الجمعة 25 ربيع الأوّل 1441 هـ :: 22 نوفمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

أصلحوا بين أخويكم


عناصر المادة
الخطبة الأولى
الناس يتناجون بالقليل والكثير وخيرها في الصلح بين المسلمين
عظيم الأجر لمن يصلح بين الناس محتسبا ذلك عند الله
تدخل الحكماء في الصلح خاصة بين الزوجين لأن الشيطان ينزغ بينهم
الحكمة في الإصلاح بين الناس
الخطبة الثانية
من أفضل القربات إلى الله الصلح بين القبائل والجماعات المتنازعة
مخالفة بعض الناس في عاداتهم لشرع الله تعالى في الصلح
الخطبة الأولى
00:00:05

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:

فيقول الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَسورة الأنفال 1 فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ أي: فاتقوا الله وأصلحوا في أموركم، وأصلحوا فيما بينكم، ولا تظالموا، ولا تخاصموا، ولا تشاجروا، هذا أمر من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين في إصلاح ما بينهم، فلا يستبوا، ولا يعتدي بعضهم على بعض وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ فإن الله يصلح عمل الصالحين، ولا يصلح عمل المفسدين.

الناس يتناجون بالقليل والكثير وخيرها في الصلح بين المسلمين
00:01:23

والناس يتناجون في الكثير والقليل، ولكن النجوى صالحة في أعمال معينة، قال عز وجل: لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًاسورة النساء 114. لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ أي: لا خير في كثير من كلام الناس، إلا من أمر بخير من صدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس.

وروى ابن مردويه رحمه الله تعالى عن محمد بن زيد قال: دخلنا على سفيان الثوري نعوده، فدخل علينا سعيد بن حسان فقال له الثوري: الحديث الذي كنت حدثتنيه عن أم صالح ردده علي، فقال: حدثتني أم صالح، عن صفية بنت شيبة، عن أم حبيبة قالت: قال رسول الله ﷺ: كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا أمراً بمعروف، أو نهياً عن منكر، أو ذكراً الله عز وجل فقال سفيان: " أما سمعت الله يقول: لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِسورة النساء 114فهو هذا بعينه، أوما سمعت قول الله عز وجل: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًاسورة النبأ 38فهو هذا بعينه، أوما سمعت الله يقول: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِسورة العصر 1-3فهو هذا بعينه. .

فلا خير في كلام الناس إلا في مثل هذه الأمور من الخير، ومنها الإصلاح بين الخلق، قال ﷺ: ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟  قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين  قال: وفساد ذات البين هي الحالقة، ليست تحلق الشعر، وإنما تحلق الدين وفساد ذات البين هي الحالقة . رواه أبو داود، والترمذي وقال: حسن صحيح.

عظيم الأجر لمن يصلح بين الناس محتسبا ذلك عند الله
00:04:06

 وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ  أي: من يصلح بين الناس محتسباً الأجر عند الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا سورة النساء 114.وثواباً جزيلاً، وقال سبحانه وتعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ * فَمَن بَدَّلَهُ من بدل الوصية بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌسورة البقرة 180-182. قال المفسرون: الجنف الخطأ، سواءً كان عمداً، أو سهواً، سواءً كان عن علم، أو عن جهل، كأن زاد وارثاً، أو باع أحد الورثة شيئاً محاباة، أو أوصى لابن بنته ليزيد البنت، ونحو ذلك من الوسائل، إما مخطئاً غير عامد، بل لشفقته، أو عامداً آثماً، فإن للوصي في هذه الحالة أن يصلح القضية، ويُعدّل في الوصية، على الأمر الشرعي؛ ليكون موافقاً للشرع، وهذا الإصلاح والتوفيق ليس من التبديل في شيء، فله أن يغير الوصية؛ ليصلح الحال، ويصلح ما بين الورثة على منهاج الله تعالى.

واعلموا رحمكم الله: أن بعض الناس قد يحلف أن لا يتدخل بين اثنين، مما يرى من المشكلات التي لحقته، فإن بعض الناس يجرب الإصلاح فيناله أذى، فيحلف بالله أن لا يتدخل مرة أخرى، فبماذا أشار ربنا في مثل هذا؟ قال عز وجل: وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌسورة البقرة 224لا تجعلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من البر، وصلة الرحم، والإصلاح بين الخلق، بل أصلحوا بين الخلق وإن حلفتم على عدم التدخل، وكفروا عن أيمانكم، كما جاء في الحديث الصحيح: إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها  وفي رواية: إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك .الحديث في الصحيحين.

 

تدخل الحكماء في الصلح خاصة بين الزوجين لأن الشيطان ينزغ بينهم
00:07:07

أيها المسلمون: بسبب نزغات الشيطان، وكثير من الماديات التي نعيش فيها، عمّ الفساد بين الناس، وصارت القطيعة، وكثرت المشكلات في المحاكم، والدعاوى، بسبب ما أحدثه الشيطان من النزغ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْسورة الإسراء 53. وهنا لا بد لأهل الحكمة، والعقل، والدين، من التدخل للإصلاح بين أفراد المجتمع؛ لأن ذلك باب عظيم من أبواب الأجر، لا يصلح المجتمع إلا به،

 

 

 إن هذه الطاعة العظيمة، التي ندبنا ربنا إليها إنما هو شأن عظيم، لا يجوز التفريط به، ولا يصلح أن يقول أحد: عليّ من نفسي ولا أتدخل بين الناس، بل تدخل بالخير، والإصلاح، لكن بالعلم والحكمة؛ لأن بعض الناس يفسدون أكثر مما يصلحون عند التدخل، وهذه من المصيبات العظيمة؛ لأنه يزيد الأمر سوءاً، لا بد من التدخل الحكيم، وخصوصاً بين الزوجين، وخصوصاً من أقارب الزوجين، عن سهل بن سعد قال: جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة، فلم يجد علياً في البيت، فقال: أين ابن عمك؟ قالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني، فخرج فلم يقل عندي -لم ينم القيلولة- وخرج من البيت، فقال رسول الله ﷺ لإنسان: انظر أين هو  فجاء فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله ﷺ على علي رضي الله عنه وهو مضطجع قد سقط رداءه عن شقه، وأصابه تراب، فجعل رسول الله ﷺ يمسحه عنه ويقول: قم أبا تراب، قم أبا تراب . رواه البخاري. فكانت تلك أحب الكنى إلى علي رضي الله عنه، أن ينادى بأبي تراب، وانظر إلى حكمته ﷺ في قوله: أين ابن عمك؟  ففيه إرشاد باستعطافها بذكر القرابة، استعطفها بذكر القرابة، ما قال: أين زوجك؟ قال: أين ابن عمك؟ ثم ذهب إليه ﷺ ومازح المغضب بما يحصل به تأنيسه، مازح المغضب بما يحصل به تأنيسه، ودارى صهره، وسكّن غضبه، ﷺ، دارى صهره، وسكّن غضبه، وأقامه، ومسح التراب عن ظهره؛ ليباسطه، وداعبه بالكنية المذكورة، ولم يعاتبه على مغاضبته لابنته، فيؤخذ من هذا كما قال العلماء: استحباب الرفق بالأصهار، وترك معاتبتهم؛ إبقاءً لمودتهم، هذا شأنه ﷺ في مثل هذه المسألة.

ومسألة أخرى من المسائل التي قد يحدث فيها خصومات، وبعض الناس يفسدون فيها أكثر مما يصلحون، الإصلاح بين الأقارب، الإصلاح بين الأقارب، لقد روى عوف بن مالك بن الطفيل، وهو ابن أخي عائشة زوج النبي ﷺ: أن عائشة حدثت أن عبد الله بن الزبير لما تولى قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة: والله لتنتهين عائشة، أو لأحجرن عليها، فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا: نعم، قالت: هو لله عليّ نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبداً، إن الصحابة بشر يقع ما يقع بينهم، فهو رأى باجتهاده أن تصرفها المالي غير صحيح، وهي استكبرت أن يقول ابن أخت عن خالته مثل هذه الكلمة، ولو كان خليفة، أو أميراً، فحصلت القطيعة بينهما، فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة، فقالت: لا والله، لا أشفع فيه أبداً ولا أتحنث إلى نذري، فلما طال ذلك على ابن الزبير، كلّم المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود، وهما من بني زهرة، أخوال النبي ﷺ، وقال لهما: أنشدكما بالله لما أدخلتماني على عائشة، فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي، فأقبل به المسور، وعبد الرحمن مشتملين بأرديتهما، أخفياه في الأردية، حتى استأذنا على عائشة، فقالا: السلام عليكِ ورحمة الله وبركاته، أندخل؟ قالت عائشة: ادخلوا، قالوا: كلنا، قالت: نعم، ادخلوا كلكم، ولا تعلم أن معهما ابن الزبير، فلما دخلوا، دخل ابن الزبير الحجاب، فاعتنق عائشة، وطفق يناشدها، ويبكي، وطفق المسور، وعبد الرحمن يناشدانها إلا ما كلمته، وقبلت منه، ويقولان: إن النبي ﷺ نهى عما قد علمت من الهجرة، فإنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ، فلما أكثروا على عائشة من التذكرة، والتحريج، طفقت تذكرهما نذرها، وتبكي، وتقول: إني نذرت والنذر شديد، فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير، وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها.. رواه البخاري رحمه الله.

هكذا فليكن الإصلاح بين الأقارب، الناس بشر، الناس يغضبون، الشيطان ينزغ بينهم، أوصانا الله فقال: وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْسورة الإسراء 53فقد يحصل ما يحصل، فهنا يكون دور أهل الحكمة، وأهل العقل أن يتدخلوا، وخصوصاً من الأقارب للإصلاح، لا يجوز أن يكون هناك بيوت من المسلمين متقاطعة، وأقارب لا يدخل بعضهم على بعض، ولا يذهب بعضهم إلى بعض في العيد، ولا في غيره، تقطعت بهم الأسباب في الدنيا، هذا حري أن تتقطع بهم في الآخرة إذن.

 

الحكمة في الإصلاح بين الناس
00:14:17

عباد الله: إننا لا بد أن نكون من أهل الحكمة في الإصلاح، انظروا إلى هذه القصة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي ﷺ: اشترى رجل من رجل عقاراً له فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب، فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني إنما اشتريت منك الأرض ولم أبتع منك الذهب  من أمانته، من تحريه قال: إنما اشتريت منك الأرض ولم أبتع منك الذهب، وقال الذي له الأرض ولم يكن على علم بما فيها  وقال الذي له الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها ؛ من أمانته أيضاً، أين هذا الكلام؟ أين مثل هذه الحالة في هذا الزمان؟  فتحاكما إلى رجل فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ قال أحدهما: لي غلام، وقال الآخر: لي جارية - بنت –قال: أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا على أنفسهما منه وتصدقا انكحا الغلام الجارية وأنفقا عليهما منه، وتصدقا، فهكذا أشار الرجل الحكيم، بهذه الإشارة العظيمة، اذهبا فزوج ابنتك من ابن هذا، وجهزوهما من هذا المال، وادفعا إليهما ما بقي يعيشان به، هكذا إذاً تكون الحكمة.

عباد الله: بين الناس خصومات اليوم في الديون، وما أكثر الديون، والاستلافات، من الذي لم يقترض، ويستلف، والناس ما بين مقرض، ومقترض، وتحصل بسبب الديون منازعات، وهنا يتدخل أهل العلم، والحكمة للإصلاح بين المقرض، والمقترض، عن عبد الله بن كعب، أن كعب بن مالك أخبره: أنه تقاضى ابن أبي حدرد ديناً كان له عليه، في عهد رسول الله ﷺ -طالبه بالمال في المسجد- فارتفعت أصواتهما، حتى سمعها رسول الله ﷺ، وهو في بيت، فخرج رسول الله ﷺ إليهما، حتى كشف ﷺ سجف حجرته، –هذا الستر الذي على الباب– فنادى كعب بن مالك، فقال: يا كعب  قال: لبيك يا رسول الله، فأشار بيده، يعني ضع الشطر، ذاك ليس عنده كل المال، ضع الشطر، فقال كعب: قد فعلت يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ للآخر: قم فاقضه . قم الآن فاقضه رواه البخاري.

وقد يكون بالوعظ، يوعظ صاحب المال لعله يتراجع، ويُذكّر بالأجر، عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: سمع رسول الله ﷺ صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما، وإذا أحدهما يستوضع الآخر، ويسترفقه في شيء، -يطلب منه التنازل عن بعض الدين، وأن يرحم حاله- وهو يقول – أي صاحب المال -: لا والله لا أفعل، لا والله لا أفعل، فخرج عليهما رسول الله ﷺ، فقال: أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟ أين المقسم الحالف بالله أن لا يفعل المعروف؟ أين الحالف أن لا يتنازل؟ أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟  فقال: أنا يا رسول الله، وله أيّ ذلك أحب..لقد اتعظ الرجل. رواه البخاري. اتعظ الرجل وتراجع عن موقفه عندما وعظه النبي ﷺ، المسألة إذاً أيها الأخوة: تحتاج إلى حكمة في القيام بهذا الدور العظيم.

نسال الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يصلحون ذات بينهم، اللهم إنا نسألك أن ترفع الشحناء لإخواننا من قلوبنا، أصلح ذات بيننا، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا إخوة فيك متحابين، اللهم أدم المودة بين قلوبنا لبعضنا، يا أرحم الراحمين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

وأوسعوا لإخوانكم يوسع الله لكم.

الخطبة الثانية
00:19:18

الحمد لله الذي لا إله إلا هو، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، أشهد أنه لا إله إلا هو الله الحي القيوم، ذو الجلال والإكرام، الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون، وأشهد أن محمداً رسول الله ﷺ، السراج المنير، والبشير، والنذير، عليه الصلاة والسلام، وعلى من صحبه، وعلى آله، وذريته، ومن تبعه إلى يوم الدين.

 

من أفضل القربات إلى الله الصلح بين القبائل والجماعات المتنازعة
00:19:50

عباد الله: إذا كان الإصلاح بين الأفراد أجره عظيم، وخطره جسيم، وشأنه مهم، فإن الإصلاح بين الجماعات، والقبائل المتنازعة، والمتخاصمة من أفضل القربات، أعظم وأعظم؛ لأن مصلحته أشمل وأعم.

 

إذا كان الإصلاح بين الأفراد أجره عظيم، وخطره جسيم، وشأنه مهم، فإن الإصلاح بين الجماعات، والقبائل المتنازعة، والمتخاصمة من أفضل القربات، أعظم وأعظم؛ لأن مصلحته أشمل وأعم.

 

عن أنس رضي الله عنه قال: قيل للنبي ﷺ: لو أتيت عبد الله بن أبي، فانطلق إليه النبي ﷺ وركب حماراً، فانطلق المسلمون يمشون معه، وهي أرض سبخة، فلما أتاه النبي ﷺ قال المنافق: إليك عني، والله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار منهم: والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحاً منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه فشتمه، فغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال، -وكان من أصحاب، وكان من أقارب، وكان من قبيلة المنافق أناس مسلمون- فبلغنا أنها أنزلت: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَاسورة الحجرات 9رواه البخاري.

وعن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه: أن أناساً من بني عمرو بن عوف كان بينهم شيء، فخرج إليهم النبي ﷺ في أناس من أصحابه يصلح بينهم، مجموعة، خرجت مجموعة، أناس، ومن الوجهاء يخرجون للصلح، فحضرت الصلاة، ولم يأتِ النبي ﷺ، تأخر بسبب الصلح، تأخر عن العودة إلى مسجده، وعن صلاة الجماعة، فجاء بلال فأذن بلال بالصلاة، ولم يأت النبي ﷺ، فجاء إلى أبي بكر فقال: إن النبي ﷺ حبس، وقد حضرت الصلاة، فهل لك أن تأم الناس، فقال: نعم إن شئت، فأقام الصلاة، فتقدم أبو بكر، ثم جاء النبي ﷺ يمشي يشق الصفوف ﷺ، حتى قام في الصف الأول.. وأخبر ﷺ أن أناساً من المسلمين اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فقال: اذهبوا بنا نصلح بينهم . رواه البخاري. هكذا قال لأصحابه: قوموا لنصلح بينهم، لهذا الباب العظيم من أبواب الأجر، ولسد الطريق على أهل العداوة للمسلمين، فإنه لا أقر لأعين الكفار من وجود العداوات بين المسلمين، وقد كان أجر الحسن ابن علي رضي الله عنه عظيماً، وقد قال فيه النبي ﷺ: ابني هذا سيد  قال عن الحسن: ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين . وهكذا كان، فأصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، وتنازل عن الخلافة لله وفي الله، حتى تجتمع كلمة المسلمين، وحتى تضع الحرب أوزارها، ويتوقف إراقة الدماء، هذا بين المسلمين، بين المسلمين هكذا يكون الصلح.

أيها الإخوة: إنه ﷺ مع تغليظه في الكذب، وتشديده فيه، وذكر وزره، وتقبيح شأنه، إلا أنه رخص فيه؛ لأجل الإصلاح بين الناس، وقال ﷺ: ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً . رواه البخاري ينمي: أي يبلّغ الحديث على وجه الإصلاح، وطلب الخير، ونمّى: أي بلغه على سبيل الإفساد والشر، وهي النميمة، ينمي بدون تشديد، هو نقل الكلام للإصلاح، وقد يزيد فيه، وقد ينقص منه؛ لأجل الإصلاح، وإزالة ما في النفوس، ويخبر عما علمه من الخير، ويسكت عما علمه من الشر، يحذف مقاطع، وربما زاد شيئاً؛ لأجل الإصلاح بين المتخاصمين، هذه إحدى الثلاث المشهورة من رؤوس الخير التي يجوز الكذب فيها.

 

مخالفة بعض الناس في عاداتهم لشرع الله تعالى في الصلح
00:24:36

أيها المسلمون: إن بعض الناس درجوا في بعض عاداتهم، وتقاليدهم الجاهلية، على عمل صلح لا يجوز؛ لمخالفته لشرع الله عز وجل، فيصلحون بين بعض الناس على أشياء محرمة، أو يلزمون بعض الناس بأشياء ما جاءت في الشريعة، أو يعتقد بعض المتخاصمين المتحاكمين إلى هذا الرجل العظيم فيهم أن كلامه لا يسعهم الخروج عنه، كالشرع المنزل، وقاضي المحكمة الذي يحكم بالقرآن والسنة، ولا شك أن هذه جاهلية لا تجوز، ولذلك فإذا قيل: إنهم قد اتفقوا على أن يذبح فلان لفلان، فإن كان صلحاً يسترضيه به، تراضوا عليه فلا بأس بذلك، وأما إن اعتقدوا أنه كالشرع المنزل، لا يسعهم الخروج عنه، وأن شيخ القبيلة منزلته كالقاضي الشرعي الذي يحكم فيهم، لا يجوز مخالفة حكمه، وأن من خالف تقاطعه القبيلة بأسرها، فهذا حكم جاهلي، وكفر، وشرك مخرج عن الملة، لا يجوز عمله ولا القيام به، لكن لو أشار كبيرهم، أو مقدمهم، أو المتقدم في السن فيهم، على المتخاصمين بصلح، أو وليمة يقيمها المعتدي للمعتدى عليه، يكرمه بها، يحضرها وجوه الناس، لا على سبيل الإلزام، كالشرع المنزل، وإنما على سبيل الاقتراح للإصلاح، فلا بأس بذلك، وإنما الأعمال بالنيات.

قال ابن القيم رحمه الله: "فالصلح الجائز بين المسلمين هو الذي يعتمد فيه رضا الله سبحانه وتعالى، ورضا الخصمين، فهذا أعدل الصلح، وأحقه، وهو يعتمد العلم، والعدل، فيكون المصلح عالماً بالوقائع".

هذا أول شرط: "أن يكون عالماً بالوقائع"؛ لأن الجاهل بما دار بين المتخاصمين كيف يقضي؟ وكيف يحكم؟ وكيف يصلح؟ فيكون المصلح عالماً بالوقائع، عارفاً بالواجب؛ لأن بعض الناس يصلحون بما حرم الله، وربما اقترح على مرابي إعادة جدولة الديون، وجدولة الديون ملعون فاعله؛ لأن جدولة الديون: هو إعادة توزيع الربا على مدة أطول، وربما زاد في الربا، إعادة جدولة الديون حرب على الله ورسوله، ولذلك بعض الناس يصلح بما حرمته الشريعة، ويقترح أموراً نص الكتاب والسنة على تحريمها.

قال: فيكون المصلح عالماً بالوقائع، عارفاً بالواجب، قاصداً للعدل، قاصداً للعدل، وهكذا يجب أن يكون المصلح بين الزوجين:فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا سورة النساء 35حسب النية، إذا كانت نيتهما خالصة جاء التوفيق، بناء على ذلك: إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا.

"عارفاً بالواجب، قاصداً للعدل، فدرجة هذا أفضل من درجة الصائم القائم" الذي يصلح بهذه الطريقة درجته أفضل من درجة الصائم القائم، هكذا أيها الأخوة يكون الأمر في هذه القضية العظيمة، صلح لا يحرم حلالاً ولا يحل حراماً.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يطهر قلوبنا من الغل والحقد والشحناء والبغضاء، اللهم اجعلنا سلماً لأوليائك، حرباً على أعدائك، نحب من أحببت، ونبغض من أبغضت، اللهم اجعلنا أخوة متآلفين، اللهم اجعلنا من أوليائك وحزبك المفلحين، اللهم اجعلنا أشداء على أعدائك رحماء فيما بيننا.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.