الجمعة 25 ذو القعدة 1443 هـ :: 24 يونيو 2022 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

ماذا نفعل في الفتن واشتباه الأمور


عناصر المادة
مقدمة
معاني  الفتنة في القرآن الكريم
تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الفتنة
التحذير من الفتن آخر الزمن
دور الجهل والهوى في حدوث الفتن
فتن الاقتتال بين المسلمين
فتنة الفرقة والاختلاف
فتن النساء الكاسيات العاريات
فتنة المال
الموقف الشرعي من الفتن
الأناة والتروي عند نزول الفتن
التفاؤل والثقة بنصر الله
دور الأخوة الإيمانية للتعاطي مع الفتن
أهمية النظر في عواقب الأمور زمن الفتن
البعد عن مواطن الفتن
عدم تنزيل أحاديث الفتن على أحداث معينة
الحذر من الاعتماد على الرؤى
لزوم جماعة المسلمين

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحُبّ المساكين، وإذا أردتَ بعبادتك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين.

الفتن وموقف المسلم منها، ماذا نفعل بالفتن واشتباه الأمور؟ الجواب على هذا السؤال هو موضوع درسنا في هذه الليلة نسأل الله السداد والتوفيق وإصابة الحق والإخلاص في القول والعمل.

مقدمة

00:01:02

أيها الإخوة، إن هذا الموضوع بحق جدير بالاهتمام جداً، وخصوصا نحن في آخر الزمان، وعندنا خبر يقين من الصادق المصدوق ﷺ بأن الفتن تكثر في آخر الزمان؛ إنها تكون بكرة وعشيا، إنها تعُمُّ بالبلايا والمحن والخطوب والجسام، إن هذا الحال الذي نراه في المسلمين اليوم حال عظيمة تستدعي منا كل تمعُّن في الكتاب والسنة للتعرف على الموقف للفتن وماذا يكون حال المسلم فيها؟

معاني  الفتنة في القرآن الكريم

00:01:46

الفتنة هي الابتلاء والامتحان وتأتي الفتنة في الكتاب والسنة على عدة أمور وتطلق ومنها:

الابتلاء والاختبار كما قال تعال: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [العنكبوت: 2]. يعني :لا يبتلون.

الفتنة تأتي بمعنى الصد عن السبيل والرد كما قال تعالى: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ [المائدة: 49] يعني: يصدوك ويردوك.

 الفتنة تأتي بمعنى العذاب، كما في قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  [النحل: 110]. من بعدما فتنوا يعني عذبوا الفتنة تأتي بمعنى الشرك والكفر كما في قوله تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة: 193]. يعني: شرك وكفر.

الفتنة تأتي بمعنى الوقوع في المعاصي والنفاق كما قال عن المنافقين  وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ [الحديد: 14]. قال البغوي: "يعني أوقعتموها في النفاق وأهلكتموها باستعمال المعاصي والشهوات" [تفسير البغوي: 8/36].

الفتنة تأتي بمعنى اشتباه الحق بالباطل واختلاط الأمور، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ  إلا تفعلوه يعني: توالوا المؤمنين، إِلَّا تَفْعَلُوهُ [الأنفال: 73]. ولاية المؤمنين للمؤمنين، وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [الأنفال: 73]. إذا والى المؤمن الكافر ولم يوال المؤمن، تكن فتنة في الأرض، يعني: اختلاط الحق بالباطل واشتباه الأمور، كما قال ابن جرير في التفسير: "أي شُبْهة في الحق والباطل إذا والى المؤمن الكافر تقع الشُّبهة واختلاط الأمور" [تفسير الطبري: 11/299].

الفتنة تأتي بمعنى الإضلال، كما في قوله تعالى  وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ [المائدة: 41]. يعني: إضلاله.

 وقد تأتي الفتنة بمعنى القتل والأسر كما قال  إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء: 101] إذا خفتم وأنتم في الصلاة، إذا خفتم أن يحمل عليكم الكفار، وأنتم ساجدون، فيقتلون ويأسروكم، فهكذا تفعلون في صلاة الخوف تقوم طائفة وجاه العدو والأخرى تسجد، ثم تتبادلان.

الفتنة تأتي بمعنى اختلاف الناس وعدم اجتماع قلوبهم كما قال سبحانه: وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ  [التوبة: 47]. يعني: يوقعون الخلاف بينكم.

 الفتنة تأتي بمعنى الجنون كما قال : بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ [القلم: 6] يعني: المجنون.

الفتنة تأتي بمعنى الإحراق بالنار كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [البروج: 10].

فهكذا فعل أصحاب الأخدود.

الفتنة إذاً في الأصل الابتلاء والاختبار، وتطلق على الإثم، والكفر، والقتال، والإحراق، والإزالة، والصرف عن الشيء، المحنة، الأولاد، المال، اختلاف الناس في الآراء، الإحراق بالنار، قال ابن حجر: "ويُعرف المراد حيثما ورد في السياق والقرائن".

قال ابن القيم -رحمه الله-: "وأما الفتنة التي يضيفها الله سبحانه إلى نفسه أو يضيفها رسوله إليه كقوله: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [الأنعام: 53] وقول موسى: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ [الأعراف: 155]. فتلك بمعنى آخر؛ وهي الامتحان والاختبار والابتلاء من الله  لعباده"[زاد المعاد: 3/152].

يبتليهم بالخير، كما يبتليهم بالشر؛ ليعرف من يستعمل هذا في طاعته، ومن يقع في الشر ويستعمله في المعصية، ومن الذي ينتكس في المصائب ولا يصبر ويعترض على القضاء والقدر، ومن الذي يزيغ عن الدين ويضل إذا ابتُلي وأوذي، وهكذا فتنة المؤمن في ماله وولده وجاره، لون الفتنة التي يوقعها بين أهل الإسلام كالفتنة التي تقع بين أهل الإسلام غير الفتنة التي تقع للمسلمين من الكفار.

فالفتنة إذن ألوان وأصناف، وافتتان المشركين أيضاً بما لديهم فتنة أخرى.

تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الفتنة

00:06:31

لقد حذّرنا الله ونبيه ﷺ من الفتن بأنواعها، وإذا نظرنا إلى أحاديث الفتن  والنصوص التي جاءت فيها نجد منها ما يكون تحذيراً عاماً لجميع الأمة في جميع الأزمنة والأمكنة كما قال ﷺ:  بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا  [رواه مسلم: 118].

بادروا بالأعمال -يا أيتها الأمة- بادروا بالأعمال الصالحة واجتهدوا فيها قبل أن تشغلوا عنها بفتن تموج كموج البحر ففيه حث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذُّرها، والاشتغال عنها بالفتن الكثيرة المتراكمة، كتراكم الليل المظلم، وكذلك حديث حذيفة عندما ذكر من معه في مجلس عمر، فقال عمر: "أيّكم سمع رسول الله ﷺ يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه، فقال: "لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟" قالوا: أجل، قال: تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيّكم سمع النبي ﷺ يذكر الفتن التي تموج موج البحر؟ فأُسكت القوم، فقال حذيفة: أنا، فقال: أنت لله أبوك تجرأت" يعني: هات، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:  تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأي قلب أُشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفاء، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرباداً كالكوز مخجياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، إلا ما أُشرب من هواه [رواه مسلم: 144]. قال حذيفة: "وحدّثت أنّ بينك وبينها باباً مغلقاً يوشك أن يُكسر، قال عمر: "أكسراً لا أباً لك، فلو أنه فُتح لعله كان يُعاد ويُغلق من جديد، قلت: لا، بل يُكسر، وحدّثته أن ذلك الباب رجل يُقتل أو يموت، حديثاً ليس بالأغاليط. رواه البخاري.

فتن تموج كما يموج البحر وتضطرب ويدفع بعضها بعضاً لشدة عظمها وكثرة شيوعها، تُعرض الفتن على القلوب بالتتابع، كما تتابع عيدان الحصير، هل رأيت عيدان الحصير كيف تكون متوالية ومتتابعة؟ طاقات وحزم، فكذلك الفتن إذا جاءت على القلوب، فالقلوب تتنوع في استقبال الفتن، فهناك قلوب تتشرب الفتن كما يتشرب الإسفنج الماء، فتنكت فيه نكتة سوداء ونقطة على نقطة في النهاية ينتكس ويصبح كالكوز المقلوب منكوس أسود، لا يمكن أن يدخل فيه خير؛ لأنه مقلوب، ويرى الحق باطلاً والباطل حقاً والمعروف منكراً والمنكر معروفاً، والسنة بدعة والبدعة سنة، وتنقلب عليه الأمور ويتحاكم إلى هواه، لكن هناك قلب آخر أبيض أشرق فيه نور الإيمان وأزهر وهكذا.

فإذن، هناك ما هو مرباد السواد الذي خالطه لون غبرة لون أكدر مجخياً مائلاً منكوساً، ولا يعلق فيه خير ولا حكمة فهكذا القلب الأسود، والقلب الأبيض على عكسه تماماً، إشراق قلب المؤمن بنور الله  اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ  مثل نوره في قلب عبده المؤمنين  كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ  [النور: 35]. وهكذا قلب المؤمن موقفه من الفتن أنه يعرفها ويصمد أمامها وينفيها ولا يمكن أن يستجيب لها، الفتن تمد القلوب المنكوسة واحدة تلو الأخرى.

وهذه الفتن تتفاوت منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئاً، كما جاء في حديث آخر لحذيفة عن النبي ﷺ فتن منها ثلاث لا يكدن يذرن شيئاً، ومنهن فتن كرياح الصيف، منها صغار، ومنها كبار، رياح الصيف سميت بذلك لتفاوت زمانها وسرعة مجيئها وذهابها، والتفاوت في الشدة والآثار التي تحدثها.

لقد أنزلت فتن وعرف النبي ﷺ بذلك فقام فزعاً في الليل، قال: -سبحان الله- ماذا أنزل الليلة من الفتنة؟ ماذا أنزل من الخزائن؟ من يوقظ صواحب الحجرات؟ يعني: زوجاته، يا رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة، الخزائن الأموال تنتج عنها فتن لما يتنافس الناس فيه من الدنيا وما يقع بسبب ذلك من الاقتتال وبطر الحق والإسراف، وغير ذلك، والتضرُّع عند نزول الفتنة بقيام الليل من أعظم الأسباب الصارفة للفتن عن المسلم.

هناك نصوص للفتن أيضاً فيها تحذير عام لجميع الأمة، لكن من فتن بعينها.

إذن، هناك تحذير عام لعموم الأدلة من الفتن عموماً، هذا نوع فيه نصوص تحذير عام لجميع الأمة لكن من فتن بعينها يتقارب الزمان ويقبض العلم وتظهر الفتن وكذلك فإن النبي ﷺ حذر جميع الأمة من فتنة الدجال، التحذير خاص بفئة من الأمة عام لجميع الفتن نوع آخر.

إذن هناك نوع تحذير عام لجميع الأمة من الفتن بعينها، مثل الدجال، وهناك نوع ثالث تحذير خاص لفئة من الأُمة، عام لجميع الفتن، ومن ذلك أن النبي ﷺ: قال: إن أمتكم هذه جُعل عافيتها في أولها وسيصيب آخرها بلاء  نحن آخر الأمة الآن لا ريب، نحن آخر الأُمة، قال: إن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها وسيصيب  آخرها بلاء وأمور تنكرونها وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضاً وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحبّ أن يُزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر الإيمان القوي وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه  [رواه مسلم: 1844].

يعامل الناس بمثل ما يحب أن يعاملوه، والحديث في صحيح مسلم هذه الفتن التي يرقق بعضها بعضاً، الواحدة خفيفة بالنسبة لما بعدها، ويشبه بعضها بعضاً، ويدور بعضها في بعض، ويذهب ويجيء كما قيل في معاني هذا الحديث، ونوع رابع من أحاديث الفتن، تحذير خاص بفئة من الأمة خاص ببعض الفتن مثل ما قال النبي ﷺ مرة على أشرف على أطم من آطام المدينة وهي الحصون قال: هل ترون ما أرى؟ قالوا: لا، قال: فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر" يعني: المطر، فهذه لعلها إشارة إلى الحروب التي جرت بينهم، الفئة الخاصة التي حذرهم وهم أصحابه كوقعة الجمل وصفين والحرة ومقتل عثمان ومقتل الحسين -رضي الله عنهما-.

التحذير من الفتن آخر الزمن

00:16:04

وهناك فتن ورد التحذير فيها لهم ولمن بعدهم مما يكون في آخر الزمان، فقال عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: "كنا قعوداً عند رسول الله ﷺ فذكر الفتن فأكثر في ذكرها حتى ذكر فتنة الأحلاس، فقال قائل: يا رسول الله، وما فتنة الأحلاس؟ قال: هي هرب وحرب، ثم فتنة السراء، دخنها من تحت قدمي، رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني وليس مني، وإنما أوليائي المتقون، ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع ثم فتنة الدهيماء، لا تدع أحداً من هذه الأمة إلا لطمته لطمة فإذا قيل: انقضت تمادت، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً حتى يصير الناس إلى فسطاطين، فساط إيمان لا نفاق فيه، وفساط نفاق لا إيمان فيه، فإذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من يومه أو من غده  [رواه أبو داود: 4242، وصححه الألباني في المشكاة: 5403]. 

هذه الفتن تكون في آخر الزمان، هذه الفتن، الأحلاس، والدهيماء، والسراء، وصيرورة الناس في النهاية إلى معسكرين معسكر أهل إيمان لا نفاق فيه ومعسكر أهل نفاق لا إيمان فيه، ثم يخرج الدجال، هذه الفتن في آخر الزمان، وسنذكر من الضوابط المهمة في موضوع الفتن عدم الإسراع في تنزيل الأحاديث على الواقع وأن يقول الواحد: هذا هو المقصود، وهذا هو المقصود، فلا يدري، وتشتبه عليه الأمور ويجزم بأشياء قد لا تصح، لكن المقصود الآن هو التحذير من الفتن، التحذير من الفتن؛ سواء جاء وقتها أو ما جاء وقتها، انطبقت على الواقع أو ما انطبقت على الواقع، انطبقت جزئياً، انطبقت كلياً، المقصود أن سياق الأحاديث التي جاء بها الشارع إلينا لنعرف مدى الأمور، وعظم الخطر، ونحذر أشد الحذر، الأحلاس جمع حِلس، وهو الكساء الذي على ظهر البعير تحت القتب، شُبّهت الفتن به للزومها ودوامها وطول لبثها أو لسواد لونها وظلمتها ما هي؟ قال: هرب وحرب، يعني: يفر بعضهم من بعض لما بينهم من العداوة والمحاربة، وينهب الإنسان مال الإنسان الآخر ويتركه لا شيء له؛ لأن الحرب هو ذهاب المال والأهل، فتنة السراء يعني النعماء التي تسر الناس من الصحة والرخاء والعافية من البلاء والوباء، سميت بفتنة السراء لأن السراء هي سببها، ترتكب المعاصي بسبب كثرة النعم فهذه فتنة السراء، فتنة دخنها ظهورها وإثارتها شبهه بالدخان المرتفع من تحت قدمي رجل من أهل بيتي وإن كان من أهل بيته في النسب، لكن النبي ﷺ بريء منه، فهذا الرجل باعث على إقامتها، وليس مني ليس من أهلي، إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ  [هود: 46]، إنما أوليائي المتّقون، ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع  [رواه أحمد: 6168، وأبو داود: 4242، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 974]. يصطلحون على أمر واه لا نظام له ولا استقامة؛ لأن الورك لا يستقيم على الضلع ولا يتركب عليه، الورك ما فوق الفخذ، وهو كبير، والضلع دقيق، فكيف يستقيم الورك على الضلع؟ فيكون الوضع مهزوزاً جداً، ولذلك يصطلحون على شيء لا نظام له، وعلى أمر واه لا يثبت، وهذا الشخص يكون غير أهل للولاية لقلة علمه وخفّة رأيه، ثم تأتي بعد ذلك فتنة الدهيماء العظيمة والطامة العمياء، فهذه لا تدع أحداً إلا لطمته، لطمته وأصابته بمحنته ومسته ببلية، وأثرها يعم الناس، ويصل لكل واحد من ضررها ما يصل ،كلما قيل انقضت تماددت فلا تنتهي، استطالت واستمرت، من نتائج هذه الفتنة سرعت تقلب الناس إيماناً وكفراً، في الصباح مؤمن، وفي المساء كافر، في المساء مؤمن، وفي الصباح كافر، وهكذا، قيل: مؤمن لتحريمه دم أخيه وعرضه وماله، وكافر لتحليله ذلك، حتى ينقسم الناس إلى فسطاطين، فرقتين، وقيل: مدينتين، فسطاط إيمان لا نفاق فيه  لا في أصله ولا في فصله، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه  [رواه أحمد: 6168، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته: 4194].

وعند ذلك انتظروا الدجال من يومه، أو من غده، فإنه سيخرج لا محالة.

بعد هذا العرض لبعض أحاديث الفتن وأنواع هذه الأحاديث، ننتقل الآن لذكر بعض الفتن الواقعة في المسلمين ونتعرف على شيء من مظاهرها وأسبابها.

أولاً: فتنة الشرك والكفر وهذه أعظم الفتن على الإطلاق؛ لأنها تقتضي الخلود في النار قال تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة: 193]. يعني: لا يكون شرك، وقد بيّن الله أن أعداء المسلمين من اليهود والنصارى وغيرهم لن يهدأ لهم بال ولن يقر لهم قرار حتى يوقعوا المسلمين في الشرك والكفر، وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة: 217]. وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء: 89]. سواء في الكفر، فاحذروا منهم من أن يوقعوكم في الشرك، في الفتنة، في الكفر، لا تداهنوهم، ولا تصيروا كفاراً مثلهم،  وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ  [البقرة: 120]. وهذا بسبب حسدهم، وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ  لماذا؟  حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [البقرة: 109]. ولذلك حذّرنا الله من طاعة اليهود والنصارى إياكم إياكم، يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران: 100].  يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ [آل عمران: 149]. فهم يريدون المسلمين عن دينهم، وأن يلتحقوا بهم ويكونون معهم، وبالتالي تحصل الردّة العظيمة والكفر الشنيع.

والردّة لها صورتان، يعني دعوة الكفار للمسلمين للالتحاق بهم والانضمام إليهم وأن يكونوا مثلهم، يحدث بسببها لحوق كامل لقطعان من المسلمين بالكفار، ودخول حقيقي في دينهم، كما قال ﷺ: لا تقوم الساعة حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين  [رواه أبو داود: 4252، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته: 7418].

وهذه ردّة صريحة، ترك دين الإسلام، واعتناق ما عليه القوم، وهذه الردة إلى الكفر قد تكون لشبهة وقد تكون لشهوة قد تكون لفتنة وتخويف من الكفار.

النوع الثاني من الرِّدة غير اللحوق الكامل والاتباع الصريح: الرِّدة المبطّنة، وهي النفاق الأكبر بارتكاب شيء من نواقض الإسلام القولية والعملية، باللسان أو بالقلب أو بالجوارح، فيفتن الكفار المسلمين، فيوقعوا بعضهم في النفاق الأكبر، فيعتنقون ما عليه القوم، ولا يشترط أن يصبح المسلم يهودياً أو يصبح المسلم نصرانياً، وإنما يخرج المسلم عن دينه؛ بسبب فتنة الكفار لشهوة أو شُبْهة، يخرج عن دينه بالوقوع في أحد المكفّرات التي تخرج عن الدين وتنقض شهادة ألا إله إلا الله، وهذه كثيرة؛ كاعتقاد تحكيم غير الشريعة وفرضها على الناس، اعتقاد جواز التحاكم إلى غير الله، ومظاهرة المشركين على المسلمين، وأنواع من السحر، إلى آخر النواقض، قد يوقع الكفار المسلمين تحت هذا الضغط منهم في مكفّر من المكفّرات، فيلتحقون بهم وتحدث هذه الرّدة.

وقد حذّر النبي ﷺ من دعاة على أبواب جهنم يدعون إلى الشر رؤساء في الشر يرفعون ألوية الفتنة ويأتي إليهم الناس، وكم خرج من المسلمين من الإسلام والتحقوا بهذه الرايات القومية الجاهلية وغيرها، قال ﷺ: دُعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها  فقلت: يا رسول الله صِفهم لنا؟

قال: نعم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا [رواه البخاري رحمه الله: 7084]. وجزى الله حذيفة كل خير؛ لأنه حفظ لنا أحاديث لا يزال المسلمون يحتاجونها في كل وقت وحين.

ويُفتن قطعان من المسلمين وهمج ورعاع وأتباع يتبعون كل ناعق، فيمشون وراء هؤلاء حملة الألوية الجاهلية الذين يخرجونهم من الإسلام، ويقع الخلل العظيم مثل الولاء للكفار، أو البراءة من المسلمين، أو بعض ما عند المسلمين، شرك الخوف، شرك الرجاء، شرك المحبة، انعدام الثقة بالدين، الزعم بأن الشريعة لا تصلح لكل زمان ومكان، تطبيق الحدود وحشية، إلى آخر ذلك من الأشياء التي يقولونها، الدين في المسجد، ودع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله، والفصل بين الأمور، والإسلام لا يدخل إلا في الأحوال الشخصية و..و.. إلى آخره، من هذه الأطروحات الكثيرة التي تموج بها الساحة.

دور الجهل والهوى في حدوث الفتن

00:27:20

إن كل فتنة حدثت أو تحدث لهذه الأمة لا ينفك سببها عن أمرين، أو لا تنفك عن سببين رئيسين الأول: الجهل العظيم بدين الله، والثاني: الهوى المتبع، وذلك أخذاً من النصوص الشرعية، فلو كان هناك علم شرعي قوي ما يحصل الافتتان، لو كان هناك تجرُّد واتباع للحق لا يحصل الافتتان، ولكن المشكلة في الجهل واتباع الهوى.

تفنّن أعداء الدين من يهود ونصارى ومنافقين في صدّ المسلمين عن دينهم مستخدمين وسائل الترغيب بتزيين الشهوات والدعوة إليها تارة، وإبراز رؤوس الضلال وتكريمهم في شتى المحافل، أو بوسائل الترهيب من التعذيب والمحاربة والكيد وشتى أنواع الإيذاء، فيجب أن نتجرّد من الجهل واتباع الهوى، وأن نكون على علم واتباع للحق لكي ننجو من الفتن.

فتن الاقتتال بين المسلمين

00:28:26

من أنواع الفتن: فتن بين المسلمين القتال بين المسلمين هذا النوع من الفتنة ذكّره النبي ﷺ كما في احاديث الهرج، ولما أشرف على أطم المدينة، وقال ﷺ مبيناً كيفية التعامل مع هذا النوع من الفتن، ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن يشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعًذ به  [رواه البخاري: 3601، ومسلم: 2886].

الإشراف للشيء التطلع إليه والتعرض له تستشرفه الفتنة تقلبه وتصرعه، من وجد ملجأ عاصماً ومعاذاً يلتجئ إليه ويعتزل هذه، فليفعل ولا يتحرك في الفتن، هذا النوع الاقتتال بين المسلمين، ليس بين أهل سنة وأهل بدعة، وأهل شرك وأهل توحيد، لا، اقتتال بين مسلمين موحّدين، هذا النوع من الاقتتال لا تجوز المشاركة فيه ولا تحريك ساكن، وكلما كنت أبعد عن الحركة كلما كنت أحسن، ولو كنت مضطجعاً خير من أن تكون قاعداً، ولو كنت قاعداً خير من أن تكون واقفاً، ولو كنت واقفاً خير من أن تكون ماشياً، إذن، لا حركة في مثل هذا الحال والصحابة سألوا نبيهم ﷺ لما حذرهم من هذا النوع وقال لهم: من كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه ، يعني يترك البلد لا يدخل في المعركة التي بين المسلمين ومن كانت له أرض فليحلق بأرضه، قال رجل: يا رسول الله، أريت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض، لا يوجد ريف يهرب إليه ولا مزرعة ولا استراحة ولا شيء يهرب إليه، واضطر للبقاء في البلد والقتال بين المسلمين، ماذا يفعل؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حدِّه  بحجر ليصبح السيف معطلاً عن الاستعمال، ثم لينج إن استطاع النجاء 

يعني: يهرِّب بنفسه، لا يقاتل، لا يقتل، يهرب بنفسه؟

قال رجل: أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين فضربني رجل بسيفه أو يجيء سهم فيقتلني؟  قال: يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار  [رواه مسلم: 2887].

وقد وقع شيء مما أخبر به ﷺ، وهو الذي أخبرنا بأن الله خيّره بين ثلاثة أمور فاختار واحدة؛ لأنه لا بد من الاختيار؛ إما أن يسلّط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، أو أن يهلكهم بالقحط سنة عامة، أو أن يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً، فاختار النبي ﷺ الأخيرة؛ لكي لا يكون الفناء بأيدي الأعداء، وهذه أهون الأولى فيها ذل أكثر ومهانة أكثر لأنها بيد الأعداء، الاستباحة، فحصلت أشياء من الاقتتال بين المسلمين وأخبر النبي ﷺ أن السيف إذا وقع في الأمة لا يُرفع إلى قيام الساعة، فقال: وإذا وضع في أمتي السيف لم يُرفع عنهم إلى يوم القيامة [رواه أحمد: 17115، وأبو داود: 4252، وصححه الألباني في المشكاة: 5394].

وفتنة القتل بين المسلمين غير فتنة الاقتتال غير فتنة قتال الكفار للمسلمين، بينهما فرق كبير جداً جداً جداً، ولا يجوز الخلط بينهما بأي حال من الأحوال، والذي يظن أن هذه مثل هذه أفاك ضال زائغ جاهل، القتال بين الكفار والمسلمين يختلف تماماً في الأحكام عن القتال بين المسلمين والمسلمين، يختلف تماماً.

ولذلك فالنبي ﷺ أرشد في حال الاقتتال بين المسلمين إلى أشياء لا يمكن أن تُطبّق إطلاقاً عندما تكون المعركة بين الكفار والمسلمين، في حال الاقتتال بين المسلمين اعتزال الفتنة، والنجاة بالنفس، وعدم المشاركة في الفتنة، والهرب منها، والابتعاد عنها، إنها نتيجة اختلاط الأمور واضطرابها، حتى أن العقل يحار في القتال بين المسلمين مع من الحق؟ يحار، يفتِن، لكن لما يكون بين كفار ومسلمين القضية واضحة، ما في حيرة، لماذا ليس هناك ما يدعو إلى الاضطراب والتحير، إذن، مسألة القتال بين المسلمين حذّر منها النبي ﷺ وقال: إن بيني يدي الساعة هرج  قيل: وما الهرج؟ قال: الكذب والقتل  قالوا: أكثر مما نقتل الآن؟ لأننا نقتل من كفار قريش وغيرهم، قال: إنه ليس بقتلكم الكفار، ولكنه قتل بعضكم بعضاً، حتى يقتل الرجل جاره، ويقتل أخا،ه ويقتل عمّه ويقتل ابن عمه  قالوا: سبحان الله ومعنا عقولنا قال: لا إلا أنه ينزع عقول أهل ذلك الزمان حتى يحسب أحدكم أنه على شيء وليس على شيء"، والذي نفس محمد بيده لقد خشيتُ أن تدركني وإياكم تلك الأمور  [رواه أحمد: 19636، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 1682].

هذا الصحابي يقول الآن: "وما أجد لي ولكم منها مخرجاً فيما عهد إلينا نبينا ﷺ إلا أن نخرج منها كما دخلناها لم نحدث فيها شيئا" الراوي أبو موسى، وأخرجه الإمام أحمد، وهو في صحيح الجامع.

فتنة الفرقة والاختلاف

00:34:53

من أنواع الفتن: فتنة الفرقة والاختلاف، وقد أخبرنا النبي ﷺ عن هذه الفتنة بأن:  الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي الجماعة [رواه أبو داود: 4597، وأحمد: 16937، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته: 2641].

أخرجه الإمام أحمد وأبو داود، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهو حديث صحيح مشهور" [مجموع الفتاوى: 3/345].

هذا الاختلاف هو فتنة عظيمة، ولما سُئل الإمام مالك عن رجل أحرم قبل الميقات، فقال: أخاف عليه من الفتنة، فقد قال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  [النور: 63].  

قال السائل: وأيُّ فتنة في ذلك، وإنما هي زيادة امتثال في طاعة الله؟

السؤال: واحد يحرم قبل الميقات ما المشكلة زيادة امتثال سيمتنع عن  محظورات الإحرام مدة أكثر والعبادة تزيد.

قال مالك: "وأيّ فتنة أعظم من أن تظن أنك خُصصت بفعلٍ لم يفعله رسول الله؟" [مواهب الجليل في شرح مختصر خليل: 3/40]. أنك صرَت أفضل من النبي ﷺ ما أحرم قبل الميقات، فإذا ظننتَ أنك ستأتي بشيء تكون فيه أفضل من النبي ﷺ، هذه من أعظم الفتن، لن يصلح هذه الأمة إلا ما أصلح أولها" [مجموع الفتاوى: 20/375].

فتن النساء الكاسيات العاريات

00:36:36

من الفتن: فتن المعاصي والشهوات على اختلاف أنواعها وهذه أنواع فتنة النساء كما قال ﷺ :  اتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء  [رواه مسلم: 2742].

وهذه فتنة النساء بالشهوات الأجنبيات وفتنة الزوجات داخلة في فتنة النساء؛ لأنها تصرف زوجها عن طاعة الله.

وكذلك من الفتن: فتنة الكاسيات العاريات كما أخبر ﷺ عارية من الخير تكشف شيئاً من جسمها والجزء الباقي مغطى، تلبس أشياء رقيقة ضيقة تشف عما تحتها، أو تصف حجم عظامها وعورتها، فهن كاسيات عاريات مائلات متبخترات في مشيتهن، مميلات بالأكتاف، صاحبات المشطة المائلة، يجمع الشعر فوق الرأس فيميل هنا أو هنا، وهكذا يكن مائلات مميلات، لا يدخلن الجنة، يلفتن النظر بهذه المشطة المائلة وتجميع الشعر فوق الرأس، وهكذا يحصل بالكعب العالي بين الرجال والميلان واستمالة قلوب الرجال.

فتنة المال

00:37:52

فتنة المال من الفتن العظيمة  وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ  [الأنفال: 28].

وهذا المال خُضْرة حُلوة، ويمكن أن يحدث بسببه الفتنة العظيمة، فينحرف الناس عن الدين بسبب المال، يضلون بسبب المال، يتركون العبادات بسبب المال، يقعون في الحرام بسبب المال، وهذا رأيناه كثيراً في مجتمعاتنا اليوم أن هذه الأموال ألهت الناس عن العبادة، أن هذه الأموال جعلتهم يسافرون إلى بلاد الحرام يرتكبون الحرام، أن هذه الأموال مكنت كثيراً من الناس من فعل المعاصي وشراء أجهزة المعاصي والسفر إلى أماكن المعاصي ودفع أجور المعاصي، وهكذا حتى أجرة البغي بسبب وجود المال وهذه الفتنة تسبب الركون إلى الدنيا بالطبع وبالتالي تسلط الأعداء على هذه الأمة.

الموقف الشرعي من الفتن

00:38:57

لقد عرضنا الآن لأنواع من الفتن، فما هو الموقف منها؟ كيف نواجه الفتن؟ وكيف نواجه تسلُّط الكفار على المسلمين؟ كيف نواجه الاقتتال بين المسلمين؟ كيف نواجه النساء والأولاد؟ كيف نواجه سائر أنواع الفتن المذكورة؟ الآن فتنة التفرق والاختلاف، اشتباه الأمور، لا بد أن يكون هناك وسائل شرعية لنواجه بها الفتن.

أولًا: الموقف العام من جميع الفتن تجريد التوحيد لله رب العالمين، أن نؤمن بأن الله هو ربُّ الكون ومدبِّره، لا قوة في العالم تدبر إلا الله، وهؤلاء مهما بلغت قوتهم يخططون فيخطئون، ويريدون شيئاً فيصرفهم الله عنه ويفعلون شيئاً آخر، ويغيرون آراءهم، ويريدون أمراً فيخيبونه ولا يصيبونه، ويأملون فلا تتحقق آمالهم، أشياء كثيرة عندهم، مفاجآت يفاجؤون بأشياء لا يتوقعونها، لكن الله مدبِّر الأمور يعلم ما كان وما يكون وما سيكون والمستقبل والغيب وهو الذي يفعل ما يشاء، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة: 253]، فالله  إذا شاء أن يقتتلوا اقتتلوا، إذا شاء أن يحتجزوا احتجزوا بينهم ولم يقتلهم، يصرف الناس عن أشياء، يريدون أموراً فيفعلون أشياء أخرى ينقلب رأي الواحد بين يوم وليله، فلا بد بأن نعتقد بأن الله مدبّر الكون وهو ربه، وأنه لا يقع شيء إلا بإرادته،  كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ  [الرحمن: 29]. بيده الخلق والأمر، وبالتالي يصبح المؤمن في هذا الاعتقاد والإيمان واثقاً بالله، متوكلاً على الله يريد النصر من الله؛ لأن الله هو القوي، وهو الفعّال لما يريد، وليس الناس، مهما بلغت قوتهم، فعالون لما يريدون، فقد يريدون فعل شيء ولا يفعلونه، ولا يتمكنون منه، ويغيرون آراءهم، فعّال لما يريد ، وهو القوي العزيز، لا يمانع سبحانه وإذا قضى أمراً لا بد أن يكون، وعند ذلك يكون الاعتماد عليه والتوكل عليه، ويتحقق الإيمان بقضائه وقدره سبحانه، قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [التوبة: 51]. هذا الإيمان له أثر عظيم في النفوس، الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ  [آل عمران: 173]. خافوهم، فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ  يعني: يكفينا الله ونعم الوكيل الملجأ نلجأ إليه ونستعيذ به ونتوكل عليه، ما هي النتيجة لهذه العقيدة؟ هو إن ترسخت العقيدة هذه انحلت المشكلة  فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ  [آل عمران: 174]. ورجع الأعداء ولم يفعلوا شيئاً ويتفرغ القلب من المحبوبات إلا الله ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "حقيقة العبودية خلاص القلب من الفتنة، فلا تزول الفتنة عن القلب، إلا إذا كان دين العبد كله لله، فيكون حبه لله وبغضه لله، وموالاته لله ومعاداته لله، وهكذا يستكمل الإيمان العقيدة الصحيحة" [الزهد والورع والعبادة: 39].

ثانيا: التوبة والاستغفار والتسبيح، قال الله تعالى: فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ  [الصافات: 143، 144] فلو واحد قال: الآن تكالب الأعداء، سيطر الأعداء، نحن في محنة، نحن في بلية، ماذا نفعل؟ نقول: التسبيح  فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ .

قال العباس وعلي -رضي الله عنهما- : ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة.

فإذن، الاستغفار والتوبة إلى الله، لابد إذا نزلت الشدائد نفزع إلى الله ونتوب، وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ [الأنعام : 42].  فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  [الأنعام : 43]، فكانت النتيجة أن الله أخذهم بغتة.

قال شيخ الإسلام: "وإنما تفنى الفتنة بالاستغفار من الذنوب والعمل الصالح".

إذن، التسبيح والتوبة والاستغفار.

ثالثاً: الإكثار من العبادة والعمل الصالح في الشدائد، ماذا يفعل المسلم؟ قال ﷺ: العبادة في الهرج كهجرة إليّ  [رواه مسلم: 2948]. فدلّ كلامه على أمرين مهمين:

 الأمر الأول : الاشتغال بالشيء المثمر، لو واحد قال: أسقط في أيدينا، ماذا نفعل؟ العدو من حولنا، نحن الآن في أمر مريج، نقول في الفتن: دفعها بالأسباب المشروعة واللجوء إلى الله  بالعبادة، العبادة في الفتنة أجرها كالهجرة إلى النبي ﷺ في المدينة فيشتغل الإنسان بالشيء المثمر يلهج بذكر الله، ويحافظ على صلاته ويزيد فيها ويلح بالدعاء، ويفعل الصوم، ويحرص على أنواع العبادات وهذه الطاعات.

الأمر الثاني: وهو رجوع النفس إلى هدوئها نتيجة العبادة، هو ثمرة للأمر الأول، هذه الجرعات من الطاعات تهدئ بال الإنسان وتجعله يفكر بشكل صحيح، وتكون نفسه مطمئنة، ويكون عقله موفوراً، هذه الجرعات من الطاعات تهدئ بال الإنسان وتجعله يفكّر بشكل صحيح، وتكون نفسه مطمئنة، ويكون عقله موفوراً.

قال ابن القيم -رحمه الله- في زاد المهاجر: قال طلق بن حبيب: "إذا وقعت الفتنة فأطفئوها بالتقوى، قالوا: وما التقوى؟ قال: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله" [زاد المهاجر إلى ربه: 13].

رابعاً: الصبر، فإنه لا إيمان إلا بالصبر، وهذه الشدائد إذا جاءت، وهذه الفتن، قال الله تعالى فيها: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة : 155]  الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ  [البقرة : 156]. أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة : 157]. عندما يتسلّط اليهود على المسلمين، عندما يتسلط النصارى على المسلمين، عندما يتسلط الهندوس على المسلمين، عندما يتسلط أي كافر على المسلمين، ويقع في المسلمين بلاء، يقع فيهم مصائب، ما هو الشيء الذي يجعل أمة الإسلام تواصل مشوارها ولا تنهار؟ الصبر الصبر ، الصبر الذي أوصانا به النبي ﷺ وقال في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود: إن السعيد لمن جُنّب الفتن، ولمن ابتُلي فصبر فواهًا  [رواه أبو داود: 4263، وصححه الألباني في المشكاة: 5405]. "واهًا" تلهُّف وتحسُّر لمن باشر الفتنة وسعى فيها، وقيل: إعجابا واستطابة لمن صبر، والصابر في البلاء أو الفتنة كالسعيد الذي يجتنبها، كما قال بعض أهل العلم، يأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر  [رواه الترمذي: 2260، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته: 8002].

يعني: يوجد أحيانا أنواع من الفتن لا يملك الإنسان أن يدفع الأعداء ولا أن يردهم، يوجد أحياناً استضعاف يحدث لا يمكن معه قتال الأعداء ولا رفع السيف عليهم فماذا يفعل الإنسان المسلم في هذه الحالة؟ يصبر على دينه ويقبض عليه قال ﷺ موصياً إيانا ونحن في آخر الزمان، إن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن كقبض على الجمر للعامل فيها أجر خمسين  مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم، الصحابة قالوا: يا رسول الله، أجر خمسين منهم؟ قال:  أجر خمسين منكم  [رواه الترمذي: 2260، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 8002].

قال ابن القيم: "الفتن من صبر عليها كانت رحمة في حقه، ونجا بصبره تجاهها من فتنة أعظم منها، ومن لم يصبر وقع في فتنة أشد منها، وقال في قوله تعالى: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُون [الفرقان: 20].

أي: أتصبرون على البلاء".

الفتن تقسم الناس إلى صادق وكاذب، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ  [العنكبوت: 3].

فاصبر فإنك في النوازل رائد والدرب نعلم شائك وطويل
فالصبر روضات لأبناء الهدى وجنة الرحمن تلك سبيل

الصبر علاج الكثير من المشكلات المزمنة ولا بد.

الأناة والتروي عند نزول الفتن

00:49:42

ومن الأمور المهمة جداً عند نزول الفتن الأناة والتروي جداً جداً، الأناة والتروي وهذه نابعة من الصبر، هذا الخلق متفرع من الصبر، الأناة والتروي، قال ﷺ لأشج عبد القيس: إن فيك لخصلتين يحبهما الله، الحلم والأناة  [رواه مسلم: 17].

الحلم والأناة، هذه المسألة - مسألة الحلم والأناة - مسألة مع الأسف قليلة في الناس، الإنسان طُبع عجولاً، والذي يتحرى التمسك بالحلم والأناة يوقى شراً كثيراً، والنبي ﷺ في مكة في مرحلة الاستضعاف ما رفع السيف؛ لأنه يعلم أنه لا طاقة له بمقاتلة الأعداء، صبر، وهذا الصبر كان مهماً جداً في نجاح الدعوة.

وعندما مر على آل ياسر وهم يعذبون قال: صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة [رواه ابن هشام في السيرة1/319، الحاكم في المستدرك 3/432 واللفظ له، والبيهقي في شعب الإيمان 1631 وصححه  الألباني في تخريج فقه السيرة للغزالي ].   وقال موصياً أصحابه: اصبروا لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم  [رواه الترمذي: 2206، وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته: 7576]. 

وسنأتي على قضية الأناة والصبر هذه لأنها في غاية الأهمية خصوصا عندما تضطرب الأمور وتختل ويجب كذلك ترك التنازع والاختلاف لقوله تعالى:  وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال: 46]. ما أحوجنا عند وقوع الفتن أو هجمة الأعداء أو حصول الأزمة في الأمة ما أحوجنا إلى رأب الصدع واجتماع الصفوف وتآلف القلوب، ما أحوجنا إلى زوال الفرقة وذهاب البغضاء والحدود التي تفصل بعض المسلمين عن بعض، ونحن نعلم أن تسلط الأعداء علينا ليس سببه قوتهم المادية فقط، بل تفوقهم المادي، هذا لا يشكل شيئاً كبيراً بالنسبة لأشياء أخرى منها تفرقنا نحن واختلافنا وصرنا تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، أهل الكتاب وصفهم الله بهذا قال: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى  [الحشر: 14]. لما تابعت الأمة أهل الكتاب صارت قلوبهم شتى، صار هناك فرقة واختلاف، وإذا نظرت أحياناً إلى الاختلاف تجده على أمر تافه أو أمر قد يكون له حظ من النظر ووجه نظر لكن لا يستحق النتيجة التي آلت إليها الأمور، كشركاء في شركة اختلفوا على شيء ما وهذا الشيء له أهمية لكن تفرقوا كل واحد أخذ جهة ولا تستحق القضية هذا التفرق، مثل زوج وزوجته صار بينهما مشكلة ممكن يكون فيها خطأ واضح من أحد الطرفين لكن لا تستحق الطلاق والفرقة لأن الطلاق والفرقة أعظم وأسوأ وأشد وأخطر من الصبر على المشكلة، يقع بيننا نحن المسلمون هذا، تقع أخطاء من بعض الناس لكن ليست مبرراً، ولا يمكن أن يقال: إن الفرقة الحاصلة تساوي أو نتيجة صحيحة لهذا النوع من الخلاف، هناك أشياء يمكن حلها بالحوار والتعايش والتناصح والتباحث للوصول إلى الحق إلى آخره، أنا لا أتكلم على عامة المسلمين، على الدعاة سبب خطير لعدم الصمود أمام الفتن، والمسلمون إذا لم توحدهم الفتنة فما الذي يوحِّدهم؟ ولذلك قد يكون من حكمة الله أحياناً في بعض الأحداث التي تجري توحيد المسلمين، ربما يتناسون بعض الخلاف الذي بينهم، ولا أقصد الخلاف الأصلي في العقيدة؛ لأن الخلاف الأصلي في العقيدة هذا لا يمكن أن نتوحد معهم، يعني واحد مشرك يسمي نفسه مسلماً، والثاني: موحّد يقول: الآن الأعداء تكالبوا على الأمة وهناك هجمة شرسة نتوحد، لا، هذا يبدأ به أولاً، المرتد يبدأ به قبل الكافر الأصلي، لكن نتكلم عن المسلمين الذين هم في دائرة التوحيد الذين يمكن أن ينضم بعضهم إلى بعض، وأن يصلوا إلى الحق.

المشكلة أحياناً أن تجد القضية ما وصلت إلى البدعة، وإنما هي في إطار الاختلاف في أشياء من الفروع التي يسوغ الاختلاف فيها، لكن إذا دققت في القضية تجد أن المسألة وراءها حب رياسة، آفات نفسية، أو أشياء من الأمور التي تقدح  في الإخلاص، ونحو ذلك، فإذن، تجارة المنافقين تزدهر في سوق الخلاف بين المسلمين ويجب أن نفوت الفرص على هؤلاء الأعداء بأن تزول الفرقة وتحصل الوحدة بين المسلمين، وكل يسعى من طرفه، ومن أعظم الوسائل المعينة على الاتفاق حسن الخلق، من أعظم الوسائل المعينة على الاتفاق بين أفراد الأمة المختلفين حتى لو كانوا من الدعاة حسن الخلق والتعامل.

التفاؤل والثقة بنصر الله

00:56:53

من الأمور المهمة التي يجب أن نواجه بها الفتن التفاؤل والثقة المطلقة بنصر الله لأوليائه، والنبي ﷺ كان يحرص على تهدئة خواطر الناس، وعلى تهدئة الأمور، وعلى إشاعة الطمأنينة في المسلمين، فكان يقول بعدما يذهب لتفقد الجلبة والصوت المخيف يقول: لن تُراعوا لن تُراعوا [رواه البخاري: 6033].

إذن، فزع أهل المدينة ليلة فخرجوا نحو الصوت فإذا بالنبي ﷺ سبقهم واستجلى الخبر ورجع وقال: لن تراعوا لن تراعوا  ليس هناك شيء يخيف، لم يحصل شيء  لن تراعوا  نحتاج إلى ناس الآن يقولون للمسلمين: لن تراعوا، تهدئة المخاوف ليس ليناموا، هناك فرق مهم جدا أن تهدئ الأمور ليناموا، وأن تهدئ الأمور ليتمكنوا من العمل، نحن نريد تهدئة المخاوف لنتمكن من العمل، وليس تهدئة للنوم، التهدئة التي للنوم هذه لا نريدها لكن تهدئة ليتمكن المسلمون من العمل، لو هدأوا اشتغلوا بالدعوة على روية، لو هدأت الأمور طلبوا العلم، لو هدأوا عبدوا الله في المساجد، هذا المقصود.

إذن، هذه واحدة، قضية التهدئة تهدئة الخائفين لإشاعة روح الطمأنينة في الأمة بث التفاؤل فيها لأجل العمل، ليتمكنوا من العمل، وكذلك نبث الأحاديث التي فيها أن المستقبل لهذا الدين وكما قلنا سابقاً: النبي ﷺ كان يحدثهم بالمبشرات في أوقات حالكة جداً.

فعندما يأتي خبّاب يشتكي إليه أسياخ الحديد المحماة على ظهره ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ في شدة تعذيب المشركين للمسلمين يقول: والله ليتمنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب أو تسير الظعينة من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه  [رواه البخاري: 3612].

لما يأت وراءه سُراقة ليمسك به وبأبي بكر، ويقودهما إلى الكفار ويأخذ الجائزة التي وضعها الكفار، وبهذا الخوف، والنبي ﷺ هارب من مكة، ومع ذلك في هذه الحال يقول: كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟ [دلائل النبوة للبيهقي: 6/325]، هذه فيها قضية فتح المسلمين لبلاد الفرس واستيلائهم عليها، وفي حال الزلزلة الشديدة في الخندق واجتماع الأعداء والريح والبرد، والعدو من وراء ومن أمام واليهود والمنافقون، وزُلزل المسلمون زلزالاً شديداً، يضرب الصخرة يبشرهم بفتح الشام وفتح العراق وفتح اليمن.

إذن، النبي ﷺ كان يشيع روح التفاؤل والمستقبل للإسلام إذا ادلهمَّت الخطوب وعظُم الخطر، وأحدق الأعداء واجتمعوا، وظن الناس ألا مهرب واستيأسوا، وقالوا: متى نصر الله؟ إذن، هذه وظيفة الدعاة والخطباء وقادة الأمة، إشاعة التفاؤل بين المسلمين، وعندنا نصوص ووعود من الله وليس إبر مخدرة وهمية، لا، عندنا أشياء حقيقية، ونرى عبر التاريخ الإسلامي الأمة دخلت في أزمات شديدة جداً، التتر قتلوا ملايين، قضوا على عاصمة الخلافة، قضوا على الخليفة، قتلوا الخليفة وأولاده وزوجاته شر قتلة، وحطّموا معاقل المسلمين الكثيرة وداسوا مقدساتهم وأوغلوا في دماء المسلمين، ومع ذلك قام الدين، ما انتهت الأمة، قام الدين والحملات الصليبية، كما سفكوا في دماء المسلمين، كما استولوا على ديار للمسلمين.

وكذلك الباطنية والزنادقة كم قتلوا وخرّبوا ، لكن الأمة قامت ووقفت على رجليها واستمرت، وعجلة التاريخ في هذه الأمة مستمرة، ورجعوا مرة أخرى، ولما تجد هزيمة للمسلمين في الأندلس تجد فتح القسطنطينية من الناحية الأخرى،- الحمد لله- الأمة لا يمكن أن تُضرب من مجموعها ضربة واحدة لا تقوم، هذا محال، ترى هزيمة في أطراف وانتصارات في أطراف أخرى، حتى نحن الآن في الواقع الذي نعيش فيه نرى هزائم في موقع وانتصارات في مواقع أخرى، هناك ابتلاء للمسلمين في نواحي، وفي نواحي أخرى يوجد نتائج جيدة، إذن، قضية الاستدلال بالواقع القديم والحديث على أن تقول لأمة الإسلام: أبشروا وأمّلوا ما يسركم، تفاءلوا، ونتائج المستقبل في صالحنا، المستقبل والله في صالحنا، وأننا نحتاج لعمل لننتصر، ليس أن نقول كالصوفية: يا خائفين من التتر لوذوا بقبر أبي عمر، وندلّ الناس على طرق واهية وشركية وكفرية، لا، ليس أن ننفخ في الناس بانتظار خوارق ومعجزات، لا، وإنما نقول لهم: اصبروا واعملوا، اشتغلوا بالعمل، كل شيء يقوي الأمة، بالسلاح بالدعوة بالعلم  وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ  [الأنفال: 60]، إذن، إشاعة روح التفاؤل مقرونة بالعمل، مقرونة بالعطاء، وليست إبر مخدرة للقعود والنوم، هناك ثبات وصبر وتعامل مع الأحداث بالرضا، وبدفع ما يمكن دفعه، عندما تقع مصيبة، ماذا يفعل العاقل؟ يعالج آثار المصيبة، ينقذ ما يمكن إنقاذه، أما الإنسان اليائس القاعد لا يفعل شيئاً، ونحن مهما حصل من مذابح وقتل وتشريد وتخريب، لا بد أن نفعل الأسباب الشرعية لدفع المصائب النازلة بالأمة والفتن، إنقاذ ما يمكن إنقاذه، تقوية ما يمكن تقويته، إعادة إعمار ما يمكن إعماره، المحاولة في جمع الشتات الذين تفرقوا مرة أخرى، النبي ﷺ كيف عالج الأمور في غزوة أُحد لما نزلت الكارثة، وفي حنين؟  هلمّوا إليّ عباد الله  ورفع الراية: ويا عباس ناد الناس  ومعالجة الواقع، مهما كانت المصيبة كبيرة، هذه مسألة مهمة في الفتنة التي تقع من الكفار على المسلمين، لازم نتعامل مع القضية، نتعامل معها باسترداد ما يمكن استرداده وتعويض ما يمكن تعويضه وإعادة البناء، عمرو بن العاص مدح الروم الكفرة النصارى مدحهم على أشياء، قال: إنهم لأحلم الناس عند فتنة وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة وأوشكهم كرة بعد فرة وأمنعهم من ظلم الملوك [رواه مسلم: 2898].

إذا كان النصارى الكفرة الروم عندهم هذه الطباع والسجايا، أحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة  انظر كيف عمروا بلدانهم بعد الحرب العالمية الأولى والثانية بسرعة؟ نحن المسلمين أولى بهذا، إنهم لأحلم الناس عند فتنة وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة وأوشكهم كرة بعد فرة  وهذا ليس ثناء عليهم، ولكن ليبين للمسلمين أن بقاء الروم إلى آخر الزمان، كما أخبر النبي ﷺ بسبب هذا، عندهم حسن تعاطي مع الأشياء المادية، عندهم إدارة وتنظيم وتخطيط واستفادة من الموارد وتصنيع، وأخذ بأسباب القوة، نحن المسلمين يجب أن يكون عندنا أعظم من هذا؛ لأن عقيدة التوحيد التي عندنا تعني من ضمن ما تعني الأخذ بالأسباب، أين الأخذ بالأسباب؟ حتى لو نزلت المصيبة العظيمة في بلدان المسلمين، وتم اكتساح كثير من بلدان المسلمين، وتم تخريب كثير من بلدان المسلمين، وتم قتل ملايين المسلمين، ما انتهت الدنيا، ما انتهى الأمل، لا يزال يمكننا أن نعمل ،من مات ذهب شهيداً إلى ربه، والعاصي الفاسق ما حصل له من المصيبة في بيته وولده، ومزرعته وحيواناته ودوابه، كفارة له، وتستمر العجلة، لا يوجد شيء اسمه انتهينا، أبداً، تستمر العجلة ونأخذ بالأسباب الشرعية وننقذ ما يمكن إنقاذه، ونعيد التجميع مرة أخرى، ونعيد البناء ونكمل البناء، وهكذا، هذه عقيدة التوحيد التي تدفعنا إلى هذا مع الثقة المطلقة بالله ، وأن نصر الله آت لا محالة، ولكن ينبغي أن نكون على مستوى هذا النصر؛ لكي نكون أهلاً له أي أن نتعاطى أسبابه الجالبة له حتى نرزق به من الله .

دور الأخوة الإيمانية للتعاطي مع الفتن

01:07:43

وكذلك فإن تحقيق مبدأ الأخوة الإسلامية في أجلى صورها عامل مهم جداً للتعاطي مع الفتن؛ وخصوصاً عند هجمات الأعداء، وذلك بالولاء للمؤمنين وعدم إعانة الكافرين عليهم، وعدم تولي الكفار؛ لأن الله قال: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ [الممتحنة: 1].

وقال : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة: 51]. وظاهره تكفير المتولّي، ولذلك جعله الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- الناقض الثامن من نواقض الإسلام.

إذن، الأُخوّة الإسلامية مهمة في مواجهة فتنة الأعداء، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله [رواه البخاري: 2442، ومسلم: 2564]. كذلك يعينه ويؤازره ويشد عضُده، وينصره بما يستطيع بنفسه بماله برأيه بدعائه بما يستطيع، يقدّم لإخوانه المسلمين كل ما يستطيع، فهذا مما يفرضه الولاء للمؤمنين هذه مسألة مهمة جداً في مواجهة الفتن التي تكون من الأعداء، بأن يكون المسلمون كالجسد الواحد، ما يقع عليهم يقع علينا، وما يحدث لنا يحدث لهم، وهكذا شعور واحد نتألم لما  يؤلمهم ونفرح لما يفرحهم نفرح بانتصارهم ونألم لهزيمتهم وللمصاب الذي يقع عليهم.

أهمية النظر في عواقب الأمور زمن الفتن

01:09:43

من الأمور المهمة جداً في مواجهة الفتن، والفتن عامة، الآن نتكلم عن أشياء من الفتن بين المسلمين، وأشياء من الفتن التي تكون من الكفار ،وأشياء من الفتن التي تحدث بسبب الفُرقة والاختلاف، نحن نتكلم عن المعالجات متتالية النظر في عواقب الأمور، انتبهوا معي إلى هذه المسألة، وقد قلنا قبل قليل: الأناة والتروي، والآن جئنا إلى النقطة مرة أخرى، النظر في عواقب الأمور في زمن الفتن مهم جداً، فليس كل مقال يبدو لك حسناً أنه صحيح، وليس كل فعل يبدو لك حسناً فهو تقدم عليه وتفعله على أنه صحيح لا بد من التروي والنظر في عواقب الأمور.

أبو هريرة هناك أحاديث ما حدّث بها إلا خاصة من أصحابه، ما أذاعها بين الناس، وقال عن وعاء من أوعية العلم من هذا النوع: "لو بثثته قطع هذا البلعوم" [رواه البخاري: 120]. لم يحدث بها لأجل ألا تكون فتنة؛ خصوصاً عندما اجتمع الناس على معاوية بعد الفُرقة، أنس بن مالك لما حدّث بحديث العرنيين أنكر ذلك الحسن -رحمه الله-؛ لئلا يأخذها الحجاج فيعيث الدماء، ويقول: لو لم يضعها في هذا الموضع حتى لا يستغلها ذلك المجرم.

عثمان بن عفان لما حوصر، قام بعض الصحابة كعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وأبو هريرة يدافعون عن خليفتهم، ودفاع قتال يشهرون سيوفهم لأجل مقاتلة هؤلاء الثوار، لو تركهم عثمان دافعوا عنه، لكن ماذا كان سيحدث؟ يقتل هؤلاء ثم يقتل الخليفة؛ لأن المدافعين قلة مهما دافعوا لن يستطيعوا، رد هؤلاء الثوار، فنظر عثمان بحصافة رأيه وسعة أفقه وحِلمه وأناته وتدبره في عواقب الأمور، نظر إلى المآلات المترتبة على هذا، فأقسم عليهم بحق الخلافة والإمارة التي له عليهم أن يكفُّوا أيديهم وكل واحد ينطلق إلى منزله، فقال عثمان: "أُقسم على من لي عليه حقٌ أن يكفّ يده وأن ينطلق إلى منزله" لأنه لو تركهم يدافعون ستزيد الدماء في المسلمين، وما هي النتيجة؟ وفي النهاية سيُقتل، إذن، من النهاية لتوفر هذه الأرواح ويحافظ على هذه الشخصية، واختار أن يكون كخير ابني آدم.

إن من أشد ما يفسد في المسلمين التصرف بناء على ردود الأفعال، إن من أسوأ ما يمكن أن يحدث أن تفقدنا ردود الأفعال التوازن المطلوب، إن للمشاعر حقها في أن تغلي وتفور، أما الأفعال فلا بد أن تكون مزمومة بهدي الكتاب والسنة، ومقاصد الشرع وضوابط المصلحة الشرعية، وبعد الرجوع إلى أهل الرسوخ من الربانيين الورعين، الذين لا يجاملون لمصالح خاصة، ولا يتملقون ولا ينافقون، وإنما ينظرون بنور الله إلى مصلحة الدين ومصلحة الشريعة، فلا بد من كبح جماح الانفعالات بحيث لا تنتج اجتهادات ربما تجني على المسلمين وتفتُّ في عضدهم وتكون آثارها أسوأ وترجع بنا إلى الوراء، إن قضية التهور والطيش قد عانت منها الصحوة كثيراً، ولا يجوز لشاب أن يجعل من حماسه صهريج وقود يمكن أن يشعله أي عابث، والعبرة ليست بالتنفيس والتفريغ بأي طريقة، ولكن العبرة بتحقيق المصالح الشرعية ودرء المفاسد، وإن شرارة واحدة يمكن أن تؤجج ناراً، ولذلك كان لزاماً وبالذات على شباب المسلمين أن يتصرفوا بمسؤولية وانضباط شرعي، ليس تخاذلاً ولا نفاقاً ولا قعوداً عن الواجب الشرعي، ولا أن يتركوا لعقولهم أن تستغفل وتستخف، وإنما أن يفكروا بها لمصلحة هذا الدين، ولو قلت: إحداث فتنة بين المسلمين أحسن أو بقاء الأمور بين المسلمين هادئة، لا شك الثاني، ألم تر أن النبي ﷺ لما استتبت له الأمور بعد الحديبية تفرغ لدعوة عظيمة دخل فيها من الكفار في الإسلام أضعاف ما دخل على مدى ثلاثة عشر سنة في مكة وست سنوات في المدينة، يعني الذين دخلوا في الإسلام بعد الحديبية لما تفرغ المسلمون للدعوة في جو آمن هادئ وانتشرت إرساليات المسلمين الدعوية في الجزيرة بعدما أمنوا من الكفار حسب الاتفاقية التي صارت، التي كانت فتحاً مبيناً دخلوا الكفار أضعاف ما دخل من ذي قبل، إذن، من مصلحة الدعوة أن تكون في جو هادئ في المسلمين؛ لكي تنتشر وتستمر وإنما أن يفعل أي شيء يؤدي إلى اختلال الأمور واضطراب الأمن فليس ذلك من مصلحة الدعوة إطلاقاً، وإنما تظهر استعمال القوة أمام الكفار في المنازلة والمعركة وفي ساحات الجهاد ضد الكفار، أما أن تستعمل القوة بين المسلمين في إحداث فتنة وإشعال نار لا يدرى ما نهايتها فهذا أمر ليس من مصلحة الدعوة الإسلامية في شيء ولذلك فإن إظهار القوة على العدو بين الأعداء في ساحة المعركة هنالك تبلى الشجاعة وتظهر آثار التضحية والجهاد في سبيل الله، النبي عليه الصلاة والسلام كان حريصاً أن يؤمن المدينة ولا يكون فيها أي نوع من القلاقل والفتن أو اضطرابات إطلاقاً، أن يؤمن المدينة قاعدة الإسلام ولكن في ساحات الوغى قتل وقتال ورفع سيوف وسلّ رماح وإطلاق سهام والتحام صفوف وضربها من الأعداء، إذن في كل مكان يفعل ما يناسبه، ولذلك فإن ما يفعله بعض المندفعين من إثار الشرور  في بلد المسلمين وفتنة بين المسلمين ليس في مصلحة المسلمين في شيء، ومن سيكون وقودها؟ أليس المسلمون أنفسهم؟ لكن لو أنها كانت في ساحات الجهاد ضد الكفار فإن هذه الحماسة ستشعل المعركة ضد الكفار.

وينبغي كذلك الحذر من الإشاعات، في أوقات الفتن تنشط الدعاية وتكثر الإثارة ومن هنا يكون التمسك بالتثبت مطلباً شرعياً مهماً  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ  [الحجرات : 6].  كفى بالمرء إثماً أن يحدِّث بكل ما سمع  [رواه مسلم: 5].

فتنة الإشاعات قد تكون أكثر من فتنة السيف، الإشاعات ربما تخذّل أكثر من القوة إذا وقعت.

لما هاجر الصحابة من مكة إلى الحبشة كانوا في أمان في الحبشة، حصلت إشاعة أن كفار قريش في مكة أسلموا، هذه الإشاعة نتج عنها: أن بعض الصحابة رجعوا من الحبشة وتكبّدوا عناء الطريق، وتركوا المكان الآمن حتى وصلوا إلى مكة، فوجدوا الخبر غير صحيح، ولاقوا من صناديد قريش التعذيب، كل ذلك بسبب إشاعة.

في غزوة أُحد؛ لما قتل مصعب بن عمير وقتل حمزة أُشيع أن النبي ﷺ قُتِل، فساهم ذلك في إحباط كبير في المسلمين، وانهزم كثير منهم وانكفأوا ورجعوا بسبب الإشاعة.

حادثة الإفك، إشاعة، وبعض المسلمين روجوها وقعوا في حبائل المنافقين، نتج عنها من الإيذاء للبيت النبوي الشيء العظيم جداً، إذن، ليس كل ما طار خبر تلقفه من تلقفه ونشره؛ خصوصاً عندما يكون ضد المسلمين يفتُّ في عضُدهم، هذا الخبر يُكتم، ولا يُعلن، أما أن تشيع في الكفار فأشع ما شئت مما يفت في عضدهم، وهذا سلاح الإعلام قد استعمله النبي ﷺ في دفع حسان وكعب وعبد الله بن رواحة؛ لأن ينازلوا الكفار بألسنتهم وكانت تلك القصائد الشعرية أقوى من رمي ونضح بالنبل.

البعد عن مواطن الفتن

01:20:33

ومن الأمور المهمة في التعامل مع الفتن البعد عن مواطنها قال النبي ﷺ: إن السعيد لمن جنِّب الفتن  [رواه أبو داود: 4263، وصححه الألباني في المشكاة: 5405]. وقال: من سمع بالدجال فلينأ عنه، فو الله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث من الشبهات  [رواه أبو داود: 4319، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته: 6301]. ولذلك إذا كانت الفتنة العظيمة الشديدة التي لا طاقة في مواجهتها يفر الإنسان بنفسه، النجاة النجاة.

قال أبو الدرداء: "لا تقربوا الفتنة إذا حميت، ولا تعرضوا لها إذا عرضت، واضربوا أهلها إذا أقبلت".

هذه البعد عن مواطن للفتن للذي لا يقوى على مواجهتها واجب، لماذا قال السلف: لا تدخل على امرأة وإن قلت أعلّمها كتاب الله، ولا تصغ أذنك إلى صاحب بدعة وإن قلت: أرد عليه؟ لأن غير المتمكن والقادر يهلك، وعلى الإنسان المسلم إذن، إذا لم يقو على مواجهة فتنة أن يهرب منها، هذا العقل وهذه الحكمة.

عدم تنزيل أحاديث الفتن على أحداث معينة

01:21:57

وكذلك من التوجيهات المهمة في الفتن عدم الجزم بتنزيل بعض ما جاء من أحاديث الفتن على أحداث معينة في الواقع، ونجد في وقت الأزمات والفتن تكثر التفسيرات لبعض الأحاديث من بعض الناس وتنزيلها على الواقع، بمجرد الظنون والتوقعات والأوهام، بدون رجوع إلى شروح الأحاديث، بدون رجوع إلى أقوال العلماء، بدون رجوع إلى أهل العلم وطلبة العلم، تقول له: هل هذا الحديث ينطبق على الواقع أو لا؟ فبعض الناس يسرعون إلى تطبيقها على الواقع ويخرجون بنتائج من العجلة يحصل منها تكذيب، تشكك بعد ذلك، آثار سيئة، ويكفي في السوء أن تفسِّر كلام رسول الله ﷺ على غير مراده وإيراد أحاديث الفتن المقصود منها: التحذير منها، وليس بالضرورة أنك تنزّل هذا على الواقع، وتقول: هذه الأحلاس، هذه الدُّهيماء، هذه كذا، ما يدريك؟ قد تكون هي وقد لا تكون ولكن أنت تعرف كيف تتعامل معها؟ المهم أن تعرف كيف تتعامل معها؟ وأن تنازع القدر بالقدر، قدر الله النازل بالبلاء تنازعه بقدر الله الشرعي بالطاعة، فهذا يرد هذا ويخفف من أثر وقوعه.

ثم أيها الإخوة، الدعاء والتعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، الدعاء سنة النبيين في الأزمات وزاد المتقين عند نزول البلاء قال ﷺ:  تعوّذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن  [رواه مسلم: 2867].

وقال النبي ﷺ في دعائه: وإن أردت بعبادتك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون  أتاه ليلة آت من ربه ليعلمه هذه الكلمات [رواه الترمذي: 3233، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته: 59].

الفتن تكون بقيام ليل ودعاء صادق؛ لأنه قال:  من يوقظ صواحب الحجرات  [رواه البخاري: 1126].

 لما اطلع على نزول الفتن؛ من يوقظ صواحب الحجرات  لقيام الليل والتضرع بالدعاء وسؤال الله في وقت النزول الإلهي وسؤال الله التفريج على المسلمين والنصر للمسلمين والدعاء على الأعداء بالخذلان وتطبيق سنة القنوت في الصلاة كما قنت النبي ﷺ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "فسنّة رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين تدل على شيئين؛ أحدهما: أن دعاء القنوت مشروع عند السبب الذي يقتضي ليس بسنة دائمة في الصلاة وإنما إذا نزلت النازلة ووقعت المصيبة ووقع الشيء الذي يقتضي القنوت، الثاني: أن الدعاء في القنوت ليس دعاء راتباً يعني له ألفاظ معينة؟ لا ، بل يدعو في كل قنوت بالذي يناسبه، كما دعا النبي ﷺ أولاً وثانياً، وكما دعا عمر وعلي -رضي الله عنهم-، وهكذا" [مجموع الفتاوى: 23/109].

الحذر من الاعتماد على الرؤى

01:25:43

من التوجيهات المهمة في أوقات الأزمات الحذر من الاعتماد على الرؤى؛ لأنه عند شيوع الأحاديث العظيمة ووقع الأحاديث العظيمة تنتشر الرؤى، ويقول هذا: رأيت كذا، رأيت كذا، ثم تنتشر التعابير لهذه الرؤى، وربما تؤدي إلى أن بعض الناس يتصرفون بناء على الرؤى، وهذه كارثة إذا وصلنا إلى قضية تصرف بناء على الرؤى في غالب الأحيان، هذا منهج صوفي منحرف معروف، نحن نتصرف بناء على الكتاب والسنة والمصلحة الشرعية التي جاء بها الكتاب والسنة، تصرف بناء على دليل يا أخي، تصرف بناء على مصلحة الإسلام، تصرف بناء على فتوى أهل العلم الربانيين المتجردين الذين لا يخافون في الله لومة لائم، تصرف بناء على فتواهم، نعم، لكن على رؤيا؟، لا، فالحذر الحذر من قضية إشاعة المسألة وتضخيم القضية والاعتماد عليها، ولاحظوا أنها تنتشر عند حدوث الأمور العظام، نعم الرؤى جزء من النبوة لأن فيها شيء من الإخبار عن الغيب لكن من يعرف صدق الرائي أو صدق التعبير، الرسول ﷺ قال لأبي بكر الصديق:  أصبتَ بعضاً وأخطأتَ بعضاً  [رواه البخاري: 7046]، وهو أبو بكر الصديق فكيف بمن هو دونه من المفسرين والمعبرين للرؤى؟ أبو بكر الصديق نفُسه قال له:  أصبتَ بعضاً وأخطأت بعضاً  فهل يجوز أن نعتمد على رؤى وتفاسير بعض الناس لها؟ هي ممكن تبشر المؤمن بأشياء، طيب، ممكن الرؤية تشيع في نفسه الأمل، طيب، ممكن تحذّره من شر ينتبه يأخذ حذره أكثر، طيب، لكن بعض الناس يجعلون التصرفات العظيمة التخطيطات بناء على الرؤى، أيها الإخوة قلنا سابقا: إنه لا بد من التفريق بين الاقتتال بين المسلمين، وقتال المسلمين للكفار، وقتال أهل الحق لأهل الباطل، وابن تيمية -رحمه الله- له كلام نفيس جداً، لكن الوقت لا يسمح بإيراده الآن له كلام نفيس جداً جداً في الفرق بين قتال علي للخوارج في صفين وبين قتال الفتنة الذي حدث وقال في ضمن كلام طويل: "الصواب أن يفرّق بين هذا وهذا، وقال: "إن قتال علي للخوارج ثابت في النصوص الصحيحة باتفاق المسلمين، وأما يوم صفين صدّ عنه أكابر الصحابة والفتن، مثل الحروب التي تكون بين ملوك المسلمين وطوائف المسلمين، مع أن كل واحدة من الطائفتين ملتزمة بشرائع الإسلام، مثلما كان أهل الجمل وصفين، وإنما اقتتلوا لشبه وأمور عرضت، وجمهور أهل العلم يفرقون بين الخوارج المارقين وبين أهل الجمل وصفين، إلى آخر كلامه رحمه الله" [مجموع الفتاوى: 28/551].

وبالتالي لا بد يكون واضح جداً لدينا أن قتال الكفار وأهل الباطل للمشركين، هذا واضح جداً، وتُبذل فيه الأموال والدماء ترخص فيه؛ لأنه شهادة في سبيل الله وبين قضية قتال الافتتان بين المسلمين.

وكذلك فإننا لا بد أن نتذكر الالتفات حول أهل العلم وطلبته الربانيين، مفاتيح الخير مغاليق الشر، أهل الفقه في الدين والحكمة، وليس جبنا وتخاذلاً ونفاقاً، وإنما حكمة، ونظرا صحيحاً في المصالح الشرعية، ابن مسعود لما جاء التفوا حوله وجعلوا يسألونه عن الفتن، أبو موسى، وغيره من الصحابة، سطّر لنا التاريخ وقائع فيها بيان كيف التف التابعين حول الصحابة، كيف كانوا في الفتن الناس يلجؤون لمن ابن عباس وابن عمر، كان لهم مواقف عظيمة في الفتن التي كانت بين المسلمين، أهل العلم وتقوى وبصيرة، لا بد من النظر لأهل البصيرة الذين يتكلمون لمصلحة أهل الإسلام، لمصلحة الإسلام، لمصلحة المسلمين، وليس لأي شيء آخر.

لزوم جماعة المسلمين

01:30:33

وكذلك لزوم جماعة المسلمين وإن كانوا واحداً، ولذلك قال ابن مسعود: لو أن فقيهاً على رأس جبل لكان هو الجماعة، فقيه بالكتاب والسنة، لو كان على رأس جبل لكان هو الجماعة فلو كانوا قلة فإنهم يلزمون، وكذلك لا بد من الموازنة بين المصالح والمفاسد، ومراعاة المصلحة الشرعية، وأن الإنسان المسلم يفعل ما يفعل بعد دراسة وتأمل واستشارة، يا إخوان القضية مهمة جداً، دراسة وتأمل واستفتاء واستشارة، تفكير وتأمل واستشارة واستخارة واستفتاء، قضايا ليست سهلة في الفتن، اتخاذ القرار في الفتن من أصعب الأمور.

ولذلك إذا ما كان المسألة فيها تبيُّن تثبُّت استفتاء استشارة استخارة، تفكير في المصالح والمفاسد، النظر في العواقب مآلات الأمور، عدم تسرُّع وحكمة، وإلا والله شر مستطير.

فنسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الحكمة القائلين بالحق الثابتين في الفتن الصامدين أمام الأعداء والمنافقين عن دين الله، وأن يرزقنا الشهادة في سبيله، إنه سميع مجيب قريب، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.