الأحد 4 ذو الحجة 1443 هـ :: 3 يوليو 2022 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

الشخص المفتون


عناصر المادة
أنواع الفتن التي يواجهها المسلم في حياته
فتنة الأموال والأهل والأولاد
فتنة النساء
فتنة الجاه وحب الرياسة والمنصب

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فإن الله خلق المؤمن توّاباً مفتناً نسياً إذا ذُكّر ذَكر، وإن الله يبتلي عباده بالفتن، وإن المؤمن الصادق يصبر على هذه الفتن، فلا تزل له قدم، ولا تلين له قناة، ولا ينثني له عزم، وكلما ضعف قوي إيمانه بالتوبة إلى الله والأوبة إليه .

أنواع الفتن التي يواجهها المسلم في حياته

00:00:59

وإن الفتن التي يواجهها الإنسان المسلم في هذه الحياة فتن كثيرة جداً، نتحدث إن شاء الله في هذه الليلة عن الفتن في الحياة الشخصية، ونسأل الله أن يحفظنا وأولادنا وبلادنا وسائر المسلمين من كل فتنة إنه حي قيوم سميع مجيب قريب.

فتنة الدنيا أنواع متنوعة، أجمل الله ذكرها في قوله: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران: 14]. فتن الدنيا: فتنة الأموال والأولاد، من فتن الدنيا: فتنة النساء، من فتن الدنيا: فتن الجاه والشُّهرة والمنصب وحب الرياسة، إنها فتن مهلكة، وإذا اجتمعت على الإنسان فلا ينجو إلا من عصم الله؛ ولأن هذه الفتن متكررة وكثيرة في واقعنا وربما نتعرض لها يومياً، فإنه لا بد من التركيز في الحديث حول هذه النقطة؛ لأن القضية خطيرة.

فتنة الأموال والأهل والأولاد

00:02:52

فأما فتنة الأموال والأهل والأولاد فقد حذّر الله تعالى منها في أكثر من آية من كتابه، فقال يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التغابن: 14، 15]،  وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ  [الأنفال: 28]. كما في آية أخرى  يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [المنافقون: 9] وقال فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ  [التوبة: 55]. البغوي -رحمه الله- وهو مفسِّر سلفي تفسيره جيد جداً، وقد طُبع حديثاً ويُنصح به طلبة العلم، بل والعامة من الناس، تفسير البغوي، وربما كان أسهل من تفسير ابن كثير وأخف منه أسانيداً، يقول: عن عطاء بن يسار: " نزلت آية التغابن:إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التغابن: 14، 15].

الآية التي قبلها يقول: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، وكان إذا أراد الغزو بكَوا إليه ورقّقوه، وقالوا: إلى من تدعُنا؟ فيرقّ لهم ويقيم ولا يخرج في الغزو، فأنزل الله: إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [تفسير البغوي: 8/143]. لماذا كانوا عدواً؟ بحملهم إياكم على ترك الطاعة، فَاحْذَرُوهُمْ أن تقبلوا منهم وترقّوا لهم وتتركوا الطاعات، فتنة  وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا  [التغابن: 14]، هذا هو المواجهة وليس الضرب، ولا التشديد عليهم وتضييق الخناق، صحيح أنهم يضروكم، لكن المواجهة قال الله تعالى:  وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا  يعني: لا تعاقبوهم على خلافهم إياكم، فإن الله غفور رحيم.

لقد كان جماعة في مكة من المسلمين يريدون الهجرة إلى المدينة، والهجرة واجبة، فكان الأولاد والنساء يقولون للأزواج والآباء: كيف نترك البلد؟ كيف نترك أهلنا؟ أموالنا؟ بيوتنا؟ عشيرتنا؟ فكان هؤلاء يتأثرون ويستجيبون لأولادهم وأزواجهم ويؤخّرون الهجرة، لما هاجروا بعد مدة، وجدوا أن المسلمين في المدينة قد سبقوهم أشواطاً، وأنهم قد فاتهم علم كثير، فهمّوا أن يعاقبوا أولادهم وأزواجهم، فقال الله: وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا 

لقد بيّن الله أن الأولاد ابتلاء واختبار للأب، أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ [الأنفال: 28]. يشغلوكم عن الآخرة، يوقعوكم في المحرمات، يمنعوكم من متابعة الحق، وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ  [الأنفال: 28].

وتأملوا في هذه الآية، يقول: إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ  و " مِنْ " هذه قال البعض: إنها للتبعيض،  إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ  ليسوا كلهم عدواً، منهم أعداء،  إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ  لكن عندما ذكر الفتنة قال  أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ  [الأنفال: 28]. فالفتنة بهم حاصلة، لكن العداوة، منهم أعداء ومنهم من ليس كذلك.

كان رسول الله ﷺ يخطب، فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر، فحملهما فوضعهما بين يديه، ثم قال: صدق الله  أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ   نظرتُ إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما  [رواه أحمد: 22995، والترمذي: 3774، وصححه الألباني في المشكاة: 6168].

النفس الإنسانية فيها وشائج متشابكة، فيها تركيب عاطفي، فيها ملابسات حياتية، والأزواج، والأولاد وشائج مترابطة مع الشخص، مشغلة وملهاة عن ذكر الله في كثير من الأحيان، كما أنهم يدفعون للتقصير في تبعات الإيمان، وربما يتعرّض الإنسان للجهل والبخل والجبن عن الجهاد؛ بسبب الأولاد، ويحزن إذا مرضوا، فإذا عقّه أولاده كان هذا هو الحزن الدائم والهم اللازم، وقد يصبر الإنسان في حال نفسه، قد يصبر على أشياء، لكن إذا فكر أن زوجته وأولاده سيتعرضون لأذى لا يصبر، وقد مرّ محن ببعض الناس صبروا فيها بأنفسهم، لكن لما تجاوزت المحنة هؤلاء إلى الزوجات والأولاد ما صبروا فهو بنفسه قد يصبر، لكن إذا رأى أولاده في المحنة لا يصبر.

ولذلك فإن عدداً من الناس قد يبخلون ليوفروا الأمن والقرار، أو المتاع والمال للأولاد، ويجبنون فيكون هؤلاء عدواً للشخص؛ لأنهم صدوه عن الخير وأوقعوه في المحرمات، كما أنهم قد يقفون له في الطريق ويمنعونه من النهوض بواجبه اتقاء لما يصيبهم من جرائه، تدخلنا معك في مهلكة، تعرّضنا للفتنة، إذا كنت أنت تصبر نحن لا نصبر، وكثير من الناس يتراجع عن قرارات من الخير، وأمور عظيمة من الطاعات؛ بسبب مراجعة الزوجة وإلحاح الأولاد.

إن الغرض من هذا الحديث ليس أن نبدأ بكُرْه الزوجة والأولاد، وأن نتعامل معهم على أنهم حربٌ علينا وأننا يجب أن نكافحهم! كلا، بل المقصود أن نشتغل بتربيتهم ليكونوا عوناً لنا على الخير ولا يعارضوننا في أي قرارات من الخير ولا يقفون في طريقنا إذا أردنا أن نتجه إلى شيء من سُبُل الخير، هذا هو المقصود أن نشتغل بتربيتهم ليكونوا عوناً لنا على الطاعة، ولا يقفوا في طريقنا، سواء كان في الدعوة، في الجهاد،، في البذل، في الصدقة بالمال، في منع المحرمات، في الامتناع عن المعاصي، والعداوة درجات، وقد حذّرنا الله تعالى بهذه الخطاب ليثير قلوب المؤمنين ويحذّرهم من تسلل مشاعر العاطفة التي تتغلب على مشاعر الخير ودوافع الخير.

وبعض الناس يعمل منكراً أو يمتنع عن خير؛ بسبب غلبة العاطفة، فيتوسّل له ولده أن يأتي له بلعبة محرمة، وتحت ضغط الولد والعاطفة يأتي له بلعبة محرمة، يقول الولد: لازم تجيب لي سوني بلاي ستيشن، يا ولد فيها موسيقى، يا ولد فيها صور نساء شبه عاريات، يا ولد فيها بعض مظاهر الوثنية، يا ولد فيها أشكال قذرة، الولد مصّر، ورأيتها عند فلان وعند فلان، الله يخليك، ويبدأ يلحّ، وربما تقف الأم في صفّه، وهذه هي المشكلة أن نتراجع عن الحق ونرضخ تحت ضغط الأولاد أو الزوجة ونرتكب حراماً أو نرضى به، أو نجلبه إلى بيوتنا.

إن النبي ﷺ قد حذّرنا من هاتين الفتنتين فتنة الأولاد وفتنة الأموال، كما حذّرنا الله في كتابه وقال النبي ﷺ:  كيف أنتم إذا فُتحت عليكم خزائن فارس والروم؟ أي قوم أنتم؟  

ثم قال:  تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون  [رواه مسلم: 2962].

وقال ﷺ:  والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم  [رواه البخاري: 4015].

وقال: ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء مما أخذ المال، أمن الحلال أم من حرام  [رواه البخاري: 2083].

ومن أجل ذلك خاف السلف - رحمهم الله - الافتتان بالأموال وبزهرة الحياة الدنيا وزخرفها.

ولقد بكى عبد الرحمن بن عوف  لما أُتي بطعام وكان صائماً، وقال: قُتل مصعب بن عمير وهو خير مني، كُفّن في بُردة إن غُطي رأسه بدت رجلاه، وإن غُطيت رجلاه بدا رأسه، وقُتل حمزة وهو خير مني، ثم بُسط لنا من الدنيا وأُعطينا من الدنيا ما أُعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عُجّلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام" [رواه البخاري: 1275]. وعن ميمون بن أبي شبيب قال: "كان معاذ بن جبل في ركب من أصحاب رسول الله ﷺ فمرّ بهم رجل فسألهم فأجابوه، ثم انتهى إلى معاذ بن جبل وهو واضع رأسه على رجله يحدّث نفسه فقال معاذ: عمَّ سألتهم؟ قال: سألتهم عن كذا فقالوا كذا، وسألتهم عن كذا فقالوا كذا، فقال معاذ : "كلمتان إن أنت أخذت بهما أخذت بصالح ما قالوا، وإن أنت تركتهما تركت صالح ما قالوا، ما هما الكلمتان؟ قال له: "إن أنتَ ابتدأت بنصيبك من الدنيا يَفُتْكَ نصيبك من الآخرة، وعسى ألا تدرك منهما الذي تريد، وإن أنت ابتدأت بنصيبك من الآخرة يمر بك على نصيبك من الدنيا، فينتظم لك انتظاماً، ثم يدور معك حيثما تدور" [أخرجه ابن حجر في المطالب العالية: 3275.] والله ابتدأ بالآخرة فقال: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ  [القصص: 77].

وكان عبد الواحد بن زيد يقول: "الحرص حرصان، حرص فاجع وحرص نافع، فأما النافع فحرص المرء على طاعة الله، وأما الحرص الفاجع فحرص المرء على الدنيا".

ومظاهر الفتنة بالأموال والأولاد كثيرة ومجملها الانشغال عن الدار الآخرة والتفريط في الصالحات.

وكذلك المحبة الشديدة للمال والأولاد التي تدفع للوقوع في المحرمات، وربما أخذ الإنسان المال من غير حِلّه ليوفر لأولاده راحة إضافية وسعادة دنيوية بزعمه، كمن يريد أن يعمل في عمل إضافي ولو كان محرّماً؛ ليكسب مالاً، يأتيهم بأجهزة لهو أو مجلات فاسدة أو سفريات محرّمة، ليُسعد أولاده بزعمه، وكثيراً ما يضغطون عليه في الإجازات.

قال الزجاج -رحمه الله- عند آية التغابن: "أعلمَهم الله -عز وجل- أن الأموال والأولاد مما يُفتنون به، وهذا عام في جميع الأولاد، فإن الإنسان مفتون بولده؛ لأنه ربما عصى الله تعالى بسببه، وتناول الحرام لأجله، ووقع في العظائم إلا من عصمه الله تعالى".

ومن آفات فتنة الدنيا أنها تؤدي إلى التحاسد والتباغض والتدابر، بل والتقاتل.

قال ابن رجب -رحمه الله- تعليقا على حديث:  ما الفقر أخشى عليكم  قال: "فلما دخل أكثر الناس في هاتين الفتنتين أصبحوا متقاطعين متباغضين بعد أن كانوا إخواناً متحابين متواصلين" [كشف الكُرْبة في وصف أهل الغربة: 318].

هناك اثنان من الشباب الطيبين، بينهما علاقات وئام ومحبة وتزاو وتذاكر، فاقترح أحدهما على الآخر أن يدخل في مشروع تجاري، وقال: أنت خير من يشاركني، بدأ المشروع برأس مال مشترك، ونما المال ونمت التجارة، فدخل الشيطان، هذا حقي، هذا حقك، هذا لك، هذا ليس لك، هذا لي ليس من حقك، فدبٍّ داء الأمم التحاسد والتباغض، حتى قال أحدهما: أنا أشارك واحد فاسق ولا أشاركك أنت! فهكذا الدنيا تدخل بين الإخوان وتفسد العلاقة، وتصير الدنيا هي القصد لها يطلبون وبها يرضون ولها يغضبون، ومن أجلها يوالون وعليها يعادون، فقطعوا أرحامهم وسفكوا دماءهم، وارتكبوا المعاصي وحصل التدابر والشقاق، وإن الوقوع في الشُّح من أعظم سيئات فتنة المال أن يقع الإنسان في الشح فيبخل في سبيل الله، لما كان طالباً كان ينفق ثُلُث دخله في سبيل الله في الدعوة، في إكرام المدعوين، في شراء كتب العلم، في السفر للعمرة، في وفي وفي، فلما صار موظفاً يستلم الآلاف لا يعطي في سبيل الله إلا الفتات، وهذا واقع قد حصل، وبسبب الزوجة والأولاد حصل التقتير في الإنفاق في سبيل الله، وصار الولد مجبنة مبخلة محزنة مجهلة.

وإن القليل من الناس من يربِّي أولاده وزوجته فعلاً ليكونوا له ردءاً وعوناً على طاعة الله تعالى، وهذا اختبار للإنسان،

نماذج رائعة في أولاد السلف كما يوجد أيضاً في بعض أجيال المسلمين الموجودة والحمد لله، لكن ضربوا لنا أولئك القوم أمثلة عظيمة.

في فتنة الإمام أحمد -رحمه الله- يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء: " قال محمد بن سويد الطحان: كنا عند عاصم بن علي ومعنا أبو عبيد وإبراهيم بن أبي الليث وجماعة، وأحمد بن حنبل يُضرب، أحمد بن حنبل يُضرب في محنة خلْق القرآن، أخذه المأمون والمعتصم والواثق، وكان يُعذّب عذاباً شديداً، توالوا عليه، فجعل عاصم يقول في المجلس من أصحاب الإمام أحمد: "ألا رجل يقوم معي فنأتي هذا الرجل - يعني الخليفة - فنكلمه يكف عن الإمام أحمد، هذا التعذيب، فما يجيبه أحد من الرهبة، ثم قال ابن أبي الليث: أنا أقوم معك يا أبا الحسين، فقال: يا غلام خُفّي، هات الخف حتى أمشي وأخرج، فقال ابن أبي الليث: يا أبا الحسين أبلغ إلى بناتي فأوصيهم؛ لأنه قد يذهب الآن ولا يعود فظننا أنه ذهب يتكفن ويتحنط وأنه قال ذلك عُذراً، وإلا هو ذاهب ليتكفّن ويتحنّط قد يذهب فتُقطع عنقه، ثم جاء فقال: إني ذهبت إليهن فبكين، هذا ابن أبي الليث مضى موقفه مع بناته، لكن بنات عاصم جاء كتاب ابنتي عاصم من واسط -بلدة واسط-: يا أبانا إنه بلغنا أن هذا الرجل أخذ أحمد بن حنبل فضربه على أن يقول القرآن مخلوق فاتق الله ولا تجبه فوالله لأن يأتينا نعيُك أحب إلينا من أن يأتينا إليك أنك أجبت" [سير أعلام النبلاء: 9/264].

هذه رسالة البنات؛ لأن يأتينا نعيك أحب إلينا من أن يأتينا أنك أجبت إلى القول بخلق القرآن ورضخت، فعندما يكون الأولاد على تربية يكونوا عناصر مثبّتة، وليس مثبطة.

ثم من آفات الدنيا: البغي، التكبر على الناس، قال الله : وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ  [الشورى: 27].  كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق: 6-7]. والتجارب في الواقع شاهدة على ذلك، فإن أغلب من ينعمهم الله تعالى بكثرة الأموال والأولاد، يظهر عليهم البطر والتعالي على الخلق إلا من رحم الله،  وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا  عنده أولاده حاضرين في البلد ومال ممدود، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ  [المدثر: 12 - 15]، هذا من أسباب طغيانه. 

ومن الناس من يُعذب بماله وولده في الدنيا قبل الآخرة، وتتحول هذه الأشياء عنده، الأموال والأولاد التي يحبها ويحرص عليها، بدلاً من أن تكون نعمة تتحول إلى نقمة، وبدلاً من أن تكون سعادة تصبح شقاء وعذاباً، وكم صرّح كثير من أرباب الأموال والأولاد بهذه الحال، واعترفوا بما يعانونه من النكد والشقاء والعذاب؛ بسبب أموالهم وأولادهم حتى صاروا لا يقر لهم قرار ولا يهنأ لهم بال، ولا يخشعون في صلاة ولا تطيب أنفسهم بإخراج زكاة ولا صدقة، فهل بعد هذا من فتنة؟

واحد من الإخوان يقول: ذهبت إلى الشرطة جلست في مشكلة، جاء واحد من الآباء عند مدير الشرطة يقول: يرحم والديكم خذوه، ما أريده، هذا ولدي خذوه ما أريده، اعملوا فيه ما تريدون، سوّد وجهي، شوّه سمعتي، آذاني، آذى أخواته، آذى أمه، خذوه، صار الولد نقمة، هذا يقع، يصبح الولد نقمة بدلاً من أن يكون نعمة.

وبعض الناس صاروا يفكرون كثيراً في قضية الإنجاب، بل إنهم اتخذوا قراراً بعدم الإنجاب؛ بسبب ما رأوا من سوء الأولاد الماضين، قالوا: نحن ننجب ماذا؟ أعداء زيادة وهم زيادة وغم زيادة، بلاش إنجاب أو مما يرون من عقوق أولاد غيرهم هذه الصور في المجتمع تؤثر على قرارات الإنسان، ولذلك لا بد أن يكون لنا نصيب وافر من الاهتمام بأولادنا، الولد ينقلب عليك إذا لم تهتم به، ينقلب عدواً عليك ونقمة، وهذا الذي غذيته وعلمته وصرفت عليه ووضعته في مدارس خاصة، وأتيت له من الطعام طيبه، مطاعم وأسواق وملابس، ولبّيت رغباته، ينقلب عدواً عليك، هو هذا إذا لم يحصل الاعتناء الحقيقي، ليس الاعتناء الحقيقي بالطعام والشراب واللباس والألعاب، الاعتناء الحقيقي بالتربية، بالمعاهدة، بالمصاحبة، بأخذه إلى أهل الخير بمتابعته في شؤونه، في نصحه، في الإسرار إليه، في الخلوة معه، في أخذه معك، ولذلك أقول: إن الدعاة إلى الله الذين يقومون بتربية أولادنا لهم حق عظيم علينا والله، هؤلاء الذين يحتضنون أولادنا ويربوهم ويعلموهم ويروحون عنهم ويقيمون لهم الأنشطة النافعة الطيبة من تحفيظ القرآن والرياضة والثقافة والتعليم، هؤلاء يحملون عنك عبئاً كبيراً في تربية أولادك، مدرس حلقة تحفيظ، أو في مكتبة، أو في نشاط مدرسي طيب يلُمّ شعث الأولاد ويحملهم على الآداب الطيبة والعلم والإيمان، هذا أحرى أن يُقبّل رأسه، وهذا يُعان، لا بد أن يُعان؛ لأنه يتولى بالنيابة عنك أو معك جزءاً من الواجب الذي هو عليك لا عليه، عليك أنت بالدرجة الأولى، فأولى أن يُعان هؤلاء وأن يشكروا وأن يُدعى لهم على ما يقومون به من الجهود.

والولد قد يكون عقاباً وقد يكون ابتلاءً  إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا  [التوبة: 55].

نوح كان نبياً كريماً حرص وحرص لكن ما كتب الله الهداية لولده، وعند ذلك يصبح الأب على الأقل لا يؤنبه ضميره ولا يلوم نفسه، عمل واجتهد في الولد جاء الولد أعوج، لكن ليس هذا هو الأكثر ولا الأصل، الأصل والأكثر أن الناس الذين يربون أولادهم تربية صالحة يخرج الولد مستقيماً، بعض الأحيان يجتهد الأب على الولد والولد يضل، لكن الأكثر:  مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا  [مريم: 28].

الأصل أن الولد في المنبت الطيب يكون طيباً، بعدما ذكرنا فتنة الأولاد والأموال.

فتنة النساء

00:31:23

ثانياً: فتنة النساء  زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ  [آل عمران: 14]. الميل إلى النساء أمر طبعي ركبه الله في غريزة الإنسان، وما دام أنه في الحلال كالزوجة وملك اليمين وأنه لم يصد عن طاعة الله ولم يدفع إلى فعل محرم فإنه أمر لا يعاب عليه الإنسان بل هو من الأمور المطلوبة في غض البصر وتحصين الفرج وبقاء النسل، وإذا أخلص الإنسان النية أعانه الزواج على طاعة الله،  حُبّب إلي من دنياكم الطيب والنساء وجُعلت قُرة عيني في الصلاة  [رواه أحمد: 14037، والنسائي في الصغرى: 3940، والحاكم في المستدرك: 2676، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته: 3124].   

وهنا لا بد أن نقف وقفة مع مسألة الحب في الله والحب مع الله، متى يكون حب النساء أو حب الزوجة صحيحاً؟ ومتى يكون خاطئاً؟ حتى في العلاقات الشخصية مع من تصادقهم وتؤاخيهم، متى يكون حبّك لهم حُبّاً في الله؟ ومتى يكون حُبّاً ضاراً؟ بل نوعاً من الشرك وحُبّاً مع الله، الفرق بين الحب في الله، والحب مع الله، كما يقول ابن القيم -رحمه الله-: "أن الحب في الله من كمال الإيمان، والحب مع الله عين الشرك، والفرق بينهما: أن المحبّ في الله تابع لمحبّة الله، ينظر ما هي الأشياء التي يحبها الله فيتبعها، وعلاقته بالآخرين ومن يحبهم في الله لا تطغى أبداً على محبة الأشياء التي يريدها الله، بل إنما محبة هؤلاء في الله تدفعه إلى أن يتلمّس محابّ الله ويقوم بعملها، فإذا تمكنّت محبته من قلب العبد أوجبت تلك المحبّة أن يحبّ ما يحبه الله، فإذا أحبّ ما أحبّه ربه ووليّه، كان ذلك الحب له وفيه، كما يحب رسله وأنبياءه وملائكته وأولياءه، لكونه يحبهم ويبغض من يبغضهم، لكونه تعالى يبغضهم.

وعلامة هذا الحب والبغض في الله أنه لا ينقلب بغضه لبغيض الله حُبّاً، ولو أحسن إليك وخدمك وقضى حوائجك افرض أن واحداً من أعداء الله، أنت تقول: أنا أكرهه؛ لأنه من أعداء الله، جاء إليك وخدمك وأحسن إليك، وقضى حوائجك، ولا زال عدواً لله، ما هو موقفك منه؟ إذا كان لازال هو والبغض فأنت لم تتأثر، ولا يزال حُبّك حُبّاً في الله، وبما أن هذا لا ينطبق عليه فلا يدخل فأنت لا تحبه، ولو أن حبيباً لله صالحاً عبداً تقياً، أخطأ وهو بشر والبشر يخطئون، أخطأ عليك فآلمك، أو قال كلاماً تكرهه، خطأ أو عمداً، مطيعاً أو متأولاً أو مجتهداً أو باغياً، فلا زلتَ أنت تحبه في الله وإن أخطأ عليك، لكون بقية أعماله صالحة، وسيرته لازالت حسنة، فمادام أنك لازلت تحبه؛ لأنه مطيع لله، لكن أخطأ عليك فخطأه الشخصي عليك، ما منعك أن تحبه، فمعنى ذلك: أن محبّتك لازالت دائرة في الإطار الشرعي، والدين يدور على حب وبغض، ويترتب على كل منهما فعل وترك، فصارت القسمة أربعة، الدين يدور على حُب وبُغض، وكل واحد من الاثنين يقتضي فعلاً أو تركاً، فصارت القسمة أربعة، فعل بسبب الحب، وبغض بسبب الحب، وفعل بسبب البغض، وحُب بسبب البغض، فإذا أحبّ الإنسان لله وأبغض لله وفعل لله وترك لله فإن هذا الإنسان قائم على التوحيد، وأما إذا كان بعكس ذلك فهو واقع في الشرك، والمحبّة غير الشرعية قد تكون كفراً وشركاً مخرجاً عن الملة، كمحبّة المشركين لأوثانهم وأندادهم،  وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ  [البقرة: 165].

وبعض الفسقة يصرّحون بها في الأغاني فيقول: أنا عبدكِ في الأغنية، ونحو ذلك من الكلمات، فكل من عبد شيئاً من لدن عرشه تعالى إلى قرار أرضه -سبحانه- فقد اتخذ من دون الله إلهاً وولياً وأشرك به كائناً ما كان ذلك المعبود، وهناك محبة أخرى؛ محبة ما زينّه الله للنفوس من النساء والبنين والذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، فهذه المحبة ثلاثة أنواع، محبة الدنيا على ثلاثة أنواع، عرفنا محبة الله ومحبة الرسول ﷺ ومحبة الدين والجهاد والذكر والصلاة وأولياء الله الصالحين، هذه عرفناها، ما هو الموقف من محبة الدنيا؟ هل نحب المال؟ هل نحب الزوجة؟ هل نحب الأثاث؟ هل نحب الشغل والوظيفة والعمل؟ هل نحب السيارات؟ محبة هذه الأشياء على ثلاثة أنواع: فإذا أحبها لله توصلاً بها إلى طاعة الله واستعانة بها على مرضاة الله أُثيب وأُجر، وهذا حال أكمل الخلق ﷺ في قضية النساء والطيب: حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، لكن كان يستعين بهذه المحبات الدنيوية على طاعة الله  فيحب الإنسان الزوجة فيعفّ نفسه عن المحرمة، يحب الزوجة فيأخذ بيدها إلى طريق الهداية تعينه ويعنيها، يحب الطيب فيخرج به لصلاة الجمعة ويخرج به لإخوانه في الله، فإذن، هذه المحبات الدنيوية إذا أدّت للإعانة على الطاعة فهي محمودة.

والنوع الثاني: محبة موافقة للطبع والهوى، ولكن لا تتعارض مع محبة الله، واحد يحب السيارات، وواحد يحب ألواناً من الطعام، لكن لا يعصي الله، فلا يأخذ حراماً ليشتريها، ولا يسرف فيها، ونحو ذلك، فهذا إنسان يحب هذه الأمور الدنيوية وإن كان لا يحتسب أجراً، يميل بطبعه إليها، ويستمتع بها بشكل مباح، لكن لا يحتسب في ذلك أجراً أو يريد التقوِّي بها على طاعة، وفي ذات الوقت فإنه لا يرتكب من أجلها ولا بواسطتها معصية.

والنوع الثالث: أن يجعلها هي مراده وسعيه، ويقدّمها على ما يحبه الله، ومن أجلها يوالي ويعادي، ويقدّم تحصيل هذه الأشياء على تحصيل الجنة، فهذا إنسان متبّع لهواه، وهذه المحبة للأشياء الدنيوية في حقه إثم وظلم.

وتنطبق هذه الأنواع الثلاثة من المحبة على آية سورة فاطر ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر : 32]. المحبة الأولى: محبة السابقين، والمحبة الثانية: محبة المقتصدين، والمحبة الثالثة: محبة الظالمين؛ لأننا قلنا الأول يستعين بالمحبوبات الدنيوية على طاعة الله فهذه محبة السابقين، والثاني: الذي لا ينوي فيها أجراً ولا يرتكب بها إثما فهذه محبة المقتصدين، والثالث: الذي يجعلها كل شيء ويضحي بطاعات ويرتكب محرمات من أجل تحصيل المحبوبات الدنيوية فهذا من محبة الظالمين،  فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ  [فاطر: 32].

وفتنة النساء فتنة عظيمة حذّر منها الرسول ﷺ  في قوله: ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء  [رواه البخاري: 5096، ومسلم: 2740]،  إن الدنيا حُلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أوّل فتنة بني إسرائيل كانت في النساء  [رواه مسلم: 2742].

وقد حذّر السلف من هذه الفتنة تحذيراً عظيماً فيقول معاذ بن جبل : "اُبتليتم بفتنة الضراء فصبرتم، وستُبْتلون بفتنة السراء، وأخوف ما أخاف عليكم فتنة النساء إذا تسوّرن الذهب ولبسن رياط الشام وعصب اليمن فأتعبْن الغني وكلّفْن الفقير ما لا يجد" [رواه ابن أبي شيبة: 37281، والبيهقي في الشعب: 10146، والأصبهاني في الحلية: 10146].

وعن سعيد بن المسيب -رحمه الله- قال: " ما يئس الشيطان من شيء إلا أتاه من قِبل النساء" [ذم الهوى: 164].

وقال لنا سعيد وهو ابن أربع وثمانين سنة وقد ذهبت إحدى عينيه وهو يعشو بالأخرى، ضعُف بصر الأخرى، يقول: "ما من شيء أخوف عندي من النساء" [رواه البيهقي في الشعب: 5069]. أربعون سنة ما فاتته تكبيرة الإحرام في المسجد، زاهد عابد، عالم، طائع في حِلق العلم من طاعة إلى طاعة، ذهبت إحدى عينيه والأخرى يعشو بها، يقول: "ما من شيء أخوف عندي من النساء"

وما حالنا نحن؟ الله المستعان، ويقول يونس بن عبيد: "ثلاثة احفظوهن عني: لا يدخل أحدكم على سلطان يقرأ عليه القرآن، ولا يخلونّ أحدكم مع امرأة يقرأ عليها القرآن ولو يعلمها كتاب الله" لا يخلو بها لا يجوز، ولا يمكِّن أحدكم سمعه من أصحاب الأهواء والبدع"[حلية الأولياء: 3/21].

وهذه مشكلة بعض الإخوان في بعض الأعمال والوظائف، ربما يحتكّ ببعض أهل البدع وليس عنده علم فيسمع، دعنا نسمع ماذا عند القوم، فيتأثر، وبعضهم قد فُتن فعلاً، وهذه نصيحة: "لا يخلون أحدكم مع امرأة يقرأ عليها القرآن، ولا يمكّن أحدكم سمعه من أصحاب الأهواء".

وكان سفيان الثوري -رحمه الله- كثيراً ما يتمثّل بهذين البيتين:

تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها من الحرام ويبقى الوزر والعار
تبقى عواقب سوء في مغبتّها لا خير في لذة من بعدها النار

  [ذم الهوى: 186].

فهي لذّة محرّمة لذّة ساعة ولكنها شر إلى قيام الساعة وما بعد قيام الساعة.

والفتنة بالنساء في عصرنا تأخذ صوراً مختلفة ومن أهمها إطلاق النظر في النساء، وما يعقب ذلك من السقوط في حبائلهن، وأن يُصاب الناظر بسهام إبليس اللعين فيقع في الفتنة والعشق المحرّم والمحبّة المحرّمة التي تملأ قلبه المفتون.

وثانياً: النظر إلى الصور صور النساء في الشاشات والمجلات وما يعقب ذلك من الافتتان والانشغال، وهذا مستودع أنت إذا ملأته بالبعر يطحن بعراً، وإذا ملأته بالذكر يتفاعل فيحيا، فإذا كان الإنسان في الذاكرة التي عنده، الهارد ديسك كله مخزن فيه صور، إما من الأسواق، من الشوارع، من أبواب مدارس البنات، من المجلات، من الشاشات، فماذا يكون؟ سيستم دون لود، ولقد ظهر في عصرنا من وسائل عرض صور النساء الخليعة العارية ما لم يظهر في أي عصر مضى، هذه حقيقة، كلما تأملتَ قضية تحريم التصوير الفوتوغرافي، أرى في كلام العلماء الذين قالوا بتحريم التصوير الفوتوغرافي فعلاً هناك حكمة بالغة، يعني بعض الصور التي تُذاع وتُبث وتُطبع في المجلات وفي غيرها، وفي شاشات الكمبيوتر وفي الإنترنت، وفي كل شيء، وفي الدُش، أن هذا التصوير فعلا فتح علينا باب شر لا يعلمه إلا الله، وأن الذين يقولون من العلماء بحرمة التصوير -تصوير ذوات الأرواح- أنه هو القول الصحيح والصائب فعلاً، يعني لو طبق تحريم تصوير ذوات الأرواح إلا في الضرورات كان هذا باب الشر كله انتهى، فكر فيها، تأمل، بعض الصور الموجودة الآن في المجلات وفي هذه الديسكات والسيديز وغيرها فيها دقة تصويرية عجيبة، تفننوا في قضية التصوير حتى صارت الصورة أجمل من الأصل، فلربما لو رأيت الأصل ورأيت  الصورة، تفتن أكثر من الأصل، في بعض الأحيان تفنن إبليس في إغواء البشر وطور أساليبهم في ذلك فصارت قضية التصوير اليوم من أعظم وسائل الفتنة في القرن العشرين ونحن على أبواب القرن الذي بعده قرون الكفار هذه يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ  [التحريم: 6]. وقد فتن عدد من الناس في فتنة النساء أيضاً غير قضية الصور والنظر، نحن قلنا: النظر والصور، قضية القراءة في المجلات الغرامية، وقصص الحب والعشق والجنس التي تؤدي إلى إثارة الغرائز وثوران الشهوات، والآن صار عندنا باب جديد في الشر مطور متقدّم، وهو ما يقوم به بعض هؤلاء الشباب السفهاء من استعمال التخاطب عبر هذه الشبكة "الإنترنت" التخاطب مع النساء الكافرات الأجنبيات وكلام بذيء جداً وسفيه للغاية يقوم به هؤلاء، فصارت فتنة النساء الآن في هذا العصر متعددة الأشكال، نظر إلى الواقع من هؤلاء النساء المتبرّجات وصور ومخاطبات وقصص ومجلات؛ ليستحوذ الشيطان على قلوب هؤلاء الشباب الاستحكام، تستحكم خطته جداً في هؤلاء، ثم أيضاً الاختلاط، ومن أكثر من يقع فيه الأطباء والطبيبات والممرضون والممرضات وغيرهم ممن يغشى أماكن الاختلاط في الشركات أو في الطائرات أو في غير ذلك، وهذه قضية الاختلاط التي يريد أعداء الله فتح مجالاتها تجعل حاجز الحياء والعفّة ينهار، والإنسان الذي كان يستحي إذا طلعت له امرأة في الهاتف أن يسلّم عليها، صار الآن يأخذ في النقاشات والكلام وفتح المواضيع، يذهب إلى مسافات بعيدة في هذا الجانب، امرأة أجنبية معك في العمل، في نفس المكتب ماذا تتوقع؟ ماذا سيحدث؟ ضحك تساهلات، تنازلات، هكذا يقع.

والرسول ﷺ لما حذّرنا هذه الفتنة - فتنة النساء - التحذير من لدُن حكيم خبير عليم، يعلم ما سيحدث إذا وضع هذا بجانب هذه، فإذا أضفت إلى ذلك الخادمات المتبرِّجات المتزِّينات الكافرات منهن والمسلمات وما نشأ من جلبهن من المصائب والجرائم والتساهل والترخُّص، حتى صار بعض الناس يعتبرها مثل ملك اليمين، خادمة مثل ملك اليمين تصبح أم ولده إذا أنجب منها تكون أم ولد، بعها، فهذا الحال السيئ إذن، في البيت فتنة بالخادمة، في الشارع فتنة بالنساء، في المجلات، في المحلات، وفي المكتب، وفي العمل، معناها: أي دين هذا الذي يجب أن يكون شديداً متيناً حتى يصمد الإنسان في وجه هذه الأشياء؟ ولذلك نحن في عصر فتنة فعلاً ولا ينجو إلا من استعصم بالله، لا بد نستمسك بحبل الله، نقْبل على الله، نتوب إلى الله، نستغفر الله، نترك أماكن الفتن، نبتعد، نتجنب هذه الأشياء، وإذا أضفنا إلى ذلك التساهل في السفر إلى الخارج وما يحدث من رؤية القاذورات والنجاسات الحسية والمعنوية والوقوع فيها من العُري والتهتُّك، فمن الذي يصمد؟ كلما سمعت أشخاصاً رجعوا من الإجازة الصيفية أو ذهبوا إلى الخارج ذهبوا إلى زيارة أقربائهم في بعض البلدان العربية أو الإسلامية، يقولون: وضع النساء أسوأ من قبل، وكل إجازة أسمعهم يقولون الشيء نفسه؛ التبرُّج أكثر من قبل، الملابس أقصر وأضيق، ماذا كان أصلاً حتى صار هكذا؟ تقول إحدى النساء عن بنت رأتها لبست ضيقاً، تقول: بالتأكيد أن أمها أو أختها أعانتها حتى دخلت في هذه الملابس لا يمكن أن تلبسها لوحدها، لا بد يكون هناك اثنتان تجر عليها هذا جراً حتى تدخلها فيه؛ لأنه ليس معقولاً أن تكون قد لبسته وحدها، وهذا الذي يخرجن به في الأعراس، مناظر مقرفة مزرية، إذا كان الواحد صاحب فطرة سليمة يشمئز من هذا، وإذا كان منتكساً سيعجبه ذلك.

فإذن، إذا عرفنا هذا فما هو حجم الجريمة التي تنبع من دعوة أصحاب الاختلاط وعمل المرأة جنباً إلى جنب مع الرجل وإخراج النصف الثاني من المجتمع لتخريب النصف الأول وأن تمارس جميع الأعمال من قيادات السيارات وعاملة سنترال ومضيفة وفي حجز الطائرة وفي كونتر الفندق كل شيء يريدون أن تعمل كل شيء فماذا؟ ستكون النتيجة  وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال: 30]. وإذا قالوا نريد النوادي النسائية والمطاعم المختلطة والحدائق المختلطة فإذاً ماذا يبقى أيها الإخوة من دمار لم يحدث والقضاء على البقية الباقية من العفة الموجودة عند المسلمين؟ قد يقول واحد: هذه امرأة وقعت ضحية دور الأزياء والمجلات، والمصيبة الأكبر من هذا أن الراعي الزوج أو الأب يسمح بهذا، وقد ترى واحداً ملتحياً وصاحب دين، وابنته في اللباس من أسوأ ما يكون، وزوجته كاشفة ومتبرجة يسمح بهذا فيخرج بناته وزوجته وبناته وأخواته يفتن ويفتن، وإذا أضفت فتنة الهاتف على فتنة النساء لترى تكملة ما نقص وما حصل بسبب ذلك من البلايا العظام.

إن الشريعة لما جاءت بإجراءات في غض البصر، وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب: 53].  وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ [المائدة: 6]،  يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ  [البقرة: 185]. وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا  [النساء: 27]. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا  [النساء: 28]، فالله لما شرع لنا غض البصر، وشرع لنا تحريم اختلاط النساء بالرجال، وشرع لنا سائر  فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ  [الأحزاب: 32]. لأن هذا فيه تخفيف علينا، الرجال لا يتحملون الفتن هذه لا يتحملون، وكذلك النساء يريد الله أن يخفف عنكم، لكن هؤلاء يريدون أن تميلوا ميلاً عظيماً. 

فتنة الجاه وحب الرياسة والمنصب

00:58:15

والفتنة الثالثة والأخيرة في هذا الدرس الذي سأتحدث عنها فتنة الجاه وحب الرياسة، وهذه أيضاً من فتن الدنيا التي لا يسلم منها إلا من رحم الله وهي من الفتن الدقيقة والشهوة القلبية الخفية -أعاذنا الله ويكفينا في معرفة شناعتها حديث كعب بن مالك الأنصاري، قال  ﷺ:  ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه  [رواه أحمد: 15784، والترمذي: 2376، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته: 5620]. يعني إذا أردت أن تعلم أيهما أشد؛ إفساد الذئب الجائع في الغنم يعيث فيها فساداً، أو إفساد الحرص على المال والمنصب والشرف إفسادها للدين، لا، ليس ذئبان جائعان ليسا في الغنم أشد فساداً من إفساد المال والشرف لدينك، المال والشرف تفسد الحرص عليها، الحرص عليها يفسد في الدين أكثر مما يفسد الذئبان الجائعان إذا أُطلقا في غنمك.

قال ابن رجب -رحمه الله-: هذا مثل عظيم جداً ضربه النبي ﷺ لفساد دين المسلم بالحرص على المال والشرف في الدنيا" [مجموع رسائل ابن رجب: 1/64]. الحرص، لاحظ كلمة الحرص على المال والشرف، والمقصود بالشرف: المنصب والجاه والمكانة، وأن فساد الدين بذلك ليس بدون فساد الغنم بذئبين جائعين طارئين باتا فيها، قد غاب عنها الراعي ليلاً فهما يأكلان في الغنم ويفترسان، ومعلوم أنه لا ينجو من الغنم من إفساد الذئبين المذكورين إلا قليل؛ لأن الذئبان في حظيرة الغنم، والذئب أسرع وأقوى ومفترس، كم شاة ستنجو؟ قليل إذا نجا، فهذا المثل العظيم يتضمن غاية التحذير من شر الحرص على المال والشرف في الدنيا، وقد قسّم -رحمه الله- الحرص على الشرف وحب الرياسة إلى قسمين، فقال: القسم الأول: طلب الشرف بالولاية والسلطان والمال، وهذا خطر جداً، وهو في الغالب يمنع خير الآخرة وشرفها وكرامتها، والحرص على الشرف يستلزم ضرراً عظيماً، يريد أن يصل إلى منصب، حريص جداً جداً أن يصل إلى منصبه ماذا سيفعل؟ يستلزم ضرراً عظيماً قبل وقوعه في السعي في أسبابه، وبعد وقوعه بالحرص العظيم الذي يقع فيه من الظلم والتكبُّر، فإذا أراد الواحد ان يصل إلى منصب في الدنيا في هذا الزمان، يريده مهما كان فلا يصل إلا بالنفاق ولا يبقى فيه إلا بالمداهنة؛ لأنه يريد أن يصل ويبقى، فلذلك يرتكب المحرمات من أجل الوصول للمنصب، لا بد من نفاق ومداهنة حتى يصل، وإذا وصل فإنه إذا قصد في علو المنزلة على الخلق التعاظم عليهم وأن الناس يتوسلون إليه ويترجونه ويطلبون منه قضاء الحوائج فهذا كأنما يزاحم الله في الربوبية، ويطلبون أن الناس يطلبون منه مثل ما يطلبون من الله، ويظهرون الحاجة والفقر إليه مثل ما يظهرون لله ، هذا بهذه النية يكون واقعاً في الشرك، بعض الناس الذين إذا وصلوا إلى مناصب يتلذذ أن الخلق يتوسلون إليه، وكأنه يقول: زد قليلاً، خطاب هذا للتوسل أو الكلام، هذا فيه توسلات، كأنه يقول -بلسان الحال-: زد، ثم يسكت، يريد الزيادة حتى يقول: أعطيك، وقّع، إذن، هذا إنسان يريد أن يزاحم الله في الربوبية.

ومن هذا الباب أيضاً من الخطورة في موضوع الحرص على الشرف أنه يريد أن يحمد على أفعاله ويثني عليه بها، ويطلب من الناس ذلك ويؤذيهم، وربما أظهر أمراً حسناً في الظاهر، يحب أن يحمد عليه ويقصد بالباطن شراً، يموه على الخلق لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  [آل عمران: 188]. ولذلك كان أئمة الهدى ينهون الناس عن مدحهم وإطرائهم وحمدهم، ولو أحسنوا إلى الخلق لا يريدون جزاءً ولا شكوراً، ولا ينتظرون أن يسمعوا جزاءً ولا شكوراً، ومن الناس من يتلذذ بسماع المدح والجزاء والشكور والحمد، يريد أن يحمده الناس،  وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا  فإذا كان بما لم يفعلوا فكيف تكون؟ أطم

والقسم الثاني، يقول ابن رجب -رحمه الله-: "طلب الشرف والعلو على الناس بالأمور الدينية" [مجموع رسائل ابن رجب: 1/78]. من الناس من يطلب المنصب والشرف ليعلو على الناس بالأمور الدنيوية من قوة أو نفوذ أو مال، ومنهم من يريد أن يصل من خلال أمور دينية، وهذا أفحش من الأول وأقبح وأشد فساداً وخطراً، مثل أن يحرص أن يصل إلى علم، أو زهد، أو عبادة؛ لكي يعلو على الناس بذلك، فإذا كان هذا قصده فإنه ليس له عند الله من خلاق، وقد يطلب بالعبادة، ويطلب بالدين، المال يريد من وراء هذا الحصول على المال، ومنهم من يطلب بالعلم، والعمل، والزهد، والعبادة، الرياسة على الخلق، وأن يظهر للناس زيادة علمه، فهذا موعده النار؛ لأنه قصد التكبُّر، وإذا استعمل آلة الآخرة ليحصل على الدنيا، فهذا أشنع من الأول، ومن هذا الباب كان السلف يكرهون الجرأة على الفُتيا، ويكرهون القضاء، ويكرهون تولّي المناصب حتى الدينية، يريدون البعد عن هذا الباب حتى لا يستغلوا هذه المناصب الدينية في الحصول على فُتات الدنيا وحُطامها.

ولذلك يقول أبو بكر الآجري -رحمه الله- وهو من كبار العلماء في القرون الأولى، يقول عن عالم السوء: "فتنه حب الثناء والشرف، المنزلة عند أهل الدنيا، يتجمّل بالعلم كما يتجمّل بالحلّة الحسناء للدنيا، ولا يجمل علمه بالعمل به إلى أن قال: "فهذه الأخلاق وما يشبهها تغلب على قلب من لم ينتفع بالعلم، فبينا هو مقارب لهذه الأخلاق، ذهبت نفسه في حب الشرف والمنزلة، فأحب مجالسة أصحاب الرياسات وأبناء الدنيا، وأحب أن يشاركهم فيما هم فيه من رخاء عيشهم، من منظر بهي، ومركب هني، وخادم سري، ولباس لين، وفراش ناعم، وطعام شهي، وأحب أن يُغشى بابه ويُسمع قوله ويُطاع أمره، فلما لم يقدر على الوصول إلا من جهة القضاء -يريد أن يكون قاضياً بأي طريقة- طلبه يعني: "طلب القضاء، فلم يمكنه إلا ببذل دينه، فتدلل للملوك وأتباعهم، فخدمهم بنفسه، وأكرمهم بماله، وسكت عن قبيح ما ظهر له من الدخول في إيواناتهم وفي منازلهم من أفعالهم ،ثم قد زيّن لهم كثيراً من قبيح فعلهم بتأويله الخطأ ليحسن موقفه عندهم، فلما فعل هذا مدة طويلة واستحكم فيه الفساد ولّوه القضاء، فذُبح بغير سكين فصارت لهم عليه منة عظيمة ووجب عليه شكرهم" [مجموع رسائل ابن رجب: 1/73].

كلام الآجري هذا كلام نفيس للغاية، وهذا الرجل -رحمه الله عاش في أول المئة الرابعة للهجرة، يعني قبل ألف سنة، وقال ابن رجب -رحمه الله- ومن هذا الباب أيضاً، يعني في تدمير الدين بالحرص على الشرف من خلال استخدام الدين نفسه كراهة أن يشهر الإنسان نفسه للناس بالعلم والزهد والدين، أو بإظهار الأعمال والأقوال والكرامات، ليُزار وتُلتمس بركته، ودعاؤه، وتُقبّل يده، وهو محب لذلك، يقيم عليه ويفرح به ويسعى في أسبابه بعض مشايخ الصوفية في المجلس، هكذا يقدِّم يده، والناس يعطونه أقداح الماء ليتفل فيها ويشربونها لينالوا البركة، هؤلاء يريدون التماس مكانة بين الناس بالدين ليس لهم عند الله من خلاق.

ومن هنا كان السلف الصالح يكرهون الشُّهرة غاية الكراهة، منهم أيوب والنخعي وسفيان وأحمد، وغيرهم من العلماء الربانيين، وكانوا يذمون أنفسهم في غاية الذم.

دخل رجل على داود الطائي، وهو من الفضلاء الصلحاء، فسأله، داود يسأل الداخل: "ما جاء بك؟

قال: "جئت لأزورك" فقال: "أما أنت فقد أصبتَ خيراً حيث زرت في الله، ولكن أنا أنظر ماذا لقيت غداً إذا قيل لي من أنت حتى تُزار؟ لا والله، ثم جعل يوبِّخ نفسه ويقول: "يا داود، كنت في الشبيبة فاسقاً، فلما شبتَ صرتَ مرائياً والمرائي شر من الفاسق" [مجموع رسائل ابن رجب: 1/87].

فهكذا كانوا يوبّخون أنفسهم يلومونها مع أنهم في غاية الإخلاص والصلاح كانوا صادقين.

وكان محمد بن واسع وهو من الذين يتابعون طاعة في إثر طاعة، يقول: "لو أن للذنوب رائحة ما استطاع أحد أن يجالسني" [سير أعلام النبلاء: 6/270]. وبعض الناس يذمّون أنفسهم في الملأ، ولكن يريدون المدح، فإذا قال قائل: هؤلاء بعض السلف ذّموا أنفسهم فنقول: ذمّوا انفسهم من باب صالح وقصد طيب، وذمّ نفسه أمام واحد أو اثنين أو ناس حضروا عنده، لكن بعض الناس يأتي على المجلس ويقول: يا إخوان، وأنا أضعفكم، وأنا أقلكم علماً، وأنا أقلكم ديناً، حتى يقول الناس: استغفر الله، استغفر الله، أنت شيخنا، وأنت وأنت وهكذا، يريد بكلامه ذمّ نفسه أن يستجلب مدح الناس، وهذا باب من أبواب إبليس، وكلما كمُل علم العبد وفقه العبد وتقواه، كلما كان أشد كراهة للشهرة والجاه وحب الرياسة.

وهذه أمثلة: عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أن أباه سعداً كان في غنم له  فجاء ابنه عمر هذا، سعد ترك المدينة وراح في غنم له في البادية، ابنه رحل إليه فلما رآه الأب رأى الابن قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فلما انتهى إليه الولد وصل إلى أبيه قال: يا أبت، أرضيت أن تكون أعرابياً في غنمك، والناس يتنازعون بالملك في المدينة؟ فضرب صدر عمر الأب ضرب صدر الولد وقال: اسكت فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله عز وجل يحب العبد التقي الغني الخفي [رواه مسلم: 2965]. ولماذا أذهب وأتنازع على الملك والخلافة؟ أنا هنا في غنمي أصلح لي وأحسن لي أن ادخل في ذلك المعترك وأتقاتل كما يتقاتلون.

وذكر الذهبي -رحمه الله- في سير أعلام النبلاء عن عثمان بن عفان أنه اشتكى رعافاً، مرة من المرات أصابه رعاف فدعا حُمران، حمران مولى عثمان، فقال عثمان: "اكتب لعبد الرحمن العهد من بعدي"، اكتب كتاباً يكون عبد الرحمن بن عوف خليفة بعدي، فكتب له وانطلق حمران إلى عبد الرحمن بن عوف، فلما وصل إليه قال: البشرى أبشر

قال: وما ذاك؟ قال: إن عثمان قد كتب لك العهد من بعده، فقام عبد الرحمن بين القبر والمنبر فقال: "اللهم إن كان من تولية عثمان إياي هذا الأمر فأمتني قبله، فلم يمكث إلا ستة أشهر ثم قبضه الله" [سير أعلام النبلاء: 1/88].

وما دخل فيها، ويكفي في دفع هذا الصحابي الكريم للرياسة عن نفسه أنه عزل نفسه في وقت الشورى؛ لأن عمر لما جعل الخلافة في ستة، أي واحد منهم يصلح خليفة، فلما أرادوا حسم الأمر جعل ثلاثة أمرهم إلى ثلاثة وتنازل عبد الرحمن وقال لعلي وعثمان: إن  تنازلت واخترت واحداً منكما يبايعه الآخر، وهكذا جلس عبد الرحمن بن عوف يستخير الله ويستشير الأمة حتى العجائز، فوجد الأمة كلهم قد أجمعوا على عثمان، فبايعه وبايعه الناس بعده، ولو أن كان يريد المنصب لأخذها لنفسه، ولو أنه يريد أن يحابي قريباً لحابى من من الستة؟ الآن عندنا سعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير، فجعل ثلاثة أمرهم إلى ثلاثة، لو كان عبد الرحمن يريد لنفسه اختارها قبل، هو قبل عثمان عُرضت عليه، هو قبل عثمان كان يمكن أن يتقدم بنفسه لكن ما تقدم، ولو كان يريد أن يحابي بها قريباً لاختار ابن عمه سعد بن أبي وقاص، لكنه لم يفعل ذلك وهو اقرب الجماعة إليه، وإنما اختار عثمان -رضي الله عنه-.

ولما قال يزيد بن المهلب والي خراسان: "دلُّوني على رجل كامل خصال الخير؟ فدُّل على أبي بردة الأشعري، فلما جاءه رآه رجلاً فائقاً، فلما كلمه رأى من مخبرته أفضل من مرآته، وجده في الحقيقة بعد النقاش، يزيد المهلّب وجد أبا بُردة الأشعري في مخبره أفضل من ظاهره وشكله، فقال: إني وليتك كذا وكذا، فاستعفاه فأباه أن يعفيه، فقال: أيها الأمير، ألا أخبرك بشيء حدثنيه أبي أنه سمع من رسول الله ﷺ قال: هاته، قال: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من تولّى عملاً وهو يعلم أنه ليس لذلك العمل بأهل فليتبوأ مقعده من النار  وأنا أشهد أيها الأمير أني لستُ بأهل لما دعوتني إليه، فقال: ما زدت على أن حرصّتنا على نفسك ورغّبتنا فيك فاخرج فإني غير معفيك، فخرج إلى العمل الذي وُلّي فيه وأقام فيهم ما شاء الله على منهاج الله، ثم استأذن أن يرجع مرة أخرى إلى الأمير، فأذن له، فقال: أيها الأمير، ألا أحدّثك بشيء حدثنيه أبي سمعه من رسول الله ﷺ، قال: ما هو؟ قال: قال رسول اللهﷺ:  ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سُئل بوجه الله، ثم منع سائله ما لم يسأل هجراً يعني: إذا جاء واحد وقال لك: أسألك بوجه الله، فلا بد أن تعطيه إلا إذا كان سأل أمراً محرّماً، "وإني سائلك بوجه الله إلا ما أعفيتني، فأعفاه" رواه الروياني في مسنده عن أحمد كما ذكره الذهبي -رحمه الله- [سير أعلام النبلاء: 4/345].

ولما اختار عمر بن الخطاب سعيد بن عامر وقال: "إني أستعملك على أرض كذا وكذا" قال: أوتقيلني يا أمير المؤمنين؟ فقال: "والله لا أدعك، قلدّتموها في عنقي وتتركوني؟" ثم قال عمر لسعيد: "ألا نفرض لك رزقاً؟

فقال: "قد جعلت في عطائي ما يكفيني" دونه أصلاً عطائي من بيت المال قبل الوظيفة يكفيني وفضلاً عما أريد وزيادة، وكان إذا خرج عطاؤه ابتاع لأهله قوتهم وتصدّق ببقيته، فتقول له امرأته: أين فضل عطائك؟ أين ذهب بقية الراتب؟ فيقول: قد أقرضته سلفته من الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له. [حلية الأولياء: 1/247].

قال سفيان: "ما رأيت الزهد في شيء أقل منه في الرياسة" ترى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال والثياب، فإن نوزع الرياسة حامى عليها وعادى" [حلية الأولياء: 7/39].

فإن قال قائل: كيف نفرّق بين طلب المنصب لخدمة الدين وترك المنصب لله وعدم التعلق بالرياسة، كيف نفرّق؟ الجواب: كما ذكر ابن القيم -رحمه الله- والفرق بين حب الرياسة وحب الإمارة للدعوة إلى الله هو الفرق بين تعظيم أمر الله والنصح له وتعظيم النفس، والسعي في حظّها من الجهة الأخرى، هو الفرق بين أن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الدين كله لله، وأن يكون العباد ممتثلين لأوامر الله، وبين أن يكون يحب إتيان الناس إليه، وثناؤهم عليه وطلبهم منه، وهكذا، ولهذا ذكر - سبحانه - الذين اختصهم لنفسه وأثنى عليهم في تنزيله أثنى عليهم فقال: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا  [الفرقان: 74]. فسألوه أن يقر أعينهم بطاعة أزواجهم، وذرياتهم له، وباتباع المتقين لهم على طاعته وعبوديته، فإن الإمام والمؤتم متعاونان على الطاعة.

ولذلك فإن الذي يقصد -هذا كلام مهم ودقيق- الذي يقصد بالوصول إلى منصب؛ رئاسة قسم مثلاً، يقصد بهذا أن يطبّق أمر الله، ويحمل من تحته من الموظفين على طاعة الله، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويمشّي مصالح المسلمين والذين يراجعون هذه الدائرة، أو هذا القسم، ويبعد الأشرار، ويقرّب الأخيار، فهذا إنسان ما حرص على المنصب لنفسه وإنما حرص عليه لدينه، لمصلحة دينه، فهذا سعيه للمنصب فضل وأجر، وأما إن كان يسعى للمنصب لحظ نفسه وليقال عنه لقب كذا، ويزداد ماله، ويستعلي على عباد الله، ويذلّ من تحته، ويطغى، ويفسد، ويأخذ رشاوى، فهذا مجرم، إنما أراد بالمنصب حظ نفسه، فمنافسته فيه وبال عليه يوم القيامة.

والمشكلة عند بعض الأخيار أمران: الأول: العجز والضعف، فلا يسعون لنصرة الحق من خلال العمل، ويرون الزهد في هذا وترك هذا، مع أن الواجب يقتضي أن يحمل المسؤولية هو لا غيره؛ لأن من حوله ليسوا من الصالحين، لو تنافس معك على المنصب صالح آخر أكفأ منك يجب أن تتركها له، فبعض الناس يحملهم العجز والضعف والخور، يقول: اترك الدنيا على أن يترك هذا الأمر وهو يعلم أن مفسداً سيأتي فيه.

المشكلة الثانية: أن بعض هؤلاء تتزاحم عندهم حظ الدنيا مع حظ النفس، فيريد ينفع الدين ويريد ينفع نفسه، فحتى يخلّص نيته يصفيها، ثم بعد ذلك يطلب ترك الرياسة التي ينفع فيها دين الله عز وجل.

انتهى الكلام عن شيء مما يتعلق بثلاث آفات من الفتن التي تفسد الإنسان؛ وهي فتنة المال والولد وفتنة النساء وفتنة المنصب والشرف والرئاسة، نسأل الله أن يقينا وإياكم شر الفتن، وأن ينعم علينا جميعاً بالتقوى، والتمسك بالعروة الوثقى، وأن يباعد بيننا وبين الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يحفظ أولادنا وبلدنا وسائر المسلمين، إنه سميع مجيب قريب.