الأربعاء 19 محرّم 1441 هـ :: 18 سبتمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

الحقوق الاجتماعية


عناصر المادة
الوفاء بالعهود من صفات المؤمنين:
سبب ظهور فكرة حقوق الإنسان لدى الغرب:
مقارنة بين الحقوق في الإسلام وغيره من القوانين الوضعية:
الرقابة الالهية:
الحقوق في الإسلام هبة من الله تعالى: 
عدم مراعاة الفروق بين الرجل والمرأة في الحقوق:
مصادر معرفة الحقوق في الإسلام:
العُرف والعادة:
تحذير الشريعة من التساهل في الحقوق:
أهمية الكلام في موضوع الحقوق: 
حقوق الزوجين:
حقوق الوالدين والأقارب:  
حق المسلم على أخيه المسلم:
حقوق الأطفال والمرضى والمعاقين في الإسلام:
حقوق المعملين وعلماء الشريعة:
حقوق أهل الخبرة وأهل المكانة الاجتماعية:
حق الضيف على مضيفه:
حقوق العصاة وحسن التعامل معهم:
حقوق الشريكين والمضارِبين في الإسلام:
الحقوق الشرعية بين المؤجر والمستأجر:
حقوق وضوابط الملكية الفكرية:
حقوق بين الدائن والمدين:
حقوق لغير المسلمين تجب رعايتها:
إعادة الحقوق المغتصبة:
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فنحمد الله تعالى أن هدانا للإسلام، هذا الدين الذي جاء بالحقوق، وإعطاء كل ذي حق حقه.
ولما أخل الناس بالحقوق التي جاءت بها الشريعة كثرت النزاعات فيما بينهم، فهذه القطيعة بين الأقارب، وهذه الجرائم منتشرة، وهذا العقوق قد حلّ، وهذه الخلافات الزوجية قد استعرت، هذا الهجران، وهذه الخصومات بين الجيران، وهذه القرابات المقطوعة، ويرجع المسلم ينظر في السبب، لماذا يحصل هذا؟ فيجده من الإخلال بالحقوق.
الوفاء بالعهود من صفات المؤمنين:
00:00:58
 إن الوفاء من صفات المؤمنين،  وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ  [التوبة: 111].
ولذلك شرع لعباده الوفاء بالعهد، وامتدح نبيه إبراهيم، الذي وفّى فأقام حقوق الله.
وكذلك إسماعيل  وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ  [مريم: 54].
ونبينا -صلى الله عليه وسلم- كان يفي بالوعود، والعقود، والعهود، حتى قال حسان -رضي الله عنه-:
هجوتَ مباركاً براً حنيفاً *** أمين الله شيمته الوفاءُ
فمن يهجو رسول الله منكم *** ويمدحه وينصره سواءُ
[السيرة النبوية لابن كثير: 3/588].
فإنه -عليه الصلاة والسلام- لا يتضرر بكيد هؤلاء الكافرين، وأخلاقه معلومة، فمهما سبوه وشتموه فإنه الوفي -عليه الصلاة والسلام-.
ما هو الحق؟
حقَّ الأمر وجب ووقع بلا شك، الحق في اللغة: "ما ثبت ووجب" [لسان العرب: 1/397].
أمرت الشريعة بالوفاء بالعهود والحقوق يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ  [المائدة: 1].
قال زيد -رحمه الله-: "هي ستة، عهد الله، وعقد الحِلْف، وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد النكاح، وعقد اليمين".
وهذه أمثلة.
وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "العقود هي العهود"[المسائل والأجوبة: 203].
وقد أمر سبحانه بالوفاء بالعقود، وهذا عام.
وقال تلميذه: "وهذا يقتضي الأمر بالوفاء لكل عقد إلا عقداً حرمه الله ورسوله، أو أجمعت الأمة على تحريمه" [الفروسية: 164]. جاءت النصوص مؤكدة بالوفاء بالعهود.
هناك مشكلات كثيرة اليوم تحدث في المجتمع، ومصائب كثيرة حتى فرّقت بين الأصدقاء والإخوان، وحتى بعض الإخوة الذين تآخوا أصلاً في الله، والقرابات بسبب ضياع هذه القضية.
مشكلات زوجية متصاعدة بسبب ضياع هذه القضية، شراكات مفككة، وعداوات بسبب هذه القضية
ولذلك يجب أن نعطيها الاهتمام الكبير.
إننا نجد في القرآن والسنة التأكيد عليه  بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ  [آل عمران: 76] ،  وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا  [الأنعام: 152].
والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره  [رواه البخاري: 2227].
 أعطى بي ثم غدر  عاهد عهداً وحلف عليه بالله ثم نقضه.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "كل من شرط شرطاً ثم نقضه فقد غدر، وقد جاء الكتاب والسنة بالأمر بوفاء العهود، والشروط، والمواثيق، والعقود، وبأداء الأمانة، ورعاية ذلك، والنهي عن الغدر، ونقض العهود، والخيانة والتشديد على من يفعل ذلك".
والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال:  من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة 
فقال له الرجل: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟
قال:  وإن قضيباً من أراك  [رواه مسلم: 137].
قال النووي -رحمه الله- معلّقاً في بيان غلظ تحريم حقوق المسلمين: "وأنه لا فرق بين قليل الحق وكثيره، لقوله -صلى الله عليه وسلم-:  وإن قضيباً من أراك  لو كان سواكاً.
وكل من اقتطع حقاً من حق أخيه لا تزول قدماه يوم القيامة حتى يؤديه.
وقد جاء أعرابي للنبي -صلى الله عليه وسلم- يتقاضاه ديناً كان عليه، فاشتد عليه، حتى قال له: أحرّج عليك إلا قضيتني، فانتهره أصحابه، وقالوا: ويحك، تدري من تكلّم؟
قال: إني أطلب حقي.
فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  هلّا مع صاحب الحق كنتم؟ 
ثم أرسل إلى خولة بنت قيس، فقال لها:  إن كان عندكِ تمرٌ فأقرضينا حتى يأتينا تمرنا فنقضيكِ .
فقالت: نعم، بأبي أنت يا رسول الله.
فأقرضته، فقضى الأعرابي، وأطعمه، وقال: وأوفيتَ، أوفى الله لك.
فقال:  أولئك خيار الناس إنه لا قدّست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع .
رواه ابن ماجه وصححه الألباني. [رواه ابن ماجه: 2426، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 1818]. 
فإذا كان الواحد لا يحصل على حقه إلا بعد جهد عظيم هذه أمة سوء، فكيف إذا كان لا يحصل عليه أصلاً؟!
لا تستقيم علاقات الناس إلا بالوفاء بالعهود، واحترام العقود، وأداء الحقوق.
لا بد من الالتزام، ولذلك جاء الإسلام بضبط الحقوق، الإسلام سبق كافة المواثيق والإعلانات والاتفاقات الدولية التي تناولت حقوق الإنسان، وغيره، وكانت هذه الشريعة سباقة قبل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وقبل الاتفاقات الدولية أصلاً هذه الاتفاقيات وهذه القوانين الدولية ترديد لبعض ما جاء في الشريعة، مع نقص وظلم وجهل.
والرسالات السماوية من لدن آدم -عليه السلام- إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- بينّت حقوق الإنسان وفضيلته، وهؤلاء أرباب القوانين الوضعية ما عرفوا الاهتمام الحقيقي إلا في أواخر العصور الوسطى لهذا الموضوع.
لما فقدت الشعوب الأوربية الكافرة معظم ما يتمتع به الإنسان على يد الكنيسة الظالمة، وعلى يد الإقطاعيين، فاندفعت بعد ذلك لتعلن ثورتها عليهم، وأطاحت بهم، وبعد ذلك صدرت إعلانات حقوق الإنسان، وما يجب للإنسان، وكان الإعلان العالمي المشهور لحقوق الإنسان الذي صدر عن الأمم المتحدة في أواسط القرن العشرين 1948م. سبحان الله، في الوقت الذي ظلموا فيه المسلمين في فلسطين، وأخذوا حقوق الآخرين.
سبب ظهور فكرة حقوق الإنسان لدى الغرب:
00:07:49
 فكرة العناية بحقوق الإنسان برزت بشكل رسمي في الدول الغربية في القرن الثالث عشر الميلادي نتيجة وجود الثورات الطبقية، والشعبية، والقرن الثامن عشر في أمريكا لمقاومة التمييز الطبقي الذي حصل عندهم، والتسلّط السياسي والظلم الاجتماعي، ثم برزت نضالاً في ظل الثورة الفرنسية، ومناداة كتّاب بذلك.
وصدرت عندهم وثيقة حقوق الإنسان، ووضعت في مقدمة الدستور الفرنسي، في القرن العشرين جاءت المؤسسات الدولية، وأعلنت عُصبة الأمم حقوق الإنسان عام: 1919م في جنيف، ثم في ميثاق الأمم المتحدة 1945م.
وفي عام 1946م شكلت لجنة خاصة بذلك، وعملت على صياغة هذه الحقوق، وأُعلن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948م الذي سبقت الإشارة إليه في ثلاثين مادة.
وليست القضية قضية كتابة مواد، حتى منظمة المؤتمر الإسلامي في عام 1409ه وبحضور علماء الشريعة تم إقرار إعلان في 25 مادة. المسألة أن الشريعة سبقت هذه القوانين، وهذه المواثيق الدولية، وهذه الإعلانات، وإذا كان عندهم لجنة حقوق إنسان، وهيئة يونسكو، منظمة عفو دولية هذا موجود في الشريعة من قبل، والله -سبحانه وتعالى- كرّم بني آدم وجعل بينهم حقوقا ًمحفوظة، وقال -عليه الصلاة والسلام- في شأن النساء مثلاً:  فاتقوا الله في النساء فإنهن عوانٍ  يعني أسيرات  لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وإن لهن عليكم، ولكم عليهن حقاً  [رواه أحمد: 20695، وقال محققه الأرنؤوط: صحيح لغيره] .
فحقوق الأزواج ولزوجات، وحقوق الشركاء، وحقوق الأبناء، الأولاد والآباء، وحقوق المرضى، وحقوق الجيران، الحقوق في الشريعة كثيرة وواضحة جداً، حق العالمِ، حق المتعلّم، موجودة وأكثر مما يوجد عند هؤلاء الذين جاءوا بما يسمى بحقوق الإنسان.
مقارنة بين الحقوق في الإسلام وغيره من القوانين الوضعية:
00:09:52
 والمسلمون لما تخلفوا في أداء كثير من هذه الحقوق ليس لأنها ليست موجودة في شريعتهم يحتاجون إلى صياغة ومواد، هي موجودة، لكن أين الإيمان الذي يحرّك للالتزام بهذه الحقوق؟
والنبي -عليه الصلاة والسلام- ذكر في خطبة الوداع حرمة الدماء، حرمة الأموال، حرمة الأعراض، هذه حقوق، حقوق الناس، حقوق الإنسان، والنبي -عليه الصلاة والسلام- أعلنها.
وعندما جاءت هذه القوانين الغربية فإننا نذكرهم بأن الشريعة سبقت - هذه ميزة- وألزمت أكثر من توصياتهم- وهذه ميزة أخرى- وليست مواثيقهم وإعلاناتهم واتفاقيتهم بمقدمة على الشريعة ولا سبقت الشريعة أبداً.
وحقوق الإنسان في الإسلام حقوق أصيلة، أبدية، لا تقبل حذفاً، ولا تعديلاً، ولا نسخاً، ولا تعطيلاً، حقوق ملزمة.
أما هم يعدّلون، يغيرون، يضيفون، يحذفون؛ لأنه صنع بشر، والبشر يعتريهم النقص، والجهل، والعجز، وقِصَر النظر، والشريعة حقوق فيها من جهة العمق والشمول أكبر، القوانين والمواثيق الدولية -كما قلنا- معرضة للخطأ والقصور، ومن حيث الحماية والضمانات، الشريعة جاءت بأشياء ملزمة، مثلاً الحدود في الشريعة لماذا؟ لحماية الحقوق، والإلزام، يُلزم به بقوة السلطان
الرقابة الالهية:
00:11:30
 ثم هناك ميزة مهمة في الشريعة الإسلامية في قضية الحقوق، وهي الرقابة الإلهية؛ لأن هذه المواثيق البشرية إذا صارت فاعلة بسبب قوة السلاح وقوة النظام، وإذا ضعف انهارت وصار الظلم وعمّ وفشى.
وأما الإسلام فإن قوة الإيمان مع قوة السلطان هي المستند في حفظ هذه الحقوق.
وهناك الخوف من الله -عز وجل- الموجود في قلوب المؤمنين، وإذا كان الكافر يرتدع بالعقوبات الدنيوية، المسلم يرتدع بالعقوبات الدنيوية والعقوبات الأخروية أشد، ولدينا حدود وتعزيرات تلزم وتضبط وتحفظ.
الحقوق في الإسلام هبة من الله تعالى: 
00:12:23
 وهناك فرق مهم أيضاً بين حقوق الإنسان في القوانين الدولية وحقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية وهو أن هذه الحقوق في الشريعة هبة من الله تعالى، من غير ترقب الإنسان، ولا تطلُّب، ولا ثورة، ولا محاربة لأجل تحصيلها.
لكن الغرب ما حصلوا على هذه الحقوق إلا بعد ثورات، وبعد قتلى، وبعد فتن كثيرة جداً، واضطرابات ومعارك سالت فيها الدماء حتى توصلوا إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بعد الحرب العالمية الثانية.
وكذلك فإن التباين واضح فمن جهة الشمول  -كما قلنا- الشريعة فيها حقوق لليتامى، وحقوق للجيران، وحقوق للأقارب، وهذا ربما لا تجده في القوانين الدولية، حقوق الأقارب، حقوق الجيران.
وهناك أمور منعها الإسلام، أباحها أولئك الكفرة، اختلافات.
مثلاً: عند الكفار من حقوق الإنسان: أن يغير دينه متى شاء، ولو كان مسلماً فصار نصرانياً، أو يهودياً، أو بوذياً، فلا لوم عليه، بينما في هذه الشريعة التي أصلاً تحفظ الدين منعت، من بدّل دينه فاقتلوه  [رواه البخاري: 3017].
يعني من غير من ملّة الإسلام إلى ملّة أخرى.
عدم مراعاة الفروق بين الرجل والمرأة في الحقوق:
00:13:47
 من الفوارق مثلاً: أن قوانينهم مبنية على ظلم ما يسمى بالمساواة بين الجنسين من جميع الوجوه، مع أن الله فاوت بين الجنسين وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى  [آل عمران: 36].
فالشريعة الإسلامية راعت الفروق، الكفار ما راعوا الفروق، وقوانينهم ما راعت الفروق.
بينما هذه الشريعة وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ  [النساء: 32].  وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ  [البقرة: 228]
ولذلك لا ينبغي للمسلم أن يغتر بما يسمى بحقوق الإنسان عند الغربيين، وإن كان فيها بعض من نصرة المستضعفين، ومنع التعذيب، ومنع الحط من الكرامة، وحقوق السجناء، إلى آخره.
هذه موجودة عندنا وأكثر منها، لكن من جهة مراعاة الفطرة، مراعاة الخِلْقة فيه ظلم، الشريعة تراعي المرأة -مثلاً- فتجعل لها ولياً يصونها، ومهم جداً الولي في الزواج، وهم لا! ما عندهم لا ولي، ولا محرم، ولا عندهم الحجاب، ولا قضية منع الاختلاط، ولا ولا.... إلى آخره.
بل عندهم حقوق السحاقيات واللوطيين، والجنس الثالث، والجنس الرابع، المتشبهون من الرجال بالنساء الجنس الثالث، والمتشبهات من النساء بالرجال الجنس الرابع.
هم عندهم حقوق لهؤلاء، الحقوق من أين تؤخذ؟ وكيف تعرف؟ هذه مسألة مهمة جداً، نحن إذا تناقشنا معهم، نقول: أنتم كيف عرفتم الحقوق؟ وبناءً على ماذا؟ ومن أين استنبطتموها وأخذتموها؟ ومن الذي حددها؟ ومن الذي عرفها؟ ومن الذي بينها؟
نحن الحقوق عندنا مأخوذة من الكتاب والسنة، مأخوذة من أدلة، مأخوذة من وحي لا ينطق عن الهوى، هناك نص شرعي  إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه 
[رواه البخاري: 1968].
تأتي نصوص:  حق المسلم على المسلم  [رواه البخاري: 1240، ومسلم: 2162].
هم أهواء البشر، ويطورون ويعدّلون فيها؛ لأن عندهم تثبت ثغرات ما روعيت من قبل، وهذه ما خطرت بالبال، وهذه ما كانت، فيضيفون مواد.
مصادر معرفة الحقوق في الإسلام:
00:16:19
 أولاً: تُعرف الحقوق في الإسلام بما جاء في النصوص.
ثانياً: عن طريق التعاقد.
لأن العقد على شرط المتعاقدين إلا شرط أحل حراماً، أو حرم حلالاً.
فالعقد بصفة عامة يلزم طرفي التعاقد؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:  المسلمون على شروطهم  [رواه أبو داود: 3594، والحاكم في المستدرك: 2309، والطبراني في الكبير: 30، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 6714].
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "فإن لكل من العاقدين أن يوجب للآخر على نفسه ما لم يمنعه الله من إيجابه".
وقال ابن القيم -رحمه الله-: "الأصل في الشروط الصحة، والمسلمون على شروطهم إلا شرط أحل حراماً أو حرم حلالاً" [الفتاوى الكبرى لابن تيمية: 3/233].
ونلاحظ القاعدة العمرية العظيمة: "إن مقاطع الحقوق عند الشروط".
وهذه لها قصة، فروى سعيد بن منصور في سند صحيح عن عبد الرحمن بن غنم، قال: "كنت جالسا ًعند عمر حيث تمس ركبتي ركبته، فجاء رجل فقال: يا أمير المؤمنين، تزوجت هذه، وشرطتْ لها دارها -يعني ما أنقلها من مكان أهلها-  وإني أجمع لأمري أن أنتقل إلى أرض كذا وكذا.
أنا أخطط للانتقال!
فقال عمر -رضي الله عنها-: "لها شرطها".
فقال الرجل: هلك الرجال، إذ لا تشاء امرأة أن تطلق زوجها إلا طلقت.
تشترط إذا صار خلاف تقول: أنا لي شرطي!
فقال عمر: "إن مقاطع الحقوق عند الشروط، ولها ما اشترطت".
وذكره البخاري في صحيحه معلقاً مجزوماً به مختصراً. [رواه البخاري معلقاً مجزوماً به مختصراً: 7/ 2]0
قاعدة عظيمة، "مقاطع الحقوق عند الشروط"، الشروط تقطع الحقوق، الحق ينتهي عند الشرط.
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج  متفقٌ عليه.
[رواه البخاري: 2721، ومسلم: 1418].
قال ابن القيم -رحمه الله-: "إذا كان من علامات النفاق إخلاف الوعد، وليس بمشروط، فكيف الوعد المؤكد بالشرط؟ بل ترك الوفاء بالشرط يدخل في الكذب، والخُلف، والخيانة، والغدر" [إعلام الموقعين عن رب العالمين: 3/303].
العُرف والعادة:
00:18:33
 تُعرف الحقوق أيضاً في ديننا بالعرف والعادة، وهي ما تعارف عليه الناس ولم يخالف الشرع، والمعروف عُرفاً كالمشروط شرطاً، والعادات نوع من الشروط؛ لأنها أمور صار عليها الناس، وألفوها، وصارت سائرة بينهم، ومقرّة، وسائدة، فإذا لم يدل الدليل على منعها فهي جائزة، والشرط العُرفي كالنطقي، ولو ما كتبوه، ولو ما تلفظوا به، لكان جارياً بينهم، وعند الخلاف يُرجع إليه، والعادة محكّمة، تُحكّم.
والدليل على هذه القضية قول الله تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ  [البقرة: 228].
يعني ما تعارف عليه الناس، أصحاب الفطر السليمة، والعقول المستقيمة.
 وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ  [البقرة: 233].يعني: ليس مبلغاً محدداً، ما تعارفوا عليه من مثله لمثلها، ومن مثله لمثلهم. للمولودين،  وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ  [البقرة: 241] ،  وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ  [النساء: 19]
المملوك له حقوق في الإسلام، الحيوان له حقوق في الإسلام.
والنبي -عليه الصلاة والسلام- بيّن أنه يُرجع بين الناس بأشياء إلى ما تعارفوا عليه، وحكم بذلك، وكذلك خلفاؤه.
الوسيط بين البائع والمشتري، كم أجرته؟ السمسرة هذه التي يسمونها هكذا، كم هي؟ يرجع فيها إلى ما تعارف عليه الناس، عندما يقولون "مهر المثل" و"قيمة المثل" هذا إذن مرجع في الموضوع.
ومن المهم كتابة الحقوق في العقود تأكيداً عليها مراعاةً لها، وقد قال تعالى:  وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ  [البقرة: 282].
وهذا من تمام الإرشاد -كما يقول ابن كثير رحمه الله- وهو الأمر بكتابة الحق صغيراً كان أو كبيراً.
ولا تسأموا: لا تملّوا. أن تكتبوا الحق قليلاً أو كثيراً، لماذا؟ أقطع للخلاف.
وقال السعدي -رحمه الله-: "احتوت هاتان الآيتان على إرشاد الباري عباده في معاملاتهم إلى حفظ حقوقهم بالطرق النافعة" [تفسير السعدي: 959].
يعني مثلاً،كتابة، إشهاد، رهن، وهذه الإجراءات لعلاج موضوع المغالطات، كثرة النسيان، خيانة.
وكذلك فإن الكتابة بين المتعاملين من الإحسان، وفيها إبراء ذمة، ولذلك يحتسب الكاتب ليحظى بالثواب.
ومن تمام الكتابة والعدل فيها: أن يحسن الكاتب الإنشاء، والألفاظ، وللعرف في هذا المقام اعتبارٌ عظيم.
ويجب على الذي عليه الحق إذا أملى على الكاتب أن يتقي الله، ولا يبخس الحق الذي عليه؛ لأنه هو الذي يملي، فلا ينقص في القدر، ولا في الصفة، ولا في الشرط، ولا في القيد، ويعترف بكل ما عليه من المتعلقات، ولا يبخس صاحبه حقه.
تحذير الشريعة من التساهل في الحقوق:
00:22:16
 و حذّرت الشريعة من قضية تضييع الحقوق بالتأويل والتورية، واعتبرت هذا غير مقبول أبداً.
وقد قال -عليه الصلاة والسلام-:  من اقتطع مال امرئ مسلم بيمين كاذبة لقي الله وهو عليه غضبان  وقرأ - عليه الصلاة والسلام - قول الله تعالى:  إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ  [آل عمران: 77] الآية. [رواه البخاري: 7445].
وقال -عليه الصلاة والسلام-:   اليمين على نية المستحلف  [رواه البخاري: 1653].
ليس إذن استخدم التورية في اليمين نجا، لا!
قال ابن رجب -رحمه الله-: "هذا محمول على الظالم، فأما المظلوم فينفعه ذلك" [جامع العلوم والحكم: 1/90].
أهمية الكلام في موضوع الحقوق: 
00:23:00
 الكلام على الوفاء من الحقوق؛ نظراً لأن هناك أشياء كثيرة ضائعة، هناك رواتب ضائعة، أجور ضائعة، نسب لأتعاب ضائعة، حقوق زوجية ضائعة، أولاد ضائعون.
هناك حقوق الجيران ضائعة، أشياء كثيرة تحدث بسبب ضياعها أزمات خطيرة.
ولذلك الكلام في هذا الموضوع من الأهمية بمكان، والإخلال بالحقوق من الظلم، وإذا تفشى الظلم نزعت البركة، وقلّ الخير، وانتشرت الأمراض، والأوجاع، والآفات، والأزمات.
وقد حذر تعالى من الظلم؛ لأن تضييع الحقوق هذه قضية ظلم وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا  [الفرقان: 19].
 يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا  [رواه مسلم: 2577].
كان أبو إدريس الخولاني -رحمه الله- إذا حدّث بهذا الحديث جثا على ركبتيه لعظمة الحديث وجلالته.
والإنسان بطبعه أنه ظلوم جهول، ولذلك توضع الحقوق لمواجهة ظلم الإنسان وجهله.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "خُلِق الإنسان ظلوما ًجهولاً، والأصل فيه عدم العلم، والميل إلى ما يهواه، ويحتاج دائماً إلى علم مفصّل يزول به جهله، ويحتاج إلى العدل في الترك وفي الفعل" [جامع الرسائل لابن تيمية: 1/100].
والوفاء بالحقوق خلاف ما تقتضيه وتشتهيه النفوس؛ لأن النفوس فيها طبع الظلم، وتأخذ الذي لها، ولا تعطي الذي عليها.
ومن الناس قوم لا يقومون إلا في أهواء نفوسهم، فإذا أعطي أحدهم ما يتمنى ويشتهي زال الغضب وحصل الرضا،  فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ [التوبة: 58].
لماذا؟ نتيجة الظلم والجهل.
لما قلّ العلم وانتشر الظلم قامت الشكاوى، سوق الشكاوى قائم، الزوج يشتكي؛ زوجتي لا تعطيني حقي من الاهتمام، لا تتزين لي ولا تتجمل، لا تمكنني من الاستمتاع، والشيطان يزين لي الأجنبيات.
وهذا يقول: لا تطيعني، ولا تخدمني.
وهذا يقول: لا تريد المكث في البيت، خرّاجه ولّاجة.
والزوجة من الجهة الأخرى تشتكي: زوجي لا ينفق علي بالمعروف، يريد أخذ راتبي، يريد أخذ إرثي، الاستيلاء على مالي، لا يحترمني، يسيء معاملتي، وتلك تقول: زوجي يضربني، ويفضل علي زوجته الأخرى، ويهجرني بالأشهر، ولا يعطيني حقي في الفراش.
والآباء يشتكون: أبناؤنا لا يطيعوننا، ولا يحترموننا، ويعضوننا، ويأخذون حقوقنا.
والأبناء يشتكون في المقابل، الأولاد: آباؤنا لا يعطوننا النفقة، ولا يرعوننا، ولا ينصحوننا، يغيبون عنا، لا يسألون عنا، رمونا.
الأقارب يشتكون، نزاعات على الإرث، عدم زيارات، لا مشاركة في الأفراح والأتراح، لا مساعدة عند الأزمات، تكبر بسبب منصب، الجيران يشتكون، مشاجرات، بلغ شرطة لسبب تافه، تتبع عورات نساء الجيران، الكشف عليهم، وهكذا.
وبعضهم لا يعرف جاره أصلاً، ربما أحسن واحد فيهم الذي كاف خيره وشره كما يقولون.
وكيف يكفّ المسلم خيره؟
والعمال والأجراء يشتكون من الجهة الأخرى، أصحاب الأعمال يؤخرون الرواتب، يبخسون الحقوق.
وهذه الخادمة تشتكي: سنة كاملة ما أعطاني شيء، لما انتهت المدة وأردت أن أرجع إلى بلدي جحدني، ما عندي، قال: وضعتها في الأسهم وخسرت.
ما ذنب الخادمة؟ هل استأذنتها في وضعها في الأسهم؟ هل قلت: سأستثمرها لكِ في كذا وكذا فوافقت؟
ثم أحياناً اعتداءات صارخة، يقول للطبيب: انطر لي هذه البنت، لديها صداع خفيف، ثم قال: انظر إلى الخدامة، ظهر فيها جرح غائر، نزيف، ثم قال...
قالت: من أشهر ما استلمت راتبي والشغل 24 ساعة، والإهانات مستمرة والضرب مستمر.
وهذا راكب سيارة قيمتها 300 ألف.
أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه.
هذه القاعدة الشرعية، أين المبادرة إلى إيفاء الحقوق؟ في المقابل: أصحاب العمال يشتكون، السائق والخادمة متمردان، العصيان قائم، العمال في المحل يسرقونني، يأتون متأخرين، كسلانين، لا يقابلون الزبائن بما ينبغي، أغضبوا الزبائن، الوسخ في كل مكان، المحل مهمل، الأدوات معطلة، ليس هناك مراعاة للحلال.
وهكذا يستغلون موارد المؤسسة والشركة لحسابهم، يكلم بالهاتف على حساب المؤسسة بمبالغ.
الظلم من الطرفين، لماذا؟ ليس هناك إعطاء حقوق.
تفشى هذا بين كثير من الناس، والمعاناة مستمرة بسبب ضياع الحقوق، المعاناة مستمرة، ويأتي الواحد على عقد ثم يُمزق العقد ويعطى عقداً آخر، وبأي حق؟ يأتي وقد رهن وباع واستدان.
فيقال: تغير من كذا إلى كذا ولا مع السلامة.
الآن جاء وقد خسر ما خسر، كيف الآن بكل سهولة "مع السلامة، اذهب"؟
الموكل يقول: محامي غدر بي، ونصب علي، وعدني ومناني وما وعدني إلا غروراً، وأخذ دفعات أموال وراء بعض، ما أعطاني شيئاً.
وتجد في المقابل أشياء، هذا قال لي: إذا بعت لي الشيء الفلاني يكفيها كذا، وأرض، وسعيها كبير، ولما بعت الأرض له وتعبت، ووجدت له الزبون جحدني، وقال هذا كثير عليك، وهذا السعي فيه شركاء معك، وفيه ناس آخرون. دخّل ناساً من أقاربه، وهم لا سعوا بها ولا اجتهدوا، جحدني.
حقوق الزوجين:
00:30:30
 نجد أن الحقوق في الشريعة واضحة وبالأدلة، يعني لو أخذنا مثلاً حقوق الزوجين، وأخذنا حقوق الزوج على زوجته، سنجد مثلاً "القوامة" يعني الرجل هو السيد، يعني المرأة تطيع، يعني هو يدبر الشؤون ويصلح الأوضاع  الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ  [النساء: 34] عليها أن تطيعه بالمعروف.
ثانياً: قال -عليه الصلاة والسلام-:  كيف أنتِ له؟ 
قالت: ما ألو  -ما أقصر- إلا ما عجزت عنه.
قال:  فانظري أين أنتِ منه فإنما هو جنتكِ وناركِ .
رواه أحمد وهو حديث حسن. [رواه أحمد: 19003، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 1933]. 
واحد سيئ الخلق قالوا: تزوج امرأة، قال: أما إني سيئ الخلق، فإن كان عندك شيء من الصبر على المكروه وإلا فلست أغرك من نفسي، قالت: أسوأ منك من أحوجك إلى سوء الخلق.فتزوجها، فما جرت بينهما وحشة إلى الموت.
الثالث: إجابة الدعوة إلى الفراش، فلا تمنعه من نفسها متى طلبها، وإلا تعرضت لسخط الله، وقد قال -عليه الصلاة والسلام-:  والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها  يعني زوجها. [رواه مسلم: 1436].
رابعاً: الخدمة.
وهذا من مقاصد الزواج، وهذا هو الراجح، وقال شيخ الإسلام: "الصواب وجوب خدمة الزوجة لزوجها".
فالخدمة من مثلها لمثله، خدمة القروية غير خدمة الحضرية، غير خدمة البدوية، بحسب العُرف.
خامساً: أن تشكر نعمة الزوج ولا تجحده، ليس هناك كفران عشير، ولا كثرة شكاية.
سادساً: ما تصوم تطوعاً إلا بإذنه.
سابعاً: عدم إرهاق الزوج بما لا يطيق،  لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا  [الطلاق: 7].
ثامناً: أن تحفظه في عرضها وماله، ولا تعرّض نفسها للفتن، ولا تدخل في أماكن الاختلاط، ولا تسافر بغير محرم، ولا تتعرض للفساق، ولا تتبرج بزينة؛ لأنها إذا تبرّجت بزينة ما حفظته في عرضه.
تاسعاً: أن لا تأذن لأحد بدخول بيته إلا بإذنه لحديث: ولا تأذن في بيته إلا بإذنه  [رواه البخاري: 5195].
وعاشراً: التجمل وحسن التبعّل.
في الجهة الأخرى حقوق الزوجة:
أولاً: أن يلزمها طاعة الله، وأن يحملها على الدين،  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا  [التحريم: 6].
ثانياً: المعاشرة بالمعروف  واستوصوا بالنساء خيراً  [رواه البخاري: 5186]،  وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ  [النساء: 19].
في المعاملة لا يقبّح، ولا يضرب الوجه، ولا يزيد في الهجر عما ورد به الشرع، وكذلك أن ينفق عليها، وهذا من أهم الأشياء، ويطعمها إذا طعم، ويكسوها إذ اكتسى، ويسكنها، ولا يهجر إلا في البيت.
 إن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقاً، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذنّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن 
رواه الترمذي وهو حديث حسن. [رواه الترمذي: 1163، وحسنه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي: 3087].
قال الموفق ابن قدامة -رحمه الله-: "اتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا بالغين إلا الناشز منهن" [المغني لابن قدامة: 8/195].
رابعاً: إعفاف الزوجة.
خامساً: عدم إفشاء أسرارها في الفراش.
إن من شر الناس منزلة من يفضي إلى امرأته ثم ينشر سرها.
سادساً: فلا بد إذن من العدل، مع المؤانسة وتحمُّل الأذى، والصبر عليها، والمحافظة على مالها، وعدم التعرض لمالها إلا بإذنها، قال الله تعالى:  وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا  [النساء: 20].
فلا يأخذ من مالها شيئاً، ولا من إرثها، ولا من راتبها إلا بإذنها، أما يأخذ الراتب، ويجحد، ويتزوج عليها من راتبها، مصائب، وقد وعدها أنه سيبني مسكناً مشتركاً، وعشا ًللأولاد، وهو يعدها كذباً وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ  [البقرة: 188].
لماذا انتشرت الخيانات اليوم؟ تضييع الحقوق.
وإذا نظرتَ كذلك إلى قضية الأم والزوجة والخلل الحاصل بسبب عدم أداء الحقوق.
لا هذه تؤدي حقوق هذه، ولا هذه تؤدي حقوق هذه، والزوج أحياناً يظلم الزوجة، أو يظلم أمه؛ بسبب عدم انضباط قضية الحقوق.
والقصص كثيرة، وهذه ما تحملت أمه فأخرجتها، وإلى المخزن، تنام مع الفئران والحشرات، تستعطف زوجته، تقول: ما عندنا إلا هذا.
جاءت إحدى الجارات أشفقت على أمه المرمية في المخزن فآوتها عندها، فهددهم بالتدخل في الشؤون الداخلية للبيت، وأنه سيفضحهم عند أهل الحي إذا استمروا في إيواء أمه، ثم قال: سأضعكِ في مكان أفضل وإلى دار العجزة.
المشكلة تكمن في كثير من الأحيان في عدم إعطاء الموضوع حقه في العجلة، يسمع أول ما يدخل البيت، زوجته تشتكي تنفجر عليه، مباشرة يقوم إلى أخواته فيضربهن، ويشتمهن، ويلعنهن، ويسبهن.
إذا دخل البيت واستلمته أمه: وزوجتك فيها كذا.
مباشرة ذهب إلى الزوجة، ضربها، فعل وفعل، وهكذا.
ومعادلة "إما أنا وإما أمك" هذه التي تقع الآن عُرفاً مع الأسف.
هناك حقوق للوالدين، وحقوق للزوجة، والمطلوب القيام بالحقوق، والأم لها حق عظيم، والأقارب لهم حق عظيم.
والله سبحانه وتعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم: هذا مقام العائل بك من القطيعة.
قال:  أما ترضين أن أصل من وصلكِ وأقطع من قطعكِ؟  [رواه البخاري: 5987، ومسلم: 2554].
حقوق الوالدين والأقارب:  
00:37:30
 وعلى رأس الأقارب الوالدان، وبرهما معروف  لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا  [البقرة: 83].
وأمر بالقول الحسن والفعل الحين، ونهى عن الفعل السيئ والفعل السيئ.
من حقوق الوالدين النفقة عليهما، طاعتهما بالمعروف، الإحسان إليهما بجميع الوسائل.
كان أبو يوسف يقول: اللهم اغفر لأبوي ولأبي حنيفة.
فيقدم أبويه على شيخه، مع أن شيخه نفعه أكثر من أبويه في العلم بطبيعة الحال.
ما يسافر الأسفار الخطيرة -كسفر الجهاد- إلا بإذنه.
وأشياء كثيرة في الحياة لهما، وبعد الوفاة حقوق، ومن الاستغفار والدعاء وصلة أقاربهما.
السلف ضرب المثل الكبير في حقوق الوالدين، حيوة إمام وعالم، وفي حلقة العلم أمه عامية، ترفع صوتها: يا حيوة، قم فألقي الشعير للدجاج هذا همها، الدجاج! لا فضيلة للشيخ ولا للدرس.
فيقطع الدرس، ويقوم إلى الدجاج فيلقي الشعير ويرجع لإكمال الدرس.
وأحد السلف أراده الخليفة على القضاء فامتنع، امتنع وامتنع، والقضاء منصب وهيبة ومكانة، فسمعت أمه، فقامت عليه توبخه على رفضه للقضاء، تعنفه، وهو مطرق إلى الأرض ببصره بغاية الأدب، لا يرد عليها شيئاً، وهي توبّخ وتعنف وهو لا يرد عليها.
وعدم القيام بالحقوق سيؤدي بطبيعة الحال للعقوق وإلى رمي الأبوين، وكما قال ذلك الطفل لأمه، وقد رأته يرسم دوائر، وسألته ما الذي ترسمه؟ قال: هذا بيتي عندما أكبر.
قالت: وهذه الغرفة منعزلة خارج البيت لماذا؟  
قال: هذه لكِ، مثلما كما جدي الآن!.
ومن ذهب إلى المستشفيات وسأل الأطباء عما يوجد من أبوين أحدهما أو كلاهما، لا في زيارات ولا سؤال، وأصلاً بعض كبار السن ليس له علاج، هو يدخل المستشفى يوماً، يومين، ثلاثة، مراعاة.
بعض الأشياء كما يقولون "روتينية" ثم يتصلون على أهله، يقولون: تعالوا خذوا أباكم، خذوا أمكم.
ما يرد أحد أصلاً، وقد يعد ولا يأتي، وأبوه مرمي في المستشفى؛ لأنه صار عالة، كلّ، ولذلك ممكن يرمى على خارج البيت، دبر نفسك.
وفي المقابل حقوق الأولاد إذا ضٌيعت، ماذا ستكون النتيجة؟ عقوق، تشريد الأولاد، وانحراف الأولاد، ووقوع الأولاد في الجريمة نتيجة تقصير الآباء في حقوقهم، ومن حقوقهم -كما قالوا- اختيار الزوجة قبل ولادة هؤلاء الأبناء والأولاد   فاظفر بذات الدين  [رواه البخاري: 5090، ومسلم: 1466].
وحتى من حق الولد اختيار الاسم الحسن له، ومن حق الولد التربية والرعاية، والرجل راعٍ في أهله ومسئول عن رعيته، وأن هذا الصبي أمانة عند والديه.
وقلبه طاهر على الفطرة كالجوهرة الخالية من كل نقش قابل لكل علامة، مائل إلى كل ما يمال إليه، وإذا عوّد الخير نشأ عليه، وإذا عوّد الشر نشأ عليه وشقي وهلك.
مسؤولية الآباء والأمهات.
الإنفاق، الذي يدفع بعض الأولاد للسرقة، عدم الإنفاق، كفى بالمرء أن يضيع من يقوت.
من حقوق الأولاد: العدل بينهم في الهبات والأعطيات، لا تشهدني إذاً فإني لا أشهد على جور.
وظلم الأولاد مآسي في البيوت، لأنه يرمي الأم والأولاد، ثم لا يعترف بأي نفقة، ولا يسأل، ولا يمر، ولا يأتي، وهكذا تكبر البنت، ويكبر الابن، وليس هناك حنان ولا عطف، ثم يأتي بعد ما كبر يتعرف عليه، فيجابه بقطيعة وعقوق، وهذا من العقوبة المعجّلة، وليس هذا بمبرر للابن أو البنت أن يعق أباه لأنه أهمله؛ لأن العقوق معصية أيضاً في حقه، وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ  [البقرة: 281].
وإذا نظرنا إلى حقوق الأقارب أيضاً، الأقارب من حقوقهم وجوب الإنفاق عليهم، الأقرب فالأقرب، بعض العلماء يوجبون الإنفاق على الأقارب غير الأصول والفروع، إذا كان ماله يتسع، ولذلك عمدهم خلاف في قضية إعطاء القريب الزكاة، ومن الذي لا يعطى؟
إذا كان يرث منه، ولذلك عليه أن ينفق عليه.
وإذا جئنا إلى الجيران ورعاية الجيران، وكف الأذى، ودفع الضرر، وقال تعالى:  وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ  [النساء: 36].
فالجار ذو القربي: الذي بينك وبينه قرابة.
والجار الجنب: الذي لا قرابة بينك وبينه.
ولا زال جبريل يوصي النبي- صلى الله عليه وسلم- بالجار حتى ظن أنه سيورثه" [رواه البخاري: 6014، ومسلم: 2625].
والجار يشمل المسلم، وغير المسلم، والعابد، والفاسق، والنافع، والضار، والقريب، والأجنبي، والأقرب داراً والأبعد، وله مراتب، ولذلك قال أحمد -رحمه الله-: "الجيران ثلاثة، جار له حق، وهو الذمي الأجنبي له حق الجوار، وجار له حقان، وهو المسلم الأجنبي له حق الجوار وحق الإسلام، وجار له ثلاثة حقوق وهو المسلم من قريب، له حق الجوار، وحق الإسلام، وحق القرابة، وأولى الجوار بالرعاية من كان أقربهم إليك باباً" [إعلام الموقعين عن رب العالمين: 2/95].
والعلماء عندما يذكرون حقوق الجيران، وأن يبدأ في السلام، ويعوده في المرض، ويعزيه في المصيبة، ويهنئه في الفرح، ويتلطف معه، ويشاركه في السرور، ويتجاوز عن زلاته، ويغض بصره عن محارمه، ويحفظ عليه داره إذا غاب.
يعني هو إذا جاء لص، لا، هو من مسؤوليته.
وكان عبد الله بن أبي بكر ينفق على جيرانه الأربعين، إلى أربعين دار، وكان عبد الله بن المبارك له جار يهودي فأراد اليهودي أن يبيع داره، فقيل: بكم تبيع.
قال: بألفين.
قيل: لا تساوي ألفاً.
قال: صدقت، ألف للدار، وألف لجوار عبد الله بن المبارك.
فأخبر ابن المبارك، فدعاه، فأعطاه ثمن الدر وقال: لا تبعه!
وإذا جئنا إلى حقوق الإخوة في الله، والأصدقاء، والإخوان.
سامح أخاك إذا خلط *** منه الإساءة والغلط
وتوقّ عن تعنيفه *** إن زاغ يوماً أو سقط
من ذا الذي ما ساء قط *** ومن له الحسنى فقط؟
[مقامات الحريري: 229].
فلا صديق إلا بعيب.
بعض الناس لا يتحمل أبداً، ولا يريد أن يتحمل أي شيء من إخوانه.
وكنتُ إذا الصديق أراد غيظي *** وأشرقني على حنق بريقي
غفرت ذنوبه وصفحت عنه *** مخافة أن أعيش بلا صديقِ
[الصداقة والصديق: 51].
 
وتبادل للرسائل النافعة التي تذكّر بالله.
الأخوة أصلاً حق لأجل العلاقة التي نشأت بسبب المحبة بالله.
حق المسلم على أخيه المسلم:
00:46:31
 وقضية  حق المسلم على المسلم  [رواه البخاري: 1240، ومسلم: 2162].
وأحاديث أخرى بيّنت حقوق الإخوة، بينت مثلاً عدم هجر الأخ لأخيه أكثر من ثلاث ليال، وبلغ من رعاية السلف لحقوق إخوانهم في الله أن الواحد كان منهم يفرح إذا طلب منه صاحبه ويعطي أكثر مما طلب، ويتعاهد قبل أن يطلب، ولذلك لما أتى رجل أخاً له فدق الباب فخرج، فقال: لماذا جئتني؟
قال: لأربعمائة درهم ركبتني.
فدخل ووزن له أربعمائة درهم ودفعها إليه، ودخل داره يبكي.
فقالت له امرأته: لماذا؟ أنت الآن أعطيته.
قال: "إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله حتى احتاج إلى مفاتحتي" [إحياء علوم الدين: 3/252].
وقال عبد الله بن عثمان: "ما سألني أحد حاجة إلا قمت بها بنفسي، فإن تم وإلا قمت بمالي، فإن تم وإلا استعنت له بالإخوان، فإن تم وإلا استعنت له بالسلطان" [تهذيب الكمال في أسماء الرجال: 15/278].
شفاعة حسنة.
وهذا يأخذ بركابه ويودعه إلى الباب، وهذا يشق لهم عُكة السمن أو العسل، على الأقل ما بقي يلعقونه.
ويخلف أخاه بعد موته بكذا سنة.
فستر عيوب الأصحاب وعدم نشرها، والرفق، والمودة، والعيادة، والسلام، إجابة الدعوة، والتشميت، اتباع الجنازة، نشر المحاسن، ترك الغيبة، هذا كله القيام والرعاية بالحقوق يُوجِد صفاً إسلامياً.
إني لأضع اللقمة في فم أخ من إخواني فأجد الطعم في حلقي.
الذبّ عنه في غيبته، من الحقوق أم لا؟
نصرته إذا صار مظلوماً، من الحقوق أم لا؟
أين مثل الأخ الصالح؟
إن أهل الرجل إذا مات يقسمون ميراثه ويتمتعون بما خلّف، والأخ الصالح يحزن عليه، ويدعو له في ظلمة الليل، ويستغفر له وهو تحت أطباق الثرى، والتماس المعاذير، والاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.
و قال أحمد عن إسحاق: كان يخالفنا في أشياء، ولكن لم يزل الناس -يعني العلماء- يخالف بعضهم بعضاً.
وأثنى عليه، قال: لم يعبر الجسر مثل إسحاق.
رحمهما الله.
حقوق الأطفال والمرضى والمعاقين في الإسلام:
00:49:03
 وإذا جئنا إلى المرضى والمعاقين، سنجد في الشريعة لهم حقوق، بينما كانت الأمم من قبل ماذا تعطيهم؟
كان الفراعنة يتخلصون من الأطفال المعاقين.
إسبرطة كانوا يجعلون الولد في العراء والبرد، إذا تحمل وعاش معناه هذا يستحق الحياة، وإلا هذا يكون قضى نحبه، خلصنا منه.
أفلاطون كان يريد إخراج المعاقين من مدينته الفاضلة؛ لأنهم لا يؤدون المطلوب لهذه المدينة المزعومة، وكان القانون الإنجليزي القديم يحرم بعض فئات المعاقين من الحقوق عموماً.
وبعض النازية يرى بأن المعوّق هذا عالة على المجتمع، ولماذا يكلف المجتمع مالاً؟ يُعدم.
والله -عز وجل- قال:  لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ  [التوبة: 91].
فأقام عذرهم تعالى،  عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى  [عبس: 1- 2].
ولذلك اشتغل الخلفاء برعاية أصحاب العاهات، وأمر عمر بن عبد العزيز بإحصاء المعوّقين في كل الدولة الإسلامية، وأوجب الفقهاء لهم رواتب من بيت المال إذا كانوا عاجزين عن نفقة أنفسهم.
وبنى بعض الخلفاء أول مستشفى للمجذومين عام: 88هـ، وأعطى كل مقعد قائداً، وكل أعمى قائداً، ووضع ديواناً اسمه "ديوان المرضى".
وأنشأ بعض الخلفاء مأوى للعميان والنساء العاجزات في بغداد والمدن الكبيرة.
وبنى السلطان قلاوون بيمارستان  -وهو المستشفى- لرعاية المعوقين.
وأيضاً كان الحرص على إدخال المعوّق في المجتمع، ولا يحس بأنه منبوذ،  لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْم  [الحجرات: 11].
جراحات السنان لها التئام *** ولا يلتام ما جرح اللسانُ
[مجاني الأدب في حدائق العرب: 1/27].
السنان لو جرح ممكن يلتئم، وبعض الجرح من اللسان لا يلتئم.
هؤلاء فيهم بركة؛ لأن ضعفهم يستنزل من الله تعالى معونة.
ولذلك قال -عليه الصلاة والسلام-:  هل تُنصرون وترزقون إلا بضعفائكم  [رواه البخاري: 2896].
قال ابن بطّال -رحمه الله-: "الضعفاء أشد إخلاصاً في الدعاء، وأكثر خشوعاً في العبادة لخلاء قلوبهم عن التعلق بزخرف الدنيا" [شرح صحيح البخاري لابن بطال: 5/90].
وإذا نظرنا إلى العمال، هذا حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، الثالث أعظمهم أجراً، لماذا؟ لأنه راعى حق عامل عمل عنده، فقال:  اللهم إني استأجرت أجراء، فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فثمرّت أجره  [رواه البخاري: 2272] وفي رواية: أن أجره كان فرقاً من أرز فقط.
هذا كذا مدّ، ثمّره له، زرعه، قال:  اللهم إني استأجرتُ أجيراً بفرق أرز، فلما قضى عمله قال: أعطني حقي فعرضته عليه، فرغب عنه، فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقراً وراعيها، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله أدِ إلي أجري، اتق الله ولا تظلمني حقي، فقلت له: كل ما ترى من أجرك من الإبل، والبقر، والغنم، والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله، فاستاقه، فلم يترك منه شيئاً، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون  [رواه البخاري: 2333].
الآن هذا كم عمل حتى أخذ فرق الأرز وزرعه ونمّاه حتى صار في قطيع، وإبل، وبقر، وغنم، ورقيق؟ استثمار، وهو أصلاً لا يجب عليه، الذي عليه فقط أن يحفظ حقه فقط.
لكن تنمية الحق واستثماره مع الضمان، لو خسر فيه هو يضمنه.
الخلافات التي تحصل اليوم بسبب ضياع الحقوق كما سبق، والسرقات من هنا، وأكل الحق من هنا، وقصقصة المزايا والرواتب والعمولات من هنا، والخيانات من الناحية الأخرى، ويريد أن يجلسه بعد الدوام.
يا أخي أنت بينك وبينه ثمان ساعات، تجلسه بعد الدوام هذا بأجر إضافي، لا!
وهكذا يأتي به على مهنة ويوظفه على أخرى، أنت اتفقت معه هناك من بلده على مهنة معينة، أنت الآن تأتي به خياطاً فتوظفه حمالاً مثلاً، هل يجوز شرعاً؟ إذا رضي، لكن إذا ما رضي؟
حقوق المعملين وعلماء الشريعة:
00:55:00
 وهكذا لو انتقلنا -مثلاً- إلى قضية حق العالم وحق المتعلم في قطاع مهم جداً من قطاعات المجتمع، وعلى رأسه المعلمين علماء الشريعة، ونظرنا ماذا قال العلماء في حقوقهم في الجلوس عنده، والاحترام، ولا تغمز بالعين، ولا تشر بيدك، ولا تغتابنّ عنده أحداً، ولا تطلبنّ عثرته، وتقبل معذرته، وتوقره لله، ولا تأخذ بثوبه، ولا تلح عليه، ولا تملّه، ولا تشبع من طول صحبته، والتوقير، والإقبال.
الحقوق هذه لأجل العلم الذي عنده من الكتاب والسنة.
فإذن، هو توقيره من توقير الله -عز وجل- فضلاً عن الوقيعة فيه، وغيبته، وكذلك الداعية، وكذلك المربي، معلم الخير، فانظر الآن ماذا يفعل الطلاب بالمعلمين، وأي حق هذا؟ كسر السيارة والزجاج، والتوعد، والضرب، والاعتداء الصارخ الواضح.
والغيبة والاستهزاء به وبين الطلاب، والسخرية، وفي المقابل بعض المعلمين لا يعطون المتعلمين حقوقهم، ولا يعطون أدنى احترام، ولا يعطون الطلاب حقوقهم في التصحيح والدرجات، ولا في تكافؤ فرص أحياناً في واجبات واختبارات وقبول أعذار، وأُذونات الغياب، أين العدل؟ من حقوقهم: أن تعدل بينهم.
وهذه من جهلها وهي تدرس في سورة نون، قالت: ناء، والقلم وما يسطرون.
فقالت الطالبة: "نون" فطردت الطالبة!، هذا الذي سيربي أمة الآن، عندما ينطق الطالب بالحق يُطرد؟
الضرب والمعاقبة، لماذا أضربه على الوجه؟  ولا يزيد أحدكم فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله 
[رواه البخاري: 6850، ومسلم: 1708].
وهذه الطالبة نسيت الدفتر، أين تم كتابة الملاحظة؟ على وجهها بالقلم الأحمر.
يعني الإهانة.
قال الضياء المقدسي: "وما علمت أن ابن قدامة المقدسي أوجع قلب طالب أبداً، وكانت له جارية تؤذيه بخلقها فما يقول لها شيئاً، وأولاده يتضاربون أحياناً فلا يكلمهم".
كان الشيخ ابن قدامة في القراءة يمازحنا وينبسط، يقول بهاء المقدسي: "كلموه مرة في صبيان يشتغلون عليه.
فقال: هم صبيان، ولا بد لهم من اللعب، وأنتم كنتم مثلهم"[سير أعلام النبلاء: 22/170].
وعبارات السب والشتم هذه لا يمكن أن تكون هذه من حقوق المتعلمين أبداً.
إذا جئنا لكبار السن في عصرنا الآن، تقطع العلاقات، وضياع الآداب، أين الرعاية والأدب؟،  ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا [رواه الترمذي: 1919، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 5445].
يقول سمُرة بن جندب -رضي الله عنه-: "لقد كنتُ على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غلاماً، فكنت أحفظ عنه، فما يمنعني من القول إلا أن ها هنا رجالاً هم أسنّ مني" [رواه مسلم: 964].
هو عنده المعلومة، لكن لا يقولها أحياناً احترماً لمن هو أكبر منه.
حقوق أهل الخبرة وأهل المكانة الاجتماعية:
00:58:56
 وإذا جئت إلى قضية حقوق أهل الخبرة وأهل المكانة الاجتماعية، ووجهاء الناس.
والنبي -عليه الصلاة والسلام- أمر أن ننزل الناس منازلهم، وقال:  أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود .
رواه أبو داوود وهو حديث صحيح. [رواه أبو داود: 4375، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 1185].  
ومعنى:  أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم  يعني: أعفوا عن أصحاب المروءات والخصال الحميدة، وجوه الناس إذا صار لهم زلة، سامحوهم، إلا ما يوجب حداً، هذا حد الله ما يمكن التلاعب فيه.
فممكن يعني التجاوز، ليس التجاوز عن مجرم يفسد في الأمة وفي أعراض الناس، ويقال له: تعال أنت من قبيلة معروفة، عفونا عنك!
مروّج مخدرات له نسب عفونا عنك! لا.
لكن زل زلة وهو من أشراف الناس.
قد يكون في قبيلته وجيهاً في جماعته، في أهله، من أعيان الناس، صاحب خبرة، صاحب علم، يُراعى.
لا يقصّر بالرجل العالي عن درجته، ولا ينزّل إلا في منزلته.
كان الراعي والرعية في هذه الأمة الحقوق بينهم متبادلة، فمثلاً:
1- السلطان يُطاع بطاعة الله.
2 – تبذل له النصيحة علناً وسراً.
3- يعرف له حقه.
4- يحذّر من نفسه ومن عدوه، وبعد ذلك إعلامه بسيرة عماله، وإعانته على الأعباء، ورد القلوب النافرة عنه، والذبّ عنه بالقول والفعل.
فترى الراعي يرعى حق الرعية في حفظ الدين ودفع المفسدين، وتنفيذ الأحكام، وإقامة الحدود، والتعزيرات، وتحصين الثغور، وتنظيم موارد بيت المال، ومراجعة العلماء، ورعاية مصالح المسلمين العامة، والإصلاح بين الرعية، ورعاية أهل الذمة، ودعوة غير المسلمين إلى الإسلام، والقيام بالجهاد في سبيل الله، وجباية الفيء والصدقات، ومحاسبة العمال، وإكرام وجوه الناس.
حق الضيف على مضيفه:
01:01:15
 وإذا جئنا إلى الضيف، هذه قضية الراعي والرعية إذا حصل القيام بالحقوق هذا راضي وهذا راضي، فلا هذا مظلوم ولا هذا ظالم؛ لأن الحقوق مبذولة من الطرفين، فكان -عليه الصلاة والسلام- يقري الضيف، يكرمه.
والضيف يكرمه فإن مبيته *** حقٌ ولا تكُ لعنة للنُزُلِ
واعلم بأن الضيف مخبر أهله *** بمبيت ليلته وإن لم يسهمِ
[لباب الآداب للثعالبي: 125].
 من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فليكرم ضيفه  [رواه البخاري: 6018ومسلم: 47].
والإيثار كان عندهم حتى يجودون بطعام أطفالهم، وتنويع الطعام للضيف، وإبراهيم جاء بعجل سمين.
الكراهية أن يخرج إلى حد السرف، لكن...
فراشي فراش الضيف والبيت بيته *** ولم يلهني عنه غزال مقنّعُ
 أحدثه إن الحديث من القرى *** وتعلم نفسي أنه سوف يهجع
[الآداب الشرعية والمنح المرعية: 2/20].
ملاطفة الضيف ومسامرة الضيف
وهذه المراعاة في مقابل أشياء على المضيف تجاه صاحب البيت، حقوق، فلا يحرجه.
قال -عليه الصلاة والسلام-:  لا يحل لضيف أن يثوي عند صاحبه حتى يحرجه [رواه البخاري: 6135].
يثوي يعني يقيم  أَكْرِمِي مَثْوَاهُ  [يوسف: 21]. ولا يكلفه ما لا يطيق، ولا يتصرف في مائدته إلا بإذنه، أو يكون هناك عُرف، وإذا دُعي يجيب، وضع هنا، يضع نفسه في الموضع الذي وضعه فيه صاحب البيت، ولا يتلف ما أُعطيه، بعد ذلك يكتشف بعدما ذهب الضيف هناك فاتورة هاتف كذا مئات، لماذا؟ اكتشف؛ وقت كان فلان موجوداً يتصل والفاتورة على ظهر صاحب البيت.
انظر ضياع الحقوق يؤدي أن بعض الناس يرفض أن يضيفه، ويقول: فلان حصل منه كذا وكذا وكذا، أنا الآن لا أضيفه. لماذا منع المعروف؟ بسبب ضياع الحقوق.
حقوق العصاة وحسن التعامل معهم:
01:03:35
 سبحان الله، كان للسلف رعاية حتى مع العصاة، حقوق للعصاة، فقد يكون عنده معصية مسر بها فلا يفضح، يُستر.
ثم طريقة التعامل، دخل لص على مالك بن دينار، فما وجد شيئاً يأخذه، فناداه مالك: "لن تجد شيئاً من الدنيا، فهل ترغب في شيء من الآخرة؟"
فقال: نعم.
قال: توضأ وصل ركعتين.
ففعل، ثم جلس، فخرج مالك إلى المسجد معه الحرامي الذي تاب.
فجاء واحد سأله، قال: من هذا الغريب؟ أول مرة أراه.
قال: "جاء ليسرق فسرقناه".
ولما تسوّر أحد اللصوص على بيت الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-، وقُبض عليه، وأرادوا أن يسجنوه، فأيقظ الشيخ طباخه، وأمره أن يصنع عشاءً للسارق، ثم خرج معه لصلاة الفجر، وسأله: لماذا فعلت؟
قال: عندي أب مريض يحتاج إلى علاج، ما عندي نفقة.
فسأل عن البلدة، وكلف وكيلاً له بالذهاب هناك، وتكفل بعلاج أبيه، فأصبح هذا اللص يحضر دروس الشيخ باستمرار.
حكى اليافعي -رحمه الله- أن سارقاً خطف عمامة النووي وهرب.
اللصوص من قبل من ضمن الأشياء التي كانوا يفعلونها العمائم، هذه العمامة كانت تيجان العرب، ولها قيمة.
لما لم يجد شيئاً خطف العمامة من رأس، وليس لدى الرجل دراجة نارية، هرب على رجليه، على الأقل فيه تكافؤ.
فخطف لص عمامة النووي -رحمه الله- وهرب، فتبعه الشيخ يعدو خلفه، ويقول: ملّكتك إياها، قل: قبلت!"
والسارق ما يفهم شيء، ما عنده خبر من ذلك.
لماذا فعل ذلك؟ يريد أن ينجيه، هذا كما يقول، هذا كما قال الإمام أحمد -رحمه الله-: "ما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم في سببك؟"
فعلى الأقل وهبه إياها حتى لا يكون عليه إثم السرقة، تبقى عنده مسروقة ويؤثم عليها طيلة غصبها وسرقتها، فأراد أن يخفف عنه.
الإمام أحمد -رحمه الله- بعض الخلفاء عذبوه، لكن سامح بعضهم.
فقيل له: لماذا؟ وهذا عذبك وفعل وفعل...؟
قال: رأيت الله يقول:  وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ  [النور: 22].
وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر بالعفو في قصة مسطح، وبعضهم صرح بأنه عفا عنهم لأجل قرابتهم من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
والخدم أوصانا بهم -عليه الصلاة والسلام-، ولهم حقوق.
وقال السائل: يا رسول الله، كم أعفُ عن الخادم؟
قال:  كل يوم سبعين مرة  رواه أبو داوود وصححه الألباني. [رواه أبو داود: 5164، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 2289].  
حقوق الشريكين والمضارِبين في الإسلام:
01:07:16
 إذا نظرنا يا إخوان الآن إلى واقع الشركات والمضاربات، واستثمار الأموال، وتوظيف الأموال.
نحن نعرف أن شركة المضاربة من الشركات الشرعية التي يعطي فيها صاحب المال ماله إلى عامل صحاب خبرة يعمل بالمال على شيء بينهما، الربح بالنصف، ثلث الثلثين، إلى آخره.
وهناك حقوق للمضارب، وحقوق لرب المال.
يعني مثلاً إذا قال رب المال للمضارب: ضارب به في العقار لا يجوز يضارب به في السكر مثلاً.
إذا قال: ضارب فيه بالسيارات ما يجوز أن يضارب فيه بالأسهم.
وإذا خسر المضارب يغرم المال؛ لأنه خالف حقوق رب المال وانتهكها.
وكذلك في حال الخسارة دون تفريط من المضارب لا يجوز لرب المال أن يحمّل الخسارة على المضارب؛ لأن المضارب خسر جهده، وصاحب المال خسر ماله.
فإذا ما قاموا بالحقوق فتصيح العداوات والافتراق والهجران والمحاكم والقضايا والشرطة والدعاوى بسبب ماذا؟ عدم رعاية الحقوق.
كم من الناس ضاعت أموالهم اليوم عند مضاربين وهميين، كذابين، محتالين، مهملين، مخالفين للحقوق؟ كم مساهمة عقارية معطلة ومتعثرة اليوم؟ وكم مضاربات مالية أيضاً معلقة؟ وكم خصومة؟ وكم دعوى؟ وكم قضية؟ وكم ساعات تذهب من قضاة والمحاكم؟
الحقوق الشرعية بين المؤجر والمستأجر:
01:09:37
 إذا أتيت إلى المؤجر والمستأجر، في حقوق، لا يجوز أن يحول بينه وبين الانتفاع بالدار، أنه أجره إياها ملك المنفعة، ولا يجوز لهذا أن يؤخر عنه الإيجار وأن يمنعه حقه، ما الذي يحدث الآن؟
هنالك ظلم من بعض المستأجرين فلا يدفع، ويريد أن يبقى وبالقوة، ويروح يشتكي!
وتُغمط الحقوق ولا يوفى بها، ومع سبق الإصرار والترصد.
حقوق وضوابط الملكية الفكرية:
01:10:26
 حقوق المؤلفين والملكية الفكرية، بعضهم يغالي فيها لدرجة أن يقول: أنت سرقت الفكرة مني، أنا الآن سأرفع دعوى عليك!.
حقوق الملكية الفكرية لها ضوابط، والشخص أو الشركة إذا تعبوا على منتج وطوروه، ابتكروه، وطوروه، وسوّقوه، أنفقوا عليه، ثم يأتي واحد وينسخه معتدياً على حقوقهم، فهناك حقوق للتأليف والاختراع والإنتاج لتشجيع الناس للاختراع والإنتاج.
حقوق مالية، حقوق معنوية مصانة لا يجوز الاعتداء عليها، حقوق لبرامج وأسطوانات وكتب.
سئلت اللجنة الدائمة: هل يجوز أن أسجل شريطاً من الأشرطة وأبيعه دون طلب إذن من صاحبه؟ وهذه الكتب التي تحمل علامة حقوق الطبع محفوظة؟
فأجابت اللجنة: "لا مانع من تسجيل الأشرطة النافعة وبيعها، وتصوير الكتب وبيعها؛ لما في ذلك من الإعانة على نشر العلم، إلا إذا كان أصحابها يمنعون من ذلك لا بد من إذنهم".
كذلك أفتت اللجنة في قضية نسخ البرامج التي يمنع أصحابها نسخها إلا بإذنهم، فأفتت بعدم الجواز لقوله -صلى الله عليه وسلم-:  المسلمون على شروطهم [رواه أبو داود: 3594، وصححه الألباني في الإرواء: 1303].
سواء كان صاحب هذه البرامج مسلماً أو كافراً غير حربي؛ لأن حق الكافر -غير الحربي- محترم كحق المسلم.
فتاوى اللجنة الدائمة.
ومن فتاوى اللجنة: "يجب على المالك أن يفي للمستأجر بما تعاقدا عليه من تسليم المنزل والقيام بمقتضى الشروط المشروعة التي اتفقوا عليها أو جرى بها عُرف".
حقوق بين الدائن والمدين:
01:12:36
 هناك حقوق بين الدائن والمدين، يعني المدين يجب أن يوفي الدائم دون مماطلة ولا جحد، والدائن ما يحرج المدين إذا كان معسراً لأن الله قال: (فنظرة إلى ميسرة).
المماطلة في الدين خطيرة،  مطل الغني ظلم  [رواه البخاري: 2287، ومسلم: 1564].
و يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين  [رواه مسلم: 1886].
ماذا يحدث اليوم؟ كم من المشكلات قائمة بسبب عدم الوفاء بالحقوق بين الدائن والمدين.
وبعض الدائنين يتدخلون في الأمور الشخصية للمدينين بغير حق.
وبض المدينين يماطلون ويتهربون بغير حق.
حقوق لغير المسلمين تجب رعايتها:
01:13:30
 وسنجد أن هنالك حقوق لغير المسلمين تجب رعايتها، إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ [التوبة: 4]  وقال تعالى:  فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا  [النساء: 135].
فالمسلم مطالب بالعدل ولو كان الطرف الآخر كافراً.
روى أبو داوود عن أبي رافع قال: "بعثتني قريش إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
يعني بعثته رسولاً، والآن هذه المدة من يأتي من المشركين إلى المسلمين يُرد.
قال: فلما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ألقي في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله إني والله لا أرجع إليهم أبداً.
فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البُرُد  [رواه أبو داود: 2758، والنسائي في الكبرى: 2758، والطبراني في الكبير: 963، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 702]     .
البريد هذا الرجل الذي جاء مرسلاً، لا أحبسه، ولا أخيس بالعهد.
ولكن ارجع، فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن -يعني الرغبة في الإسلام- فارجع.
يرجع إلى الكفار، وإذا ما زال عنده رغبة في الإسلام، ذلك الوقت يعود.
قال: "ثم أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأسلمتُ"
فقوله:  لا أخيسُ بالعهد  يراعى حتى مع الكافر، ولذلك من أعطى كافراً أماناً حتى لو بحركة، بكلمة، حتى العلماء قالوا: لو قال "قف" تعتبر هذه أمان.
أعطاه ماء ليشرب أمان، فلا يجوز له أن يخفر هذا، لا يجوز له أن يقتله.
وعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: "ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني خرجت أنا وأبي حُسَيل، قال: "فأخذنا كفار قريش، قالوا: إنكم تريدون محمد.
فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة.
فأخذوا منا عهد الله وميثاقاً لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأخبرناه الخبر، فقال: انصرفا  نفي لهم بعدهم ونستعين بالله عليهم.
يعني ما رضي يخرجوا معهم في بدر، لأنهم أعطوا المشركين كلمة.
النبي عليه الصلاة والسلام بعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر، فيخرص بينه وبين يهود خيبر، يقدر الثمرة على النخل، وتكون بينهم حسب الاتفاقية، فجمعوا له حلياً -اليهود من حلي نسائهم- جمعوا له رشوة، فقالوا: هذا لك، وخفف عنا وتجاوز في القسم.
فقال عبد الله بن رواحة: "يا معشر يهود، والله إنكم لمن أبغض خلق الله إلي، وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم، أما ما عرضتم من الرشوة فإنا سحتٌ وإنا لا نأكلها".
فقالوا: بهذا قام السماوات والأرض.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "من أظهر لكافر أماناً لم يجز قتله بعد ذلك لأجل الكفر، بل لو اعتقد الكافر الحربي أن المسلم أمّنه وكلّمه على ذلك صار مستأمناً ". [الصارم المسلول على شاتم الرسول: 88].
يعني المسلم ما أمّنه، لكن الحربي ظن أن المسلم أعطاه أماناً، فجاء ووضع سلاحه وجلس يتكلم بشكل طبيعي
قالوا: هذا الظن من الحربي يعتبر أماناً، ولا يجوز للمسلم أن يقتله.
لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- برئ ممن يقتل المعاهد، وبرئ ممن يقتل المستأمن. [رواه الطبراني في الأوسط: 4252، والبيهقي في السنن الصغير: 2886، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 6103].  
ولذلك القتال في المعركة، والاسترقاق ما يجوز إلا في المعركة.
ومن حقوق الكفار علينا: تعليمهم الإسلام ونصحهم حتى يسمع كلام الله، ثم أبلغه مأمنه، رجعه إلى مكانه، نرده إلى مكانه آمناً، ونرافقه إلى الحدود.
من حقوقهم نعدل حتى في القضاء.
فإذن، كان حتى لو صارت القضية فيها يهودي، نصراني، يكون هنالك رعاية حقوق، وهذا الذي جعل الذميين يسلمون وأثّر في قريش جداً لما اختلط المسلمون بهم بعد الحديبية.
قبل الحديبية كان هناك معارك وصفوف متمايزة تماماً.
من فوائد صلح الحديبية وبركته: أن الأمان حصل، فكان المسلمون يأتون مكة لزيارة أقاربهم، فيقولون أشياء عن المدينة وعن النبي -عليه الصلاة والسلام- والمشركون يأتون المدينة لزيارة أقاربهم، حصل هناك تداخل استغله المسلمون في الدعوة، فأثمر ثمرة عظيمة، وهذا من البركات المترتبة على ذلك الصلح العظيم.
الآن يقولون اتفاقية جنيف للأسرى، نحن عندنا حقوق الأسرى من قبل  وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا  [الإنسان: 8]. ولا يجوز الأسر إلا في حال الحرب، ولا يجوز تجويع الأسير، ويجب معاملته بالحسنى، وعدم الإهانة والإذلال، وكسوة الأسير كسوة لائقة به في حر الصيف، وبرد الشتاء، فهذا موجود بهذه الشريعة.
وكذلك فإن هنالك حقوق للجميع، الآثار الوخيمة ستكون عاقبة للإخلال بها، والنبي -عليه الصلاة والسلام- لما قال لنا: لا تحاسدوا، لا تناجشوا، لا تباغضوا، لا تدابروا، لا يبع بعضكم على بيع بعض  [رواه مسلم: 1412].
كل هذه لأنها خروقات للحقوق، ولذلك فإن النبي-صلى الله عليه وسلم- لم يرض بها.
وكذلك تحدث اليوم من أنواع سوء الظن، والقطيعة، والجفاء، والجرائم، والانتقام بسبب الإخلال بالحقوق.
اليوم في حالات إفلاس وسجن بسبب الإخلال بالحقوق، الواحد في نظرته للحقوق يجب أن ينظر إلى قاعدة "وعامل الناس بما تريد أن يعاملوك به".
قصة رمزية: قالوا إن رجلاً وولده دخلا وادياً، فانشغل الرجل بشيء، ترك الولد في الوادي، فجعل الولد يلهو بكلمات وأصوات، فلاحظ الولد أنه إذا قال كلمة ترجع إليه، لأجل الصدى، فظن أن هناك من يكلمه ويرد عليه، فقال متوجساً: من أنت؟
فرجع له الصدى: من أنت؟
أفصح عن نفسك، أفصح عن نفسك، أنت جبان، أنت جبان...
فظن أن هذا يستهزئ به، وبدأ يسب ويلعن، وكلما سب سبة رجعت عليه، وكلما لعن لعنة رجعت عليه.
والولد ما يدرك، ثم جاء والده فانهار مضطرباً، فقال له: ما الأمر؟
أخبره عن السبب، قال: هوّن عليك يا بُني.
فصاح بأعلى صوت: أنت رجل طيب.
فرجع له الصوت: أنت رجل طيب.
جزاك الله خيراً، جزاك الله خيراً...
فالولد سأل أباه بدهشة، فقال: يا أبتِ، لماذا يتأدب معك ويسيء إلي؟
فقال: يا بني، هذا الصوت الذي سمعته هو صدى عملك، فلو أحسنت المنطق، لأحسن الرد.
يعني هو صدى عملك، هذا هو، ولكنك أسأت فكان الجزاء من جنس العمل.
قال ابن القيم -رحمه الله-: "من رفق بعباد الله رفق به، ومن رحم خلقه رحمه، ومن أحسن إليهم أحسن إليه، ومن جاد عليهم جاد عليه، ومن نفعهم نفعه، ومن سترهم ستره، ومن صفح عنهم صفح عنه، ومن تتبع عوراتهم تتبع عورته، ومن هتكهم هتكه، ومن منعهم خيره منعه خيره، ومن شاق، شاق الله به، ومن مكر، مكر به، ومن خادع، خادعه" وهكذا. [الوابل الصيب من الكلم الطيب: 35].
ولذلك لا بد اليوم نحن في قضية الحقوق أن نراعي الحقوق، ونتعلم الحقوق شرعاً.
ثانياً: وأن لا نخون في الحقوق.
لا تخن من خانك، ولذلك مدح النبي -عليه الصلاة والسلام- الأنصار، الصحابة:  ستكون أثرة وأمور تنكرونها .
قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا؟
قال:  تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم  [رواه البخاري: 3603، ومسلم: 1843].
أدِ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك.
إعادة الحقوق المغتصبة:
01:23:32
 ومن الأمور المهمة جداً: إعادة الحقوق المغتصبة.
الإنسان قد يغتصب ويظلم، وطيب وبعد ذلك؟ يعني خلاص، هذه نُسيت؟ لا!
أو يٌقضى يوم القيامة فيها، ولذلك فلا بد من إعادة الحقوق المغتصبة...
في بعضها الآن لا يمكن إعادتها، الاعتذار وطلب المسامحة.
وإذا كنا على هذا المستوى من أداء الحقوق فسيكون بذلك سبب تفريج الكربات كما حصل للثلاثة في الغار...
واحد أدى حق والديه، وواحد أدى حق الموعظة ولا تفض الخاتم إلا بحقه، ما انتهك الفرج، وواحد أدى حقوق العامل، واحد أدى حق العامل.
فإذن، الوفاء بالحقوق سبب لتفريج الكربات.
هذا الموضوع أيها الإخوة من الموضوعات العظيمة جداً الذي ينبغي رعايتها.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يعيننا على القيام بحقوقه وحقوق خلقه.
ونسأله -عز وجل- أن يسامحنا في ما قصرنا فيه من حقه، وأن يتحمل عنا ما قصرنا فيه من حقوق عبيده.
اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.