا فكر في ذلك، كيف تعالج القضية؟

وسع مفهوم الدين بحسب ما جاء في الكتاب والسنة، تجد أن كثيرًا من حجج الناس تتهاوى، وكثير من تصرفاتهم تتعرى ويصبحون على المحك فعلًا، ولا يؤدي هذا في النهاية إلى ما يؤدي إليه غياب التصور الصحيح من عدم الاحتساب على بقية الأعمال، حصر الدين في أشياء معينة يؤدي إلى عدم الاحتساب في بقية الأعمال، والتهاون بالأحكام الشرعية خارج نطاق الشعائر التعبدية التي حصروا فيها الدين، وهكذا..

الخلل في معيار المفاضلة بين الناس

00:32:35

ومن التصورات أيضًا والموازين الخاطئة: جعل الميزان غير التقوى، والميزان عند الله هو التقوى، التصور الصحيح: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: 13] لما غاب هذا الميزان وهذا التصور ماذا حصل؟

صار الناس ينظرون إلى الشخص يقومونه بحسب غناه أو فقره، نسبه شرفًا ووضاعة، وظيفته ومرتبته ودرجته في هذه الوظيفة، يقومون الناس بهذه الأشياء نوع السيارة... والشهادة العلمية والمنصب والعائلة والنسب والجنسية، ونحو ذلك.

وإذا جاءهم صاحب دين، لكن أحواله مستورة، أو نسبه ليس برفيع ردوه، في الزواج ردوه.

وإذا جاءهم صاحب نسب أو مال قبلوه، وإن كان فاسقًا فاجرًا، يقول لي أحد الشباب: تقدمت إلى عائلة قالوا لي : اسم الأخ؟ فقلت لهم: فلان الفلاني، بعد فترة أرجعوا إلي الجواب، قالوا: والله نحن عندنا تقاليد معينة وأنتم ما نزوجكم، لأنكم لست بأكفاء لنا، قال: لأني موظف في نظرهم بسيط، يقول: ثم تقدم بعد فترة ولد عمه من نفس العائلة، ومن نفس القبيلة، ومن الأسرة نفسها ولكنه تاجر، قال: فقبلوه وأهلًا وسهلًا وأنت من الأكفاء وعلى الرأس والعين، قال: الآن أنا كنت الآن غير مكافئ ولا أناسبهم، ثم جاء ابن عمي يحمل نفس الاسم ونفس العائلة صار عندهم مكافئًا مناسبًا.

شخص آخر جاءهم بسيارة الشبح طالبًا ابنتهم، لما جلس في المجلس كان صريحًا، قال: يا جماعة الحقيقة أنا أشرب، قالوا: ما فيها شيء، أبوها الله يرحمه كان نفس الشيء، وطلعت البنت كما يقولون العامة: اسبور، وجلست إذن، المسألة الآن الناس لا ينظرون إلى دينه ولا إلى خلقه، ينظرون إلى سيارته إلى وظيفته إلى ماله بيته أثاثه لباسه ...

هذا نتيجة اضطراب الميزان الشرعي: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ .

الميزان الشرعي: إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم [رواه مسلم: 2564].

هذا هو الميزان الشرعي: من أتاكم ترضون خلقه ودينه، فزجوه إلا تفعلوا تكون فتنة في الأرض وفساد عريض [رواه ابن ماجه: 1967].

هذا هو الميزان الشرعي: "مر رجل مسكين ضعيف، النبي ﷺ سأل أصحابه عن رأيهم فيه، قالوا: هذا حري إن نكح أن لا ينكح، إن خطب أن لا يزوج، وإن قال أن لا يسمع لقوله، وإن شفع أن لا يشفع. لما مر رجل آخر ذو شارة حسنة وذو هيئة وأبهة، قالوا: حري إن خطب أن ينكح، وإن قال أن يسمع لقوله، إن شفع أن يشفع، النبي ﷺ بين لهم قال: هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا  [رواه البخاري: 6447]، هذا هو الحقيقة، هذا هو الميزان الصحيح، ميزان التقوى.

لكن أين الكلام الآن عند الناس ما يسمعون لك فيها ولا يعتبرون بها مطلقًا؟ هذا من فساد التصورات.

وكذلك من فساد التصورات، من الفساد المبني على هذه القاعدة، قضية التقوى في القلب وليس المظهر هو المهم، ما وقع فيه الناس الآن من الاهتمام بالمظاهر، وحتى طال ذلك فئة من الشباب يهتمون بالنظارات والأقلام والسيارات، هذه الوجاهة التي يخرجون بها على الناس، هذه الوجاهة التي يتمنظرون بها أمام الخلق، يتفاخرون بها، وتجد الواحد مع الأسف، وهذا مرض اجتماعي، يستدين لكي يشتري شيئًا يظهر به أمام الناس، والدين صعب، الدين صاحبه مأسور بدينه، ولم يصل عليه صلاة الجنازة ﷺ، الآن بردت عليه جلدته، حين سدد عنه أخوه المسلم، سدد أوفى بدينه، الشهيد وما أدراك ما للشهيد من أنواع النعيم، يغفر له كل شيء إلا الدين، والآن في عالم الدين الاستلافات المتوالية لأي شيء هل تقول: استلف ليأكل؟ استلف ليلبس من عري؟ استلف لشيء ضروري؟

لا.

ليسدد فاتورة الكهرباء؟

لا.

استلف لكي يشتري طقمًا جديدًا أو يجدد السيارة، أو الأثاث شيئًا، يتمنظر به أمام الناس.

الخلل في التصور الشرعي للولاء والبراء

00:38:20

من الأخطاء والخلل في عدم وضوح التصور الشرعي في الولاء والبراء المبني على قوله تعالى:  لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ  [المجادلة: 22]،  إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ [المائدة: 55] بين الولاية لمن والمعاداة والعداوة لمن.

لكن عدم ترسخ هذا المفهوم عند الناس، جعل الإقليمية تظهر، والقبيلة تظهر، والعرقية تظهر، والجنسيات المختلفة تظهر، يظهر فيها الولاء والعداء عليها، وتزول محبة المؤمنين، وتحل محلها محبة الكافرين، وترى محبة أو الإعجاب بنصراني كافر أشد من محبتهم للمسلم، وخصوصًا إذا كان من بلد فقير.

انظر الآن إلى احتقار الناس للهندي والبنغالي، انظر إلى احتقار الناس على مستوى الناس العامة يقول: أما إنك هندي صحيح، حتى إنهم يهزؤون، ويجعلون هذا مثلًا للغباء مثلًا للسذاجة، وهكذا يفعلون.

والحقيقة إنني أتعجب فعلًا من هؤلاء الهنود المساكين المسلمين، الذين يدخلون المساجد للصلاة، نحن استهزأنا بهم وسخرنا منهم وعاملناهم بسائر الإهانات وهم مسلمون، ويعلمون أننا مسلمين مثلهم ومع ذلك دخلوا المساجد ليصلوا، وإذا دخلوا المساجد، يا مقرف، يا صاحب الرائحة الكريهة، اطلع بره.

صحيح أن بعضهم عندهم روائح كريهة، لكن ما هكذا يا سعد تورد الإبل، ليست هذه الطريقة، فنحن سواء كانوا مخلين بأشياء، أو مستقيمين على أشياء، نهزأ بهم باستمرار، وترى صارت أشياء لا شعورية، أحيانًا تخرج من الواحد تجاه واحد مسلم عامل مسلم فقير مستضعف ذليل، وربما أخرنا عليه الراتب وأهناه خصمنا عليه وهو مظلوم، وربما يريد أن يقبل قدميك لأجل أن يمسح السيارة، لأن الكفيل يطالبه بثلاثمائة ريال في الشهر لازم يدفعها، لو كان كافراً، يستحق الإذلال والإهانة، لكن بالظلم، لا، لأنه لا يجوز ظلم حتى الكافر، لكن المشكلة أنه مسلم، مسلم يشهد بأن لا إله إلا الله، ويقيم الصلاة، ويدخل المسجد، وتأتي إلى قضية تقديم الكفار على المسلمين في الوظائف، وتجد العجب العجاب، نتائج واضحة للانحراف في مسألة الولاء والبراء.

خذ -يا أخي المسلم- قضية أخرى من القضايا: الخوف، المسلم ينبغي أن يخاف من الله، وإذا خاف من شيء آخر خوفًا طبيعيًا كالخوف من الأسد والثعبان لا شيء في ذلك إذا لم يتجاوز الحد، الخوف من الشيء الذي يدفعك إلى الابتعاد عنه لضرر أو لاتقاء ضرره متوكلًا على الله موقنًا أن الضرر بيد الله والنفع بيد الله، هذا لا شيء فيه.

لكن قضية الآن الخوف الذي استعمر قلوب الكثيرين من المسلمين حتى وقعوا في الشرك، بعضهم يعتقد أن فلانًا من الناس يستطيع أن يفعل به ما يشاء، كيف يشاء، في أي وقت يشاء، إذا اعتقدت هذا وقعت في الشرك بعينه، إذا اعتقدت أن فلانًا من الناس يستطيع أن يعمل بك ما شاء، في أي وقت يشاء، كيفما يشاء، وقعت في الشرك، ولذلك ترى استيلاء الخوف على قلوب الكثيرين سبب إرجافًا وتركًا للمنكر وإنكاره وذلًا، بل وردة عن الدين عند بعض الناس، وتركًا للشعائر الإسلامية وزوالاً للمظاهر الإسلامية، بسبب الخوف من غير الله، ترك أشياء من الدين خوفًا من غير الله، لو كان مكرهًا مستضعفًا لقلنا ما هو عذر، لكن، لا، لأدنى شيء يترك الالتزام بالإسلام خوفًا.

هذه الشخصية الجبانة المترددة التي لا تقوى على مواجهة الباطل، ولا على إنكار المنكر، ولا رفض الباطل، هذا الإنسان الجبان الذي لا يريد الصدع بالحق، ولا عنده جرأة في دين الله، ولا تغير ولا على أصحاب المنكرات، ولا إنكار، بسبب خلل في مسألة الخوف من الله -تعالى-، قال الله : فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ [آل عمران: 175]، إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ  [آل عمران: 175].

ما معنى هذه الآية؟ ما معنى: الشيطان يخوف أولياءه؟

يعني يخوفكم بأوليائه، يجعل أولياءه سببًا لإخافتكم  إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه  يعني ذلكم الشيطان يخوف أولياءه، يعني يخوف المؤمنين بواسطة أوليائه من الطواغيت وغيرها.

فإذن، هذه المسألة ينبغي أن ينتبه لها، وبعض الناس يعمل مفاسد متوهمة، مفاسد يقيم حسابات خطأ في خطأ متوهمة وهمية، ويترك أشياء من الدين لأجلها، ونحن أصلًا لو نظرت إلى معاملتنا وتربيتنا للأطفال تجد أننا ننشئهم على الخوف، ونخوفهم من الجني والبعبع والغول والحرامي، لينشأ الولد خائفًا مذعورًا من الصغر، من الصغر التخويف حاصل وموجود.

التصورات الخاطئة المتعلقة بالدعوة

00:45:10

وكذلك من التصورات الخاطئة المتعلقة بالدعوة مثلًا تصور أن النصيحة لا تأتي من الأدنى، لابد أن تأتي من الأعلى، ولذلك لا يقبل الأب من ابنه شيئًا، أو المدير من الموظف شيئًا، أو الأستاذ من الطالب شيئًا؛ لأن عنده النصيحة دائمًا تأتي من الأعلى، وكذلك أي واحد ما يقبل من أصغر منه سنًا، لسبب خلل في مفهوم النصيحة.

وكذلك من الخلل في مفهوم النصيحة اعتقاد أنها تدخل في الشؤون الخاصة، فإذا جئت تنصح إنساناً يقول: هذا شغلي أنا، ما هو شغلك، إذا قلت له: يا فلان ثوبك مسبل، يقول: هذا ثوبي والا ثوبك ؟

ثوبه، إذن لا تتكلم، لا تتدخل فيما لا يعنيك فتلقى ما لا يرضيك، ويأتونك بالأمثلة.

وكذلك المفهوم الخطأ لقضية الحرية الشخصية هو الذي يسبب عند الناس رفض الدعوة، اعتبار النصيحة وإنكار المنكر تدخلًا في الحرية الشخصية.

وكذلك من الانحرافات في مفهوم النصيحة: تقديم الأسلوب على المحتوى والمضمون، واحد يقول: قال لي: قم صل، ما أنا مصلي، ليش؟ ما قال لي: لو سمحت، ليش ينفخ علي؟ ما أنا مصلي، الآن لا ننكر أن الداعية قد يقع في خطأ، وأن الشخص الذي وجه له النصيحة عنده خلل في الأسلوب، لكن الخلل الأكبر عند من؟ الذي رفض النصيحة وترك الصلاة؛ لأنه عنده أن الأسلوب أهم من المضمون، الأسلوب لو سمحت، هذه أهم من أن يقول : صل، زك، صم، أو يقول : لا تفعل كذا من المنكرات، الأسلوب عندهم أهم.

فانظر كيف يؤثر التصور على قضية الفعل؟ ردة الفعل تكون منطلقة من تصور خاطئ أن الأسلوب مقدم على المضمون، ومقدم على المحتوى.

الخلل في فهم قضية المباحات

00:48:39

الخطأ والخلل في فهم قضية المباحات، حتى عند شباب الصحوة، يعني غياب المعنى الحقيقي للزهد يجعل الكثيرين يقعون في الإغراق في المباحات، مما يؤدي إلى وقوعهم في الشبهات، ثم بالتالي وقوعهم في المحرمات، توسع في الأشياء؛ لأنهم لا يفهمون حقيقة الموقف الشرعي من المباحات، فلذلك يكون حياتهم في أكثرها ومجملها هي عبارة عن إغراق في المباحات وليس في عبادات ولا في أشياء جادة، وإنما يقول الواحد في نفسه: ما دام جائز لماذا لا أفعله؟

من الخلل أيضًا الخلل في الشعور بالمسؤولية، والنبي ﷺ قرر المسألة وقال: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته .

والخلل في الشعور بالمسؤولية يجعل الإنسان لا يؤدي دوره المطلوب منه، لا يؤدي الوظيفة المطلوبة منه، لا يقوم بما أوجب الله عليه، وحتى في الأعمال الدنيوية، الموظف إذا كان لا يشعر بالمسؤولية، تجده يأتي إلى العمل متأخرًا، ويفطر في العمل، وعلى حساب وقت العمل يقرأ الجرائد، ويشرب الشاهي، ومع الزملاء ضياع أوقات في الكلام، وينصرف مبكرًا والباقي للمراجعين، يعني حتى على المستوى الدنيوي عدم الإحساس بالمسؤولية، فهم معنى المسؤولية، تقدير المسؤولية، هذا الخلل ينعكس على التصرفات التي تكون سيئة في الواقع ومضرة بالخلق، في ذات الوقت عدم فهم الحدود الحقيقية للمسؤولية يجعل الإنسان متسلطاً، إذا فهم أنه ما دام أنه عنده هذا القدر من المسؤولية يجب أن يرجع إلي الجميع وفي كل شيء يستفتونني ويسألونني ويستشيرونني، ولو واحد منهم ما استشارني في العلامة التجارية للنعل التي يريد أن يشتريها.

إذن، هو خارج عني الأدب، لماذا لم يستشر في الذهاب إلى السوق؟ وأي نوع من أنواع الكمبيوتر يشتري وأي علامة؟

إذن، الخلل في فهم قضية المسؤولية، إما أن يوقع الشخص في التخلي عن الواجبات المطلوبة منه وعدم القيام بالدور لسد الثغرة، أو يوقعه في التسلط والعجرفة، وتكليف الناس ما لا يطيقون.

كذلك من الأشياء والأخطاء في التصورات الخطأ في تصور ماذا يمكن الاستفادة من الواقع، فبعض الناس يقولون: هؤلاء أهل الدين أيش عندهم غير أن الأغاني حرام والتلفزيون حرام؟ ما هو الخطأ؟ الخلل في التصور أنهم لا يعرفون مدى الاستفادة من الشخص أو يقولون: هذا العالم أيش عنده غير هذه القضايا الفقهية في الطهارة وغيرها؟ لا يعلمون أنه يمكن الاستفادة منه في أشياء أخرى كثيرة.

وكذلك تجد البعض، حتى شباب الصحوة يقولون: هذا الخطيب أيش عنده، ما عنده شيء جديد؟ ما هذا الكتاب، ما في شيء جديد؟ وهكذا تجد استحقار الأشياء، استحقار الأشياء، ما في شيء جديد.

الآن إذا أنت قرأت القرآن عشرات المرات، هل يمكن أن تقول: ما في شيء جديد؟ يمكن الاستفادة من جميع الأشياء، وأخذ الدروس حتى من البهائم، العلماء أخذوا دروساً من النمل، أخذوا دروسا من النحل، اقرأ ما كتبه ابن القيم رحمه الله في شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، حتى لما رأوا الطائرين يطيران معًا اتضح أن هذا جناحه مكسور وهذا جناحه مكسور، ولا يمكنهما الطيران إلا بالتعاون جناح من هذا وجناح من هذا.

فإذن، المسألة مسألة الاستفادة من الناس والظروف ينبغي أن تكون عائدة إلى تصور صحيح في إمكانية توظيف الحدث واستغلال الفائدة، أخذ الفائدة من أي شيء، من الذي علم أبا هريرة أن آية الكرسي قبل النوم وقاية من الشيطان؟ ممن استفاد أبو هريرة هذه الفائدة؟

من الشيطان نفسه، هو الذي علمه إياها، لما جاء على صورة رجل يأخذ من الصدقة، يسرق، فأمسكه أبو هريرة في المرة الأولى والثانية والثالثة.

الخلل في الرضا بالواقع

00:52:51

من التصورات الخاطئة: الرضا بالواقع، وأنه ليس في الإمكان أحسن مما كان، وهذه النظرة القنوعية الخاطئة، تجعل الواحد يستسلم، ويكون سلبيًا، ويقعد، ولا يوجد في حياته لا تطوير ولا تحسين ولا إضافات، وهذه مدخل شيطاني، الشيطان يوحي إليك أنه ليس بالإمكان أحسن مما كان، وأنك لا تستطيع أن تزيد في ساعات قراءتك شيئًا، ولا في الأوقات التي تقدمها للدعوة شيئًا، ولا في الجهود التي تقدمها لإخوانك شيئًا، ويقول: ليس بالإمكان أحسن مما كان، وبالتالي الشخص في مكانك راوح لا يتقدم ولا يبذل ولا يعطي.

الخلل في تضخيم الأنا والذات

00:53:41

وكذلك من الأمور الخاطئة: تضخيم الأنا والذات، يعمل لنفسه ولا يقدم للآخرين، قضية سوء الظن بالآخرين، افتراض فلان هذا ما جاء إلا وهو يريد شيئاً، أكيد أنه ما جاء لوجه الله...

ينبغي الاستفادة من كل ما هو متاح وعدم الاستهانة به، ومن ذلك مثلًا أن بعضهم لا يسمع لشخص غير مشهور، أو لا يقرأ شيئًا لشخصية مغمورة ولو كان مفيدًا؛ لأنه ليس بمشهور، أو إذا لم يكن يعطي الدرس الشيخ فلان الفلاني ما أجلس في كل الحلقات الموجودة، أنا أريد شخصًا مشهورًا، وإذا جلس في درس يقول: ما سمعت شيئًا جديدًا، هذا الدرس ما فيه فائدة.

هؤلاء الشباب يفوتهم خير كثير.

أولًا: لا يشترط أن الذي تسمع له يكون شخصاً مشهوراً، ما دام إنسان من أهل السنة والجماعة، من أهل الحق، يقول الحق، فأنت تستفيد منه حتى لو كان شخصًا غير مشهور.

ثانيًا: لو كانت الحلقة ليس الذي يدرس فيها عالم من العلماء، وإنما الموجود المتوفر طالب علم، لماذا لا يستفاد منه، لابد يكون أحد المشهورين؟ طالب علم يا أخي قد يبسط لك في بعض الأحيان أكثر من أن يبسط الشيخ الكبير، وكذلك قولهم : حضرنا ما سمعنا شيئاً جديداً.

 أولًا: لماذا ننسى الأجر والفضل الموجود في الدرس من حضور الملائكة ونزول الرحمة والسكينة، الأجر الموجود في الدرس والحلقة؟

ثانيًا: الاستفادة من الدروس ليست فقط معلومات، كان آلاف يجلسون عند الإمام أحمد -رحمه الله- بعضهم يستفيد منه المعلومات، وآخرون كثر يستفيدون منه الأدب، الأدب من الشيخ، ثم إن الإنسان قد يحضر ويفيد، قد يستدرك شيئًا، يكمل الآية، يصحح خطأ، مشاركتهم في الدرس تسبب فاعلية للآخرين، انظر إلى الأدوار التي يقوم بها المخلصون، يمكن أنه يجلس وهو يعلم أنه لن يسمع شيئًا جديدًا لكن حضوره تشجيع لغيره فهو يحضر لتشجيع الآخرين، هذا الرجل رجل عظيم ورجل مخلص، ما يقول: أنا ما أستفيد شيئاً، ليش أحضر الدروس؟

ثم إننا ينبغي أن ننظر إلى مسألة أخرى، أين سيذهب إذا لم يحضر الدرس؟ يعني هل سيقرأ هو في كتاب مستواه متقدم في وقت الدرس؟ أم أنه سيذهب يسيح في الشوارع والمحلات والأسواق وينام؟ يعني لو كان عنده شيء أهم وأكثر فائدة لقلنا : معه عذره، لكن في كثير من الأحيان تجد هؤلاء الذين يشتغلون بالدروس الموجودة لا يلتفتون أو ينطلقون إلى مجالات أرحب وأوسع أو إلى مستويات أعلى، وإنما تضيع أوقاتهم.

الخلل في النظر إلى الآخرين

00:57:39

ومن الأمور أيضًا التي تسبب انحرافات في التعامل: النظر إلى الآخرين بعين الازدراء والنقص، تقدم شيء من هذا لكنه في الحقيقة مرده إلى عجب في النفس، وهذا العجب هو الذي يدفع الشخص إلى احتقار الآخرين وعدم إنزال الناس منازلهم وعدم توقير الكبير وربما يكون للوالدين.

هذا طبيب جاءه رجلان شاب وشايب في العيادة، جلس الشاب واضعًا رجلًا على رجل، الطبيب يقول: خير من المريض، فهذا الولد أو الشاب يشير يقول: هذا الشايب عندك واضعًا رجلًا على رجل، ثم إنه لا يساعد أباه في الجلوس على سرير الطبيب، ويترك المسألة للممرضة أو للطبيب، وهو جالس قرفان من جلوسه، ينظر، يحس بشيء من الكره لهذا الشايب؛ لأنه حرمه من مرافقة أصحابه، وأرغمه أن يأتي به إلى المستشفى، بل ربما لا يذهب به أصلًا، ويقول للسائق: اذهب أنت بأبي إلى المستشفى، هذا من القطيعة الموجودة، وربما لا يدري أن أباه مريض أصلًا؛ لأنه لا يوجد هناك ترابط، هذا يدخل إلى الدور السفلي، وهذا يصعد إلى الدور العلوي، هذا يدخل من باب وهذا يدخل من باب آخر، هذا يتغدى في المجلس، وهذا يتغدى في الغرفة الداخلية، ما في صلات حتى في العائلة الواحدة في البيت الواحد، لا يدري بعضهم عن حال بعض، وصلنا إلى هذه الدرجة.

طبعًا من الأسباب لهذا ولا شك قضية ضعف صلة الرحم، ضعف بر الوالدين، ضعف الاهتمام بالمسلمين، أحيانًا يكون فيها شيء من الكبر والترفع، وهو سيؤول في النهاية إلى ما آل إليه هذا الشيخ الكبير في السن.

ومن الأخطاء أيضًا: أن الإنسان يتصور أن كل ما هو في مكان يصلح أن يطبق في مكان آخر، وأن التجربة الفلانية يصلح أن تطبق في المكان الفلاني، ولو كان هناك اختلاف جذري بين المكانين أو بين الشخصين، يعني تعميم التجربة والحدث بغض النظر عن الملابسات والظروف، ولذلك أحيانًا تنقل خبرات أو تنقل تجارب من مكان إلى مكان فتكون مضحكة مثل لو أن واحداً الآن ذهب إلى هجرة في البادية أو إلى بدو متنقلين وبنى عندهم المطعم، جعل فيه مطعم همبرجر، هل يصلح أن يجعل هذا المطعم في هذا المكان؟

فكذلك نرى أحيانًا من التشبه بالكفار ننقل تجاربهم أو أشياءهم بالدقة والتفصيل إلى أماكنهم، ولذلك تجد أحيانًا بعض الحمامات فيها أماكن للبول واقفًا بدون ساتر، وبعض الحمامات والمراحيض مكان قضاء الحاجة، ما في وصلة لماء يستنجي به بعد قضاء الحاجة.

كذلك أماكن الرجال والنساء، صالات الرجال والنساء، حتى الإنسان لو أراد أن يبني بيتًا إسلامه يفرض عليه أن ينفذ البيت بطريقة تختلف عما ينفذ به الكافر، الكفار يجعلون صالات مفتوحة لأن جلوسهم مختلط، وبعض تصميمات بيوت المسلمين فيها هذا، حتى رأيت بنفسي في بعض البيوت بار مثل البار، نفس تصميم البار هو موجود، ماذا يتعاطون فيه؟ الله أعلم، لكن التصميم نفس تصميم البار موجود.

كذلك المسلم إذا صمم بيتاً يجعل مثلًا المرحاض إلى غير جهة القبلة، إذا كان يسكن مثلًا في هذه المنطقة يجعله شمالي جنوبي، لا يجعل مكان الجلوس لقضاء الحاجة شرقي غربي، حتى لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ببول ولا غائط، ويهتم بالفصل بين أماكن الرجال وأماكن النساء، ولو أراد أن يبني مجمعًا قبل أن يبني مسبحاً أو صالة يبني مسجدًا.

على أية حال: مسألة التشبه هذه، كثير من القضايا الموجودة في الواقع، وفي حياة الناس مبنية على خلل في هذه المسألة، وهي قضية تعميم التجربة، وأن ما يصلح لهم يصلح لنا، وهكذا..

الخلل في فصل الدين عن الأخلاق والأدب والذوق

01:02:58

وينبغي أن تكون نفوسنا طيبة، وأن نكون من أصحاب الأريحية والكرم والسخاء وجودة الطباع، وأن نكون لينين هينين، حتى يقبلنا الناس، وحتى يعم التآلف والتلاحم في المجتمع.

وهذه المسألة تعقيب على خلل أحيانًا يوجد عند بعض الناس يتعلق بقصر الشعائر الإسلام، في بعض الشعائر التعبدية وهي أنهم يقولون: ما للدين والأخلاق والذوق والأدب، كأن الدين ليس فيه أخلاق ولا ذوق ولا أدب، النبي ﷺ علمنا كما جاء في صحيح مسلم في استخراج نوى التمر إذا أكله أنه كان ﷺ يلقيه على ظهر كفه، يجعله على ظهر كفه ثم يلقيه، ظهر كفه الأيسر، أو بين أصبعيه نوى التمر، استخراج نواة التمر له أدب في الشريعة، يجعله على ظهر كفه الأيسر ثم يلقيه ولا يأخذه بيمينه، فيجعل التمر مع اللعاب، أو يخلط نوى التمر الخارج من فيه بالتمر الذي يأكل منه الآخرون، حتى لا يسبب ذلك تقززًا ممن يأنف من مثل هذه الأشياء.

إذن، الإنسان فيه ذوق وآداب، وفيه أخلاق، في بعض أسواق المسلمين، في الماضي -الله يرحم أيام زمان- كان التاجر إذا فتح محله في الصباح فجاء زبون اشترى منه، ثم جاءه زبون ثان يقول: اذهب إلى جاري التاجر الثاني، أنا استفتحت، جاءني واحد واستفتحت، هذا ما جاءه أحد اذهب اشتر منه هو.

أين الآن هذه الأشياء ؟ ذهبت

صار الناس الآن يبيع الرجل على بيع أخيه، يسوم على سوم أخيه، يشتري على شراء أخيه، ويناديه من بعيد يقول: تعال أعطيك بأقل، وهكذا.. ويكذبون ويغشون.

فإذن، تصور أن الإسلام فقط عبادات وصلوات وزكوات وصيام، وأنه ليس فيه ذوق ولا أخلاق ولا آداب، هذا ما يجعل بعض الناس عندهم جفاء الأعراب، حتى من بعض المتدينين عندهم جفاء الأعراب خشونة غلظة جفوة قلة أدب، عدم احترام الكبير ورحمة بالصغير، وهذه مسائل ينبغي أن توسع فيها المدارك لندرك عظمة شريعة الله، ونلم بما نستطيع الإلمام به من جوانب هذا الدين، هذا الدين عظيم، عظيم جدًا، ويكفي أننا نأخذ منه بما نطيق، ونسأل الله أن يغفر ويتجاوز عن الباقي.

والكلام في هذا يطول، وهناك أمور أخرى من الأخطاء والتصورات لكن حتى لا نأخذ كل الوقت فنبقي شيئًا للأسئلة.

ونسأل الله أن يسامحنا، وأن يعفو عنا، وأن يغفر زلاتنا، وأن يرزقنا الجنة، ويعيذنا من النار، ونسأله سبحانه وتعالى العفو والعافية في الدنيا والآخرة، إنه سميع قريب مجيب.