الأحد 4 جمادى الأولى 1444 هـ :: 27 نوفمبر 2022 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

شخصية المرأة المسلمة في القرآن


عناصر المادة
مكانة المرأة في الإسلام
نماذج فريدة للمرأة في القرآن
النموذج الأول: أم موسى -عليه السلام-
النموذج الثاني: أخت موسى الشقيقة  -عليه السلام-
النموذج الثالث: آسيا بنت مزاحم
النموذج الرابع: مريم بنت عمران
بعض توجيهات القرآن للمرأة المسلمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً.

والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله بعثه الله للثقلين بشيراً ونذيراً فدعا إلى الله ولم يشرك به أحداً، فتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً.

مكانة المرأة في الإسلام

00:00:47

المرأة وما أدراكم ما المرأة؟

ذلك الشأن العظيم الذي عززه الإسلام يوم أن كان كثير من أصحاب الديانات والفلسفات الأرضية المختلة موقفهم منها موقف الذل والإهانة الإذلال والمهانة، كان هذا الدين يكرم المرأة ويقول ﷺ: استوصوا بالنساء خيراً [رواه مسلم: 1468].

ذكر الله لهن وباسمهن سورة عظيمة، وهي: سورة النساء، وذكر لفظة: "النساء" فيها خمس عشرة مرة، وأشاد ربنا بالنساء، وذكر بيعتهن في سورة الممتحنة.

وكذلك ذكر لهن أحكاماً عظيمة، ألسن إماءه؟  اللهم إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة [رواه ابن ماجه: 3678، وأحمد: 9666 ، وقال محققو المسند: "إسناده قوي"]. وجعلها شقيقة الرجل: النساء شقائق الرجال [رواه أبو داود: 236، والترمذي: 113، وأحمد: 26195، وقال محققو المسند: "حسن لغيره"].

وجعل لها ذمة مالية خاصة، وكفل لها حق الملكية، وأوجب الإنفاق عليها وكفايتها.

وكذلك نجد النماذج الطيبة الرائعة في القرآن الكريم: من ذكر أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين، وآسيا امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وأم موسى ، وبنتي الرجل الصالح في مدين، وزوجة الخليل ، وامرأة زكريا، وامرأة أيوب.

وكذلك: تلك المرأة التي سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، ولها سورة خاصة المجادلة: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة: 1].

سور فيها ذكر أسماء نساء، وسور سميت بالنساء، هذه المجادلة، والممتحنة، وسورة النساء، وغير ذلك؛ معناها أن شأن النساء عند الله عظيم.

وتلك المرأة التي اختارت جواره، فذكر قصتها؛ لأنها اختارت جواره: رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ [التحريم: 11].

 وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا [النساء: 124].

كان يمكن أن يكتفي بذكر الرجل ويدخل فيه المرأة، لكن فسر وفضل ذكر أو أنثى.

وكذلك نجده في إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب: 35].

كل ذلك يدل على اشتراك المرأة اشتراكاً أساسياً في الفضائل.

الله يريد من المرأة أن تكون مؤمنة مسلمة قانتة صادقة عابدة تقية صائمة سائحة، سياحتها عبادة، سياحة الأمة الصيام سواء كانت ثيبة أو بكراً: ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا [التحريم: 5].

 مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل: 97].

يجب على المرأة المسلمة أن تشعر دائماً أن الخطابات الإلهية في القرآن والسنة الوحي موجهة إليها سواء مباشرة، امرأة النساء يأتي النص لها وباسمها ومن أجلها، أو تدخل في العموم، فسواء دخلت في العموم أو أفردت في الخطاب، الخطاب موجه لها هي.

نماذج فريدة للمرأة في القرآن

00:05:15

النموذج الأول: أم موسى -عليه السلام-

00:05:15

أم موسى نموذج من نماذج النسوة اللاتي ذكرهن الله -تعالى- في كتابه، فرعون الجبار الذي يذبح من يولد من بني إسرائيل من الذكور ويبقي بعضهم خشية أن يفنى بنو إسرائيل، فيجعل الذبح كسراً لهم ومنعاً لظهور قوة بشرية منهم، وفي ذات الوقت يبقي بعضهم للسخرة، لكي يستغلوا، يسام أنواع الامتهان والعمل والعذاب، أمر بذبح الولدان سنة وترك الولدان سنة، وولد إبراهيم في عام المسامحة، وولد موسى في عام القتل: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ جمع الله فيها بين: أمرين، ونهيين، وخبرين، وبشارتين: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص: 7] "أَرْضِعِيهِ" "ألقيه" أمران، "لا تخافي" "لا تحزني" نهيان، إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ  بشارتان وخبران.

ظن بعض الناس أن قول الله -تعالى-: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أنها نبية، ومع كون هذا خطأ، لكن سبق إلى الأفهام إلى أفهام بعض الناس من الأسلوب اللفظة الذي ذكرها الله: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ليس في النساء نبية" [مجموع الفتاوى: 4/396]، ويدل على ذلك قول الله:  وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى ، وكذلك قال تعالى: مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ  [المائدة: 75]، والصديقية مرتبة دون النبوة، كادت أم موسى أن تفصح بأمر ابنها: لولا أن ربط الله على قلبها.

 وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [القصص: 10] أصبح فؤادها فارغاً من كل شيء من أمور الدنيا إلا من ولدها موسى، قاله ابن عباس  إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ  من شدة وجدها عليه وحزنها وأسفها لتظهر أنه ذهب لها ولد، وتستغيث مخبرة بحالها لولا أن الله ثبتها وصبرها.

كثيراً ما نسمع من بعض النساء: كدت أن أفعل لولا أن الله ثبتني.

أحياناً تقول: كدت أن أنوح لولا أن الله ربط على قلبي، لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [القصص: 10]، والإيمان منه الصبر وترك الجزع.

وتوصي أخته: وقالت لأخته قصيه وبصرت به عن جنب.

النموذج الثاني: أخت موسى الشقيقة  -عليه السلام-

00:08:47

نموذج آخر: أخت موسى : أخت موسى الشقيقة الحنونة الوفية الذكية: بصرت به عن جنب حتى لا يشعروا به.

ولا بالعلاقة بينه وبينها.

وكان عندها من حسن التصرف واللباقة ما جعلها تتكلم بالكلام المناسب، وتتدخل في الوقت المناسب، وتقول: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ [القصص: 12] تدخلت لما امتنع عن المرضعات {وحرمنا عليه المراضع}.

ورجعت البنت الوفية إلى أمها لتخبرها ببشارة نجاة موسى من اليم، وأخذه إلى القصر.

النموذج الثالث: آسيا بنت مزاحم

00:09:54

وكذلك: عناية تلك المرأة التي لا يولد لها ولد بقدر من الله: عنايتها بموسى ، وأنها أرادت أن تتخذه ولداً.

المرأة إذا ما عندها أولاد التي لا تنجب في نفسها شفقة عظيمة وحنان، وتريد أن تعبر عن مشاعر الأمومة الموجودة في نفس كل امرأة في الأصل: عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا  [القصص: 9].

إنها لهفة الأمومة التي أنطقتها بقولها:  لَا تَقْتُلُوهُ [القصص: 9]، وجعلتها ترجو الخير.

وكذلك كان الأمر:  عَسَى أَن يَنفَعَنَا .

دار الأمر هنا بين ثلاث نسوة مؤمنات في هذه القصة العظيمة: أم موسى، وأخت موسى، وزوجة فرعون؛ كلهن يدور أمرهن على ذلك الرجل العظيم الذي بدأ بطفل رضيع ألقي في اليم، بعد أن رضع وعاد إلى أمه ليرتضع وتأخذ الأجر وترضع ولدها، ويبقى محفوظاً في بيت فرعون، لا تخشى عليه الجنود الذباحين أن يأتوا لذبحه، ينشأ في حنان أمه التي تأتي لترضعه يومياً، وينشأ في بيت عز تحت عناية تلك المرأة الأخرى التي أراد الله بها خيراً لتسلم على يديه امرأة فرعون، قال قتادة: "كان فرعون أعتى أهل الأرض وأبعده فوالله ما ضر امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها لتعلموا أن الله حكم عدل، لا يؤاخذ أحداً إلا بذنبه"[تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: 8/172].

الجواري اللاتي في قصر فرعون لما التقطن الصندوق الذي فيه موسى ، وهم فرعون بقتله، لكن قيض الله له من يدافع، وقالت امرأة فرعون: قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [القصص: 9].

فدافعت آسيا بنت مزاحم وذهبت تحببه إلى فرعون: قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ .

قيل: إنه قال: أما لك فنعم وأما لي فلا"، فكان كذلك فهداها الله به وأهلكه على يديه.

ولحرص آسيا على الثبات على الإيمان دعت ربها بصدق ورجاء لما آمنت بعد ذلك، ووصل الأمر إلى المفاصلة بين الإيمان بهذا النبي الذي ترك بيتها شاباً ليعود بعد عشر سنين نبياً إلى قصرها مرة أخرى.

لكن هذه المرة يدعو زوجها الطاغية لتسلم على يديه، وتصبح صحابية لذلك النبي، وشهيدة بعد ذلك، ولما وصلت القضية إلى المفاصلة: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ  (11) سورة التحريم]، واختارت الجار قبل الدار، صارت الآن تريد لقاء الله وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ  لا عادت تريد قصراً ولا مصراً ولا مالاً ولا جاهاً تريد ربها  ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ  [التحريم: 11].

جاء عن أبي هريرة : أن فرعون لعنه الله أوتد لامرأته أربعة أوتاد في يديها ورجليها.

هذا الطاغية الملعون حتى زوجته لم تسلم من عذابه، "أوتد لامرأته أربعة أوتاد في يديها ورجليها" ربطوها مشدودة عليها، فكان إذا تفرقوا عنها الجنود ظللتها الملائكة، فقالت: رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم: 11] "فكشف لها عن بيتها في الجنة" [رواه أبو هريرة، وهو "صحيح موقوف"؛ كما قال ابن حجر في "المطالب العالية": 15/368، والحديث عند أبي يعلى: 6431، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم: 2508: "وهو في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال بمجرد الرأي...، وإسناده صحيح على شرط مسلم"].

وعن سلمان -رضي الله عنه- قال: "كانت امرأة فرعون تعذب بالشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة، قبل أن تموت كرامة من الله، إذا قالوا: ما هي كرامة امرأة فرعون في الدنيا؟ أراها الله بيتها في الجنة وهي مربوطة على الأوتاد" [رواه الحاكم: 3834، والبيهقي في الشعب: 1520، وابن أبي شيبة: 34656، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في الصحيحة وله حكم المرفوع لا يقول سلمان الفارسي من عند نفسه بدون دليل].

آسيا واحدة من أفضل نساء العالمين، امرأة تركت المنصب وتركت المال والعز والسلطان والجاه من أجل الإيمان، ماذا ينقصها دنيوياً؟ تعيش في قصر في مصر، خط رسول الله ﷺ في الأرض خطوطاً أربعة، قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم" انظر إلى أسلوب التشويق "أربعة خطوط في الأرض، أربعة خطوط، قال ﷺ:  أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ﷺ، ومريم بنت عمران، وآسيا بنت مزاحم امرأة فرعون  حديث صحيح رواه أحمد: 2668 ، والنسائي: 8299 ، وأبو يعلى: 2722، والحاكم: 4754].

وشهد النبي ﷺ بالكمال لهؤلاء النسوة، وقال: كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا: آسيا امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام [رواه البخاري: 3411، ومسلم: 2431].

النموذج الرابع: مريم بنت عمران

00:17:39

العفة من أبرز المعالم والصفات في شخصية المرأة المسلمة، كانت تلك الصفة عظيمة حاضرة في مريم -عليها السلام- الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا [التحريم: 12] يعني جبريل، جبريل روح الله، الروح الأمين، هو مصدر النفخة التي خلقها لتخرج من جبريل وتلج في مريم لتحمل عيسى ، قال أبي بن كعب: "إن من الأمانة أن المرأة اؤتمنت على فرجها" [مصنف ابن أبي شيبة: 19291، وسنن البيهقي: 15404].

حافظة لعرضها بكراً أم متزوجة، غاب رجالها أم حضروا: فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ [النساء: 34] قال قتادة: "قانتات مطيعات لله ولأزواجهن، حافظات للغيب لما استودعهن الله من حقه، وحافظات لغيب أزواجهن" [الدر المنثور في التفسير بالمأثور: 2/514].

تحفظ على زوجها ماله، وتحفظ نفسها وفرجها حتى يرجع كما أمر الله، كما ذكر الإمام السدي في التفسير.

مريم بنت عمران من سلالة داود من البيت الطاهر الطيب النقي في بني إسرائيل.

أمها شخصية إيمانية عظيمة أخرى: امرأة عمران، شخصية قرآنية ذكر الله قصتها في سورة آل عمران، وسميت السورة بآل عمران، ومريم من آل عمران، وأمها من آل عمران، آل عمران أهله وزوجته منهم، آل عمران: إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ  [آل عمران: 33] آل عمران: زوجته، بنته، مات وترك زوجته حاملاً بمريم، فنذرت تلك الأم الصالحة على العبادة المشروعة في دينهم أنه إذا ولد لها ولد أن يكون محرراً خالصاً لخدمة مسجد بيت المقدس، يكون الولد وقفاً على المسجد، خادماً ملازماً عابداً قائماً بأمر المسجد، وخدمة أهل المسجد، وحضور العبادات فيه والعلم والذكر، وكانوا يتقربون بذلك حبس الولد على المسجد، كأنه يصبح ابناً للمسجد:  رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا  [آل عمران: 35] خالصاً موقوفاً على مسجد بيت المقدس، ولكن لما وضعتها فوجئت: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى  [آل عمران: 36]، وكانت تتمنى ذكراً يعين ويخدم في مسجد بيت المقدس، لكن الآن ظهر أنها أنثى، والأنثى ليست كالذكر  فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا  [آل عمران: 37] ونشأت نشأة عظيمة عابدة متبتلة دؤوب في كفالة زوج أختها على ما قيل زكريا نبي الله، وكان عظيمهم إذ ذاك ونبيهم.

إذاً، في معاصرة بين مريم وزكريا ويحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم في وقت واحد.

شخصية مريم -عليها السلام- شخصية فريدة في علو الهمة في العبادة.

المرأة هذه نبتتها طيبة: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [الأعراف: 58]،  فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا  [التحريم: 12] بواسطة الملك جبريل في مريم، ومن قبل هي مريم نبتة صالحة في رحم أمها زوجة عمران.

هذه المرأة العظيمة مريم -عليها السلام- علو همة في العبادة عجيب:  اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِ  [آل عمران: 43] كلما دخل عليها زكريا المحراب، المرأة ملازمة مصلاها، ملازمة مكان العبادة.

من عظم العبادة صارت عند الله بمنزلة أنه أكرمها بولاية، يعني صارت من أولياء الله، فأكرمها بالكرامة كرامات الأولياء، صارت في درجة الولاية فأنعم عليها بالكرامة، وأرسل لها جبريل: فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا  [مريم: 17] جبريل  فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا [التحريم: 12] في جيب درعها، مكان هذا الرقبة فنزلت النفخة وولجت الفرج، فحملت بإذن الله.

هذه المرأة من عفتها وصيانتها لما فوجئت في البداية بجبريل في صورة رجل أجنبي: قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا  [مريم: 18] إن كنت تخاف الله اتركني، تول عني، جمعت بين الاعتصام بربها وتخويف الأجنبي.

تخويف الأجنبي، ترهيب الأجنبي، أمره بلزوم التقوى وهي البعيدة عن الناس، كان عندها إقبال على الله، انقطاع تبتل عزلة ما تريد إلا العبادة، مع أنها صاحبة جمال باهر، وشخصية عظيمة سوية، الله ذكر لنا كيف واجهت قومها، بنو إسرائيل قوم بهت ومجرمون ويتهمون الأبرياء، واتهموا موسى من قبل بأشياء فظيعة واتهموا داود واتهموا سليمان، ما خلوا أحداً من أنبيائهم، فاتهموا مريم الآن على طول: يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [مريم: 28] واجهتهم وأشارت إليه؛ لأن الله ثبتها بابنها الذي أنطقه في المهد، الله أكرم مريم بكرامات، الله يثبت الذين آمنوا:  كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً  [آل عمران: 37] فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، وأيضاً: فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا  [مريم: 26].

الملاحظة: أن الله يكفي المرأة العابدة.

لمرأة تحتاج إلى طعام شراب مأوى، الله كفى مريم، كفلها زكريا، كفالة نبي.

كفلها زكريا، يعلمها يرشدها، تقتدي به، ثم جعل لها الرزق، كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً  [آل عمران: 37]  كلما هذا دائم مستمر.

ولما جاء الولد الصالح النبي الكريم: قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا  [مريم: 23] ناداها من تحتها: ألا تخافي ولا تحزني، تطمين من الله، الله يطمئن أفئدة المؤمنات، الله يربط على قلوب التقيات العفيفات

 وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا  [مريم: 25] هذه كرامة أن امرأة ضعيفة في هذه الحال تهز الشجرة فيتساقط رطب هذه كرامة.

وجعل الله تحتها نهراً كرامة أخرى:  فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا [مريم: 26].

النموذج هذا يعني نموذج النساء المؤمنات صاحبات الهمة العالية في العبادة.

بعض توجيهات القرآن للمرأة المسلمة

00:26:43

 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ  [الأحزاب: 34] توجيه إلهي واضح، لا بد أن نراعي التوجيهات القرآنية للنساء في القرآن: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ  [الأحزاب: 59] الإدناء التغطية من أعلى إلى أسفل، تغطية كل شيء، ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ  [الأحزاب: 59] دل على وجود أذية إذا ما في حجاب.

وهذا ما نراه الآن في الأسواق وفي الأماكن العامة، المرأة إذا ما تحجبت تؤذى تخترقها الأنظار، ويتلصص المتلصصون، ويتحرش المتحرشون، ويتسكع حولها المتسكعون، ويطاردها المطاردون، وينالها أهل السوء. الاحتجاب حاسم للمطامع: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ  [الأحزاب: 53].

علو الهمة عند المرأة المسلمة يجعلها تختار الأحوط لها، حتى في نظرها إلى الرجال الأجانب، مع أن الحكم ليس مثله تماماً في الرجال في النظر إلى النساء الأجنبيات، لكن الله قال: وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النــور: 31].

علو الهمة عند النساء المهاجرات الأول، عائشة أشادت به قالت: "يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ  شققن مروطهن فاختمرن بها"[رواه البخاري: 4758] يعني أن تبادر المرأة إلى كساء عندها، المسارعة في التنفيذ ما في وقت للتفصيل، "شققن مروطهن" شققن، عند الواحدة كساء من صوف جعلته خماراً لتنفيذ قول الله: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ  تضرب بالخمار عليها تغطي، تضرب بالخمار على الوجه والرقبة.

وهذا علو الهمة: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب: 34].

أين هو في موضوع طلب العلم لدى المرأة المسلمة؟

طلب العلم لدى المرأة المسلمة، آيات الله والحكمة.

هل الأخوات الآن كل واحدة عندها إلمام بالمعاني الإجمالية للقرآن الكريم مثلاً؟ يعني تعرف المعنى الإجمالي لكل آية على الأقل؟

المعنى الإجمالي، لو ما عرفت التفاصيل وكل الفوائد، لكن هل تعرف المعنى الإجمالي لكل آية؟ يعني ما هو مذكور في التفسير الميسر، المختصر في التفسير وما شابهها، هل هو معلوم واضح عند كل امرأة؟ الأحاديث القواعد المجملة الأحاديث الأصول؛ لأن في أحاديث مثل الأربعين النووية أصول، أصول الإسلام، قواعد الدين العظام، هذه هل تم الاطلاع عليها، فهمها، معرفتها، على الأقل حتى تطبق المرأة المسلمة؟ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب: 34] يعني السنة.

الحقيقة أن الخلق العظيم في مثل النموذج المذكور في بنتي الرجل الصالح في قصة موسى في مدين نموذج عظيم، يعني في معالم شخصية المرأة المسلمة في الحياء والعفة والتحرز عن الاختلاط، ولما توجه موسى إلى مدين وماذا وجد عند الماء، أول ما ورد ماء مدين؟

هو  قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ  [القصص: 22]، وفعلاً هداه سواء السبيل، سواء السبيل في الدنيا وفي الآخرة.

 وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ على البئر وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَان  [القصص: 23] منظر لافت، تكفكفان غنمهما حتى لا تختلطا بالناس، موسى وجد المرأتين بعيداً عن الناس، ولذلك لما لفت نظره المنظر جاء  قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ؟ لماذا تقفان بعيداً عن الرجال؟  قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء [القصص: 23].

نحن ما نختلط بالرجال  وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ  [القصص: 23] لا يستطيع العمل وسقي الغنم، فنحن نقوم بذلك اضطراراً، عمل المرأة للحاجة، ما هو مجرد تسلية وتمضية أوقات بين قوسين إثبات جدارة، هذه الخدعة الكبيرة التي خدعوا بها المرأة لإخراجها من بيتها وصرفها عن الوظيفة العظيمة لها حارسة القلعة، قالوا: اخرجي لإثبات الجدارة، وروحي مثلي في الأولمبياد الرياضة لإثبات الجدارة، وبعثة إلى الخارج تبقى هناك عند الكفرة لإثبات الجدارة، ومنهن من فقدت دينها وعفتها وأهلها وبلدها، تبرأت ما عاد فتنة شاملة، المرأة إذا نزع منها الحياء ما عاد يرجى فيها خير.

هذا النموذج الذي قدمه القرآن الكريم عن بنتي الرجل الصالح: الكلام مع الأجنبي بحدود، والخروج للعمل حاجة، وما في سلفع، خراجة ولاجة بلا حجاب.

تأتي إلى موسى تقول له: أَبِي يَدْعُوكَ ْ  ولست أنا الذي أدعوك.

والرغبة في التخلص من هذا البلاء في الخروج: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ (26) سورة القصص] حتى نخلص من هذا البلاء، سعي المرأة للوصول إلى الوضع الذي هو الأفضل لها، هذا ذكاء من التي قالت: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ [القصص: 26].

نحن نحتاج اليوم الأخوات الداعيات إلى عرض النماذج هذه على النساء.

لما الآن نسمع افتتان البنات ببعض القنوات التي تعرض فيها برامج الواقع لشباب متسكع ويتم التغزل والنظر والمقارنة والإعجاب وإرسال الرسائل وإضاعة الأموال، فتنة للبنات، ما موقف الداعيات من هذا؟ أين التصدي لهذا؟

عندما اليوم تتم المؤامرة الكبرى في إخراج المرأة من بيتها، أين جهود الداعيات في هذا؟

عندما يراد تجهيل المرأة بدينها وتدرس العلوم رياضيات فيزياء كيمياء أعمال انجليزي، جهود إيصال العلم إلى النسوة، والمرأة تقبل من المرأة ما لا تقبله من الرجل في كثير من الأحيان، والمرأة تعرف المرأة ما لا يعرف عنها الرجل في كثير من الأحيان، والمرأة تستطيع نفع أختها بما لا يستطيع الرجل في كثير من الأحيان، النموذج هذا نموذج المرأة الداعية التي تبعد الظن السيئ عن نفسها، هذا نموذج موجود في البنتين، دعاة الاختلاط والرذيلة طبعاً لا يريدون هذا الكلام مطلقاً.

التصدي الآن، لا بد أن تجتمع جهود الأخوات الداعيات على التصدي للمؤامرات، مؤامرات الأمم المتحدة، مؤامرات المنافقين والعلمانيين، مؤامرات الليبراليين الذين يسمون أنفسهم بأصحاب الإسلام الليبرالي، ويلصقون أنفسهم في الإسلام، والله إن الدين بريء من هذه المسالك المنحرفة المعوجة التي تخلط الحق بالباطل وتلبس على الناس.

أين جهود الأخوات الداعيات في عرض الإسلام النقي؟ أين الجهود في الوصول إلى كلام أهل العلم الثقات في الركام الموجود الطاغي في مواقع التواصل وغيره؟

مسألة نبش المفيد لعرضه على بنات جنسها هذا مجهود عظيم تحتاج أن تنصرف إليه نفوس الأخوات الداعيات.

نريد من أخواتنا الداعيات أن تعرض النماذج النسائية في القرآن والسنة وسير الصحابيات عرضاً يربط الواقع بالسيرة لهؤلاء النسوة الخيرات بحيث تحس المرأة التي تسمع والبنت التي تسمع أنها يعني لا تدعى إلى شيء مثالي وخيالي.

فيه نساء قد سبقن: مريم بنت عمران، وآسيا بنت مزاحم، وعائشة بنت أبي بكر الصديق، وخديجة بنت خويلد، وهذه أم موسى، وهذه أخت موسى، وهاتان بنتا الرجل الصالح.

وهذه المرأة التي سمع الله صوتها من فوق سبع سموات.

وفيه فقيهات وفيه داعيات وفيه طالبات علم، وفيه يذكرن في بيوتهن آيات الله والحكمة.

وفيه من تدفع الشر، تدفع البلاء، لا تريد الخروج، استأجره ما دام وجدناه: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ  [القصص: 26].

-سبحان الله- كيف الله ييسر الخيرات للأخيار، الطيبات للطيبين: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ [القصص: 27] هل وصلت الآن القضية؟

كيف أن حسن النية والإقبال على الله والالتزام بشرعه والوقوف عند حدوده يجر الخير للمرأة جراً، يأتي بالرزق إلى المرأة سعياً مثل ما جاء الرزق لمريم -عليها السلام- جاء الرزق لبنت الرجل الصالح في مدين: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ  [القصص: 27].

هو قال  رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: 24] فأتاه الله بالعمل، ورعي الغنم، ومصدر رزق، والغنم واللبن وصوفها ورعيها، وزواج، ومأوى، وعند هذا الرجل الصالح ومأمن وطمأنه: لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ  [القصص: 25].

أيتها الأخوات: كثرة مخاطبة الرجال وكثرة مداخلة الرجال وكثرة الاحتكاك بالرجال والله مصيبة، لكن لما تأتي المسألة: فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء [القصص: 25] واضعة ثوبها على وجهها ليست بسلفع من النساء، لا خراجة ولا ولاجة كما قال عمر نريد إحياء هذا النموذج.

والآن ما في إلا اجتماعات مشتركة، منتديات مشتركة، مؤتمرات مشتركة، لقاءات مشتركة، وبعدين وما هو المقصود والنتيجة؟  إن لكل دين خلقاً وإن خلق الإسلام الحياء  [رواه ابن ماجه: 4181، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة: 940 ].

تمشي على استحياء، استحياء مبالغة استحياء.

الواجب فعلاً إيضاح الأخت الداعية لما تعرض للمدعوات كيف تخرج المرأة مهم؛ لأنه هذه إذا خرجت الآن ممكن تفسد في الأرض، كيف تخرج المرأة؟ كيف خرجت البنت هذه بنت الرجل الصالح؟

 فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء  [القصص: 25] .

وعمر وصف بالضبط كيف تمشي: قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ  لست أنا أدعوك، لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا واضح جداً المقصد من الكلام ما في شبهة، ولا يريد أن يمن عليك، أنت ابتدأتنا بالإحسان وقصده رد الإحسان  لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا  وما في ريبة ولا في غموض ولا في لبس، ولا تعال معي، ولا بدون توضيح، كل شيء واضح.

سعي المرأة للنكاح وتقديمه على العمل.

أنا أريد أن ألفت نظر الأخوات الداعيات إلى البلاء الذي اخترق المجتمع عند النساء، تقديم الدراسة على الزواج، وتقديم العمل على الزواج، هل ممكن أن تقومي بتفهيمها أن الزواج مقدم على العمل وأن المرأة هذه الذكية اللماحة لما قالت: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ [القصص: 26] لتتخلص من العمل خارج البيت هي وأختها.

ولما الرجل الذكي الذي أراد أن يحل عدة مشكلات مع بعض ويجمع بين عدة مصالح، وقال: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ [القصص: 27].

هذا والله هذا المغنم مغنم الدنيا الحقيقي: تقديم الزواج على العمل.

وطبعاً تقديم الزواج على الدراسة، لكن من يفهم الآن؟ من يفهم هذا من البنات في هذا الزمان هذا الكلام؟

هذه قضايا تحتاج إلى علاج في المجتمع اليوم من مشكلات اجتماعية، كثير من الفتيات ما عادت تدرك الوظيفة التي جعلها الله لها في الدنيا.

طبعاً بعد عبادته سبحانه فيه أشياء خاصة بالمرأة.

سعيد بن المسيب عرض بنته على تلميذه، مبدأ يا أبت استأجره، يا أبت يعني الأب يخطب لابنته، هي تنبهه إلى شيء قد يستفيد منه في هذا الأخ الصالح يبحث لموليته، هذه فعلاً يعني جديرة بالاهتمام، لأننا نريد اليوم وظيفة من الأخوات الداعيات في قضية تهيئة الفرص للإحصان، هذه من الأعمال الخيرية والدلالة في الخير، الداعيات يعرفن قضايا الإيمان المطلوبة في موضوع المرأة: وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ [التحريم: 12] المطيعين لله المداومين على طاعته.

من عند المرأة ليست طاعات موسمية في رمضان فقط، العشر الأواخر، العشر من ذي الحجة.

صيام عرفة وعاشوراء وخلصنا، وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب: 33] هذه الآية.

 وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ  [الأحزاب: 31] تطيع، نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا [الأحزاب: 31].

منازل نساء النبي ﷺ في الجنة قدوات.

سبحان الله ماذا أنزل الله من الخزائن؟

امرأة زكريا نموذج المرأة التي زوجها نبي كيف كانت: وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ [الأنبياء: 89 – 90].

زوجة إبراهيم ، زوجات الأنبياء، زوجات محمد ﷺ، بيت صالح يدعوننا رغباً ورهباً، رغباً فيما عندنا، رهباً مما عندنا من العذاب، وكانوا لنا خاشعين.

آل البيت وصفهم الله، آل بيت زكريا: إنهم كانوا يسارعون في الخيرات.

آل بيت زكريا: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ  [الأنبياء: 90].

اليوم فيه سطحية في قضية العلم عند المرأة، لا بد من تكثيف العلم الشرعي الذي يجيب على الشبهات في شبهات كثيرة مطروحة في الساحة في موضوع المرأة الذي يؤسس قواعد الإيمان في النفوس في عصر الإلحاد والتشكك والوساوس.

ثم أين انتداب الداعيات لأنفسهن ليكون منهن فقيهات يقمن بالإجابة على أسئلة النساء؟ والمرأة لا يلزم إذا تعرضت لمسألة حرجة في الدماء أو في حاجة خاصة أنها تذهب إلى رجل أجنبي: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب: 34].

كم عندنا اليوم من الأخوات الداعيات أو العالمات الفقيهات المتخصصات في قضايا العقيدة ومحاربة البدع وفي قضايا الفقه وتبيين الحلال والحرام.

وهذان ميدانان عظيمان ومجالان كبيران لخدمة دين الله للتخصص في مسألة العقيدة والتوحيد وأصول الإيمان، والرد على الشرك والبدع والطوائف والمذاهب، ومسألة التخصص في الفقه والحلال والحرام وتبيين الأحكام.

كان لعائشة النصيب الأوفر، قال أبو موسى: "ما أشكل علينا أصحاب رسول الله ﷺ حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علماً" [سنن الترمذي: 5/705].

وقال عطاء بن أبي رباح: "كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس وأحسن الناس رأياً في العامة"[المستدرك على الصحيحين: 4/15].

وقال عروة: "ما رأيت أحداً أعلم بشعر ولا فريضة ولا أعلم بفقه من عائشة"[مصنف ابن أبي شيبة: 5/276].

الأخوات الآن يعني الداعيات طالبات العلم، ما رأيكن بما قاله عروة عن عائشة؟

"ما رأيت أحداً أعلم بشعر".

طبعاً أي شعر؟ ليس شعر الشيلات والشعر هذا.

الشعر الذي فيه شواهد لتشرح الكلمات في الآيات والأحاديث؛ لأن أصلاً هذه الآيات في النصوص فيها شواهد في أشعار العرب تبين معانيها.

-سبحان الله- الهمة التي تدفع النساء للسؤال عن الأحكام.

نعم، النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.

لاحظ أن عائشة أثنت على نساء المهاجرات وعلى نساء الأنصار في جوانب.

هذه الهمة التي جعلت النساء يطلبن من العالم أن يأتيهن ليوم خاص: "يا رسول الله ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يوماً نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله؟" [رواه البخاري: 7310، ومسلم: 2633].

المرأة الوفية لزوجها امرأة أيوب وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ [الأنبياء: 84] قصته في القرآن لكن التي صبرت على البلاء.

والمرأة التي جاءت تسأل عن الحكم، المجادلة التي صبرت على زوجها كبير في السن، "يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني. اللهم إني أشكو إليك" [رواه أبو يعلى: 4780 ، وقال حسين سليم: "إسناده صحيح"].

فالمجادلة خولة بنت ثعلبة -رضي الله عنها- شخصية جديرة بالدراسة والائتساء والاقتداء.

أسأل الله أن يهيئ لنا من أمرنا رشداً، وأسأله عز وجل أن يصلح أحوالنا وأن يتوب علينا، وأسأله سبحانه أن يجعلنا من الدعاة إلى سبيله الفقهاء بشرعه ودينه الثابتين على منهجه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

والحمد لله رب العالمين.