الإثنين 19 ربيع الآخر 1441 هـ :: 16 ديسمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

جهاد الحجة والبيان


عناصر المادة
منزلة العقيدة ومكانتها
حماية العقيدة من الأخطار التي تواجهها
قيام الأنبياء بالبيان والمجادلة بالحسنى
قواعد المناظرة والمجادلة
آداب المناظرة والمجادلة
الحمد لله الذي جمعنا في هذا البيت من بيوته، ونسأله عز وجل أن يجمعنا في جنات النعيم، وأن نكون إخواناً على سرر متقابلين، وفي الغرفات من الآمنين.
والمعذرة -أيها الإخوة- عن تأخري إليكم بهذا الخير؛ فحبسني خير من الله، وهو المطر الذي نزل قبل قليل، وصار المسير بطيئاً للغاية.
منزلة العقيدة ومكانتها
00:00:57
 وحديثنا عن العقيدة.
هذه العقيدة التي أنزل الله بها كتابه، وعلمنا إياها نبيه ﷺ.
هذه العقيدة التي تصون شخصية المسلم لتجعله خلقاً يختلف ويرجو ويرهب الدنيا وأهل الدنيا.
إنها عقيدة -أيها الإخوة- تجعل الإنسان يستمد من أسماء ربه وصفاته ما يتعامل به مع سائر الناس والأحوال من حوله، فهو يطلب المغفرة من الله إذا أذنب؛ لأنه يعلم أن ربه غفور رحيم تواب، وهو يطلب العفو من الله؛ لأنه عفو كريم، وهو يتجاوز، وهذا من شأن الكريم، وهو كذلك بعقيدته يسأل الله الرزق لا غير الله: فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ [العنكبوت: 17]، وهو الذي يرزق، فلا يخشى هذا المسلم أن يقطع رزقه أحد، وهؤلاء الناس أسباب قد يأتي الرزق عن طريقهم، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، فالذي ينفع هو الله، ولئن اجتمع الإنس والجن على أن يضروا إنساناً لم يكتب الله الضرر عليه ما استطاعوا.
فهذه العقيدة تصوغ شخصية المسلم تجعله سلماً لأولياء الله، حرباً لأعداء الله، موالياً لأولياء الله، معادياً لأعداء الله، وهكذا تتميز به عقيد الولاء والبراء من خلال هذا الكتاب العزيز وهذه السنة النبوية.
أيها الإخوة: هذه العقيدة التي تشتمل على العلاقة بالله، والإيمان به، بربوبيته، بألوهيته، بأسمائه وصفاته، بقضائه وقدره، بأنبيائه وكتبه ورسوله، وباليوم الآخر الذي يحاسبنا فيه.
هذه العقيدة المشتملة على أبواب الإيمان قول وعمل، وعلى الموقف من صحابة النبي ﷺ، وعلى غير ذلك من الأمور تحتاج إلى صيانة، وتحتاج إلى حفاظ عليها.
فمن أنواع الجهاد المهمة -يا إخوان-: جهاد الحجة والبيان، ننافح به عن عقيدتنا.
حماية العقيدة من الأخطار التي تواجهها
00:03:54
العقيدة تتعرض لأخطار من قبل المشركين، من قبل المبتدعين، من قبل الغلاة، من قبل المرجئة.
اليوم هناك أعداء كثر، ومنحرفون ومبتدعة يشنون الغارات على العقيدة، ويشككون الناس فيها، ويدعون الناس إلى عقيدة غير العقيدة الصحيحة، ويهاجمون العقيدة الصحيح، ويهاجمون الناس حتى في مصادر التلقي، يجعلون لهم مصادر في التلقي غير المصادر الشرعية، غير الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
ويريدون أن ينسفوا أشياء في ثوابت هذه العقيدة، وأن يجعلوا أسساً من عندهم مبتدعة.
العقيدة تتعرض لأخطار كثيرة، وواجبنا هو الدفاع والمنابذة والجهاد بالحجة والبيان، كما أن الجهاد يكون بالسيف والسنان أيضاً.
فحماية هذه العقيدة من العاديات، وكف العدوان والمعتدين من أعظم مهمات أهل العلم والإيمان وأشرفها، ولهم في ذلك القدح المعلى، والحظ الأوفى، وسيرهم مملوءة بالعبر التي كثرت فيها مصارع أهل البدعة الزندقة والكفر على أيديهم -أي أيدي أهل العقيدة وعلمائها- حتى حصحص الحق، وزهق الباطل، فلا أقوى من سلطان الحجة، ولا أسطع من نور الدليل والبرهان، وهذا من أعظم ما يمتاز به دين الله الحق، إذ هو حجة وبينه، ودليل وآية، وبرهان ونور، وشفاء لما في الصدور.
وقد تهزم العساكر الكبار، والحجة الصحيحة لا تغلب أبداً، فهي أدعى إلى الحق، وأنصر للدين من السلاح الشاكي، والأعداد الجمة؛ لأن السيف مرة لنا ومرة علينا، وليس كذلك البرهان، بل هو لنا أبداً، ودامغ لقول مخالفينا، ومزهق له أبداً، ورُبّ قوة باليد قد دمغت بالباطل حقاً كثيراً فأزهقته.
وقد قتل أنبياء كثر، وما غلبت حجتهم قط، قال أحد الخلفاء وعنده السيف والسلطان: غلبة الحجة أحب إلي من غلبة القدرة؛ لأن غلبة القدرة تزول بزوالها، وغلبة الحجة لا يزيلها شيء.
ولذلك لو قيل: المسلمون اليوم في هزائم.
نقول: نعم، لكن أهل التوحيد منهم في علو شأن بالحجة، لا يمكن أن يهزم الموحد المسلم صاحب العقيدة الصحيحة، لا يمكن أن يهزمه أحد.
العامي من الموحدين يمكن يهزم ألفاً من علماء المشركين، قال لنا أحد الأفاضل: إنه سمع طفلاً عند آية من كتاب الله تتلى عن قول اليهود:إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء [آل عمران  : 181] فالطفل عمره خمس سنوات لما سمع قول اليهود: إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء  قال: فمن أغناهم؟ الولد صغير، قال: من أغناهم؟ هؤلاء الذين يقولون:إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء، اليهود يقولون: يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة: 64].
ويقول هذا عفادة يوسف حاخام الأكبر اليهود الآن، يقول: إن الله ندم على خلق الفلسطينيين.
يسبون الله والرب، يسبون الإله عز وجل.
لكن -يا إخوان- ما يمكن يأتي واحد من أهل العقائد الزائغة المنحرفة، وأهل البدع، ويغلب موحداً صاحب عقيدة صحيحة.
فالغلبة دائماً لأهل السنة بالحجة والبيان، دائماً على مر العصور، وتوالي الدهور، الغلبة لأهل السنة.
لقد قام أهل السنة بالصدع بالحق والردود على أهل البدعة من قديم.
ظهرت بدع، ظهرت كفريات، أهل الباطل، يعني كفار قريش قالوا:لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا[الأنعام: 148].
وجلسوا يجادلون في قضية المشيئة.
عبد الله بن سبأ وأذنابه من اليهود الذي جاؤوا بعقائد البداء والإمامة والرجعة، وغير ذلك، والقدرية والجبرية والمعطلة والمشبهة والجهمية أصولهم ترجع لليهود، وأثاروا الفتن بين المسلمين، وهؤلاء النصارى يثيرون الشبه، وبعضهم وضع كتباً: كيف تناقش مسلماً؟ من زمان، والاختلاط بالأمم الأعجمية سبب إثارة شبهات، وشيوع العجمة كذلك سبب أشياء كثيرة، ظهور علم الكلام والفلسفة، خزائن كانت عند الكفار، كتب المأمون لما صار الترف قال: أرسلوا لنا ما عندكم من الخزائن، فامتنع ملك الكفار عن إرسالها في البداية حتى قال له واحد عنده، قال: يا أيها الملك، أجدادنا وقعت بينهم مقتلة عظيمة بسبب الكتب هذه، ثم دفنوا هذه الخزائن، وأقفلوا عليها بالمفاتيح.
إذا أردت أن تثير على هؤلاء المسلمين شراً وتنتقم منهم أرسل لهم الكتب، أرسل لهم الكتب علم الكلام والفلسفة، قام المأمون يترجم حركة الترجمة ويعطي على الكتاب وزنه ذهباً، وانتشرت جدليات وبدع جديدة، والفلسفة اليونانية دخلت على المسلمين، فصوروا أن نصير الشرك الطوسي الذي يسمى بنصير الدين الطوسي، وهو بريء من اسمه، واسمه منه بريء، جعل داراً تسمى: دار الحكمة، تدرس فيها الفلسفة وعلم الكلام، الذي يجيب الشبهات والشكوك، وجعل للطالب في هذه المدرسة ثلاثة دراهم في اليوم، بينما صرف لأهل الحديث لكل محدث نصف درهم.
هذا لما تولى أفسد، عربت الكتب اليونانية في حدود المائة ثانية؛ كما قال شيخ الإسلام -رحمه الله-، ودخل على المسلمين بسببها شر كبير.
ظهرت الفرق، ظهرت البدع في أوائل هذه الأمة، الشيطان يثير وساوس وشبه، كل ذلك كان مدعاة لظهور مواجهات، وفتح جبهات على المسلمين قاموا بالتصدي لها.
في عهد الصديق والفاروق ما كان أحد يمكن يتجرأ أن يتلفظ ببدعة؛ لأن اليد الحديدية كانت تضربه وتقمعه.
كذلك كان عمر -رضي الله تعالى عنه- لما وصل خبر صبيغ بن عسل، وهو رجل يجلس في المجالس ويثير الشبهات، ويسأل عن متشابه القرآن، والقرآن في آيات قد تخفى معانيها على العامة، ففي آيات مثلاً الكفار يوم القيامة لا ينطقون، وآيات أنهم يتكلمون، فيأتي يقول: هذه كذا، وهذه كذا، وكيف..؟ والنازعات ما هي؟ وما هي العاديات؟ إلخ..
يسأل عن أشياء من المتشابه.
يوم القيامة -يا إخوان- يوم طويل خمسين ألف سنة، فيه وقت يتكلم فيه الكفار، ووقت يختم على أفواههم فلا يتكلمون.
وهكذا تنزل مثل هذه الآيات على حال دون حال.
صبيغ بن عِسل يسأل عن المتشابهات في المجالس، أول ما سمع عمر -رضي الله عنه- بهذا الرجل، استدعاه: تعال، جلس عنده في المجلس، وقد أعد له عمر عراجين النخل، قال: من أنت؟ قال: عبد الله بن صبيغ، قال: وأنا عبد الله عمر، ثم أخذ العراجين، وصار يضرب بها على رأس صبيغ ضرباً متوالياً، شديداً، مبرحاً حتى سال الدم على وجهه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين، فوالله لقد ذهب الذي كنت أجد في رأسي [سنن الدارمي: 1/252].
كل الشبهات تبخرت مع هذه العقوبة، وهذا الضرب، اكتفى بذلك؟
لا، نفاه، ومنع المسلمين أن يكلموه في المنفى، حتى مرض الرجل نفسياً، وتأزم، وجاء إلى عمر بن الخطاب، استرحام، يأذن للرجل أن يكلم الناس ويكلموه.
من إذاً كان يتجرأ أن يرفع رأسه ببدعة في عهد عمر -رضي الله تعالى عنه-؟
ولما دخل الضعف على المسلمين بدأت بدع القدرية وبدع الخوارج.
هذه العوامل أدت إلى ظهور -كما قلنا- مناقشات ومناظرات، وقام أهل الحق يردون على أهل الباطل، وألفت الكتب، وعقدت المجالس.
نريد أن نعرف كيف ندافع عن عقيدتنا، خصوصاً الآن -كما قلت لكم- هناك أناس يريدون اللعب بثوابت الأمة، مصادر تلقي الأمة، يريدون أن نتحاكم إلى العقل، ونترك النص، والنص إذا ما جاء على مزاجهم نسفوه، ولو كان في صحيح البخاري.
ومن الانهزامية أمام الغرب: أنهم يريدون أن يلووا أعناق النصوص لتوافق ما عند الغربيين، ويضعفوا أشياء صحيحة، ويصححوا أشياء ضعيفة، وربما ما أخذوا بالحديث أصلاً.
وهكذا قام من يشكك بأحكام ثابتة في الشرع كالربا، والحجاب، وتعدد الزوجات، وفنون الشبهات على المسلمين.
نريد أن نعرف كيف ندافع؟ ما هو المنهج؟ ما هي هذه الأصول؟ ما هي الآداب حتى في المناظرات؟ وما هي الأحوال التي يمكن أن تقع فيها؟ كيف الطرق في المناظرة؟
إذاً، الجهاد بالحجة والبيان هذه قضية في غاية الأهمية، خصوصاً في هذا العصر الذي كثر فيه الرماة على العقيدة وعلى الدين وعلى المسلمين، ومقالات تكتب، وأشياء تقال في الهواء والفضائيات، وأمور تثير الشبهات، ونحن لا يصح أن نسكت إطلاقاً، بل يجب أن نقوم لله بالواجب، وأن نرد، وأن نعرف كيف نرد، وأن نكون أصحاب علم، وأصحاب حجة، وأصحاب بيان وبلاغة، ويتكلم منا القادر بعلمه وبيانه فيسكت أهل الباطل ويقمعهم.
وسنعرف أمثلة كثيرة لهذا إن شاء الله من خلال هذا الدرس.
نريد أن نعرف كيف ندافع؟ ما هو المنهج؟ ما هي هذه الأصول؟ ما هي الآداب حتى في المناظرات؟ وما هي الأحوال التي يمكن أن تقع فيها؟ كيف الطرق في المناظرة؟
قيام الأنبياء بالبيان والمجادلة بالحسنى
00:14:47
 مسألة المجادلة -أيها الإخوة- والمناظرة، قال الله -سبحانه وتعالى-: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  [النحل: 125].
إذاً، فيه جدال لكن بالتي هي أحسن: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت: 46].
الرسل ومن وظيفتهم: قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ  [هود: 32].
 أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ  [البقرة: 258].
وهذا قام الأنبياء بواجب المجادلة بالحسنى، والدفاع عن العقيدة، هذا إبراهيم يدافع عن عقيدته في الله، وأنه يحيي ويميت، ويرغم أنف النمرود، ويسكته، وينتقل من موضوع إلى موضوع إفحاماً له.
والله -عز وجل- علمنا في القرآن كيف نناقش، وضرب لنا أمثلة، في نقاش منكري البعث مثلاً: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ [يــس: 77].
وضرب لنا مثلاً، أخذ عظماً بالياً وفتها، قال: أيستطيع ربك أن يحيي هذا؟ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ [يــس: 78] لما خلقناه من العدم أيها أصعب الخلق من العدم أو الإحياء بعد الموت؟
الخلق من العدم أصعب، ولكن الله -عز وجل- لا يصعب عليه هذا ولا هذا، وإذا كان قادراً على الإيجاد من العدم فهو من باب أولى عز وجل أنه يحيي العظام وهي رميم: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يــس: 79].
وضرب لهم مثلاً آخر في نقاش منكري البعث: الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يــس: 80 - 83].
ذكر لنا نقاشات لأهل الكتاب ربنا -عز وجل- في سورة آل عمران، قام اليهود يقولون: إبراهيم يهودي، وقام النصارى يقولون: إبراهيم نصراني، فقال الله: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ ؟ وكل فريق يدعيه لنفسه؟ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ  انظر إلى الحجة الدامغة  وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ  [آل عمران: 65] متى كان فيه يهودية ويهود وتوراة، بعد إبراهيم وإلا على عهد إبراهيم وقبله؟
بعد إبراهيم.
والإنجيل والنصارى متى أنزلت؟
بعد إبراهيم، بعد ما مات إبراهيم يقول: وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ  انظر إلى الحجة بالتاريخ، بالتاريخ جادلهم: وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [آل عمران: 65] كيف تدعون إبراهيم لكم؟ كيف يصير إبراهيم يهودياً أو نصرانياً، والتوراة والإنجيل ما أنزلت إلا من بعده؟ واليهودية والنصرانية ما ظهرت إلا من بعده؟ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ [آل عمران: 67 - 68].
لما قام المشركون بمكة يقولون: نعم، عرفنا من أين أتى محمد ﷺ بالقرآن: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ  رأيناه يذهب إلى نجار رومي بمكة، عرفنا المصدر، أجل هذا النصراني هو الذي يعلمه ويلقنه، فالله دمغهم بالحجة، قال في كتابه: لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ [النحل: 103] كيف النجار النصراني الرومي الذي لا يحسن العربية يعلم محمداً ﷺ قرآناً عربياً فصيحاً بليغاً بمنتهى البلاغة؟
فدمغهم بالحجة.
وكذلك فإنه سبحانه وتعالى أخبر -مثلاً- في مناقشة المشركين لما قالوا: السائبة، الوصيلة، الحام، أول مولود للناقة لا نأكله، لا نذبحه، لا نشرب من لبنه، لا نركب ظهره، لا نستعمله، محرم، لماذا؟
قال وهو سبحانه وتعالى يدمغهم بالحجة: ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الأنعام: 143].
نعرف نحن -يا إخوان-، الضأن والماعز، هذان قسمان، الغنم اثنان، والبقر والإبل هذه أربعة، كل واحد من الأصناف الأربعة فيه ذكر وأنثى، كم المجموع يكون من الأزواج؟ ثمانية: ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ .
سبحان الله! انظروا إلى الحجة البالغة: فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ [الأنعام: 149]  ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ  .
-طبعاً- هذا الآن ليس كلام بشر يناقش المشركين، هذا كلام الله، كيف سبحانه وتعالى يقيم الحجة على المشركين، لما حرموا هذه الأشياء من نتاج الإبل، النوق التي عندهم على غير دليل ولا برهان؟ قال: ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ  هذا الاحتمال الثالث  شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الأنعام: 143 - 144]؟
هذه طريقة السبر والتقسيم التي يسميها العلماء، فالله -عز وجل- خلق من كل زوج ذكراً وأنثى، فلم حرمتم يا أيها العرب، يا كفار الجاهلية هذا المولود المعين؟ لأنه ذكر؟ لأنه أنثى؟ لأنه ذكر وأنثى؟
أنت تقول يا أيها المشرك العربي: إن أول ما في بطن الناقة ما نستعمله إطلاقاً، لماذا؟ لأنه ذكر؟ وإلا لأنه أنثى؟ وإلا لأن في بطن الناقة ذكر وأنثى؟ وإلا عندك دليل من رب العالمين: أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللّهُ بِهَذَا [الأنعام: 144]
إذا كانت القضية في التحريم عندكم للذكورية حرموا كل الذكور، لماذا نحرم أول نتاج؟ وإذا كانت العلة الأنوثة حرموا كل الإناث، وإذا كانت العلة أنهما جميعاً، حرموا الأولاد كلها حرموها إذاً، وإذا عندكم دليل هاتوا الدليل: أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللّهُ بِهَذَا  [الأنعام: 144] فماذا يملكون إلا الاستسلام أمام الحج الدامغة.
وهكذا سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، هكذا بين تناقض هؤلاء مثل نقاش اليهود الذين قالوا: إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ [آل عمران: 183] لماذا يا يهود المدينة لا تؤمنون بمحمد ﷺ؟ قالوا: ما جاء بقربان تأكله النار، ونحن عندنا في كتابنا المقدس: إن النبي يأتي بقربان تنزل نار من السماء تأكله، نعرف أنه نبي؟ فلم يأت بالقربان؟ فما هو الرد؟
قال عز وجل: قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ  وجاءت نار وأكلت القرابين هذه: فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ  [آل عمران: 183]؟
أنبياء من قبل جاؤوا بالذي تقولون وتصفون وتشترطون، ماذا فعلتم؟
قتلتموهم فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ[آل عمران: 183]؟
هذا يدل على أنكم لا تريدون الإيمان وأن الحجة التي أتيتم بها حجة تافهة، وإلا فقد قتلتم من جاء بهذا الوصف الذي ذكرتموه.
النقاش في القرآن -يا أيها الإخوة- للناس المنحرفين في العقيدة الزائغين الضالين المشركين، هؤلاء الذين يقولون: ما خلقنا، ينكرون الخالق، انظر كيف يحاصرهم؟ محاصرة بأسلوب عجيب:أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ * أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ  [الطور: 35 -43].
فهذه الاحتمالات، أنت يا أيها المنكر لله كيف وجدت؟ خلقت نفسك؟ جئت من العدم هكذا بدون أي موجد؟  أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ؟ من العدم هكذا، أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ  لأنفسهم، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ؟ يحاصر الملحد فعلاً، يحاصر بالآيات ولا يستطيع أن يجيب، وليس عنده حجة، ويستسلم.
وجبير بن مطعم المشرك وبعد ذلك أسلم -رضي الله عنه- لما حبس، وكان من حكمة النبي ﷺ في الدعوة أنه حبس أسرى بدر بقرب المسجد يستمعون القرآن، لما سمع هذه الآيات: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ [الطور: 35 - 37]؟ سورة الطور، في صلاة المغرب، بجمال صوت النبي ﷺ، قال: "كاد قلبي أن يطير" [رواه البخاري: 4854].
 أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء: 21 - 23].
لو فيه أكثر من إله في العالم مثلما يقول الآن المجوس وغيرهم، عندهم عدة آلهة، لو كان فيه أكثر من إله ماذا كان سيحدث في السموات والأرض؟
ستفسد وتضطرب.
هذا يقول: أنا أحرك الساكن، وهذا يقول: أنا أسكّن المتحرك، وهذا يقول: أنزل المطر هنا، وهذا يقول: لا أنزله هناك، وهكذا ستفسد السموات والأرض.
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ[المؤمنون: 91]، وصار حروب بينهم، منافسات عظيمة: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ  [المؤمنون: 91 - 92].
فلو فرض وجود صانعين متكافئين لفسد العالم، ولو كان واحد أقوى من الآخر إذاً هو الرب والبقية ليست آلهة: قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا [الإسراء: 42 - 43].
فلو كان فيه آلهة أخرى إذاً كانت لجأت إليه:إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً[الإسراء: 42] يعني طريقة المناظرة يقول: لنفرض أنه كذا، ماذا كان سيحدث؟ سيحدث كذا وكذا.
إذاً، هذا الفرض ممتنع ولا يمكن.
وكذلك فإنه سبحانه وتعالى قرر المشركين بتوحيد الألوهية عن طريق توحيد الربوبية: قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ [المؤمنون: 84 - 89].
تعبدون اللات والعزى وهُبل ومناة؟ تعبدون الأصنام والأحجار والأشجار، وربكم خالق السموات والأرض، بالربوبية يستدل على الألوهية، ويفرضها عليهم، ويلزمهم بها: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: 25]، وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: 87]، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنعام: 101]،  ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام: 102] لماذا تشركون به؟
صار فيه تحدٍ عجيب في القرآن لليهود على قضية أفحموا بها إفحاماً عجيباً، ماذا قال اليهود؟ قالوا: نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: 18] نحن إذا متنا سيدخلنا الجنة.
تحداهم رب العالمين، قال عز وجل: قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ [البقرة: 94] هذا زعم اليهود؟ يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، والجنة لنا وأنتم ما لكم شيء، أنتم في النار، اليهود فقط يدخلون الجنة: قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ [البقرة: 94] يا يهود تمنوا الموت إن كنتم صادقين؟  وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [البقرة: 95] ظلمة، كفرة، فجرة، فسقة، كيف يتمنون الموت؟ الحياة كل همهم، وكل أملهم، ويعرفون أن بعد الموت سينتقلون إلى عذاب النار: وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ [البقرة: 95]،  قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الجمعة: 6] قال الله: وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [الجمعة: 7]، ولذلك قال ابن عباس -رضي الله عنه-: "لو تمنى يهود الموت لماتوا"؛ كما جاء في الحديث الصحيح عنه -رضي الله عنه-، قال: لو فعلاً اليهود عن الآية هذه قالوا: نتمنى، لماتوا، لكن لا يتمنونه أبداً.
وإلى الآن، يزعمون أنهم أحباب الله، ولا يمكن أن يتمنوا الموت إطلاقاً، يهودي لا يمكن أن يتمنى الموت.
هؤلاء قالوا: لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ  أماني كاذبة قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة: 111]
وهكذا استمرت الآيات في جدال هؤلاء وإفحامهم ودمغهم بالحجج والبينات، والرد عليهم، وفي ادعائهم أن لله ولد، وأن له صاحبة، وقام أنبياء الله يجادلون الكفار، وهذا موسى مع فرعون جاءه، قال: إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ [الأعراف: 104] قال: أعطني الدليل،إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الأعراف: 106]؟ أعطاهم الدليل: فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ [الشعراء: 32 - 33] ماذا كان المفترض في فرعون؟
يستسلم، يقول: فعلاً إني اقتنعت لأني رأيت أشياء ما يقدر عليها البشر، هذه آيات من رب العالمين.
ماذا فعل؟
يجادل في الله: فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى [طـه: 49]؟ أعاده موسى إلى حلبة الصراع، قال: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طـه: 50] يعني لماذا ما قال "ربنا الله"؟  لاحظوا معي يا إخوان، لما فرعون قال الكلام هذا، موسى قال: فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى  موسى ما قال: ربنا الله، قال: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طـه: 50] يعني يا فرعون أنت لا تخلق ولا تهدي المخلوقات، الله يخلق وأنت لا تخلق، فكيف تكون إلهاً؟
فرعون مرة ثانية يحول الموجة، ويريد أن يخرج من المأزق، يقول: فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى [طـه: 51] ما دخل القرون الأولى؟ نحن نناقش النقاش معك يا فرعون في الألوهية، أنت تقول: مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي  [القصص: 38] تقول:  لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء: 29] تقول:  أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات: 24] النقاش في هذه القضية، تروح تزوغ وتروغ وتقول: قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى [طـه: 51]
أعاده موسى إلى الحلبة مرة أخرى، انظر سبحان الله! كيف استخدام الحجج؟ الأنبياء مؤيدون من الله، ما في تضييع وقت ولف ودوران، مرة ثانية: قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى [طـه: 52] يعني أنت يا فرعون ما تعرف، لكن الرب الإله يعرف من خلق، ويعرف الأول والآخر:  عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ [الحجر: 24] كلهم علمهم  فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى  [طـه: 52].
هكذا أفحمه ودمغه، وجحد فرعون، وهو مستيقن للحق، لكن ما أذعن، وقال له موسى: لَقَدْ عَلِمْتَ   انظر سبحان الله القوة في الكلام   لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ [الإسراء: 102] في البداية كان الكلام لينا قَوْلًا لَّيِّنًا [طـه: 44] لكن بعد ذلك لما فرعون تولى قال: وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا [الإسراء: 102] يعني هالكاً، وهدده بعذاب الله -عز وجل-.
ثم يقول فرعون: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ [الشعراء: 18]ما دخل هذا في النقاش؟ النقاش الآن في الربوبية! يقول: نحن أما أطعمناك التمر، وشربناك حليباً، وأعطيناك ملابس؟ هذا كلام؟  أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ، وعملت لك جريمة وقتلت لك واحداً، هذا الذنب الذي فعلته، وهربت، فقال موسى: فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ  [الشعراء: 20] قبل أن يهديني ربي فعلتها، تلومني على شيء قبل الهداية؟ خلاص الإسلام يجبّ ما قبله، وأوحي إليّ، واستقمت على شرع الله، وانتهينا، ثم تقول: أعطيناك ملابس وتمرا وماءً، وأعطيناك أكلا وشربا، وأعطيناك:  وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء: 22] يعني تمنّ علي أنك أطعمت واحداً، وكسوته، وشربت واحداً، وأذللت أمة بأسرها، تقتل أبناءهم، وتستحيي نساءهم، وتجعلهم عبيداً وتذلهم، وتمنّ على واحد: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ على واحد أنا عبدت قومي كلهم، بني إسرائيل وأذللتهم، هذه منة يا فرعون؟ وهكذا لم يجد عدوّ الله مهرباً.
وبما أن المغلوب ما له إلا استعمال البطش، هذه حيلة العاجز، فهزم فرعون هزيمة شنيعة في المناظرة.
سار أنبياء الله على هذا المنهج، قوة في الطرح والكلام والنقاش والردود وأشياء مفحمة، وبالأدلة وبالبراهين وبالحجة، بلاغة.
وهكذا النبي ﷺ مع الكفار، والصحابة هكذا واجهوا، واستمر مسلسل المواجهة مع الزائغين في العقيدة، وهذا ابن عباس يناقش الخوارج، لما اجتمعت الحرورية يخرجون على علي جعل يأتيه الرجل فيقول: يا أمير المؤمنين القوم خارجون عليك، قال: دعوهم حتى يخرجوا، قال: نقاتلهم الآن قبل أن يخرجوا؟ لما يتبين ذنبهم للناس يكون فيه مبرر واضح للقتال وسفك الدماء، قال: دعوهم حتى يخرجوا. فلما كان ذات يوم يقول ابن عباس: قلت: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة فلا تفتني حتى آتي القوم.
ابن عباس لبس أحسن ثيابه، ودخل على الخوارج وهم قائلون في القيلولة، فإذا هم مسهمة وجوههم من السهر، متغيرة من كثرة قيام الليل، وصيام النهار.
الرسول ﷺ قال للصحابة: تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم [رواه البخاري: 5058] خوارج، عمل عظيم، كثير، لكن أساس باطل، ما فائدة العبادات إذا كانت العقيدة زائغة؟
وبعض الصوفية ممكن يعبد الله الساعات الطويلة جداً وهو على منهج شركي، ما الفائدة من قيامه بالليل وصيامه النهار وهو مشرك بربه؟ وهو يصرف أنواع العبادة لولي ونبي... ما الفائدة؟ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا [الفرقان: 23].
هؤلاء الخوارج رأى وجوههم مسهمة من السهر، أثر السجود في جباههم كأن أيديهم سفن الإبل، يعني خشنة من كثر السجود، عليهم قمص مرحضة، مغسولة، قالوا: ما جاء بك يا ابن عباس؟ وما هذه الحلة عليك؟ انظر ابن عباس تعمد، ابن عباس زاهد في الدنيا، لكن الآن النقاش مع الخوارج له عُدة، لبس أحسن الثياب وجاء، قال: ما تعيبونني فلقد رأيت رسول الله ﷺ أحسن ما يكون من الثياب اليمنية، لماذا تحرمون الطيبات؟ هذه واحدة، ثم قرأ هذه الآية: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ  [الأعراف: 32] قالوا: ما جاء بك؟ قال: جئتكم من عند أصحاب رسول الله ﷺ وهم أعلم بالقرآن وأبلغ، فقال بعضهم: لا تخاصموا ابن عباس، ولا تدخلوا معه في نقاش فإنه من قريش والله قال فيهم: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ  [الزخرف: 58]، وقال بعضهم: فلنكلمنه، نسمع ما عنده، فكلمني منهم رجلان أو ثلاثة، قلت: ماذا نقمتم عليه؟ تريدون الخروج على علي ماذا نقمتم عليه؟  قالوا: ثلاثاً.
قلت: وما هن؟
قالوا: حكّم الرجال في أمر الله، حكم الرجال وجعل حكماً ورضي بكلام الحكم في أمر الله، والله قال: إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ  [يوسف: 40].
قلت: هذه واحدة، وماذا أيضاً؟
هذه اسمها عملية استفراغ ما عند الخصم من الشبه، تسمع كل حجج الخصم، ثم ترد عليها واحدة واحدة، قال: فإنه قاتل ولم يسب ولم يغنم، قاتل وحضر موقعة الجمل، ومن قاتلهم من المسلمين ما سبى نساءهم ولا أخذ أموالهم غنائم، فلئن كانوا مؤمنين ما حل قتالهم، وإن كانوا كافرين لقد حل قتالهم وسبيهم.
قال: وماذا أيضاً؟
قالوا: ومحا عن نفسه صفة أمير المؤمنين في الكتاب الذي كتبه مع معاوية، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين.
انظر منطق الخوارج الأعوج .
قال: أرأيتكم إن أتيتكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ما ينقض قولكم هذا أترجعون؟
قالوا: وما لنا لا نرجع؟
قال: قلت: أما حكّم الرجال في أمر الله فإن الله قال في كتابه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ  [المائدة: 95].
وقال في المرأة وزوجها: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا  [النساء: 35].
إذاً الله رضي بالتحكيم في قضية الخصومة الزوجية، وفي جزاء الصيد، فصير الله ذلك إلى حكم الرجال ، فنشدتكم الله أتعلمون حكم الرجال في دماء المسلمين وإصلاح ذات بينهم أفضل؟ أو في أرنب ثمنها ربع درهم صادها واحد محرم جاء يسأل ما عليّ من الجزاء؟ قالوا: نعم.
قال: فأما قولكم: قاتل فلم يسب ولم يغنم؟ أفتسبون أمكم عائشة؟ عائشة كانت في الجيش المقابل، أفتسبون أمكم عائشة؟ فإن قلتم نستبيحه منها فقد كفرتم، وإن قلتم ليست بأمنا فقد كفرتم، فأنتم تترددون بين ضلالتين. أخرجت من هذه؟
قالوا: بلى.
وأما قولكم محا نفسه من إمرة المؤمنين، فإني آتيكم بمن ترضون، إن نبي الله ﷺ يوم الحديبية حين صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو، قال: اكتب يا علي، هذا ما صالح عليه محمد رسول الله؟ قال أبو سفيان وسهيل بن عمرو: لو نعلم أنك رسول الله ما قتلناك.
قال: اكتب، اللهم إنك تعلم أني رسولك، امحُ يا علي واكتب: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله [جامع العلوم والحكم: 2/962].
نتيجة النقاش هذا والرد المفحم من ابن عباس أن رجع منهم ألفان، وبقي بقيتهم، فخرجوا على عليّ -رضي الله عنه- فقاتلهم فقتلهم.
وهكذا كان ذلك النقاش العظيم.
وهكذا قام علماء من بعد الصحابة يناظرون أيضاً الكفار والمرتدين، وكذلك الزائغين، والذين خرجوا عن هذه العقيدة، واتخذوا لهم مناهج ضالة حاربوا فيها هذا المعتقد الصحيح.
ووجد من الدهرية الذين يقولون: وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية: 24]، وليس هناك بعث ولا خالق، فقام أبو حنيفة -رحمه الله- يقول لبعضهم: أخبروني عن سفينة في دجلة تذهب فتمتلئ من الطعام والمتاع وغيره بنفسها وتعود بنفسها فترسي بنفسها وتفرغ وترجع؛ كل ذلك من غير أن يدبرها أحد؟
سفينة تحمل وتسير وتفرغ وترجع بدون ربان ولا قبطان ولا عمال؟
فقالوا: هذا محال، لا يمكن أبداً.
فقال أبو حنيفة: إذا كان هذا محالاً في سفينة، فكيف في هذا العالم كله علويه وسفليه؟ فبهتوا.
أنتم ما قبلتم هذا في سفينة، كيف تقبلون العالم بغير مدبر؟
من عجائب أبي العباس السفاح مع أنه كان غير مشهور بالعلم، لكن دخل في مناظرة مرة مع واحد مجوسي وأتى فيها بعجب، قال أبو العباس للمجوسي: ما تعبد؟ قال: إلهين، قال: ما هما؟ قال: إله الخير وإله الشر. المجوس عندهم إلهين، إله الخير وإله الشر.
قال: فأخبرني، هل يستطيع إله الخير أن يخلق شراً؟ قال: لا يستطيع، قال: هل يستطيع إله الشر أن يخلق خيراً؟ قال: لا يستطيع، قال: أتعبد إلهين عاجزين؟
فسكت، وعجز.
كذلك قريب من هذا مناظرة للشيوعيين في هذا العصر في عهد لينين، نشر في الجرائد في طشقند سيعقد مجلس مناظرة في إثبات وجود الله، قام أبو عبد الكريم المعصومي -رحمه الله- ركب القطار وحضر إلى طشقند، واجتمع جمع عظيم من النصارى والشيوعيين الدهريين، وأكثر من عشرة آلاف نفس، وقام زعيم الشيوعيين يتكلم، وقال: إن الناس يقولون إن الله موجود وهذا غير صحيح، وأن عندنا آلات رصد وعندنا مايكرسكوبات، وعندنا تليسكوبات وآلات مقربة، ومكبرة ودققنا، ونظرنا ما وجدنا شيئاً.
فقام أبو عبد الكريم المعصومي، فحمد الله على المنبر، وأثنى عليه، وصلى على رسوله ﷺ، وذكر الأدلة على وجود الله من خلقه، ثم قال: أنا أسأل هذا الشيوعي المتكلم، هل له روح في جسده أو عقل في مخه أم لا؟ فإن قال: نعم، فنقول: روحك هل لمستها؟ هل رأيتها؟ هل شممتها؟ إذاً غير موجود، على مذهبك يا جاهل.
فكبر المسلمون وسبحوا واستبشروا، وخجل الضالون الشيوعيون.
وما كانت الحجة؟
قالوا: إن لنا أستاذاً بموسكو يستطيع أن يجيب عليك، وهذه حجتهم.
 مرة تكلمت مع واحد قبطي، قلت: أنتم تقولون أن عيسى جاء لكي يطهر البشرية من الآثام التي علقت بها من جراء خطيئة آدم، فصلب المسيح على كلامكم فداءً للبشرية، لكن الناس الذين كانوا قبل عيسى وما سمعوا عن عيسى، وطبعاً ما آمنوا بعيسى تحديداً ولا بصلب عيسى؛ لأنهم لا يعرفون أنه سيوجد عيسى، ويصلب على زعمكم، فما حكم هؤلاء الذين بين آدم وبين عيسى، الذين ما عرفوا عن عيسى ولا سمعوا به ؟ هؤلاء ما موقفهم من الصلب؟
لا زلتم تعيرون أباكم آدم في قضية الخطيئة، الله تاب عليه وانتهينا، تاب عليه، وأنتم ما زلتم تقولون: إنه صلب من أجل خطيئة آدم، والبشر أخذوا خطيئة آدم وصاروا ملوثين ولا بد من الصلب، قلت: الله ما يغفر لعباده بدون الطريقة هذه، ويرضى بولده أن يكون مصلوباً مغلوباً، بصق عليه اليهود وجروه على الشوك وربطوه وقتلوه، والله ينظر إليه، ما منعهم؟
ما في طريقة ثانية أسهل عند الله في مغفرة الذنوب من هذه الطريقة الشنيعة في قتل ولده لكي يغفر ذنوب البشرية؟
لقد حصل -أيها الإخوة- أيضاً من النقاشات العظيمة، والجدالات في قضية خلق القرآن لما خرج أحمد بن أبي دؤاد وتقرب من السلطان.
-طبعاً- المبتدعة سلكوا مسلكاً خطيرا جداً، لما رأوا أن بضاعتهم لا تروج، وأهل السنة يردون عليهم، وعلماء المسلمين يردون عليهم، عرفوا أنه لا قيامة لهم، فقالوا: نتزلف للسلاطين، ونقنع السلطان بالبدعة، ونستخدم قوة السلطان في حمل الناس على البدعة، فهكذا تسلل ابن أبي دؤاد إلى المأمون صار وزيراً عنده وأقنعه بالبدعة، واضطهد المأمون الناس على خلق القرآن.
استمر مسلسل الاضطهاد في عهد المأمون ومن بعده ومن بعده، والإمام أحمد -رحمه الله- ثبت ثبات الجبال والأمة تقتدي به وتعرف شيخها وإمامها وقدوتها، وتنتظر ماذا يقول أحمد ويكتب.
استمر مسلسل المحنة، وكان الإمام أحمد -رحمه الله- معذباً إلى آخر عمره، وهو مضيّق عليه، أحياناً لا يؤذن له بحضور صلاة الجماعة، حتى مات المأمون، وخرج بعده وجاء المعتصم ومات، وخرج بعده الواثق، في آخر أيام الواثق حدثت حادثة سببت تغيراً في منهج الواثق في قضية هذه البدعة خلق القرآن، وذلك أن رجلاً قد أُتي به مقيداً بالأصفاد يرفض القول بخلق القرآن، شيخ جليل مهيب بالقيود دخل سلم ما رد عليه، قال: يا أمير المؤمنين ما استعملت معي أدب الله -عز وجل- ولا أدب رسوله، قال الله -عز وجل-: وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء: 86] فقال: وعليك السلام، قال: مُر بقيودي تُحل أنا محبوس مقيد أصلي في الحبس بتيمم، منعت من الماء، فحلوا قيوده، وبعد أن صلى أقبل على ابن أبي دؤاد، يسأله فقال -لاحظ النقاش-: خبّرني عن هذا الأمر الذي تدعو الناس إليه، أشيء دعا إليه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي؟
الرسول ﷺ والصحابة دعوا إلى القول بخلق القرآن؟
فابن أبي دؤاد -طبعاً- لا يمكن أن يكذب فيها؛ لأنه لو قال: دعا، سيقول: هات الحديث الذي دعا فيه بخلق القرآن.
قال: لا.
اضطر أن يقول: لا.
قال: أعلمه أم جهله؟
لو قال: علمه، مشكلة، ولو قال: جهله، فذاك أشد إشكالاً، فسكت.
فقال: شيء لم يدعُ إليه رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي تدعو أنت الناس إليه وتحملهم عليه بالقوة؟
شيء إذا كان ما علمه رسول الله، وعلمته أنت، هذه مصيبة أنك أنت أعلم بأمر الدين من النبي ﷺ، لأنك تقول يا ابن أبي دؤاد: خلق القرآن مسألة دينية، فمعناها فيه شيء من الدين ما علمه رسول الله؟
وإذا قلت لي: علمه، كيف علمه وسكت عنه، والله أخذ العهد على نبيه أن يبينه للناس؟
معناها تتهم نبيك أنه ما بلغ، وكتم الوحي.
من ذلك النقاش اهتزت ثقة الواثق بتلك العقيدة، وجعل يردد: لا خير في شيء ما دعا إليه رسول الله ﷺ.
ما دعا الناس إليه، وخفت المحنة في آخر زمن الواثق حتى جاء المستعصم، وأزال هذه الفتنة.
كذلك من النقاشات اللطيفة، في طائفة اسمها: الحسبانية، الحسبانية هؤلاء يقولون: كل الذي في الدنيا هذه أوهام.
هؤلاء فرقة صوفية يقولون: كل الذي في الدنيا أوهام، كيف يعني؟ أنت متوهم أنك موجود، وأنا متوهم إني أنا موجود، أنت متوهم إنه في طاولة هنا، أنت متوهم إنه في سقف وجدار، ترى ما في ولا شيء أبداً، كل الأشياء الذي في الدنيا هذه وهم في وهم، مالها حقيقة.
يقولون: ليس إلا الله، والكثرة وهم، هو الرب واحد، والعبد واحد، والعبد رب والرب عبد.
وهذه الأشياء المتعددة؟ قالوا: هذه أوهام، أنت تتوهم إنك موجود لكن أنت غير موجود، وأنا غير موجود، والناس هؤلاء تتوهم الآن إنه فيه مئات هنا، لكن كل هؤلاء غير موجودين.
هذا في مجلس أحد الخلفاء، قام ثمامة بن أشرس -رحمه الله- فقام إليه فلطمه لطمة سودت وجهه لهذا الحسباني.
فقال هذا الرجل: يا أمير المؤمنين يفعل بي هذا في مجلسك، فقال ثمامة: وما فعلت بك؟ قال: لطمتني، قال: لعلي إنما دهنتك البان، البان شجر معروف شديد الخضرة يستخرج منه الدهن، دهن البان، قال: لا أنت متوهم، فما ضربتك أنا، دهنتك بالبان، ثم جعل يقول:
ولعل آدم أمنا - لاحظ الأبيات- والأب حواء في الحساب
ولعل ما أبصرت من بيض الطيور هو الغراب.
وعساك حين قعدت قمت -صرت تفكر نفسك قائماً وأنت جالس- وحين جئت هو الذهاب
وعسى البنفسج زئبقاً وعسى البهار هو الشذاب
وعساك تأكل من قفاك *** وأنت تحسبه الكباب
وحضر نصراني في مجلس هارون الرشيد قال له: ما يمنعك من الإسلام؟ قال: آية في كتابكم.
قال: ما هي؟
قال: إن الله قال عن عيسى  وَرُوحٌ مِّنْهُ  [النساء: 171].
يعني هذا جزء من الله ونحن نقول: ابن الله، لماذا أغير عقيدتي؟ فيه قرآن عندكم يقول هذا.
فقال العلماء في مجلس هارون الرشيد: يا أمير المؤمنين، والله يعلم أن هذا سيقول هذا الكلام ويحتج بهذه الآية وأن الله أنزل في كتابه الرد عليه، قال: وما هو؟ قال: يقول الله -عز وجل-: وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ  [الجاثية: 13] "الهاء" تعود على الله -عز وجل-، فهل السموات والأرض هذه جزء منه؟ "من" هذه لازم تكون للتبعيض؟ وإلا لها أشياء ووظائف أخرى في النحو غير التبعيض؟
جئت من المدرسة، يعني أنا جزء من المدرسة؟ وبعض من كل؟ لا، وهكذا..
فقال: هذا عيسى من الله، يعني هو الذي خلقه، مصدر الخلق خلق عيسى مصدره من أين؟ من الله، فعيسى روح منه وليس من العدم ولا أحد ثاني خلقه، إنه من الله -عز وجل-.
وكذلك من المناظرات الطريفة التي حصلت للنصارى، الباقلّاني وهو من أذكياء المسلمين أُرسل إلى ملك الروم، فانتهز الفرصة يدعوه، فدخل على المجلس، والمجلس فيه بطارقة الروم، وفيه رهبانهم وكبراؤهم، فالباقلاني راح إلى أكبر راهب في المجلس، كبيرهم، البابا، قال له الباقلاني: كيف حالك؟ وكيف حال أولادك وأهلك وزوجتك وعساهم بخير؟
هذا جعل النصارى يثورون، قالوا: وقّر كبيرنا، كيف تقول له؟
لأن الرهبان ما يتزوجون، الآن الفاتيكان هؤلاء ما يتزوجون ولا لهم أولاد؛ لأن هذا عندهم حرام، ولا يمكن ولا يتلاءم ولا يليق، فقالوا: وقّر كبيرنا، وقّر كبيرنا، أما علمت أننا ننزه هذا عن الأهل والأولاد؟
قال أبو بكر الباقلّاني -رحمه الله-: فأنتم تنزهون هذا المخلوق عن الزوجة والولد وتعتبرونها عيباً في حقه، لا تنزهون خالقكم وربكم عن الزوجة والولد؟
فانبخعوا.
وهكذا في أبواب الأسماء والصفات قام أهل السنة يردون ويناقشون.
هؤلاء القوم المشبهة الذين قالوا: إن الله يشبه الخلق، واحد من علماء المسلمين محدث مشهور جداً جداً اسمه عبد الرحمن بن مهدي سمع أن ولداً لأحد الكبراء يقول بعقيدة التجسيم والتشبيه هذه، إن الله يشبه المخلوقات -تعالى الله عن قولهم-، فذهب وصلى معه، وبعد الصلاة ناداه، قال بعدما تفرق الناس وخلا به، قال: يا بني هذه البلدة فيها أهواء وفيها اختلافات وقد بلغني عنك أمر يا بني إن الأمر لا يزال هيناً ما لم يصل إليكم، فإذا وصل إليكم أنتم أهل السلطان مصيبة، أنكم ستحملون الناس عليه بالقوة، قال: وما ذاك أبا سعيد؟ قال: بلغني أنك تتكلم في الرب -عز وجل- وتصفه وتشبهه، تقول: يد الله مثل يد المخلوقين ووجه الله مثل وجه المخلوقين، قال: نعم، قال: ولم؟ قال: لأننا نظرنا في المخلوقين وجدنا ما في مخلوق أجمل من إنسان ولا أحسن من إنسان ولا أذكى من إنسان، فقلنا: هو يشبههم، قال: رويدك يا بني حتى نتكلم أول شيء في المخلوق، الآن ما نتكلم في الخالق، دعنا نتكلم في المخلوق، أخبرني عن حديث حدثنيه شعبة عن الشيباني قال: سمعت زراً قال: قال سمعت عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم: 18] قال: رأى جبريل له ستمائة جناح،-والحديث في صحيح البخاري-: قال عبد الرحمن بن مهدي: يا بني، صف لي خلقاً له ستمائة جناح حتى نشبه جبريل عليه؟! فكّر فكّر، ما وجد مخلوقاً له ستمائة جناح، فما تكلم، قال: يا بني إني أهون عليك الأمر، وأضع عنك خمسمائة وسبعة وتسعين جناحاً، فأخبرني عن مخلوق له ثلاثة أجنحة؟ وقل لي: أين يركّب الجناح الثالث؟ فسكت، قال الشاب: يا أبا سعيد نحن قد عجزنا عن صفة المخلوق ونحن عن صفة الخالق أعجز وأعجز، أشهدك أني رجعت، وأستغفر الله.
خلاص! هذا شوف كيف الحجة، كيف الحجة تقام، وكيف البيان.
وهكذا حصل النقاش من أهل السنة والجهمية والأشاعرة الذين اقتبسوا منهم شعباً في قضية نفي علو الله على خلقه.
قام أبو المعالي يتبني عقيدة نفي العلو، وسئل عن  الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى  [طـه:5]، وبدأ يتخبط في الكلام وينفي الاستواء وينفي علو الله على الخلق، ويقولون: الله في كل مكان.
مع أن الله في السماء، في العلوّ، علا على الخلق، واستوى على العرش، والعرش فوق العالم، فوق السماوات، والله فوق العرش، لحديث الجارية: أين الله؟  قالت: في السماء، قال: من أنا؟  قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها، فإنها مؤمنة [رواه مسلم: 537].
فهذا الرجل بدأ يتخبط في الكلام، وشيخ كبير أمام الناس، قام له من؟ قام له رجل من السلفيين من أصحاب العقيدة، يقال له: أبو جعفر بن أبي علي الهمداني، قال: يا إمام، رويدك، رويدك، الآن عندي شيء أريد أن تجيبني عنه، ما ضرورة يجدها الواحد منا في نفسه إذا رفع يديه يقول: يا رب، أن يتجه لنفسه إلى العلو؟ لماذا الواحد ما يقول على اليمين كذا حط الكفين ولا على اليسار ولا تحت يقول يا رب؟ لماذا العالم ترفع تقول: يا رب، ونفس الداعي والمصلي كله معلقة متجهة إلى فوق، إلى العلو، هذا الطفل والمرأة والكبير والصغير والعالم، وغيره، كلهم إذا دعوا الله وهو في الاضطرار يرفعون إليه أيديهم،
يا رب، ما حاجة يجدها الواحد منا في صدره، في قلبه إذا قام به موقف الاضطرار، رفع إلى الأعلى يقول: يا رب، بالاضطرار يعني، ولا يروح أي جهة ثانية، لماذا؟
فضرب الأستاذ بكمه على السرير وصاح: نجلس ، وقال: يا للحيرة! يا للحيرة! خرت الأوراق، وصارت قيامة المسجد، ونزل ولم يجبني، وقال: الحيرة الحيرة! والدهشة الدهشة!
بعد ذلك لما قابله الناس، قال: حيرني الهمداني.
إني فعلاً ما أقول؟
بالاضطرار بالفطرة إلى الله، العلو إلى جهة العلو بالفطرة.
ماذا نجيب عن هذا؟ شيء فطري في نفوس الناس، حتى الكفار، فرعون  لما جاء يزعم أنه إله، ما قال لهامان: احفر لي نفقا، إنما قال: ابنِ لي سلّما أبلغ  أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى [غافر: 37] يعني حتى فرعون لما ذهب يبحث عن الله بزعمه اتجه إلى جهة العلو.
وهكذا قام أئمة الإسلام ينافحون عن القرآن وأنه كلام الله، وقام واحد من المعتزلة الذين يقولون :"القرآن مخلوق"، فقام له سحنون المالكي -رحمه الله- قال: ما تقول في القرآن؟
قال المعتزلي: مخلوق، قال: أليس كل مخلوق يذل لخالقه؟ يكون ذليلاً للخالق، فسكت، ما استطاع يجيب، وأطرق، أطرق، أطرق، قال: أنت كم عمرك؟ قال: ثمانون سنة، قال: أنت ميت من زمان، فلما انتهى المجلس قالوا لسحنون: لماذا ما استطاع أن يجيب؟
قال: لأنه لو قال: إن القرآن ذليل فقد كفر؛ لأن الله قال: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ [فصلت: 41].
ومناقشة مشابهة جرت بين أبي الهذيل العلّاف المعتزلي البصري الذي يقول بخلق القرآن، وقام له واحد من أهل السنة، قال له: ماذا تقول في القرآن؟ قال: مخلوق، قال: كل مخلوق يموت، فهل يموت القرآن؟ كل مخلوق فانٍ فهل يموت القرآن؟ قال: نعم، قال: ومتى يموت القرآن؟ قال: إذا مات من يتلوه، انظر إلى اللف والدوران، قال: حسناً خبّرني، إذا قبض الله الخلق وقامت الساعة وفني الخلائق كلهم، وعلى زنادى الله في السماوات مثل ما جاء في الحديث الصحيح وفي القرآن مذكورة:  لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ 
فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه بنفسه قائلاً عز وجل: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: 16].
هذا قرآن وإلا لا؟
 لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: 16]؟ لماذا ما مات والخلائق كلهم ماتوا وفنوا؟
فانبخع، وسكت، وأُفحم.
وهكذا -أيها الإخوة- تتوالى ردود أهل السنة على هؤلاء المبتدعة: كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ [المطففين: 15].وعن الذين ينكرون رؤية الله في الآخرة.
قال الشافعي: فلما أن حجبوا هؤلاء في السخط كان في ذلك دليل على أنهم يرونه في الرضا.
يعني إذا حجب الكفار: كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ  ما ميزة المؤمنين إذاً إذا كانوا يحجبون أيضاً؟ لا بد لهم ميزة لما علمنا أن الكفار محجوبون رأينا وعرفنا أن المؤمنين غير محجوبين، وأنهم ينظرون إلى الله -عز وجل- في الجنة هم على الأرائك وعلى السرر.
وحصل أيضاً من المناظرات بين اليهود والمسلمين، جاء واحد يهودي قال للمسلمين: بما إنه نحن نتفق على موسى لماذا ما نتبعه؟
لأننا نختلف على محمد ﷺ لكن ما نختلف في موسى، فقام مسلم، قال له: أي موسى تقصد؟ إذا كان موسى الذي بشّر بمحمد ﷺ أنا معك، نتبع موسى، وإذا كان الذي ما بشر بمحمد ﷺفليس موسى الذي نؤمن به، هذا موسى آخر.
ولذلك قال واحد نصراني لمسلم: ما تقول في عيسى؟ النصراني يسأل، يقول: ما تقول في عيسى؟ فالمسلم فطن، قال: الذي بشر بمحمد ﷺ نعم هذا رسول الله معروف نؤمن به.
فسكت.
وهكذا حصل أيضاً في مناقشة النصارى أن بعض عقلاء الشعراء يقول في إفحام هؤلاء النصارى مناظراً لهم:
عجبي للمسيح بين النصارى، وإلى أي والد نسبوه
أسلموه إلى اليهود وقالوا إنهم بعد قتله صلبوه.
النصارى ما تقول عن اليهود؟
إنهم قتلوا عيسى.
فإذا كان ما تقولون حقاً وصحيحاً فأين كان أبوه؟
ينظر إليهم وهم يذبحون ولده وما يفعل شيئاً، ما هذا الأب الذي ما فيه رحمه؟ قلبه قاس ولا يغير ساكناً ولا يمنعهم.
فإذا كان ما تقولون حقاً وصحيحاً فأين كان أبوه؟
حين حل ابنه رهين الأعادي *** أتراهم قد أرضوه أم أغضبوه؟
يعني اليهود لما صلبوا ولده أرضوا الله أم أغضبوه؟
فلئن كان راضياً بأذاهم، لأن النصارى ممكن يقولوا: إن الأب ما تدخل لأنه راض عن صلب الولد.
قال: فلئن كان راضياً بأذاهم فاحمدوهم لأنهم عذبوه
يا نصارى قوموا قبلوا رأس اليهود لأنهم فعلوا شيئاً يرضي إلهكم.
وإذا كان ساخطاً، يعني الله الأب -تعالى الله- ساخطاً على قتل الولد وصارت العملية وهو ساخط.
وإذا كان ساخطاً فاتركوه واعبدوهم لأنهم غلبوه
اعبدوا اليهود لأنهم غلبوا الأب حسب زعمكم.
وهكذا -أيها الإخوة- يستمر هذا المسلسل من الحجج والبراهين في القديم والحديث.
لما قام واحد دكتور ممن تخرج من بلاد الغرب وجاء الآن في الفصل يتكلم وأمام المسلمين الطلاب، قال: إلى متى تبقى هذا الخيمة وهذا الحجاب وهذه التقاليد البالية؟ متى تخلع وترمى وتطلع المرأة وهذه ترقص وتعمل ما تشاء وأمام الناس والحضارة والتخلف هذا الحجاب؟
فقام له واحد من الطلاب، موقف عظيم والله، قال: يا دكتور، قال: نعم، قال: أنا عندي سؤال، قال: تفضل، قال: أأنتم أعلم أم الله؟ -طبعاً- هذا جزء من آية، ما استطاع يقول:أنا أعلم، ما يمكن، قال: الله هو أعلم، قال: إذاً إذا قال الله الأعلم: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ  [الأحزاب: 59]، وقال الله -عز وجل-: وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى  [الأحزاب: 33] وهو الأعلم، نسمع كلامه ولا نسمع كلامك؟
فبهت الذي كفر.
أقول هذا -أيها الإخوة- الآن في هذا العصر؛ لأنه كثر فيه العدوان على العقيدة والدين والأحكام الشرعية، وما أنزله الله، وجب علينا نقوم ونرد ونحاج وندمغ الباطل بالحق، وأننا بالعلم الشرعي وبالحجة وبالقوة والجرأة نسكت هؤلاء الأعادي وهؤلاء المنافقين، وهؤلاء الذين يريدون أن يحرفوا الدين، وأن يقصقصوه، ويجعلوه شيئاً مشوهاً لا علاقة له بالشريعة التي أنزلها رب العالمين.
ما يمكن يا أخي تقرأ أو تسمع باطلاً، وتسكت، وخصوصاً في المجالس، والعتب الشديد جداً واللوم العنيف على بعض الناس، بعض الإخوان، بعض الشباب، يكون في مجلس يهاجم الدين، ويهاجم حكم شرعي، وهذا ساكت لا يرد شيئاً.
وكل القصد الآن من هذا الموضوع إيقاظ الحمية للدفاع عن العقيدة والأحكام الشرعية في نفوس المسلمين، وأن يكون عندهم قوة وجرأة وعندهم علم وعندهم أسلوب.
جاءني واحد قال: أنا أشتغل في شركة مع نصارى، وهم يثيرون شبهات، وأنا لغتي الإنجليزية ضعيفة
فقلت: يا أخي ما يصلح إنك أن تناقشهم إطلاقاً، إذا ما عندك لغة كيف تناقش؟ لو جئت تناقش سيغلبونك بالصوت وباللغة، ولذلك امتنع عن النقاش وائت بغيرك ممن يعلم لسان القوم ليفحمهم.
ما يصح الواحد يكون في معركة ما عنده سلاح يقاتل به.
قواعد المناظرة والمجادلة
01:12:27
 وفي ختام هذا الدرس -أيها الإخوة- نذكر شروط وآداب المناظرة والمجادلة بالتي هي أحسن.
فأما بالنسبة للقواعد فهي كثيرة؛ فمنها:
أولاً: إذا كنت مدعياً فهات الدليل؛ لأن الله قال: قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ [البقرة: 111].
ثانياً: أثبت صحة ما تنقل؛ لأن بعض الناس قد يأتون بأدلة لكن غير صحيحة.
ثالثاً: لا تبتر الدليل وائت به كاملاً.
هذه أشياء يُلزم بها كل الأطراف في المناقشة والمناظرة، كل الأطراف تلتزم بهذا، لا تبتر الدليل وائت به كاملاً.
لو واحد قال: فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ  [الماعون: 4]، أو قال: لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ  [النساء: 43] قال: هذا الدليل... بتر الآية، لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ  هات الدليل كاملاً، ولذلك غيلان هذا الضال لما جاء عند عمر بن عبد العزيز يحتج عليه بآية: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان: 3] في قضية القدر، قال له عمر بن عبد العزيز: اقرأ آخر السورة الذي فيها إثبات المشيئة للعبد مع مشيئة الرب، قال: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ [الإنسان: 30] إذاً للعبد مشيئة: إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا  [الإنسان: 30 - 31].
رابعاً من القواعد: الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله.
بعض الناس يقولون هذا الكلام صحيح، لماذا؟ لأن فلان قاله، هذا الدليل؟ لا.
خامساً: الحق واحد لا يختلف، من عهد النبي ﷺ إلى الآن الحق في المسائل واحد لا يختلف إلى أن تقوم الساعة.
سادساً: وجوب عرض أقوال الناس على الشرع، هذا يقول، وهذا يقول، لكن في النهاية كيف نعرف صحة الأقوال؟ لا بد من عرضها على الشرع.
سابعاً: السكوت عما سكت الله عنه ورسوله، مثلما تقدم في قضية المحاجه في مسألة القرآن.
وثامناً: الباطل لا يرد بالباطل، القدرية قالوا: العبد يخلق على فعل نفسه، جاؤوا الجبرية قالوا: العبد ما له مشيئة أصلاً... مجبور، ضلال بضلال.
جاء أهل الرفض، سبوا الصحابة، أو عظموا وألهوا آل البيت، جاء الناصبية سبوا آل البيت، بالمقابل بدعة ببدعة، سبوا أئمتهم كما سبوا أئمتكم.
يمكن أئمتهم أئمة لنا من أهل السنة، فلا يجوز رد البدعة بالبدعة، ولا رد الباطل بالباطل.
تاسعاً: عدم العلم بالدليل لا يعني عدم وجود الدليل، فأثناء النقاش الواحد يقول: لا يوجد هذا الكلام، ولم أسمعه، نقول: أنت ما عمرك سمعت لكن موجود الدليل، كونك ما عرفته لا يعني أنه غير موجود.
عاشراً: الاستدلال على المسألة المختلف فيها إنما يكون بالدليل المتفق عليه، ولذلك لو بدأت مع يهودي، مع نصراني، مع ملحد، مع مبتدع، في نقاش لازم تأتي بدليل متفق عليه أولاً.
قل: أنا وإياك نتفق على هذا الشيء أم لا؟ ثم تتوصل من هذا الاتفاق إلى إثبات الأشياء التي يختلف معك فيها.
الحادي عشر: الحجة الصحيحة لا يقدح فيها عجز صاحبها عن تقريرها، الحجة الصحيحة لا يقدح في صحتها أن صاحبها عاجز عن التقرير.
ولذلك بعض الناس يستغل إن صاحب الحق ما عنده لسان مضبوط، ويقول: أنت مهزوم وأنت ضعيف، مع أن هذا فقط عسر في اللسان، وإلا حجته صحيحة، فيجب أن يكون الإنسان عنده تجرد وعدم اتباع للهوى.
آداب المناظرة والمجادلة
01:17:27
 أما بالنسبة لآداب المناظرة والمناقشة، ونحن -كما قلنا- يا أخوان نتعرض لهذا في المجالس، في الفصول الدراسية، وبعضهم يسافر إلى الخارج ويلتقي بناس يثيرون شبهات، تفتح موقع إنترنت تحصل فيه شبهات وهجوم على الإسلام وأهل الإسلام، وتبغى ترد.
فنعرف إذاً ما هي الأصول وما هي الآداب، فمن الآداب:
أولاً: الإخلاص لله -تعالى-، وهذا أصل الأصول، لا يبقى يدوم عند الله إلا ما أريد به وجهه.
ثانياً: البدء بذكر الله، والثناء عليه.
ثالثاً: التأدب في الجلوس.
رابعاً: اجتناب الهوى، قال الشافعي: "ما ناظرت أحداً فأحببت أن يُخطئ" سبحان الله، لتجرده.
خامساً: الرجوع إلى الحق بعدما تبيّن، قال علي -رضي الله عنه- في مسألة من المسائل ذكر جواباً، فقام الرجل ورد عليه بالدليل، فقال علي: أصبت وأخطأت: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ  [يوسف: 76].
ارجع إلى الحق صابراً، أصبت وأخطأت، واعتراف كامل وصريح وواضح، وما وجد أن الاعتراف سينقص من قدره، بالعكس، كبر علي -رضي الله عنه- في أعيينا، لما ذكرت القصة كبر أكثر، وارتفع شأنه أكثر بهذا.
سادساً: التحلي بالحلم والصبر.
سابعاً: التريث، فقد يتراجع المجادل أو ينتقل إلى دليل آخر، ويترك هذا؛ لأنه تبين له فساد الاستدلال به، أو يخطر أنت ببالك دليل آخر، أو تكتشف خللاً فيما تريد أن تقوله.
ثامناً: التزام الصدق، ما نكذب، يأتي واحد يقول: والله في الكتاب الفلاني، وما هو موجود الكتاب الفلاني، لماذا الكذب؟ لا يجوز.
تاسعاً: الترفق بالخصم؛ لأن المقصود إقناعه وهدايته، وليس فقط تحطيمه، فبعض الناس يحرص على كسب الموقف، والأهم من هذا كسب الرجل نفسه.
يا إخوان: إذا كسبت الرجل الآخر أهم من إنك تكسب الموقف وتظهره بمظهر العاجز، هذا يكون مع المعاندين الرافضين للحق تماماً، هذا يظهر يفشل أمام الناس حتى لا يغتروا به.
لكن ابتداءً لما نناقش واحد ويخالفنا في شيء نريد أن نكسبه إلينا، ولا نريد أن نحطم رأسه ونذله.
وعاشراً: حسن الاستماع لكلام الخصم، وأن تمهله حتى يفضي إليك بحديثه.
والحادي عشر: الإنصاف، شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لما جاء يتكلم في بعض الأشخاص مثل الجويني والباقلّاني من المتكلمين، قال: ثم ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساعٍ مشكورة، وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف.
هذا رحمه الله ينصف المخالفين، عندهم مواقف مشكورة نقول: عندهم مواقف مشكورة، عندهم أعمال مبرورة.
هو عنده أخطاء مثلاً في الصفات، يؤول، لكن عنده ردود على النصارى والملاحدة مثلاً، إنصاف مهم، الإنصاف هو الذي يجعل الخصم يتبعك، وأتباع الخصم يسلمون لك، لكن لو أنت تتهجم على شيخهم بدون أدب، وتخطئه في كل ما يقول، ما يقبلون منك.
الثاني عشر: إصلاح المنطق، أقصد بالمنطق الألفاظ والكلام والأسلوب والبيان، ودراسة البلاغة.
هناك علم مهم جداً اسمه: علم البيان، يعني كيف تعبر عن المعنى الذي في نفسك بعبارة صحيحة، وهذا في كتب له، هذا من علوم الآلة المهمة، هذا علم البيان والبلاغة من العلوم المهمة، وبه تعرف أشياء كثيرة من عظمة كتاب الله وإعجاز هذا الكلام الذي تكلم به سبحانه وتعالى.
 وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ [القصص: 34]، والجواب في الأسدّ لا في الأشد، بعض الناس يظن أنه رفع الصوت هو الذي يفحم، الذي يفحم هو العبارة القوية الصحيحة المتينة في مكانها المناسب.
الثالث عشر: تجنب المماراة، وهذه لها منزلة في الجنة.
الرابع عشر: أن اختلاف الرأي لا يوجب فساد الود بين الإخوان، نحن الآن ممكن نتناقش في مسألة فقهية، ليس فقط في مسائل العقيدة، ومع الضالين، حتى مع إخواننا في الله نتناقش في مسائل فقهية، قراءة الفاتحة للمأموم خلف الإمام في الصلاة الجهرية تشرع ما تشرع، الزكاة في ذهب الحلي واجب ما هو واجب؟ مسائل خلافية كثيرة.
فالمناقشات العلمية ينبغي أن تكون بأسلوب مؤدب ولا تفسد ما بيننا من العلاقات.
ولذلك يقول يونس الصدفي: ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوما ًفي مسألة ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في المسألة؟
هذه مسائل اجتهادية، وكذلك فيقول العباس العنبري: كنت عند أحمد بن حنبل وجاء علي بن المديني وهو على دابة، فتناظرا في مسألة، وارتفعت الأصوات حتى خفت أن يقع بينهما جفاء.
فلما أراد على الانصراف قام أحمد فأخذ بركابه، أخذ بركاب الدابة، وكرمه وعززه وهو ينصرف.
أدب، الاختلاف الفقهي ليس معناه فساد العلاقة الأخوية، يبقى الأدب والاحترام والحشمة للأخ المسلم، وإن اختلفنا معه في مسائل فقهية، علمية.
وهذا من أدب السلف المفقود بين كثير من الذين يعيشون من الخَلَف.
السادس عشر: تجنب ما يشوش الفكر أثناء النقاش، مثل أن يكون الواحد محصورا ًفي جوع، في تخمة.
السابع عشر: نصب حاكم إن أفاد ذلك، يحكم بينكما؛ لأنه أحياناً بعض الأطراف تنكر، يقول: ما قلت هذا، أنت تقولت عليّ، تقول له: قبل قليل أنت قلت كذا الآن أنت تراجعت، يقول: أنا ما قلت أصلاً. إذًا ضع واحداً يكتب، ويفصل.
الثامن عشر: لا بأس باستعمال الأمثال، خصوصاً عندما تناقش مثلاً بعض المبتدعة تقول في النهاية إذا انقطع:  وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ [الإسراء: 81]، بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ [الأنبياء: 18].
ويجيب لك حجة ضعيفة متهافتة، تقول له: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ [العنكبوت: 41] وحجتك مثل بيت العنكبوت، ومثل السراب بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا  [النور: 39].
فلا بأس باستعمال الأمثال من القرآن والسنة وكلام العرب.
التاسع عشر: تجنب مناظرة السفيه والجاهل؛ لأنه ما في فائدة من مناظرة السفيه.
العشرون: ملخص لهذه الآداب، أسوقها إليكم من نونية الشيخ أبو محمد عبد الله بن محمد الأندلسي القحطاني، النونية معروفة بنونية القحطاني من أحلى وأعذب ما قيل:
لا تفنِ عمرك في الجدال مخاصماً *** إن الجدال يخل بالأديان
واحذر مجادلة الرجال فإنها *** تدعو إلى الشحناء والشنآن
وإذا اضطررت إلى الجدال ولم تجد *** لك مهربا ًوتلاقت الصفّان
فاجعل كتاب الله درعاً سابغاً *** والشرع سيفك وابدُ في الميدان
والسنة البيضاء دونك جُنّة *** واركب جواد العزم في الجَوَلان
واثبت بصبرك تحت ألوية الهدى *** فالصبر أوثق عدة الإنسان
واطعن برمح الحق كل معاند *** لله درّ الفارس الطعّان
واحمل بسيف الصدق حملة مخلص *** متجرد لله غير جبانِ
واحذر بجهدك مكر خصمك إنه *** كالثعلب البري في الروغان
أصل الجدال من السؤال وفرعه*** حسن الجواب بأحسن التبيان
أحياناً تبدأ النقاش بسؤال تسأل الخصم، توجه له سؤالاً واحداً، تقول: ما تقول في كذا؟ كذا ولا كذا؟ وتصل.
أصل الجدال من السؤال وفرعه *** حسن الجواب بأحسن التبيانِ
لا تلتفت عن السؤال ولا تعد *** لفظ السؤال كلاهما عيبان
وإذا غلبت الخصم لا تهزأ به *** فالعجب يخمد جمرة الإحسان
فلربما انهزم المحارب عامداً *** ثم انثنى قسطاً على الفرسان
واسكت إذا وقع الخصوم وقعقعوا *** فلربما ألقوك في بحران
ولربما ضحك الخصوم لدهشة *** فاثبت ولا تنكل عن البرهان
فإذا أطالوا في الكلام فقل لهم *** إن البلاغة لجمت ببيان
لا تغضبن إذا سئلت ولا تصح *** فكلاهما خُلقان مذمومان
واحذر مناظرة بمجلس خيفة *** حتى تبدل خيفة بأمان
لو كنت خائفاً يمكن ما تستطيع تتكلم ولا ترد.
ناظر أديبا ًمنصفاً لك عاقلاً *** وأنصفه أنت بحسب ما تريان
ويكون بينكما حكيم حاكماً *** عدلاً إذا جئتاه تحتكمان
أحياناً في المناظرة، في المجادلة، ممكن تصل القضية إلى المباهلة، ما هي المباهلة؟ الخصمان كل واحد منهما يدعو على نفسه باللعنة إن كان على الباطل وخصمه على الحق، مثلما قال الله -عز وجل- في كتابه العزيز عن مباهلة النصارى في سورة آل عمران لما جاء وفد نجران إلى النبي ﷺ، والنبي ﷺ ناظرهم ورد عليهم ثم هدد بالمباهلة: فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران: 61].
فأبى النصارى المباهلة وخافوا، وقام ذلك الرجلان سيدا القوم خائفين؛ لأن النبي ﷺ برز إليهم -في صحيح البخاري: عن حذيفة- جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه، فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل فوالله لئن كان نبياً فلاعنّاه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا.
والنبي ﷺ خرج مع الحسن والحسين وفاطمة: تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ .
ولا استطاعوا أن يباهلوا.
ولما أراد الواثق أن يقتل أحمد بن نصر المروزي تردد، فقتله المعتصم، وندم على قتله، وعاتب ابن أبي دؤاد وابن الزيات...