الأحد 4 جمادى الأولى 1444 هـ :: 27 نوفمبر 2022 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

مراجعة النفس على المنهج


عناصر المادة
محاسبة النفس ومراجعتها
اكتشاف الخطأ المنهجي أصعب من اكتشاف الخطأ العملي
الرجوع إلى الحق شجاعة
الأسباب الباعثة على المراجعة المنهجية
رجوع للحق بعد ظهور الدليل المخالف لما عليه الإنسان
الرجوع للحق بعد سماع نصٍ شرعيٍ لم يسمعه من قبل
نماذج من مراجعة النفس على المنهج
الرجوع للحق بسبب المناظرات والمناقشات العلمية
الرجوع للحق بسبب النصيحة وإنكار المنكر
الرجوع للحق بسبب اختلاف النظر والفكر نتيجة تقدم العمر
الرجوع إلى فهم السلف
مراجعة المنهج بسبب رؤية الآثار السيئة التي ترتبت على المنهج الذي انتهجه الإنسان
الرجوع للحق نتيجة لحظة صفاء وتفكر ويقظة الإيمان في القلب
مراجعة النفس على المنهج بعد وقفة تأمل في الكتاب والسنة
عبودية الله لا تنافي عمارة الأرض

الحمد لله الذي قال في محكم التنزيل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر: 18].

والصلاة والسلام على البشير النذير، الذي دعانا لمحاسبة أنفسنا، وأن نتفقدها، وأن نصلح قلوبنا، فصلاح القلب بمراجعة النفس، وفساده بإهمالها والاسترسال معها.

محاسبة النفس ومراجعتها

00:00:45

ومحاسبة النفس والوقوف معها ومراجعتها مطلب مهم لكل مسلم، والعبد مسؤول محاسب عن حواسه؛ كما قال تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً  [الإسراء: 36].

فحقيق إذًا أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش الحساب.

وهذه المحاسبة لا بد أن تكون شاملة لمعتقده وإيمانه، وعمله، لرؤيته ومنهجه، لسلوكه وطريقته، وما يكون في حياته كلها حتى في كسبه ومعاشه.

والكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاقل من نظر في أمره اليوم، فأصلح الخلل قبل أن يقدم على الرب ، فإن كان ما عليه حق ازداد تمسكاً به، وإن كان ما عليه باطل تراجع عنه، واستدرك ما فاته، ولحق بدرب أهل الفلاح.

فالتأمل والتفكر والنظر والمقارنة والموازنة كلها مبنية على العلم الشرعي من الكتاب والسنة الذي بناء عليه يعرف العبد إلى أين يسير، وأين يقف، وما هو حاله.

فلا بد من ميزان للمراجعة والمحاسبة: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا" [سنن الترمذي: 4/638، ورقم: 2459]، فهذه المحاسبة واجبة لا بد منها، وإلا فإن الندم هو المصير.

وأول ما يحاسب الإنسان نفسه عليه ويراجع هذه النفس هو العقيدة التي يعتقدها وما يؤمن به.

اكتشاف الخطأ المنهجي أصعب من اكتشاف الخطأ العملي

00:02:48

المنهج -يا عباد الله- مراجعة النفس على المنهج، ماذا نعتقد؟ وإلى أين نسير؟ ما هي طريقتنا؟ وهذه الأشياء القلبية وهذه العلميات الموجودة لدينا، هل هي صحيحة؟

إن اكتشاف الخطأ المنهجي أصعب بكثير من اكتشاف الخطأ العملي، والخلل المنهجي يقود إلى التمادي في الخطأ العملي، بل إن الخطأ في المنهج علاجه في غاية الصعوبة، ولكن هذا لا يعفي الإنسان من استمراره في النظر والتدبر؛ ليعرف حاله.

أما مجرد التقليد لأشياء، والاحتجاج بقول فلان وفلان، ومذهب: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ [الزخرف: 23] لا شك أن هذا لا يصح، ولا ينبغي للإنسان إذا ظهر له الحق أن يمنعه عن مراجعة الحق مانع من خجل أو خوف أو فراق أحبة، فالحق أحق أن يتبع؛ لأن المسألة في النهاية جنة أو نار، والإنسان خطاء بطبعه خلق عجولاً مذنباً غير معصوم، فلا بد أن يراجع نفسه بين الحين والحين  كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون [رواه الترمذي: 2499، وابن ماجه: 4251، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 3139]، والوقوع في الخطأ لا يخلو منه إنسان، ولكن الشأن في الرجوع عنه عند ظهور الصواب، وعدم التمادي في الباطل؛ لأن الرجوع إلى الحق فضيلة.

وبعض الناس عندهم نوع من الصدق والعلم والتقوى، ولكن تحصل لهم انحرافات بحسب ما شاب صدقهم وعلمهم وتقواهم من البدعة والانحراف والجهل والشبه، وما انطلى عليهم مما يقذف إليهم وخصوصاً اليوم في عصر الفضائيات والشبكات.

الرجوع إلى الحق شجاعة

00:05:11

الرجوع إلى الحق شجاعة، واحترام للنفس التي خلقها الله والعقل الذي وهبه الله لنا، وطاعة الله فوق كل طاعة، والعظماء الذين يرجعون إلى الحق إذا تبين لهم خطؤهم، كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري عندما ولاه قضاء اليمن: "لا يمنعنك قضاء قضيته راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل" [رواه البيهقي: 10/252، والدار قطني: 5/367].

قال ابن رجب -رحمه الله-: "كان أئمة السلف المجمع على علمهم وفضلهم يقبلون الحق ممن أورده عليهم وإن كان صغيراً، ويوصون أصحابهم وأتباعهم بقبول الحق إذا ظهر في غير قولهم" [الفرق بين النصيحة والتعيير، ص: 8].

والثبات على الباطل بعد معرفة الحق دليل على ضعف العقل وسقوط الهمة، وقد حفل التاريخ بنماذج من المراجعات التي أعقبتها التراجعات إلى الحق، الرجوع إلى الحق؛ لأننا سنتحدث عن بعض التراجعات إلى الخلف، والرجوع إلى الباطل.

الأسباب الباعثة على المراجعة المنهجية

00:06:36

ما هي الأسباب التي تدعو إلى المراجعة المنهجية؟ مراجعة العقيدة والإيمان، وما تؤمن به من العلميات؟

رجوع للحق بعد ظهور الدليل المخالف لما عليه الإنسان

00:06:44

أولاً: ظهور الدليل المخالف الذي يثبت بطلان ما عليه الإنسان، ولما نصح وناظر وناقش ابن عباس الخوارج الحرورية، رجع كثير منهم، اجتمع معهم في دار وهم ستة آلاف، وكان قد استأذن علياً بالخروج، فقال له علي: إني أخاف عليك، قال: كلا، فخرج إليهم لابساً حلته، وصار بينه وبينهم النقاش المعروف، وكانت المناقشات في قضية الحكم لله، ومسألة الحكم، وهل الحكم إذا أصلح بين الطرفين يكون خارجاً عن حكم الله؟ وبين لهم أن الأمر ليس كذلك، وسرد عليهم الآيات؛ لأنه كان عندهم شبهة أن الذي حكم في الصلح وحكم ورجع علي إلى قوله أخذ بحكمه أن عليا في هذه الحالة قد خرج عن حكم الله، فبين لهم أن المصلح إذا حكم لا يكون محكماً لغير شرع الله، بل من تحكيم شرع الله أن يكون هنالك حكم يصلح بين المتنازعين، وقال لهم: أنا أقرأ عليكم ما قد رد حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم في أرنب ونحوها من الصيد، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ  إلى قوله:  يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ [المائدة: 95]، فناشدتكم بالله أحكم الرجال في أرنب ونحوها من الصيد أفضل أم حكمهم في دمائهم وإصلاح ذات بينهم؟ وفي المرأة وزوجها قال الله : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا  [النساء: 35]، فجعل الله حكم الرجال سنة ماضية، أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم، قال: وأما قولكم قاتل فلم يسب ولم يغنم، يقصدون علياً ، أتسبون أمكم عائشة ثم تستحلون منها ما يستحل من غيرها، فلئن فعلتم لقد كفرتم وهي أمكم، ولئن قلتم: ليست بأمنا لقد كفرتم؛ فإن الله -تعالى- يقول: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب: 6]، فأنتم تدورون بين ضلالتين أيهما صرتم إليها صرتم إلى ضلالة، فنظر بعضهم إلى بعض، قلت: أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم، وأما قولكم: محا نفسه من أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين، ثم سرد عليهم قصة الحديبية وأن النبي ﷺ لما أصرت قريش على أن يمحو من الصحيفة محمد رسول الله، قال: امح يا علي، وقال: أنا رسول الله وإن كذبتموني، أفخرجت من هذه؟ قالوا: نعم، قال عبد الله بن عباس: فرجع من القوم ألفان، وقتل سائرهم على ضلالة [والحديث رواه الطبراني: 10598، وقال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح"].

إذن، قد يكون عند بعض الناس معتقدات أو آراء مثل معتقد الخوارج في قضية تكفير عامة المسلمين، أو تكفير من حكم في صلح بين طرفين، يقول: أنت تحكم بغير ما أنزل الله، والأخذ به كفر، فتزول الشبهة بالمناقشة.

الرجوع للحق بعد سماع نصٍ شرعيٍ لم يسمعه من قبل

00:10:18

والإنسان قد يرجع إلى الحق لسماعه نصاً شرعياً لم يكن سمعه من قبل، كما في قصة يزيد الفقير وهو من التابعين الثقات كان في بداية أمره يرى رأي الخوارج أن أصحاب الكبائر يخلدون في النار، ولا يخرج منها من دخلها، وقد روى مسلم -رحمه الله- في صحيحه سبب رجوع هذا الرجل بسماعه حديثاً صحيحاً عن النبي ﷺ؛ فعن محمد بن أبي أيوب قال: حدثني يزيد الفقير، قال: "كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج، فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد أن نحج، ثم نخرج على الناس" يعني أول نحج ثم نخرج "فمررنا على المدينة فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم جالس إلى سارية عن رسول الله ﷺ" يعني يحدث "فإذا هو قد ذكر الجهنميين، وهم الناس الذين يدخلون جهنم من أهل الكبائر، ثم يخرجون منها بعد ذلك وقد احترقوا، فقلت له: يا صاحب رسول الله ﷺ: ما هذا الذي تحدثون؟" لأن رأي الخوارج الذي يدخل النار ما يخرج منها، حتى لو كان عنده إيمان، ما دام مرتكباً كبيرة يدخل ولا يخرج "فقلت له: يا صاحب رسول الله ﷺ ما هذا الذي تحدثون، والله يقول: إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ  [آل عمران: 192]، وقال:  كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا [الحـج: 22]؟ فما هذا الذي تقولون؟ فقال: أتقرأ القرآن؟" يعني تحفظه، "قلت: نعم، قال: فهل سمعت بمقام محمد يعني الذي يبعثه الله فيه: عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا [الإسراء: 79]؟ قلت: نعم، قال: فهل سمعت بمقام محمد الذي يبعثه الله فيه؟ قلت: نعم، قال: فإنه مقام محمد ﷺ المحمود الذي يخرج الله به من يخرج" يعني من النار، "قال: ثم نعت وضع الصراط، يعني على طرفي جهنم ومر الناس عليه، وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك غير أنه قد زعم أن قوماً يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها، فيخرجون كأنهم عيدان السماسم" والسماسم جمع سمسم وهو المعروف وعيدانه تراها إذا قلعت وتركت في الشمس ليؤخذ حبها صارت هذه العيدان دقاقاً سوداً كأنها محترقة، فشبه بها هؤلاء أهل الكبائر الذين أخرجوا من النار؛ لأن عندهم أصل الإيمان وعندهم توحيد، فأخرجوا بعدما عذبوا وقد احترقوا، شبههم في الحديث كأنهم عيدان السماسم، قال: "فيدخلون نهراً من أنهار الجنة، فيغتسلون فيه فيخرجون كأنهم القراطيس"، والقراطيس الصحيفة التي يكتب فيها، شبههم بالقراطيس لشدة بياضهم بعد اغتسالهم وزوال ما كان عليهم من السواد؛ لأن الورقة أصلاً بيضاء قبل أن يكتب فيها شيء، فقلنا: "ويحكم أترون الشيخ يكذب على رسول الله ﷺ؟" يعني هؤلاء النفر من الخوارج بعدما سمعوا كلام الصحابي بين بعضهم البعض، قال بعضهم لبعض: "ويحكم أترون الشيخ يكذب على رسول الله ﷺ؟" [رواه مسلم: 191].

وهذا الحديث يثبت لنا فيه أن قوماً يخرجون من النار بعدما دخلوها، وأن هناك من يدخل ويخرج، وهناك من يدخل ولا يخرج: وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر: 48]، كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا [الحـج: 22] الكفار الذين ليس معهم أصل الإيمان، ولا معهم توحيد، قال: فرجعنا، انظر كيف تراجعوا عن الباطل، ودخلوا الحق، قال: "فلا والله ما خرج منا غير رجل واحد" [رواه مسلم: 191]، هذا الذي يا ويله لم يوفق ولم يهتد!

نماذج من مراجعة النفس على المنهج

00:14:37

من الذين حصل لهم مراجعة النفس على المنهج: نعيم بن حماد -رحمه الله-، قال عنه الذهبي: الإمام العلامة الحافظ أبو عبد الله الخزاعي المروزي الفرضي صاحب التصانيف كان جهمياً، فتاب ورجع، صار من أئمة أهل السنة، وكان يذكر ذلك ويبين مفاسد منهجهم.

وقال صالح بن مسمار: سمعت نعيم بن حماد يقول: "أنا كنت جهمياً، فلذلك عرفت كلامهم" كنت معهم، أجلس معهم، أقرأ كتبهم، أسمع مقالاتهم، أعرفهم، "فلما طلبت الحديث" للسنة اتجه، وصار يطلب حديث النبي ﷺ ومعانيه وشروحه "عرفت أن أمرهم يرجع إلى التعطيل" يعطلون أسماء الله وصفاته [سير أعلام النبلاء: 10/597].

ولم يكتف رحمه الله بذلك بالرجوع، بل وضع ثلاثة عشر كتاباً في الرد على الجهمية.

ولم يرجع إلى الحق فقط، بل مات مدافعاً عنه ثابتاً عليه.

وفي "سير أعلام النبلاء" "أخذ نعيم بن حماد في أيام المحنة" يعني محنة خلق القرآن "سنة مائتين وأربعة وعشرين للهجرة، وألقوه في السجن، ومات في سنة مائتين وتسع وعشرين، وأوصى أن يدفن في قيوده، وقال: إني مخاصم" [سير أعلام النبلاء: 10/610] يعني عند الله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون، هؤلاء يختصمون عند الله، والله يحكم بين الفريقين: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ  [الحـج: 19].

الرجوع للحق بسبب المناظرات والمناقشات العلمية

00:16:17

ثانياً: قد يرجع الإنسان للحق بسبب بعض المناظرات والمناقشات العلمية، كما في رجوع أبي الحسن الأشعري -رحمه الله- عن منهج الاعتزال.

أبو الحسن الأشعري -رحمه الله- كان له رجوع على مراحل، فرجع عن بدعة كبيرة، وبقيت عنده أشياء، ثم تدرج به الحال إلى الأحسن، لكن أول رجوع كان هو معتزلياً، وحدث له نقاش بعد ما فتح الله عليه فتحاً في مسألة القضاء والقدر، فناقش شيخه الضال أبا علي الجبائي شيخ المعتزلة، وكان موضوع المناظرة مسألة فعل الأصلح للعباد التي أوجبها المعتزلة على الله ، يعني أنهم يوجبون على الله فعل الأصلح للعباد، والله يقدر ما يشاء، فيهدي قوماً ويضل قوماً، والمعتزلة لا يوافقون على أن الله يقدر الضلال على قوم.

ونحن أهل السنة نعتقد أن الله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ولكن من الذي يضله عز وجل؟ الذي اختار الضلال: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: 5] أما شخص يريد الحق، وسلك سبيله، وعرف من القرآن والسنة، وأخذ بالأسباب، فالله لا يضله، الله رحيم، وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى  [فصلت: 17] هديناهم بما أرسلنا إليهم من صالح والوحي الذي معه، لكن هم اختاروا الضلال، فكتب الله عليهم الضلال وأخذهم بالعذاب، المعتزلة من ضلالهم يقولون: يجب على الله أن يفعل الأصلح للعباد، ولذلك لما صارت المناقشة رجع أبو الحسن الأشعري، قال له أبو الحسن للجبائي قال: ما تقول في ثلاثة أخوة أحدهم كان براً مؤمناً تقياً، والثاني كافراً فاسقاً شقياً، والثالث كان صبياً، فماتوا فيكف حالهم؟ قال الجبائي: أما الزاهد ففي الدرجات، ماشي، وأما الكافر ففي الدركات، ماشي، وأما الصغير فمن أهل السلامة، فقال له الأشعري: إن أراد الصغير أن يذهب إلى درجات الزاهد هل يؤذن له؟ فقال الجبائي: لا، لأنه يقال له: أخوك إنما وصل إلى هذه الدرجات بعطائه الكثير، وليس لك تلك الطاعات، أنت ما عملت مثله، الفن في المناظرة أن يأتي الواحد بالمسلمات، المتفق عليها، فقال الأشعري: فإن قال الصغير: ذلك التقصير ليس مني، فإنك ما أبقيتني ولا أقدرتني على الطاعة، هذه الآن الدخلة، الله يفعل ما يشاء ولا أحد يوم القيامة يسأل يقول: ليش فعلت لي؟ ولماذا قدرت علي؟ وليش أخذتني صغيراً؟ ولماذا؟ لا يسأل عما يفعل، لكن في النقاش أورد أبو الحسن على الجبائي هذه القضية، قال: طيب لو قال الصغير: أنا أيش ذنبي يعني أخذتني صغيراً، وما تركتني أعمل بالطاعات حتى أصير في تلك المنازل العالية؟ فقال الجبائي: يقول الباري -عز وجل- كنت أعلم لو بقيت لعصيت، وصرت مستحقاً للعذاب الأليم، فراعيت مصلحتك، الآن الضربة القاضية، قال الأشعري: فلو قال الأخ الأكبر: يا إله العالمين كما علمت حاله، يعني هذا الصغير، فقد علمت حالي، فلم راعيت مصلحته دوني؟ يعني أنت أخذته صغيراً قبل أن ينحرف راعيت مصلحته، ليش خليتني أنا أكبر وأنحرف وأروح جهنم؟ فانقطع الجبائي ولا كلمة، وقال للأشعري: أنت مجنون، فقال أبو الحسن: لا، بل وقف حمار الشيخ في العقبة. والقصة في وفيات الأعيان: 4/267، وطبقات السبكي: 3/ 356، وسير أعلام النبلاء: 14/184، وأوردها أهل السنة في مصنفاتهم.

فإذن، الضلال في قضية يعني يجب على الله أن يفعل الأصلح لعباده، ويوجبون على الله، وبعد ذلك يقولون: وهذا الضال والكافر خلق فعله بنفسه، والله ما خلق أفعال العباد إلى آخر الضلالات، قال ابن العماد -رحمه الله- معلقاً على هذه المناظرة: وفي هذه المناظرة دلالة على أن الله -تعالى- خص من شاء برحمته واختص آخر بعذابه، والله يعلم من الذي يستحق جنته، ومن الذي يستحق ناره.

بعد هذه المناظرة غاب أبو الحسن عن الناس في بيته خمسة عشر يوماً، ثم خرج إلى جامع البصرة، فصعد المنبر وقال: معاشر الناس إني تغيبت عنكم هذه المدة لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة، ولم يترجح عندي حق على باطل، ولا باطل على حق، فاستهديت الله -تبارك وتعالى- فهداني إلى اعتقاد ما أودعت في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده كمن انخلعت من ثوبي هذا، وانخلع من ثوب كان عليه، ورمى به، ودفع الكتب إلى الناس [طبقات الشافعية الكبرى، للسبكي: 3/347- 348].

قال الحافظ الذهبي -رحمه الله-: وبلغنا أن أبا الحسن تاب وصعد منبر البصرة، وقال: إني كنت أقول بخلق القرآن، وأن الله لا يرى بالأبصار، وأن الشر فعلي ليس بقدر، يعني الله ما يخلق الأفعال هذه، وإني تائب معتقد الرد على المعتزلة [سير أعلام النبلاء: 15/89].

كم بقي في الاعتزال؟ أربعين سنة، قال صاحب تبيين كذب المفتري: وكان لهم إماماً، المعتزلة، أربعين سنة، ثم أخذ يرد على المعتزلة ويهتك عوارهم كما ذكر الذهبي [سير أعلام النبلاء: 15/86].

-طبعاً- أبو الحسن الأشعري -رحمه الله- انتقل في توبته إلى مراحل من المعتزلة إلى الكلابية، يعني لم يصفُ المنهج تماماً، لكن تحسن ثم تدريجياً انتقل إلى منهج أهل السنة، وبين في بعض كتبه أنه على عقيدة الإمام أحمد -رحمه الله-، وأنه تخلى عن منهج الأشاعرة.

منهج الأشاعرة فيه تقارب بينه وبين الماتريدية، والكلابية أيضاً منهج قريب من منهج هؤلاء.

ومن الرجوع إلى الحق في المنهج بسبب المناظرة: ما حصل للخليفة العباسي الواثق بالله فقد ترك امتحان الناس في القول بخلق القرآن بسبب مناظرة جرت بين يديه، وكان الناس امتحنوا أيام المأمون والمعتصم طبعاً والواثق، لكن ما الذي جعل الواثق يتراجع ويتوقف عن امتحان الناس، وقتل أو سجن من يخالف عقيدة المعتزلة في القول بخلق القرآن؟ السبب كان مناظرة مشهورة، وتغني شهرتها عن أسانيدها، عن طاهر بن خلف قال: سمعت المهتدي بالله ابن الواثق يقول: كان أبي إذا أراد أن يقتل أحداً أحضرنا ذلك المجلس، فأتي بشيخ مخضوب مقيد من أهل السنة يقول: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، فقال أبي: إيذنوا لأبي عبد الله وأصحابه، يعني تعال يا ابن أبي دؤاد ومن معك من أصحابك لمناقشة هذا الضال حتى تقيم عليه الحجة ونقتله، قال: فأدخل الشيخ، يعني المقيد، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، قال: لا سلم الله عليك، ابن أبي دؤاد الوزير الفاسد الضال هيمن على الخليفة كما أضل قبله من فتن الناس بالقول بخلق القرآن، فخلاص تشبعت؛ لأن الجلساء والمحيطين والحاشية لا شك أن لهم تأثيراً لأنهم مع الإنسان باستمرار، ولذلك هذا الشيخ جاء يقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين، مباشرة: لا سلم الله عليك، قال يا أمير المؤمنين: بئس ما أدبك مؤدبك، قال الله -تعالى-: وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء: 86]، والله ما حييتني بها، ولا بأحسن منها، قال ابن أبي دؤاد: الرجل متكلم خله علينا، قال: كلمه، قال: يا شيخ ما تقول في القرآن؟ قال الشيخ: لم تنصفني، ولي السؤال، قال: سل، قال: ما تقول في القرآن؟ قال ابن أبي دؤاد: مخلوق، قال الشيخ: هذا شيء علمه النبي ﷺ وأبو بكر وعمر والخلفاء الراشدون أم شيء لم يعلموه؟ أن القرآن مخلوق، طبعاً مشكلة إذا قال: علموه، لأنه سيقول: وليش ما بلغوا؟ فابن أبي دؤاد اختار أن يقول أيش؟ شيء لم يعلموه، فقال: -سبحان الله- شيء لم يعلمه النبي ﷺ علمته أنت؟ فخجل، قال: أقلني، نرجع خطوة تكفى، نرجع للوراء، قال: المسألة بحالها ما تقول في القرآن؟ فقال: مخلوق، نرجع من أول، فقال: هذا شيء علمه النبي ﷺ وأبو بكر وعمر والخلفاء الراشدون أم شيء لم يعلموه؟ قال: نعم، علموه، قال: علموه ولم يدعوا الناس إليه، قال: نعم، قال: أفلا وسعك كما وسعهم؟ يعني ليش ما سكت إذا كان ما دعوا الناس إليه؟ ليش أنت تدعو الناس إليه وتسفك دماءنا؟ نحن نتعلم من السلف حتى كيفية النقاشات، ليس عندنا آلية أو طريقة أو منهج سليم في المناظرات، ولا كان كثير من أهل البدع اهتدوا، لما قال: أفلا وسعك ما وسعهم؟ الآن من الذي يحكي القصة؟ ابن الواثق، قال: فقام أبي فدخل مجلساً، واستلقى وهو يقول: شيء لم يعلمه النبي ﷺ ولا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ولا الخلفاء الراشدون علمته أنت؟ -سبحان الله- شيء علموه ولم يدعوا الناس إليه أفلا وسعك ما وسعهم؟ قال: ثم أمر برفع قيوده، وأن يعطى أربعمائة دينار، ويؤذن له في الرجوع يعني إلى بلده وأهله، وسقط من عينه ابن أبي دؤاد، ولم يمتحن بعدها أحداً.

القصة في السير، والبداية والنهاية، وقال الذهبي: "هذه قصة مليحة"، وعلق على إسنادها، قال: "ولها شاهد" [ينظر: سير أعلام النبلاء: 11/313، والبداية والنهاية: 10/354]، فمات الواثق وقد تاب عن القول بخلق القرآن، وبويع بعده الخليفة المتوكل الذي نصر الله به السنة وأظهرها، وكشف به الغمة، فشكره الناس على ما فعل.

لكن الدرس: إن الناس بقوا موالين للحق، العامة بقوا موالين للحق، الأكثرية مع الحق، يعني كان هذا ومن معه ابن أبي داؤد والذين فتنوا بالقوة، والذين فتنوا بالمال والأعطيات، والشلة الخربانة، أهل الفساد هؤلاء، أهل الضلال في العقيدة الذين كانوا يحيطون بالمأمون ومن بعده، ولا البقية جسم الأمة بقي سليماً بسبب ثبات أئمة أهل السنة مع قلة من ظهر ثبوته، لكن كان فيهم خير وبركة عظيمة على الناس، الناس كانوا ينتظرون الفرج، ظالم متغلب ومعه أهل سوء، ويمتحنون الناس وبالقوة، وكان الناس ينتظرون الفرج، يعني حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر، يعني لو جاء قضاء الله بالموت على صالح يستريح، على فاجر يستراح منه، لكن المهم أن يبقى الناس على الحق ثابتين، على المنهج الصحيح صامدين.

الرجوع للحق بسبب النصيحة وإنكار المنكر

00:28:17

وقد يرجع الإنسان بسبب إنكار الناس عليه ونصيحتهم له؛ فهذا ابن عقيل أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي قال عنه الذهبي: الإمام العلامة البحر شيخ الحنابلة كان يتوقد ذكاء، وكان بحر معارف، وكنز فضائل، لم يكن له في زمانه نظير على بدعته [سير أعلام النبلاء: 19/ 443 - 445] كانوا ينهونه عن مجالسة المعتزلة ويأبى حتى وقع في حبائلهم، وتجسر على تأويل النصوص -نسأل الله السلامة-.

إذن، الذي كان يخالط المعتزلة، والمعتزلة يقدمون العقل على النص، في كثير من الأحيان كان يخرب، ويسمون أنفسهم بالعقلانيين، والآن يسمون أنفسهم بالعصرانيين والتنويريين والتجديديين، وإلى آخره، هؤلاء أفراخ المعتزلة الأوائل، ابن عقيل -رحمه الله- جالسهم، فوقع في حبائلهم، وتجسر على ما تجسر عليه، ثم إنه رحمه الله ندم على هذا، وتراجع عنه، ولم يمنعه انتشار صيته، ومعرفة الناس بهم من الاعتراف بالخطأ على الملأ، وقد كتب تراجعه، وأشهد عليه، فحضر في مسجد الشريف أبي جعفر، وحضر في ذلك اليوم خلق كثير، وفي هذه المراجعة يقول علناً؛ لأنه ما يكفي واحد يتراجع سراً، جاهر بالبدعة وجاهر بالباطل والضلال على الملأ، وبرامج ومقالات، ثم سراً يقول: أنا تراجعت وأنا تبت، لا، لأن الله قال: إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ  [البقرة: 160]، وهذا البيان يعني الجهر بالرجوع؛ لأن من تبعك على الباطل يجب أن يعلم رجوعك؛ لتقام عليه الحجة، أما تضل الناس وتتراجع سراً، لا تكفي في التوبة: تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ  [البقرة: 160] قال: فحضر في مسجد الشريف أبي جعفر وحضر في ذلك اليوم خلق كثير، وفي هذه المراجعة يقول: إنني أبرأ إلى الله -تعالى- من مذاهب المبتدعة الاعتزال وغيره، ومن صحبة أربابه، وتعظيم أصحابه، والترحم على أسلافهم، والتكثر بأخلاقهم، وما كنت علقته ووجد بخطي من مذاهبهم وضلالاتهم فأنا تائب إلى الله من كتابته وقراءته، وقد كان سيدنا الشريف أبو جعفر ومن معه من الشيوخ والأتباع سادتي وإخواني مصيبين في الإنكار علي، لما شاهدوه بخطي في الكتب التي أبرأ إلى الله -تعالى- منها، وأتحقق أني كنت مخطئا غير مصيب وأشهدت الله -تعالى- وملائكته وأولي العلم على جميع ذلك غير مجبر ولا مكره، وباطني وظاهري في ذلك سواء.

وقائع هذه التوبة مذكورة في كتاب: "تحريم النظر في كتب الكلام" للإمام ابن قدامة المقدسي صاحب كتاب: المغني [ينظر: تحريم النظر في كتب الكلام: /33- 34].

كذلك القاضي عبيد الله بن الحسن العنبري، كان من ثقات أهل الحديث، ومن كبار العلماء والعارفين بالسنة، لكن ظهرت له عبارة فقام العلماء وأنكروا عليه، قال: كل مجتهد من أهل الأديان مصيب، فقام العلماء وذكروا هذا كفر، إن هذه عبارة كفر، لأنك تعذر اليهودي والنصراني والبوذي والهندوسي، وكل مجتهد مصيب، كل مجتهد صاحب دين مصيب، وهذه مصيبة، وهذا الذي يقوله اليوم هؤلاء الضلال الزنادقة المنافقون اليوم فيما يذكرونه في مقالاتهم أن أصحاب أهل الأديان كلهم مؤمنون، وإنما المؤمنون إخوة، أفيكون الذي يقول: إن الله تزوج مريم وأنجب عيسى مؤمناً؟ أفيكون الذين قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، وسبوا الله، ويد الله مغلولة، أفيكون المجتهد فيهم في يهوديته مصيباً؟

ذكر الشاطبي في الاعتصام: أن هذا الرجل رجع عن هذه المقولة لما تبين له الصواب، وقال: "أرجع وأنا من الأصاغر، ولأن أكون ذنباً في الحق، أحب إلي أن أكون رأساً في الباطل" والقصة في كتاب الاعتصام للشاطبي، ص: 196].

الرجوع للحق بسبب اختلاف النظر والفكر نتيجة تقدم العمر

00:32:43

رابعاً: من أسباب مراجعة النفس على المنهج: اختلاف النظر والفكر نتيجة تقدم العمر؛ لأن الإنسان كلما اقترب من القبر كان أصدق مع نفسه، وقد يوفقه الله للتوبة، إذا اقترب من القبر قد يوفقه الله للتوبة، ويكون عنده من زيادة الخبرة وترك مرحلة الطيش والعجلة والتسرع والدخول في الكهولة والتجربة وما بعدها، أحياناً يكون هذا سبباً في التوبة، قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "وتجد عامة هؤلاء الخارجين عن منهاج السلف من المتكلمة والمتصوفة يعترف بذلك إما عند الموت وإما قبل الموت، والحكايات في هذا كثيرة معروفة" [مجموع الفتاوى: 4/72]، قال ابن تيمية: "هذا أبو حامد الغزالي" صاحب إحياء علوم الدين وفيه ترهات وأباطيل وفيه أشياء جميلة، قال: "مع فرط ذكائه وتألهه" يعني رجل كان صاحب عبادة وكان ذكياً جداً "ومعرفته بالكلام والفلسفة وسلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوف ينتهي في هذه المسائل إلى الوقف والحيرة ويحيل في آخر أمره على طريقة أهل الكشف" -طبعاً- وهذه الطريقة ضالة للصوفية، "وإن كان بعد ذلك" يقول ابن تيمية: "رجع إلى طريقة أهل الحديث، وصنف "إلجام العوام عن علم الكلام" [مجموع الفتاوى 4/72].

أبو حامد ما تيسر له أن يؤلف في الرد على كل الضلالات التي وقع فيها، فبقيت كتب له فيها ضلالات بدون رد، لكن هنالك روايات: أن الرجل مات والبخاري على صدره، مات وهو مشتغل بالبخاري ومسلم، فنرجو له خاتمة حسنة بهذا، وما بقي من الضلالات والانحرافات في كتبه يجب الحذر والتحذير منه، يقول شيخ الإسلام: "وكذلك أبو عبد الله  محمد بن عمر الرازي قال في كتابه الذي صنفه في أقسام اللذات: لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية" ترى مر على الناس على الأمة وقت عصيب بعد ما أمر المأمون بترجمة كتب علم الكلام؛ لأن المسلمين لما فتحوا البلدان وتقدموا فيها كان يوجد عند اليونان من علم معظميهم السابقين وقادتهم الفكريين كتب مصنفة في علم الكلام، أرسطو وغيره، فبعضها كان في خزائن مغلقة، لأنها سببت معارك فيما بينهم سالت فيها دماء، فأخذها بعض ملوكهم أغلق عليها درأ للفتنة بين اليونان أنفسهم، لما فتح المسلمون الفتوحات بعد مدة، قال بعض مستشاري ملوك اليونان: سربوا إليهم ما في الخزائن، كما فتنت بيننا تفتن بينهم، فأرسلت على أنها إهداءات، كتب علم الكلام والفلسفة أرسلت على إنها إهداءات للخليفة، ثم صارت حركة الترجمة وصار كل ما وجد من كتب اليونان وغيرهم من الأمم السابقة يترجم، وصار الكتاب بوزنه ذهباً.

مضت القرون الثلاثة الأولى، والأمة بخير وعافية في الجملة، والسائد عليها علم الكتاب والسنة، ما في إلا هذا القرآن وتفسير الآيات، ودواوين السنة هذه والتي نقحت أيضاً وشروح السنة، فصار هذا عند بعض الناس شيئاً معروفاً يقول: نحن حفظنا القرآن، وعرفنا السنة، بدأت بعض النفوس تهفو للأشياء الجديدة، ثم افتتن من افتتن بقضية الكتب الجديدة والإهداءات هذه، فبدأت حركة الترجمة، وترجمت كتب علم الكلام والفلسفة والمنطق اليوناني، وأرسطاطاليس إلى اللغة العربية، فدخل على المسلمين شر عظيم بسبب ذلك، وكل فتنة المعتزلة والقول بخلق القرآن، وإلى آخره من نتاج وثمرة هذه الترجمات، وكذلك الانحرافات التي وقع فيها الأشاعرة وغيرهم كله من علم الكلام والفلسفة، يقول أحد الذين فتنوا بهذا، أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي: "لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طـه: 5]، إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: 10]، واقرأ في النفي:لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  [الشورى: 11]،  وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طـه: 110]،  هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: 65]"، ثم قال: "ومن جرب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي"، يقول : علم الكلام الفلسفة ما جرعنا إلا الغصص وحيرة وضلال، والقرآن واضح، اقرأ في الإثبات كذا، وفي النفي كذا "وكان يتمثل كثيراً بهذه الأبيات:

نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال 
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

وكذلك إمام الحرمين ترك ما كان ينتحل من علم الكلام والفلسفة وقرر مذهب السلف في آخر عمره، وكان يقول: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو أني عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به، وقال عند موته: لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت فيما نهوني عنه، ثم قال: والآن إن لم يتداركني ربي برحمته، فالويل لابن الجويني، وها أنذا أموت على عقيدة أمي أو قال: وها أنذا أموت على عقيدة أو دين عجائز نيسابور [مجموع الفتاوى: /72 - 73] جدتي كانت على التوحيد، ما عندها شك، وماتت على ذلك، وأنا بعد الرحلة الطويلة أموت على دين عجائز نيسابور، وعقيدة عجائز نيسابور.

وكذلك قال أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني أخبر أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، وكان ينشد:

لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم 
فلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم

[مجموع الفتاوى: 4/73].

الرجوع إلى فهم السلف

00:39:54

في مسائل المعتقد ينقح الإنسان مع عقيدته ومنهجه وما يؤمن به بناءً على الكتاب والسنة بفهم السلف، ونبقى نقول: الكتاب والسنة بفهم السلف رغم أنف من يسمون أنفسهم بالتنويريين والعصرانيين وأصحاب الفكر التجديدي، الكتاب والسنة بفهم السلف عليها نحيا وعليها نموت إن شاء الله، لا تغيير ولا تبديل ولا تراجع، ولا نعرف إلا ما أخبرنا الله به ورسوله.

وفهم السلف الذي فيه فهم النصوص بالطريقة الشرعية، لا يكفي صحة الدليل، بل لا بد من فهم الدليل فهماً صحيحاً؛ لأن بعض الذين لا يفهمون الأدلة على فهم السلف سقطوا وانحرفوا، فأخذوا المنسوخات من الأدلة واعتمدوها، وفي المنسوخ ما يدل على عدم الحجاب؛ لأن الحجاب نسخه، وفي المنسوخ ما يدل على جواز نكاح المتعة، وتحريم رسول الله ﷺ للمتعة نسخه، وهكذا..

ولا بد أن نعرف كيف نرجع إلى المحكم، وإذا جاءتنا مشتبهات نردها إلى المحكم وفهم السلف، هل هذا النص مقيد أو مطلق؟ خاص أو عام؟ من خصوصيات النبوية أو عام للأمة؟ منسوخ أو محكم؟ على فهم السلف، وليس على فهم هؤلاء الذين يقولون: لكل زمان فهم أهله للكتاب والسنة، ولسنا ملزمين بفهم ابن عباس ولا فهم ابن مسعود.

فهم السلف نلاحظ أنه فهم معمق، وأيضاً سهل، يعني هم أحاطوا وأدركوا وفهموا وعقلوا، وسهل، وليس فيه لا تكلف باطني ولا ظاهرية سطحية مفرطة، بل هو وسط.

من المعاصرين الذين تابوا من مسلكهم وكان منافحاً عن كل شيء ظاهري حتى تبنى القول بالغناء؛ لأن بعض الظاهرية كان يفتي بجواز الغناء ابن عقيل الظاهري -جزاه الله خيراً- يقول بعد ما بلغ السبعين، وهذا كلام قريب جداً -نسأل الله لنا وله الثبات-، قال: إنني منذ نضجت مداركي سلمت قيادي لابن حزم بالتتلمذ الأعمى، وهو إمام عالم مجاهد متين الدين أداه اجتهاده الخاطئ إلى ورطات غطست فيها غطسة الغريق، يقول ابن عقيل قريباً هذا كلام نشر قريباً: ولكن براءة لذمتي، وتكفيراً لما سودته من أوراق خاسئة أشهد الله وملائكته وحملة عرشه الكرام وجميع خلقه من غير جدال في تصحيح حديث وتضعيف آخر، بل الأمر تجربة نفسية، ابن عقيل الظاهري كان يقول بإباحة الغناء، أن الغناء مهما كابر المكابرون يقسي القلب ويعين على هجر القرآن الكريم وحديث رسول الله وسير الصالحين، وأشهد ثانية أنه ليس مجلبة سرور وفرح وطمأنينة، بل هو كباطية أبي نواس يتداوى منها بها، وهي تزيد هماً وحسرةً، وتصد عن خير كثير، وبالمقياس الدنيوي أقول : لو كان الغناء خيراً وهو لا خير فيه بيقين لوجب على السميعة في هذا العصر أن يرحموا أنفسهم، فالفن الآن قبح أصباغ وتجاعيد، وعفن هز وغمز بلا ملاحة، وكلمات عامية بلهجات قبيحة، ومخارج للحروف تجلب الغثيان، وشعر رعاة خلي من الفكر والوجدان والثقافة الآسرة، وضحولة طبقات صوتية تليق بشعر عامي قصير النفس، ضعيف النبر.

ومقالته نشرها في جريدة المدينة وهي موجودة على الشبكة.

مراجعة المنهج بسبب رؤية الآثار السيئة التي ترتبت على المنهج الذي انتهجه الإنسان

00:44:34

من أسباب مراجعة النفس على المنهج: رؤية الآثار السيئة التي ترتبت على المنهج الذي انتهجه الإنسان، يعني هؤلاء الآن الضالون اليوم لما الواحد يقدم عقله على النص، ويقول: اتبع المصلحة، ويترك الأحاديث الصحيحة، ويذهب مع هؤلاء التنويريين والعصرانيين، ويسلك سبل المعتزلة ويدخل مع أهل العلمنة واللبرلة تقاطعاً وتأييداً وتحالفاً، ويثني هؤلاء على هؤلاء، ويلمع هؤلاء هؤلاء، ويفتح مجال هؤلاء لهؤلاء، كفى كفى، التوبة التوبة إلى الله، قد يرجع الإنسان إلى الحق بعد أن يرى الآثار الفاسدة المترتبة على قوله، فهذا قاسم أمين أبرز الدعاة إلى تحرير المرأة وتحللها من الحجاب واختلاطها بالرجال زاعماً أن منعها من ذلك ليس من الإسلام، بل هو ضد الإسلام، وزاعماً أن تحرير المرأة الذي يريده هو تقدمها وتحررها، روجت دعوته بأعوان اليهود والنصارى وتأييد أولئك الكفرة في وسائل الإعلام في وقته كلها، الكلام هذا في عام ألف وتسعمائة حوله قريب منه، قبل أكثر من قرن من الزمان في بعض بلاد العرب والمسلمين، فلما رأى قاسم أمين بأم عينيه ما أحدثته دعوته التي نسبها إلى الإسلام جهلاً ومكابرة، ورأى كيف يعامل الرجال النساء المتبرجات في الطرقات، وكيف تحدث أحداث التحرش بالنساء في أماكن العمل، وكيف تهرب الفتاة من بيت أبيها؛ لأنها حرية، ورأى وسمع بانتهاك الأعراض وشيوع الفاحشة، وازدحام ساحات المحاكم بالقضايا، قال قبل وفاته بعامين قاسم أمين، قبل وفاته بعامين: لقد كنت أدعو المصريين قبل الآن إلى اقتفاء أثر الترك، يعني كمال أتاتورك، بل الإفرنج في تحرير نسائهم، وغاليت في هذا المعنى حتى دعوتهم إلى تمزيق الحجاب، وإشراك المرأة في كل أعمالهم ومآدبهم وولائمهم، ولكن أدركت الآن خطر هذه الدعوة بما اختبرته من أخلاق الناس، فلقد تتبعت خطوات النساء من أحياء العاصمة والإسكندرية لأعرف درجة احترام الناس لهن، وماذا يكون شأنهم معهن إذا خرجن حاسرات، فرأيت من فساد أخلاق الرجال وأخلاقهن بكل أسف ما جعلني أحمد الله أن خذل دعوتي، واستنفر الناس إلى معارضتي، رأيتهم ما مرت بهم امرأة أو فتاة إلا تطاولوا عليها بألسنة البذاءة، وما وجدت زحاماً فمرت به امرأة إلا تعرضوا لها بالأيدي والألسن جمعياً.

هذا الكلام نشره عام ألف وتسعمائة وستة في جريدة الظاهر المصرية في شهر أكتوبر.

وقد سئل أحمد وفيق باشا العثماني من بعض عشرائه من رجال السياسة في أوروبا، هذا مسلم سألوه بعض الأوروبيين، لماذا تبقى نساء الشرق محتجبات في بيوتهن من غير أن يخالطن الرجال ويغشين مجامعهم؟

فأجاب في الحال على البديهة : لأنهن لا يرغبن أن يلدن من غير أزواجهن، فكان كصب الماء البارد على رؤوس هؤلاء الفرنجة.

وممن هداه الله ووفقه للرجوع إلى الحق الدكتور أحمد حجازي السقا المصري حيث كان على معتقد الأشاعرة، فهداه الله من التأويل إلى التسليم، وإثبات ما أثبته الله لنفسه من غير تأويل  ولا تحريف ولا تمثيل ولا تجسيم، وقد كان الدكتور قبل هدايته عدواً لدوداً لأهل السنة والجماعة، ومتعصباً للأشاعرة، وساخراً بأئمة أهل السنة، يقول عن نفسه: كنت ضد المذهب السلفي في العقيدة لدرجة أنني سخرت من الشيخ ابن تيمية في كتابي الله إلى آخره وصفاته، وكنت ضد المذهب السلفي؛ لأن جمهور المسلمين ضده، وذات ليلة كنت جالساً أتأمل في السماء وما فيها من عجائب، فأدى ذلك التأمل إلى البحث في أسماء الله وصفاته على الفطرة، قال: وهداني الله -عز وجل- إلى أن المذهب السلفي في ذات الله وصفاته هو الحق المبين.

هذا في كتابه الخوارج الحروريون ومقارنة مبادئهم بمبادئ الفرق الإسلامية صفحة 77

ممن رجع إلى الحق أيضاً الشيخ محمد الزمزمي بن محمد بن الصديق الغماري، وقد ولد عام 1330هـ في أسرة أشعرية صوفية متعصبة، تعلم في الأزهر ودرس على علمائه، ثم رجع إلى طنجة عند وفاة أبيه عام 1354هـ.

وألف في مدح الصوفية والانتصار لهم كتابه الانتصار لطريق الصوفية الأخيار، ولما بلغ سن الأربعين ثاب إلى رشده وهداه الله، فترك ضلالات الصوفية وتبرأ منهم ومن طريقة أبيه، وكتب كتاباً بعنوان: "الزاوية".

هذه من أماكن الصوفية الزوايا والتكايا، الزاوية وما فيها من البدع والأعمال المنكرة، قال في ديباجة الكتاب: ألا فليشهد علي المؤمنون، والعلماء الصالحون أني أتبرأ من المتصوفة الجاهلين، وأتقرب إلى الله تعالى ببغضهم، وأدعو إلى محاربتهم، ثم توالت مؤلفاته في بيان ضلالات الصوفية وعدم استقاماتهم، وتوفي رحمه الله عام 1408هـ.

وأما الشيخ تقي الدين الهلالي فقد كان صوفياً تيجانياً، التيجانية عندهم ورد، أحمد التيجاني أفضل من القرآن الكريم، فأكرم الله الشيخ تقي الدين بدعوة التوحيد، ولما رأى النور والخير كتب كتابه: الهدية الهادية إلى الطريقة التيجانية، قال:

حمداً لربي إذ هداني منة منه وكنت على شفا النيران
والله لو أن الجوارح كلها شكرتك يا ربي مدى الأزمان
ما كنت إلا عاجزاً ومقصراً في جنب شكرك صاحب الإحسان
أكرمتني وهديتني وهديت بي في جنب شكرك صاحب الإحسان

وهذا أحدهم يقول: كنت شيوعياً داعياً إلى الإلحاد جندت كثيراً من الشباب في الأحزاب الشيوعية، وترقيت في مراتبها حتى وصلت إلى مرتبة عالية، ثم تبين لي سخف هذه العقيدة وهذا الفكر وضلاله ومصادمته لفطر الإنسانية، فقررت تركه إلى غير رجعة، فبحثت عن الإسلام فوجدته بحسب فهمي ذلك الوقت عند المتصوفة، فاعتنقت الطريقة السمانية، وكنت أعتقد إني قد أحسنت صنعاً، وترقيت في هذه الطريقة حتى وصلت إلى مرتبة شيخ، وأجزت في أخذ العهد على المريدين وإرشاد العباد وإعطاء الأوراد المبتدعة، وحصلت لي بعض الخوارق للعادة، فكنت أظنها تكريماً من الله، وهي في الحقيقة من إضلال الشيطان وتلبيسه، ثم قرأت كتاب: صيانة الإنسان من وسوسة الشيخ دحلان، وهو كتاب قيم في الرد على المتصوفة والخرافيين، فكانت النتيجة تركي للطريقة السمانية، وبدأت أقرأ في كتب من كنت أبغضهم بغضي للشيطان أو أشد وهم الآن من أحب الناس إلي كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب وغيرهم من أصحاب العقيدة السلفية النقية، والحمد لله الذي هداني لهذا، وما كنت لأهتدي لولا أن هداني الله.

الرجوع للحق نتيجة لحظة صفاء وتفكر ويقظة الإيمان في القلب

00:52:23

سابعاً: قد تحدث التوبة نتيجة لحظة صفاء وتفكر ويقظة الإيمان في القلب، فتقوده إلى الاستجابة لله ورسوله ﷺ، وهذه امرأة وهي الكاتبة مشاعل العيسى -نسأل الله لنا ولها الثبات-، نحن نتحدث الآن عن بعض الأحياء في توبتهم -ونسأل الله لنا ولهم الثبات-؛ لأننا لا ندري ماذا يحدث لنا عند الموت، وعلى أي شيء نموت.

مشاعل العيسى التي ذهبت مع التيار العلماني، قالت في توبتها: اليوم أقلد قلمي شرف هتك أسرار الضياع، لم تكن توبتي نتيجة ظروف قاسية أو محنة عارضة، بل كنت أنعم بكل أشكال الترف، وحرية في كل شيء، وكنت أجسد العلمنة بمعناها، وأفكار الحداثيين وخططهم نهجي ودستوري، وكتبهم مرصوصة في مكتبتي، وقلمي تتلمذ على أشعار نزار قباني، ورمي الحجاب حلم يداعب خيالي، وقيادة السيارة قضيتي الأولى أنادي بها في كل مناسبة، أما تحرير المرأة من معتقدات وأفكار القرون البالية وتثقيفها وزرع مقاومة الرجل في ذاتها، فلقد تشربتها وتشربت خلايا عقلي، وكانت أفكاري تجد بين المجتمع النسائي صيتاً عالياً ومميزاً، سرت على هذا النمط سنين عديدة، وفي يوم من الأيام وفي أحد الأسواق لفت نظري شاب متدين بهيئته التي تدل على التدين، ثوب قصير وسير هادئ، وعين مغضوضة، أعجبني هدوءه وراودتني بعدها أفكار غريبة علي جداً، علامات الرضا بادية على محياه، خطواته ثابتة، رغم أن قضيته في نظري خاسرة، مطوع أيش يعني؟ هو والقلة التي ينتمي إليها يتحدون مارداً جباراً، الحضارة الغربية، ولا يزالون يناضلون، سخرت بداخلي منه ومنهم، لكنني لم أنكر إعجابي بثباته، فقد كنت أحترم من يعتنق الفكرة ويثبت عليها، رغم الجهود المتواضعة وقلة العدد، حاولت أن أحلل الموضوع، فقلت في نفسي: ربما هؤلاء الملتزمين تدينوا نتيجة الفشل، فأخذوا الدين شعارات ليشار إليهم بالبنان، لكن منهم العلماء والدكاترة، وماضٍ عريق، قد ملكوا الدنيا حيناً من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وعند هذه النقطة بالذات اختلطت علي الأمور، الترفع عن الرغبات معناه الكبت، والكبت لا ينتج حضارة، يعني كيف هؤلاء المتدينين الملتزمين يغض البصر ويترك فتنة النساء ولا يخالط الأجنبيات، ويصير دكتوراً وعالماً ومفكراً قديراً أو كاتباً مبدعاً؛ لأن فيهم طاقات، أهل الدين فيهم مكتشفون ومخترعون وعباقرة وأطباء ومهندسون، وعلى مستوى العالم، صاحب لحية على مستوى عالمي في التخصص، أو منقبة امرأة تغطي وجهها وعندها براءة اختراع عالمية، كيف ينتج الكبت تقدماً؟ عند هذه النقطة بالذات اختلطت علي الأمور، حاولت أن أتناسى هذا الحوار مع نفسي، لكن عقلي أبى علي ولم يصمت، ومنذ ذلك الوقت وأنا في حيرة فقدت معها اللذة التي كنت أجدها بين كتبي، ومع أنواع الموسيقى والرقص، ومع الناس كافة، علمت أني فقدت شيئاً، لكن ما هو؟ لست أدري، اختليت بنفسي لأعرف، طرقت أبواب الطب النفسي دون جدوى، فقدت الإحساس السابق، يعني الحماس للعلمنة أو التلذذ بهذه المباهج المحرمة، لا أشعر بأي شيء، كل شيء بلا طعم وبلا لون، بدأت أتساءل هذه الموسيقى المنسابة إلى مسمعي لم أعد أشعر بروعتها لو كانت غذاء الروح لكانت روحي، لم أعد أشعر بروعتها لو كانت غذاء الروح لكانت روحي الآن روضة خضراء، أو تلك الكتب التي احترم كتابها العلمانيين والحداثيين وفسقة القصصيين والرواة، لو كانت غذاء الروح لكانت روحي الآن روضة خضراء، أو تلك الكتب التي احترم كتابها وصدقتهم، لم تخذلني الآن كلماتهم ولا تشعل حماسي كما كانت؟ اكتشفت الخديعة الكبرى في شعار تحرير حرية المرأة، فإذا نادى بها رجل فهو الوصول إلى المرأة، ثم ماذا يريدون؟ من ماذا يريدون من تحرير المرأة؟ تحرير المرأة من ماذا؟ تقول: من الحجاب، لماذا؟ إنه عبادة كالصلاة والصوم، كنت سأحرم نفسي منه لولا أن تداركتني رحمة ربي، يريدون أن يحرروني من طاعة الأب والزوج، إنهم حماتي بعد الله، يريدون أن يحرروني من الكبت، كيف سميتم العفة والطهارة كبتاً؟ كيف؟ ما الذي جنوه من الحرية الجنسية؟ أمراض، ضياع، حرروا المرأة كما يزعمون، أخرجوها من بيتها تكدح كالرجل وضاع الأطفال، تباً لهم وتباً لعقلي الصغير، كيف صدقتهم؟ كيف لم أر تقدمنا والمرأة متمسكة بحجابها بعدها عرفت علتي وعلة الشباب جميعاً، مشكلتنا الأساسية أننا لا نعرف عن الإسلام إلا اسمه، وعادات ورثناها عن أهلنا، لم ندرك طريقة الغزو الحقيقة، خدرونا بالرغبات، شغلونا عن القرآن وعلوم الدين، فهي خطة محكمة، تخدير ثم بتر ونحن لا نعلم، اتجهت إلى الإسلام من أول نقطة من كتب التوحيد إلى الفقه، ومع كلمات ابن القيم عدت إلى الله، ندمت على كل لحظة ضيعتها، أقلب فيها ناظري في كتب كتبتها عقول مسخها الله وطمس بصيرتها.

مراجعة النفس على المنهج بعد وقفة تأمل في الكتاب والسنة

00:58:56

ثامناً: قد يكون الرجوع مراجعة النفس على المنهج بعد وقفة تأمل في الكتاب والسنة، قد يؤمن الإنسان بمبدأ أو جماعة من الجماعات، ويعمل من خلالها معتقداً أنها على الحق وأن منهجها صواب، ثم يراجع أفكاره وينظر في أمر المنهج، هل هو يرضي الله أم لا؟ فيصل إلى الحق، فهذا أحدهم وهو إعلامي مشهور، هذا الرجل محمد الهاشمي صاحب قناة المستقلة كتب تجربته، نحن الآن نتكلم فقط، نقوم فقط تجربة الرجل في مسألة التوحيد، لا نتحدث الآن عن أفكار أخرى أو أطروحات أخرى، نتحدث فقط عن تجربة الرجل في مسألة التوحيد، هو يقول في كتاب له: أنه كان على مذهب من المذاهب وجماعة من الجماعات، لا يرى ضرورة الاهتمام بالتوحيد والتركيز عليه في هذا العصر، وجل اهتمامه وأولى الأوليات عنده العمل السياسي، فكانت هي شغله الأكبر والعنوان الأكبر من وجهة نظره الإسلامية، فحرص عليها وعلى التقارب مع كل الفرق التي تدعي أنها إسلامية، ولم يكن مهتماً بأمر التوحيد ولا بأهميته، ثم تعرف على صديق سلفي دائماً يكلمه على التوحيد ويدندن حوله، ثم سأله صديقه سؤالاً: ألا توافق أن من أخطر الأمور على المؤمن أن يقع في الكبائر؟ قلت: بلى، قال: فإن الله تعالى يغفر الذنوب جميعاً إلا ذنباً واحداً هو الشرك به سبحانه، قال عز وجل: إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء: 48]، يقول هذا الكاتب: كان صاحبي يكرر ذات الأفكار والنصائح في كل مرة، وبسبب إلحاحه وتكراره أجبرني أن أتأمل في طرحه وأدلته، فلما تأملت كلماته وجدت نفسي أمام مسألة جديرة بالبحث، عدت إلى كتاب الله وإلى صحيح سنة النبي ﷺ، أبحث عن الجواب الشافي الكافي في بيان مكانة التوحيد في سياق المقارنة مع مكانة السياسة في الإسلام، وجدت أن أهم موضوع تناوله القرآن هو التوحيد، وما يتصل به من مسائل العقيدة الصحيحة، واكتشفت أن خلاصة ما كلف الأنبياء به جميعاً بإبلاغه للناس هو أن يعلموهم أنه لا إله إلا الله، واكتشفت أن السياسة التي يفني كثير من الإسلاميين أعمارهم فيها شأن ثانوي بالقياس إلى التوحيد، لا أعني أنها ليس مهمة، ففي القرآن الكريم أوامر وأحكام وتوجيهات عامة تقود كلها إلى الحكم العادل الرشيد، ولكن السياسة في الإسلام وكل عمل صالح آخر أساسه هو التوحيد، إذا فسد التوحيد لم ينفع الإنسان أي عمل صالح آخر يفعله سواء كان عملاً سياسياً للفوز بالانتخابات أو لإقامة الخلافة أو الثأر لآل البيت كما يرى البعض، فقد وجدت أن الله تعالى يغفر الذنوب جميعاً إلا الشرك، وإذا صح التوحيد صلح كل أمر آخر، واستقام على أساس راسخ متين، وبناءً على هذه النتيجة ينبغي على جميع المسلمين في رأيي تصحيح الأولويات تصحيحاً جذرياً، هذا كتاب مسمى رسالة التوحيد.

-طبعاً- نحن نسأل الله الثبات للجميع، ولهذا ولنا ولغيرنا الهداية والثبات، ولا ندري من يموت على ماذا.

رائد الفلسفة الوجودية في العالم العربي عبد الرحمن بدوي عاش حياته كلها تقريباً في فرنسا وتوفي في القاهرة منذ أعوام، انقلب على الوجودية، وراح يدافع عن القرآن والنبي ﷺ في كتابين شهيرين، ويهاجم الكتابات الغربية.

والكاتب أخونا وحبيبنا صاحب القلم المبدع والبيان الناصح المبين إبراهيم السكران -حفظنا الله وإياه- وكتاباته المبدعة هو أيضاً والشيخ بندر الشويقي في ماذا يحصل الآن عند كثير من المنتسبين للإسلام من الخلط، إبراهيم -نفع الله به وثبتنا وإياه حتى نلقاه- اغتر مدة من الزمن كما يقول عن نفسه بخطاب الحضارة المدنية، وأقوال المنافقين في ذلك، ثم تاب إلى الله، وقرأ فتاوى شيخ الإسلام وغيرها من كتب السلف والعلماء، وأعلن تراجعه لمنهج أهل السنة والجماعة، وقال: هي أخطاء كنت فيها ضحية الخطاب المدني المعاصر الذي خدعنا بقضيتين: أهمية الحضارة، وأهمية التسامح مع المخالف، الرجل درس ونظر وفكر وتدبر وخرج بالنتيجة، قال: أصحاب الطرح الحضاري والمجتمع المدني خدعونا بقضيتين: الانحراف، هو الانحراف أيها الإخوة والأخوات ما يأتي يعني بطرح زندقة وانحلال واضح، يعني هذا ما يروج على الناس، لكن تعال من باب الإسلام الحضاري، ونريد أن نرتقي ونتقدم، وماذا يجب أن نصنع حتى نعيش المجتمع المدني، ثم ادخل في هدم الأصول، قال: خدعونا بقضيتين: أهمية الحضارة وأهمية التسامح مع المخالف، وقد تبين لي بعد ما أعدت تأمل القرآن وتدبره والنظر فيه، أن ذلك كله خطأ مخالف لطريقة أهل السنة والجماعة، وأنا أبرأ إلى الله من كل حرف خططته، هو دخل معهم وكتب في نصرتهم وشرح مذهبهم، قال: وأنا أبرأ إلى الله من كل حرف خططته وأحذر كل شاب مسلم أن يغتر بمثل هذه المقالات التي كنت فيها ضحية الخطاب المدني المعاصر الذي يغالي في الحضارة والتسامح مع المخالف، يا أخي، المخالف زنديق، المخالف ملحد، المخالف مشرك، المخالف يهودي، المخالف هندوسي، تريد تتقارب معه وتتسامح معه يالله، والحضارة هي إعجاب بالغرب والسير على منوالهم ونبغى مجتمع مدني، وكل الأديان صح، ومع بعض، ونتعاون، وإخوة نحارب التلوث ونرتقي بمستوى صحي، يا أخي والإسلام يحارب التلوث، لكن فيه تلوث عقدي، وفيه تلوث نفطي، وفيه تلوث بيئي، الإسلام يحارب التلوث كله، لكن وريني كيف تحارب التلوث الأسوأ هذا، وأنا أحارب معك التلوث الآخر؟، نحن ما عندنا مشكلة نلم الأوساخ وننظف البيئة، ونحن ندعو إلى ذلك، لكن أين التلوث هذا؟ أين المحاربة لهذا التلوث؟ قال: وأنصح إخواني الذين لا زالوا مخدوعين بمثل هذه المفاهيم أن يعودوا للقرآن ويسبروا الطريق واضحاً: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ [يونس: 57 - 58]، فبعد دراسة متأنية لكتاب الله تبين أن خطاب الحضارة المدنية مخالف لخطاب القرآن.

ذكر أخونا إبراهيم -نفع الله به- الفروق المهمة بين الطرح التنويري العصراني وبين طريقة السلف، قال: الخطاب المدني قائم على أن الوظيفة التي خلق لها الإنسان هي عمارة الأرض، وكل ما سوى ذلك وسيلة لهذا الهدف والمقصد الأول، وأن الوحي والشرائع والعبادات لتحقيق عمارة الأرض والحضارة والمدنية، فالعمارة هي الغاية الجوهرية والأولية والأولوية الرئيسية للإنسان، أما منهج السلف وطريق القرآن والسنة فهو قائم على أن وظيفة الإنسان في الأرض التي خلقه الله لأجلها هي عبادته وحده لا شريك له، بمعنى: أن الله خلق الإنسان وأرسل الرسل وأنزل الكتب لتدل الناس على الله وعبادته، وبيان دقائق ما ينبغي له سبحانه، وكل ما في هذه الدنيا يستعان به على عبودية الله، وكل ما لا يعين على العبودية يرفض إما هو محرم يجب الكف عنه، وإما فضول يزهد فيها.

عبودية الله لا تنافي عمارة الأرض

01:07:50

هل عبودية الله تنافي عمارة الأرض؟

الجواب: لا، المسلمون أجدادنا يعتقدون أن الله خلقنا لعبادته، وأن هذا المقصد الأول، هذا الأساس العبودية التوحيد وعمروا، عمروا مارستانات يعني مستشفيات، وعمروا مساجد، وعمروا مدارس، وعمروا أربطة، وعمروا أشياء كثيرة، ما كان عندهم العمارة تضاد العبودية، لكن ما هو الأصل؟ العبودية، ما هو الأساس؟ التوحيد، فثمة فرق كبير، إذا تأملت: هل الله خلقنا لعمارة الأرض وإلا خلقنا لعبادته وتوحيده؟

إذا قلت: خلقنا لعمارة الأرض فستترابط وتتشابك وتتقارب مع أي مذهب وأي دين؛ لأنه قصده هو عمارة الأرض، وممكن تضحي بالصلاة إذا تعارضت مع عمارة الأرض؛ لأن عمارة الأرض إذا كان فيها زيادة الإنتاج، والصيام يقلل الإنتاج نترك الصيام؛ لأن الأصل هو عمارة الأرض، فأي شيء يتعارض مع الإنتاج نتخلى عنه، لأن الأصل هو الإنتاج، لكن لما تقول: الأصل توحيد الله وعبادته أي شيء يتعارض مع العبادة أتركه، فلو كان فتح المحلات وقت الصلاة يزيد الأرباح اللي هي من عمارة الأرض على مذهب أهل عمارة الأرض، فنحن نغلق وقت الصلاة حتى لو قلت الأرباح، وإذا تعارض عندنا الصيام مع زيادة أرباح المصانع، لأنه نشتغل ست ساعات بدل من ثمانية مثلاً، فسنقدم الصيام، لأنه هو العبادة لله، لأنه هو المقصد الأول، ولو نقص إنتاجنا في شهر رمضان، لكن أصحاب عمارة الأرض يقدمون شغل المصانع بأقصى طاقتها، وشغل الموظفين بأقصى قدراتهم ووقتهم، وإذا تعارض ممكن يفتيك بالإفطار في نهار رمضان.

إذا كان الأصل هو عمارة الأرض يعني لا بد أن يدرسوا الشباب بأقصى طاقة ولو تعارضت دراسة مبتعث مع الصلاة صلاة الجمعة تقدم حصص المبتعث، لأن الأصل عمارة الأرض والحضارة والمدنية والتقدم وإنه يفهم أكثر ويأخذ درجات أكثر، فلو تعارضت مع صلاة الجمعة تقدم الحصص، وممكن يطلع لنا ناس من مجتهدي العصر يفتون بصلاة الجمعة للمبتعثين صلاة الجمعة يوم الأحد.

يا إخوان: القضية -والله- حساسة ومهمة جداً، الله خلقنا لعبادته وإلا خلقنا لعمارة الأرض؟ أيش الأول؟ أيش الأساس؟

نحن لسنا ضد عمارة الأرض، نحن نريد نعمر مصانع ومنشآت وناطحات سحاب ونسوي المزارع، ونعمل كل ما نستطيع، لكن لما تتعارض عندك العبادة مع شيء دنيوي، فيه تقدم، ماذا تقدم؟ هذا الفرق بين منهج السلف، طريقة السلف التي يحاربها الغرب وبين المجتمع المدني، الإسلام الحضاري العصراني التنويري، ولذلك الانحرافات الفقيه في الفتاوى من هذه رؤوس التنويريين اليوم والتساهلات والتمييعات ما هو شرط يكون هو سببهايعني فقط هوى من غير تنظير، ورائها نظريات وهي ملخصها إن الجماعة يرون إن الهدف الأول الحضارة والبنيان والمجتمع المدني بأبعاده الغربية، كيف الغرب بنو حضارتهم نحن نمشي.

-طيب- يا جماعة هم ماديون بحت، نمشي وراهم؟ هذا الفرق، وإلا فإن من يتبع طريقة السلف يريد تقدماً، وأن نأكل مما نزرع، ونلبس مما نصنع، وأن نأخذ بأسباب القوة: وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ [الأنفال: 60]، لكن أول قوة قوة الإيمان والتوحيد، وكل القوة القوة تابعة لها هذا الفرق، والفرق ترى كبير، قال الشيخ إبراهيم: الخطاب المدني يجعل القرآن والسنة مصدر تبرير، فليس الاعتماد عليهما، ولذلك يدعو كثير من منتجي هذا الخطاب إلى قراءة نصوص الوحي قراءة مدنية، اللي هي إعادة قراءة النص وإعادة فهم النص تبحث عن آيات مضامين تدعم المدنية، ثم يؤول ما يعارض هذا، بينما الخطاب القرآني يدل على أن الوحي منهاج حياة:  ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ  [الجاثية: 18]، والوحي له السيادة والحكم في كل أفعال المكلفين ما يمثل حضارة أو عبادة أو معاملة.

الخطاب المدني يقول أيضاً الشيخ إبراهيم: ينظر للغرب بحضارته نظرة إكبار، ويعمى عما يصاحب هذه الحضارة من كفر وظلم وفواحش وانحطاط خلقي، فأساس الاعتزاز والشرف مدى التقدم الدنيوي، هذا أساس الاعتزاز، ما هو أساس الاعتزاز مثلاً: كم حفظنا من القرآن والسنة وتعلمنا وتفقهنا والأحكام؟ وكم التزم الناس والمجتمع بالإسلام ؟ لا، معيار التزام الناس بالكتاب والسنة التزام مجتمع الإسلام والسنة ما هو الميزان، الميزان كم تقدم المجتمع زراعياً وصناعياً وصحياً، لاحظ معي، نحن لسنا ضد التقدم الزراعي والصناعي والصحي، لكن نسأل أول عن ماذا؟ التزام المجتمع بالكتاب والسنة وإلا التزام المجتمع بأصول النظافة والصحة؟ جاوب وكن صريحاً، نحن لا نعارض الالتزام بالنظافة والصحة، لكن معيار التقدم عندك الأول ما هو؟ التزام المجتمع بالكتاب والسنة والا التزام بالنظافة والصحة؛ لأنك يا أخي لما تقول: النظافة والصحة هي المعيار راح تروح للغرب وتقول هذا الإسلام نظام وإدارة وتقنية وصحة ونظافة وبالدور، يا جماعة هذا جزء من الإسلام، لكن ليس هو الأول في الإسلام، الأول في الإسلام توحيد الله وعبادته، وهذا من هذا، تبع لهذا، يأتي وليس هو الأول، نحن لا نهمله ولا نحاربه، لكن ليس هو المقياس الأول، وهذا سبب فتنة التنويريين والعصرانيين الغرب، يقولون: والله الجماعة هؤلاء تقريباً مسلمين، يا أخي هذا مشرك مشرك كافر كافر يهودي نصراني ملحد لا ديني، يقول: لا، لكن نحن بصراحة متقدمين هو هذا المثل الأعلى هذا الهدف الأسمى، وهذا الميزان، يا أخي مشرك لو جبت واحداً متخلفاً من الصحراء، متخلفاً يعني حضارياً، ولكنه موحد، وجبت واحداً من قمة التقدم الصناعي الحضاري الصحي البيئي التقني التكنولوجي، أيهما أفضل عند الله؟ جاوبني وبصراحة، اعرف بعد ذلك أنت من أي طائفة، أيش القيمة الأكبر عندك؟ التوحيد ولا الصحة والنظافة والتكنولوجية؟ أجب، لأنه لو واحد قال: طيب يا أخي أنتم ما دام ما يتعارض معك خلاص مشها، نقول: لا يا أخي، لأنك أنت إذا جعلت الأولوية لهذه، للقضية الدنيوية ستضحي بالدين من أجلها عند التعارض، ولا بد أن يقع تعارض في أشياء، لأن الدنيا والآخرة ضرتان إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، فإذا صار عندك تعارض ماذا ستفعل؟ تقدم دينك ولا دنياك؟ قدم إسلامك على منهج السلف هذا: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]، وإلا تقدم الإسلام الحضاري الذي يريدونه المدني الذي يريدونه اللي هو وما خلقت الجن والإنس إلا ليعمروا الأرض ويتقدموا صناعياً صحياً وتقنياً وزراعياً مالياً واقتصادياً.

هذا الفيصل هذا لو فهم لأغنانا عن شروح كثيرة.

الخطاب المدني ينظر للغرب بحضارته نظرة إكبار، الخطاب القرآني يقول: وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [آل عمران: 139]، وصاحب الحضارة إذا كان كافراً، فإنه لا يساوي عند الله جناح بعوضة ولا شرف ولا اعتزاز به إطلاقاً.

الخطاب المدني ينظر للإنسان كإنسان بغض النظر عن دينه وهويته وعقيدته، فالمسلم واليهودي والوثني والنصراني سواء سواء في قضية الخطاب المدني.

الخطاب القرآني: خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ [التغابن: 2]، وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ [فاطر: 19 - 20]، ولا يستوي المسلم والكافر، لا يستويان، قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ [عبس: 17]،  وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا [الإسراء: 67].

أيها الإخوة: الكلام في موضوع مراجعة النفس على المنهج لم ينته بعد، ولعلنا -إن شاء الله- نكمل هذا الموضوع الهام في المرة القادمة.

أسأل الله أن يبصرني وإياكم في الدين، وأن يرزقنا اتباع سنة سيد المرسلين، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة، وأن يحيينا مؤمنين، ويتوفانا مسلمين، ويلحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

  • ابو يوسف

    بارك الله فيكم ياشيخ وربي يوفقك

  • زهرة الاسلام

    جزاءك الله خير ياشيخ

  • زهرة الاسلام

    اطال الله عمركم ياشيخ ونفع بكم