الثلاثاء 2 ربيع الأوّل 1444 هـ :: 27 سبتمبر 2022 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

التضحية في سبيل الله


عناصر المادة
تربية النفس على التضحية
من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه
العوض من الله لا يشترط أن يكون في الدنيا
جزاء وعاقبة ترك أوامر الله

تربية النفس على التضحية

00:00:05

في غمار الأحداث التي تمر بها الأمة اليوم يحتاج المسلمون إلى اللجوء إلى الله أولاً، وإصلاح ما وقعوا فيه من التقصير في حق ربهم، والاستعداد لملاقاة عدوهم.

ومن الأمور التي لا بد أن يجهزوا أنفسهم من أجلها: التضحية لله، وتربية النفس على ذلك، وأن يعلموا أن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.

أيها الإخوة: حول هذا المفهوم نتحدث: التضحية في سبيل الله، ومن أجل الله، وترك الحرام، وترك إضاعة الأوقات والملذات لله -تعالى-، وأن العاقبة حميدة جداً -إن شاء الله-.

إن الله حث عباده على العمل الصالح، ورتب على ذلك عظيم الأجر، وعالي الدرجات، ورفيع المنزلة، ومرافقة النبيين والصديقين.

إنه نعيم كامل لا يشوبه نقص ولا ضرر.

إنه يحير العقل ويذهله؛ لأن العقل يعجز عن إدراك حقيقة ذلك النعيم.

والعاقبة: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر  [رواه البخاري: 3244، ومسلم: 2824].

 موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها  [رواه البخاري: 3250].

أيها الإخوة: إن وعد الله لا يتخلف، وقد  وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  [التوبة: 72].

فما أحسن حالها! وما أكرم أهلها! والملائكة تسلم عليهم لكرامتهم وعلو درجتهم عند الله!

إنهم خالدون، نعيم غير مقطوع، لا ينفى ولا يزول، ولا يحول ولا يمل: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ  [الزخرف: 70 - 73].

بناؤها لبنة من فضة، ولبنة من ذهب.

التربة مسك وزعفران، والحصى زبرجد ولؤلؤ وياقوت، والملاط الذي يُمسك هذه اللبنات، المسك الأذفر الصافي الذي لا يخالطه غيره، قوي الرائحة.

من يدخلها ينعم لا يبأس، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم.

إن أنهار الجنة ليس لها أخاديد.

إنها لا تشق طريقها في أرض الجنة؛ لأنها تجري على ظهر الأرض فوق الأرض لكن لا تنساح، بل للنهر حافتان من قباب اللؤلؤ المجوف.

إنها عجائب لا تخطر بالبال!

إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله -تبارك وتعالى- تريدون شيئاً أزيدكم فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم -عز وجل- [رواه مسلم: 181]،  لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ  [يونس: 26].

هذه الجنة نعيمها عظيم:  فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ  [السجدة: 17].

لا يقدر قدرها إلا الله ، ولا يعرف حقيقتها إلا هو سبحانه وتعالى، وأطلعنا على شيء من ذلك، ونحن نؤمن به ولا ندرك كيفيته.

لكن الإيمان بالغيب هو الذي يدفعنا للتضحية من أجل هذه الجنة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ [يونس: 9]

لماذا؟

يؤثرون الفاني على الباقي.

إنهم يتركون متاع الدنيا، متاع الخراب والفناء الذي بعده الحساب والجزاء إلى دار الأبرار الأتقياء: يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس: 9 - 11].

هؤلاء آثروا ما عند الله  على ما سواه:  مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا  [الإسراء: 18 - 20].

إن من لم يصبهم لله نصب ولا تحمل في ذات الله وصب، ولم يترك لأجل مولاه رغبة ولم يتلذذ بالانتصار على هواه، ولم يشارك في دعوة لعلاه، ولم يجاهد نفسه لهداها، ولا حجبها عن سوء أرداها، ولا أجهدها لنيل الدرجات العلى، ولا تعرض لنفحات الهدى؛ إنه حقيق أن يكون في دركات أصحاب الهمم الوضيعة، نائم بنفسه عن القمم الرفيعة.

من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه

00:06:05

أيها الإخوة: من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، الذين يعلم قيمة الجزاء يضحي؛ لأن النفس لا تترك محبوباً إلا لمحبوب هو أعلى منه، هذا معروف، النفس لا تترك شيئاً إلا لشيء أنفس منه:  إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا  ماذا يفعلون؟ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا  عنوان عملهم الإخلاص إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا  [الإنسان: 5 - 9]، والدفع لهذا العمل: خوف اليوم الآخر: إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا  فجاء الجزاء على العمل:فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا  [الإنسان: 5 - 14]، لو رأيت ملكهم لتعجبت:وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ هناك رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا [الإنسان: 20].

"من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه" قال النبي ﷺ: إنك لن تدع شيئاً لله -عز وجل- إلا أبدلك الله به ما هو خير منه[رواه الإمام أحمد: 23074، وهو حديث صحيح على شرط مسلم].

قال أبي بن كعب: "ما ترك عبد شيئاً لا يتركه إلا لله إلا آتاه الله بما هو خير منه من حيث لا يحتسب، ولا تهاون عبد أو أخذه من حيث لا يصلح له إلا أتاه الله بما هو أشد منه من حيث لا يحتسب" [الزهد والرقائق، لابن المبارك، والزهد لنعيم بن حماد: 2/10].

"لا يترك الناس شيئاً من دينهم إرادة استصطلاح دنياهم إلا فتح الله عليهما ما هو أضر عليهم، وما هو شر عليهم منه" كلام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- [الزهد والرقائق، لابن المبارك، والزهد، لنعيم بن حماد: 2/11].

الذي يريد أن يصلح الدنيا بالتنازل عن الدين يفتح الله عليه باب الضرر.

الدين مبني على التضحية.

التضحية والبذل والترك لله.

هؤلاء الأنبياء صفوة الله من خلقه تركوا موادعة أقوامهم وقاموا بنصحهم وتحذيرهم فرماهم الناس عن قوس واحدة، تركوا الراحة والمسالمة وآثروا تحمل أذى الأقوام وتعرضوا للتعذيب ولمحاولات القتل، بل قتل بعضهم، وأخرج من البلد بعضهم، وسجن بعضهم، وأوذوا؛ كل ذلك لتكون كلمة الله هي العليا، قال ﷺ: أوذيت في الله وما يؤذى أحد [رواه الترمذي: 2472، وابن ماجه: 151، وأحمد: 12212، وقال محققو المسند: "إسناده صحيح على شرط مسلم"] ما أوذي أحد ما أوذيت في الله)).

ولكن هذا التعذيب وهذا الألم صار لذة؛ لأنه لله، لأنه لأجل الجنة التي عرضها السموات والأرض.

إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب

صار الأذى إن كان لله ألذ من الشهد، والعذاب في الله صار عذباً

ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، يقوم الصديق فيخطب في المشركين ويدعو للتوحيد، فيقومون يضربونه ضرباً شديداً حتى يقوم عتبة بن ربيعة يضربه بنعلين مخصوفين يحرفهما لوجه، فيصبر الصديق.

يضرب عمر، قاتل عمر قريشاً من الصباح إلى المساء.

وعم عثمان كان يلفه في حصير من أوراق النخل ثم يدخنه من تحته.

ومصعب تحبسه أمه تجيعه.

ابن مسعود يضرب ضرباً شديداً لما جهر بالقرآن.

أبو ذر يضرب حتى يعود كالتمثال الأحمر لما قال أمامهم: لا إله إلا الله، وكاد أن يموت.

وأوذي المستضعفون، وآل ياسر وخباب وبلال.

ناهيك عن الأذى النفسي بالإضافة للأذى البدني، لكن طابت بذلك أنفسهم لله؛ لأنهم أيقنوا بما عند الله، وآمنوا بالغيب.

وحرام بن ملحان لما طعن في المعركة طعنه كافر قال: "فزت ورب الكعبة" من شدة إيمانه بالغيب.

بل إن أنس بن النضر شم رائحة الجنة في المعركة.

لقد هجروا الأوطان في سبيل الله، وذهب بعضهم إلى الحبشة، وذهبوا إلى المدينة تاركين وراءهم بيوتاً وأموالاً، لماذا؟

قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا يعني انتظروا حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة: 24].

لماذا يخرج الناس من أوطانهم؟ متى يهون عليهم ذلك؟ متى يهون عليهم ترك المال والمتاع؟

لأجل الله، عندما يكون المقابل أعظم.

ما هو المقابل؟

جنة عرضها السموات والأرض.

بماذا أبدلهم الله؟

قال ابن القيم -رحمه الله-: ولما ترك المهاجرون ديارهم لله وأوطانهم التي هي أحب شيء إليهم أعاضهم الله أن فتح عليهم الدنيا، ليس فقط مكة، ما رجعت بيوتهم التي في مكة فقط، وإنما فتح الله عليهم الدنيا وملكهم شرق الأرض وغربها، حتى مدائن كسرى وقيصر: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2 - 3]. [روضة المحبين، ص: 445].

أما الذين لم يخرجوا من بيوتهم مضحين ولم يهاجروا توعدوا بالنار:إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء: 97].

وهؤلاء أصحاب النبي ﷺ يضحون بالغالي والرخيص.

صهيب تاجر، رجل حاذق جاء إلى مكة ولم يكن من مكة، مستثمر أجنبي في مكة، جاء من خارج مكة، لما صار عنده أموال في مكة هداه الله قاموا عليه، لما أراد أن يهاجر، قالوا: جئتنا غريباً طريداً فقيراً صعلوكاً حقيراً فكثر مالك عندنا وبلغت الذي بلغت ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك والله لا يكون ذلك، فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم [فضائل الصحابة، لأحمد بن حنبل: 2/828].

أغراهم بالمال، وهؤلاء تضيع عندهم المبادئ عند ذكر الأموال وعرضها.

قال: فإني قد جعلت لكم مالي.

أبو سلمة المخزومي ضحى بأسرته لأجل الهجرة لله -عز وجل-؛ لأنه لما أراد أن يهاجر بنفسه وولده وزوجته جاء إليه أصهاره المشركون، قالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها فما بال ابنتنا وولدها والله لا تأخذهما معك؟ فلما رأى إصرارهم ترك الزوجة والولد وهاجر لأجل الأمر بالهجرة؛ لأنه أمر بالهجرة.

هذه الهجرة التي فيها ترك محبوبات النفس لله أجرها عظيم لدرجة: أن رجلاً هاجر ما أطاق ألم الهجرة، وأحدث في نفسه جراحاً ومات، ولكن لأجل الهجرة غفر الله له، وبدعاء النبي ﷺ كملت المغفرة: "لما هاجر النبي ﷺ  إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو الدوسي وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا المدينة فمرض"، هذا الشخص مرض "فجزع وأخذ مشاقص له فقطع بها براجمه فشخبت يداه حتى مات"، نزيف حتى الموت "فرآه الطفيل بن عمرو في منامه" الآن هذا رجل جرح نفسه حتى الموت، أصلاً هو في النار، المنتحر في النار، لكن لفضل الهجرة رآه الطفيل بن عمرو في منامه فرآه وهيئته حسنة ورآه مغطياً يديه، فقال له: "ما صنع بك ربك؟ قال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه ﷺ، فقال: مالي أراك مغطياً يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت، فقصها الطفيل على رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: اللهم وليديه فاغفر[رواه مسلم: 11622].

لقد أصاب المسلمين في مكة الشدائد والأهوال، أصابهم شيء عظيم، كان الإسلام قليلاً فكان الرجل يفتن في دينه إما يقتلونه وإما يوثقونه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة [رواه البخاري: 4650].

سأل سعيد بن جبير ابن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول اللهﷺ من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم، والله إذ كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالساً من شدة الضر الذي به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة حتى يقولوا: اللات والعزى إلهان من دون الله؟ فيقول: نعم، افتداء منهم بما يبلغون من جهدهم)) [رواه ابن إسحاق: وصححه ابن حجر -رحمه الله-].

وتبقى آثار البلاء في صدور الصحابة وظهورهم، وخباب كوي عدة مرات من الآلام المبرحة التي حصلت له، كان إذا قدم على عمر أدناه، ويقول عمر: ادن، فما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا عمار، فجعل خباب يريه آثاراً بظهره مما عذبه المشركون [رواه ابن ماجه: 153، وهو حديث صحيح].

إذاً، بقيت آثار التعذيب شاهدة على أن القوم تحملوا لله وفي الله.

المرأة كانت تصبر على فقد ولدها في الجهاد، لماذا؟

تأتي أم حارثة الذي قتل يوم بدر تقول: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع؟ قال:ويحك أو هبلت أو جنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه في الفردوس الأعلى [رواه البخاري: 6567].

كانوا يخشون أن يردوا في المعارك ويختفي الواحد وراء الكبار لئلا يراه النبي ﷺ فيرده لصغره، ويقال: استصغر فلان في غزوة كذا وكذا.

كانت تعقد حمائل سيف أحدهم من صغره وهو ابن ست عشرة سنة.

وكانت آثار المعارك في ظهورهم حتى يلعب بها أولادهم، كما لعب أولاد الزبير بآثار الجراح التي في ظهره، ضربتين يوم بدر، وواحدة في اليرموك.

وعبد الله بن أبي أوفى ضرب على ساعده فسأله أحد التابعين فقال: ضربتها يوم حنين.

وهكذا يتركون الراحة للجهاد، يتركون الزوجة والأولاد في سبيل الله، في طلب العلم ترك الراحة كذلك.

تركوا الراحة في سبيل طلب العلم فأعقبهم الله المنزلة العالية، والذكر الحسن، وأبواب الأجر، قال أبو حاتم عن القعنبي: سألناه أن يقرأ علينا الموطأ؟ قال: تعالوا في الغداة، مجموعة من طلب العلم جاؤوا للشيخ قال: تعالوا في الصباح، قلنا له: مجلس عند حجاج بن منهال، قال: فإذا فرغتم منه؟ قلنا: نأتي حينئذ مسلم بن إبراهيم، قال: إذا فرغتم؟ قلنا: نأتي أبا حذيفة النهدي، قال: فبعد العصر؟ قلنا: نأتي عارماً أبا النعمان، قال: فبعد المغرب؟ فكان يأتينا بالليل فيخرج علينا وعليه كبل، وهو الفرو كثير الصوف الثقيل، ما تحته شيء في الصيف، فكان يقرأ علينا في الحر الشديد.

أنعجب من الطلاب أو من الشيخ الذي كان يخرج إليهم بالليل؟

وهكذا لا ينال العلم براحة الجسد.

وعندما يفتن أولئك يصبرون لأجل الله، والإمام أحمد -رحمه الله- يصبر لأجل الله.

وعندما يعرض على بعضهم الفتنة، ويقدم للمحنة تتحرك عاطفة الأبوة لديه فيتذكر بناته، وهن خلف ظهره، فيقلن له: "والله لأن يأتينا خبر نعيك أحب إلينا من أن يأتينا أنك قلت بخلق القرآن"؛ لأنه لما رباهن علمنه التضحية، والثبات على المبدأ.

هذا في الرجال، وفي النساء أيضاً، حتى ماشطة بنت فرعون سلف لهؤلاء النسوة بذلت نفسها وأولادها لله: "بينا هي تمشط ابنة فرعون ذات يوم إذا سقطت المدرى" أداة يسرح بها الشعر، "سقطت المدرى من يديها، فقالت: بسم الله، فقالت لها ابنة فرعون: أبي؟" من هو الله؟ بسم الله من هو أبي؟ "قالت: لا، ولكن ربي ورب أبيك الله، قالت: أخبره بذلك؟ قالت: نعم، فأخبرته، فدعاها، فقال: يا فلانة وإن لك رباً غيري؟ قالت: نعم ربي وربك الله، فأمر ببقرة من نحاس أحميت" إناء كبير من نحاس على هيئة البقرة، "ثم أمر بها أن تلقى هي وأولادها فيها، قالت له: إن لي إليك حاجة؟ قال: وما حاجتك؟ قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا، قال: ذلك لك علينا من الحق، فأمر بأولادها فألقوا بين يديها واحداً واحداً [رواه أحمد: 2821، وقال محققو المسند: "إسناده حسن"]

لماذا يترك الإنسان البيت والفراش الدافئ والزوجة لصلاة الفجر ولو كان في الشتاء وفي الظلمة يعمد إلى بيوت الله؟

لأجل حديث: بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة [رواه أبو داود: 561، والترمذي: 223، وابن ماجه: 781، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح: 721].

لماذا ينفق المحسن من ماله لله؟

لأجل حديث:ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً [رواه البخاري: 1442، ومسلم: 1010].

لماذا تبنى المساجد وتنفق فيها الأموال؟

لأجل حديث: من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة [رواه مسلم: 533].

لماذا يتجاوز الإنسان عن دين شخص معسر؟

لأجل حديث: حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان يخالط الناس وكان موسراً فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر قال: قال الله نحن أحق بذلك منه تجاوزوا عنه [رواه مسلم: 1561].

لماذا ينفق الشخص من ماله الأموال الطائلة في تجهيز الجيوش في سبيل الله؟

جاء رجل بناقة مخطومة قال: هذه في سبيل الله، فقال الرسول ﷺ: لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة [رواه مسلم: 1892].

مخطومة فيها خطام مثل الزمام، هذا له في الجنة على الحقيقة.

لماذا إذا جاءك الشخص الذي استدان منك تؤجله إذا طلب التأجيل؟

لأجل حديث: من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظله [رواه مسلم: 3006].

لأجل حديث:من أنظر معسراً كان له بكل يوم صدقة، ومن أنظره بعد حله كان له مثله في كل يوم صدقة [رواه ابن ماجه: 2418].

لماذا أعتق أبو بكر بلالاً وغيره؟

لأجل حديث: أنت عتيق الله من النار وهو حديث صحيح [رواه الترمذي: 3679، ].

لأجل حديث:من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منه عضو من النار حتى فرجه بفرجه [رواه البخاري: 6715، ومسلم: 1509].

لماذا يمتنعون عن الطعام والشراب والنكاح صياماً لله حتى في الأيام الحارة؟

لأن من فعل ذلك بوعد بينه وبين النار سبعين خريفاً.

لأجل حديث:للصائم فرحتان[رواه مسلم: 1151].

لأجل حديث: باب الريان [رواه البخاري: 1897].

لماذا يُترك الأهل والولد والوطن والمال وتتحمل المشاق للحج؟

لأجل حديث: أن يرجع كيوم ولدته أمه.

لماذا تركب الأخطار ويضحى بالأموال والنفوس وتبذل المهج وتوضع الأرواح على الأكف في القتال؟

لأجل: إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ [التوبة: 111].

فعوضهم عن حياتهم التي بذلوها بحياة أبدية لا يصفها الواصفون.

لماذا تقدم النفس في سبيل الله؟

لأجل أن الشهداء أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها.

العالم اليوم يستغربون هؤلاء الذين يقدمون أنفسهم في أرض فلسطين من المسلمين ولا يوجد أصحاب دين آخر يقدمون أنفسهم مثل المسلمين.

لا يوجد أصحاب تضحيات على مر التاريخ، أصحاب تضحيات قدموا تضحيات مثل المسلمين؛ لأنه لا يوجد يقدم من أجله التضحيات مثل دين الإسلام، ولا يوجد إلا أهل الإسلام الذين يقدمون أرواحهم لله رب العالمين.

وبقية الأقوام إذا قدموا أرواحهم يقدمونها من أجل ماذا؟ دنيا؟ بوذا؟ بقرة؟ من أجل ماذا؟

أما المسلمون يقدمون أرواحهم لله، فلذلك يكون لأحدهم من الأجر العظيم ما يصبره على هول القتل.

لما ترك الشهيد زوجته أبدل الله بثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، جاء رجل أسود إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني رجل أسود منتن الريح قبيح الوجه، لا مال لي، فإن أنا قاتلت هؤلاء حتى أقتل فأين أنا؟ قال: في الجنة فقاتل حتى قتل، فأتاه النبي ﷺ فقال: قد بيض الله وجهك، وطيب ريحك، وأكثر مالك  وقال لهذا أو لغيره: قد رأيت زوجته من الحور العين نازعته جبة له من صوف تدخل بينه وبين جبته [رواه الحاكم في المستدرك: 2463، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وصححه الألباني في كتاب صحيح الترغيب والترهيب: 1381].

المرأة من الحور العين، لما جاء الشهيد هذا إلى الدار الآخرة وارتحل عن الدنيا تنازعه جبته فتدخل بينه وبينها، زوجته من الحور العين.

لماذا يجاهدون في سبيل الله؟

لأجل هذه الجنة التي عرضها السموات والأرض.

ولأجل الظل من الملائكة والتغسيل، والماء المسكوب والفاكهة الكثيرة.

تبكي أو لا تبكي ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها، والد جابر ما زالت الملائكة  تظله بأجنحتها.

لماذا يسافرون للجهاد وتغبر الأقدام في سبيل الله؟

لأجل حديث: لا يجتمع غبار في سبيل الله -عز وجل- ودخان جهنم في منخري مسلم أبداً  حديث صحيح [رواه النسائي: 3113].

ولقد أتانا عن مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي وغبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب

لماذا تهون الجراح في سبيل الله؟

لأجل حديث:  ما من مكلوم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمى اللون لون دم والريح ريح مسك [رواه البخاري: 5533].

الحراسة في سبيل الله خطيرة يمكن أن يغير عليه الأعداء، أو يرمون الحارس في الليل وفي الظلام، إنه يسهر والسهر تعب لماذا؟

عن أبي ريحانة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فأتينا ذات ليلة إلى شرف فبتنا عليه فأصابنا برد شديد حتى رأيت من يحفر في الأرض حفرة يدخل فيها يلقي عليه الحجفة" يعني الترس من البرد، من شدة البرد يحفر في الأرض ويدخل فيها يغطي نفسه بالترس "فلما رأى ذلك رسول اللهﷺ من الناس نادى: من يحرسنا في هذه الليلة وأدعو له بدعاء يكون فيه فضل؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، فقال: ادن فدنا، فقال: من أنت؟ فتسمى له الأنصاري، ففتح رسول الله ﷺ بالدعاء فأكثر منه، قال أبو ريحانة: فلما سمعت ما دعا به رسول الله ﷺ فقلت: أنا رجل آخر، فقال: ادن فدنوت، فقال: من أنت؟ فقلت: أنا أبو ريحانة، فدعا بدعاء هو دون ما دعا للأنصاري، ثم قال: حرمت النار على عين دمعت من خشية الله، وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله  [رواه أحمد: 17213، وقال محققو المسند: "مرفوعه حسن لغيره، وهذا إسناد ضعيف"].

لماذا يسهل الرباط مع أن فيه سهر وأيام وربما شهور في الثغور للحراسة حتى لا يفجأ العدو المسلمين؟

لأجل حديث:  رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، فإن مات جرى عليه عمله الذي يعمله وجرى عليه رزقه، وأمن الفتان [رواه مسلم: 1913].

لماذا يكون التنازل عن الحقوق سهلاً عند بعض الناس وهم يبتغون وجه الله؟ يجرح جراحة، يأتي في المحكمة يقول: تنازلت، لأجل حديث: ما من رجل يجرح في جسده جراحة فيتصدق بها إلا كفر الله عنه مثل ما تصدق به [رواه أحمد: 22701، وهو حديث صحيح].

لماذا إذا حدث الجدال والمراء في المجالس بعض الناس على قلتهم يسكتون ويمسكون عن الجدال؟

لأجل حديث:  أنا زعيم بيت  يعني كفيل به  أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً  [رواه أبو داود: 4800].

لماذا لم ينطلق كعب بن مالك وراء الكاذبين في مشوارهم وهم يعتذرون للنبي ﷺ؟

ولماذا لما جاءته رسالة من ملك غسان يدعوه للقدوم عليه، وكعب بن مالك مقاطع لا يكلمه الناس؛ يثبت في المدينة ولا يجيب الدعوة، ويحرق الرسالة؟

لماذا يتبع طريق الصدق؟

لأنه يعلم عاقبة الصدق:  ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ  [التوبة: 118]

لماذا لما يأتي ذلك الخادم بالمرقة الحارة على رأس سيده يتعثر ويسقط فيحترق السيد بالمرقة فيريد أن يثور فيقول: يا سيدي  وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ  يقول: قد كظمت غيظي، وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ  قال: قد عفوت عنك، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ  [آل عمران: 134] قال: أنت حر لوجه الله.

لماذا يتعمد بعض الناس أن يفرغوا من أوقاتهم أوقاتاً ليمشوا في حاجات المسلمين فيقضي حاجة هذا ويشفع لهذا وينجح غرض هذا، ويثبت أمر هذا؟

لماذا يترك بعض الناس الكبر؟

لأجل حديث:  وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله  [رواه مسلم: 2588].

ولماذا يترك العقوق أيضاً؟

لأجل رضا الله، ثم العوض في الدنيا ببر الأبناء أيضاً: بروا آباءكم تبركم أبناؤكم  [رواه الطبراني في الأوسط: 1002، والحاكم: 7259].

لماذا يعف بعض الناس عن السؤال؟

لأجل العوض الذي سيكون من رب العالمين.

لماذا يدافع بعض الناس عن أعراض إخوانهم في المجالس وهي تنتهك بالغيبة؟

لأجل  من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة [رواه الترمذي: 1931، وأحمد: 27543، وقال الألباني: "حسن لغيره"].

ولماذا تكون الأمانة منجاة؟

لأن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.

جاء ابن عمر إلى مكة فانحدر عليه راع من جبل مع غنم، فقال له ابن عمر: أراع؟ قال: نعم، قال: بعني شاة من الغنم؟ قال: إنني مملوك؟ قال: قل لسيدك أكلها الذئب، قال: فأين الله؟ فبكى ابن عمر، ثم اشتراه بعد ذلك فأعقته واشترى له الغنم، وقال: كلمتك نفعتك في الدنيا وأرجو أن تنفعك عند الله.

من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.

لقد ترك هذا الراعي العرض المغري الذي عرض عليه ليكذب كذبة ويأخذ المال، أتلفناها، أكلها الذئب، ضاعت،

لأجل ما يرجو عند الله من عاقبة الأمانة.

أيها الإخوة: التاجر الصدوق الأمين الذي يترك المال الحرام والربا والكسب المشبوه ما هي عاقبته؟ لماذا يترك بعض الناس بعض الصفقات؟ لماذا يتركون بعض العروض المغرية؟ لماذا لا يشاركون في فرص يقال عن تاركها أنه غبي؟

 لأجل العاقبة الحميدة في الآخرة.

ما هي؟

 التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء قال في صحيح الترغيب: "صحيح لغيره" [رواه الترمذي: 1209، والحاكم: 2143].

هناك في الناس أصحاب عاهات فيصبرون على عاهاتهم، تفقد عينه، يقول الله: يا ابن آدم إذا أخذت كريمتيك فصبرت واحتسبت عند الصدمة الأولى لم أرض لك ثواباً دون الجنة  [رواه أحمد: 22228، وقال محققو المسند: "صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن"].

وهؤلاء الذين في المستشفيات طالت بهم الأوقات في الرقاد على الأسرة فصبروا  ليودن أهل العافية يوم القيامة أن جلودهم قرضت بالمقاريض مما يرون من ثواب أهل البلاء  حديث صحيح.

يقولون: صرع فلان ويصرع فلان وتطيح فلانة وتسقط وتقوم!

 ما من عبد يصرع صرعة من مرض إلا بعثه الله منها طاهراً  حديث صحيح [رواه الطبراني في المعجم الكبير: 7485، والبيهقي في شعب الإيمان: 9452].

ما الذي يصبر المرأة التي يحصل لها إسقاط وربما يكون إسقاطات متتابعة، وربما لا يكون لديها ولد أبداً وترى بعينيها الولد السقط يسقط تلو الآخر.

والذي نفسي بيده إن السقط ليجر أمه بسرره إلى الجنة إذا احتسبته حديث صحيح [رواه ابن ماجه: 1609، وأحمد: 22090، وقال محققو المسند: "صحيح لغيره"].

الذي يفقد ثلاث أولاد يحتسبهم يدخل الجنة واثنان قال: واثنان، قلت لجابر: أراكم لو قلتم وواحد لقال واحد، قال: وأنا والله لأظن ذلك"[رواه أحمد: 14285، وقال محققو المسند: "صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن"].

ما الذي يجعل الناس يتركون المحرمات؟

خذ مثالاً: الغناء الذي تعلقت به النفوس، تنوع الغناء من النساء والرجال والألحان الشرقية والغربية، ودخلت معه المشاهد المصورة في الفيديو كليب وغيرها، وعملت له الحفلات وتجمع له الجموع الكبيرة، يصفقون ويطربون ويترنحون ويميلون في سماع لذة طرب نشوة ما الذي يجعل الناس يتركونه؟ كيف يتركونه؟ لأجل ماذا يتركونه؟

لأجل قول الله -تعالى-: فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ [الروم: 15] ما معنى يحبرون؟

يتلذذون بسماع الغناء،قال ﷺ: 

إن أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها أحد قط، إن مما يغنين به:

نحن الخيرات الحسان أزواج قوم كرام، ينظرن بقرة أعيان، وإن مما يغنين به: نحن الخالدات فلا نمتنه، نحن الآمنات فلا نخفنه، نحن المقيمات فلا نظعنه.

[رواه الطبراني في الكبير: 734].

فإذاً، هؤلاء الذين نزهوا أسماعهم عن مجالس اللهو ومزامير الشيطان ولذة الغناء في الدنيا يدعونه لأجل الله، فإن الله يعوضهم يوم القيامة من لذة سماع أصوات الملائكة بالتهليل والتسبيح والتكبير ما لم يخطر لهم ببال، قال ابن القيم:

ولهم سماع أعلى من هذا يضمحل دونه كل سماع، وذلك حين يسمعون كلام الرب -جل جلاله- وخطابه وسلامه عليهم ومحاضرته لهم ويقرأ عليهم كلامه فإذا سمعوه منه فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك"[حادي الأرواح، ص: 255].

يَا لَذَّة الاسماع لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان
أَو مَا سَمِعت سماعهم فِيهَا غنا ء الْحور بالأصوات والألحان
واها لذياك السماع فإنه ملئت بِهِ الأذنان بالإحسان
واها لذياك السماع وطيبه من مثل أقمار على أَغْصَان
واها لذياك السماع فكم بِهِ للقلب من طرب وَمن أشجان
واها لذياك السماع وَلم اقل ذياك تصغيرا لَهُ بِلِسَان
ما ظن سامعه بصوت أطيب الـ أصوات من حور الجنان حسان
نزه سماعك إن أردت سماع ذيـ ـاك الغناء عن هذه الألحان
لا تؤثر الأدنى على الأعلى فتحـ ـرم ذا وذا يا ذلة الحرمان
إن اختيارك للسماع النازل الـ أدنى على الأعلى من النقصان
والله إن سماعهم في القلب والـ إيمان مثل السم في الأبدان
والله إن سماعهم في القلب والـ إيمان مثل السم في الأبدان

[نونية ابن القيم، الكافية الشافية، ص: 325 - 326]

إذاً، من تعلق بالغناء في الدنيا كان سماً في جسده.

العوض من الله لا يشترط أن يكون في الدنيا

00:44:13

ومن تركه لله عوضه الله خيراً منه، لكن لا يشترط أن نرى العوض في الدنيا.

والمشكلة أن بعض الناس أنهم يريدون شيئاً معجلاً ويقولون: صبرنا على وظائف الربا ما جاءنا بديل؟ صبرنا عن كذا ما رأينا تعويض؟

نقول: وهل يشترط أن يكون في الدنيا؟

يا عبد الله: ربما لا يأتيك إلا يوم الدين، فلماذا تريده معجلاً وهذه الحياة زائلة.

فإن قال: ما يعينني على الصبر وعلى التضحية؟

فنقول: الإخلاص لله، والمجاهدة فيه:  وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا  والإحسان  وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ  [العنكبوت:  69].

وإذا كنت مؤمناً بأسماء الله وصفاته، وأن الله شكور حليم كريم فإنه لا بد أن يجزيك ولا يفوت ذلك عليك.

واسمع لأخبار المجتهدين الباذلين لله؛ لأن الله لا يضيع أجر المحسنين.

وعليك باليقين؛ لأن العوض لا بد منه سواء في الدنيا أو في الآخرة.

وهناك من أنبياء الله من جاءهم العوض في الدنيا قبل الآخرة، فهذا يوسف لما صبر على إغراء امرأة العزيز لما راودته ماذا كانت النتيجة مع أنه سجن في البداية؟

 النتيجة كانت تمكيناً:  وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ  [يوسف: 56].

هو في البداية صبر، وقال: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [يوسف: 33] واختار السجن على الفاحشة فعوضه الله أن مكنه في الأرض فأصبح عزيز مصر، وأتته المرأة صاغرة راغبة فيما قيل، وأتاه إخوانه الذين ظلموه يمدون أيديهم يقولون: وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ [يوسف: 88].

وإبراهيم لما أراد أن يضحي بإسماعيل استجابة لأمر الله وأن يذبح ولده الذي جاءه بعد كبر السن  وطول الانتظار وبلغ معه السعي، فإن الله -تعالى- فداه بذبح عظيم.

وكذلك لما ضحى لله بترك البلد وخرج من العراق وهي بلده وموطنه: فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا  [مريم: 49].

وهذا أيوب كم صبر على البلاء فكيف كانت عاقبة الصبر؟ وما هو الجزاء في الدنيا؟

قال ابن حجر -رحمه الله-: "أصح ما ورد في قصته ما أخرجه ابن أبي حاتم وابن جريج وصححه ابن حبان والحاكم من طريق نافع بن يزيد عن عقيل عن الزهري عن أنس: أن أيوب ابتلي فلبث في بلائه ثلاث عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه، فكانا يغدوان عليه ويروحان لكن ثلاثة عشر سنة في البلاء" واحد من هذين الرجلين، قال لصاحبه بعد هذه المدة الطويلة: "لقد أذنب أيوب ذنباً عظيماً وإلا لكشف عنه هذا البلاء، فذكره الآخر لأيوب، قال: إن صاحبي قال عنك: إنك ما ابتليت ثلاثة عشرة إلا أنك ارتكبت ذنباً عظيماً، فحزن أيوب ودعا الله حينئذ فخرج لحاجته وأمسك امرأته بيده وكانت صابرة محتسبة مؤمنة قائمة على خدمة زوجها بالرغم من هذا المرض العضال الذي نفر الناس منه، فلما فرغ أبطأت عليه، فأوحى الله إليه أن اركض برجلك، فضرب برجله الأرض فنبعت عين فاغتسل منها فرجع صحيحاً، فجاءت امرأته فلم تعرفه فسألته عن أيوب رأت أمامها رجلاً جميلاً جسيماً، فسألته عن أيوب فقال: إني أنا هو، وكان له أندران، والأندر هو البيدر أحدهما للقمح والآخر للشعير، فبعث الله له سحابة فأفرغت في أندر القمح الذهب حتى فاض، وفي أندر الشعير الفضة حتى فاض.

وفي رواية ابن أبي حاتم: فكساه الله حلة من حلل الجنة فجاءته امرأته فلم تعرفه، فقالت: يا عبد الله هل أبصرت المبتلى الذي كان هنا؟ فلعل الذئاب ذهبت به، فقال: ويحك أنا هو [فتح الباري، لابن حجر: 6/421].

سليمان لما انشغل باستعراض الخيل عن صلاة العصر حتى غربت الشمس عن صلاة في وقت العصر حتى غربت الشمس تركها وأعرض عنها فعوضه الله بالريح غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ [سبأ: 12] أسرع من الخيل.

لما ترك الخيل لله عوضه الله بما هو خير منها.

فتية الكهف الذين تركوا قومهم تركوا البيوت تركوا ما كانوا فيه خرجوا فارين بدينهم عوضهم الله بهذه الكرامة العظيمة التي رفعت ذكرهم إلى قيام الساعة.

عثمان جهز جيش العسرةما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم.

زوجات النبي ﷺ عرض عليهن إذا كن يردن الدنيا أن يعطيهن من المال ثم يسرحهن إلى أهلهن وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب: 29] فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة وبقين على الشدة وعلى الفقر الذي كان عليه النبي ﷺ.

وقتادة بن النعمان لما ذهبت عينه في أحد وردها النبي ﷺ لما سالت على خده كانت أحسن عينيه وكانت لا ترمد إذا رمدت الأخرى ولما جاء ولده بعد ذلك في عهد عمر بن عبد العزيز فدخل على عمر، فقال له: من أنت؟

فارتجل:

أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أحسن الرد
فعادت كما كانت لأول أمرها فيا حسنها عينا ويا حسن ما خد

فقال له عمر:

هذه المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا

[الاستيعاب في معرفة الأصحاب 3/ 1275].

لأنك لو أتيت بهذا الإناء من اللبن وشربته فماذا سيتحول؟

هذه المكارم هذه، الصبر على القتال والجهاد حتى تذهب العين، هذه المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا، ثم وصله فأحسن جائزته.

وكذلك فإن جعفر لما قدم يديه في سبيل الله قبل نفسه فإن الله كافأه بجناحين يطير بهما في الجنة؛ كما عند الترمذي بسند صحيح.

وعند الطبراني بسند جوده ابن حجر: "إن جعفرا يطير مع جبريل وميكائيل له جناحان عوضه الله من يديه".

أم سلمة لما جاء في نفسها شيء بعد موت زوجها من عبارة: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها، من هو خير من زوجها ما رأت مثله، قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ، ثم إني قلتها، في النهاية استسلمت للشرع، وقالت العبارة مؤمنة بها، فأخلف الله لها رسول الله ﷺ.

أبو طلحة لما صبر مع أم أنس بن مالك على فقد ولده الذي كان يحبه جداً، وقد تولع به صبر لله بدعوة من النبي ﷺ أن يبارك الله لهما في ليلة أتى فيها زوجته، جاءه مولود، المولود هذا لما كبر كان له تسعة أولاد كلهم من حفظة كتاب الله، فخرج من عبد الله كثير من المجاهدين في سبيل الله.

وكذلك الغلام في قصة أصحاب الأخدود لما ترك ما عند الملك من النعيم، هذا لو طاوع السحر وتعلم السحر واشتغل عند الملك كم كان سيكون راتبه ومكافأته؟ لكن ضحى بنفسه في سبيل الله فبقيت قصته عندنا إلى قيام الساعة.

وترك الذنوب وأهل الذنوب وترك القرية التي فيها المعاصي عوض الله صاحبها التائب الذي ترك البلد كلها لما فيها من الفساد عوضه الله بمغفرة وجعل ملائكة الرحمة هي التي تقبضه.

وكذلك عندما ترك رجل الجزع وتوكل على الله هو وزوجته في الفقر الشديد أبدلهما الله رزقا حسناً، قال أبو هريرة: دخل رجل على أهله فلما رأى ما بهم من الحاجة خرج، ما يستطيع يفعل شيئاً، أيش يفعل للزوجة؟ أيش يفعل في هذا الفقر والجوع وما عنده شيء؟ ماذا يطعمهما؟ وماذا يطعم نفسه؟

لما رأت امرأته انكسر خاطرها جاء الزوج ما بيده شيء للبيت ولا البيت فيه شيء قامت إلى الرحى فوضعتها كأنها تريد أن تطحن شيئاً، وذهبت إلى التنور فوجدته ممتلئاً، فرجع الزوج قال: أصبتم بعدي شيئاً؟ قالت امرأته: نعم، من ربنا، قام إلى الرحى، فذكر ذلك للنبي ﷺ قال: أما إنه لو لم يرفعها لم تزل تدور إلى يوم القيامة)) حديث صحيح.

ورواه الإمام أحمد في رواية أخرى: أن رجلاً جاء إلى امرأته قال: عندك شيء؟ المرأة ما عندها شيء، قالت: نعم، ترجو فضل الله، قال: هاتي، قالت: انتظر وفتحت التنور ورجعت غاب الرجل نام أراد أن ينام من الجوع قال: هاتي هاتي، فمن شدة توكل المرأة على الله فتحت فرنها فوجدته ملآن جنوب الغنم.

مرة من المرات دخل ثلاثة في غار انطبق عليهم، والقصة معروفة، واحد منهم دعا ربه بموقف حصل له من امرأة جلس بين رجليها للزنا فلما تركه لله، وقام من مقام كان حبيباً إلى نفسه ولذة تركها لله أعقبه الله الفرج من غار كان سيموت فيه.

أبو عثمان المازني من أئمة اللغة العربية جاءه رجل من أهل الذمة ليقرأ عليه كتاب سيبويه وقال: أعطيك مائة دينار؟ مائة دينار تعرف كم؟

الدينار من ذهب والدينار أربع غرامات وربع، مائة دينار، يعني نصف كيلو ذهب تقريباً، فامتنع أبو عثمان المازني، فقلت له: جعلت فداك أترد هذه المنفعة مع فاقتك والشدة التي عليك؟ فقال: إن هذا الكتاب يشتمل على ثلاثمائة وكذا وكذا آية من كتاب الله ، ولست أرى أن أمكن منها ذمياً غيرة على كتاب الله وخشية له.

راحت الأيام والرجل في شدة اتفق أن جارية بحضرة الواثق الخليفة أنشدت قول العرجي:

أظلوم إن مصابكم رجل أهدى السلام تحية ظلم

فاختلف من بحضرة الخليفة في إعراب كلمة رجلاً، فمنهم من نصبه، وجعله اسم إن، ومنهم من رفعه على أنه خبرها، والجارية مصرة على أنها سمعتها من أبي عثمان المازني بالنصب، قال الخليفة: هاتوا أبا عثمان المازني؟ فسأله فأجابه فاستحسن جوابه، وأمر له بألف دينار ورده مكرماً، فلما عاد إلى البصرة، قال لتلميذه الذي لامه على ترك المبلغ الأول: كيف رأيت يا أبا العباس رددنا لله مائة فعوضنا ألفا؟

هذا واحد تاجر سمع عن مقاولة أو مناقصة فجلب خشباً نادراً بأربعين مليون رجاء أن يدخل في هذه المناقصة ويبيعه، فلم ترس عليه المناقصة، جاءه عرض بعد ذلك من معبد هندوسي أو معبد بوذي يريدون الخشب هذا؛ لأنهم سألوا عنه في إندونيسيا قالوا: اشتراه تاجر من أرض الجزيرة، اتصلوا عليه، قالوا: تبيعنا الخشب؟ لماذا؟ قالوا: عندنا معبد كذا، عرضوا عليه ضعف المبلغ الذي اشتراه به، فلما عرف أنه معبد بوذي أو هندوسي رفض أبداً ولو ضعف السعر، فعوضه الله بصفقة بمائة وعشرين مليوناً بعد ذلك.

وهذا شاهد لمن  ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.

لكن -يا إخوان- نعود ونقول: لا يشترط أن يكون العوض في الدنيا، ممكن واحد في الدنيا ما يأخذ شيئاً، ويكون العوض كله في الآخرة، والمسألة إيمان بالله، وإيمان بالغيب.

ألم يكن صاحب المزرعة الذي يأخذ الثلث ينفقه على أهله، وثلث يصلح به المزرعة والبذر والحصد، وثلث يتصدق في سبيل الله، قد جعل الله سحابة تأتي وتمطر كلها في بستانه ما في ولا قطرة ماء خارج بستانه؛ لأنه تصدق بثلث المال، ولذلك أخذ العلماء من الحديث: فضل الصدقة بثلث المال، يعني لو أنت مثلاً يدخل عليك في السنة تسعين ألف، فقلت: ما هو أفضل شيء أتصدق بكم من دخلي السنوي؟ أنا عندي دخل سنوي مائة مائتان عشرون ثلاثون خمسون ألف؟ أنا عندي دخل سنوي ما هو أحسن مبلغ أتصدق به؟

 لو أحد يصبر على الفقر كان تصدق بماله كله، عمر تصدق بنصف ماله.

أخذ من قصة صاحب الحديقة: الصدقة بثلث المال.

وكذلك فإن هناك أناس كانوا في أمور محرمة قطاع طرق لصوص تابوا إلى الله فعوضهم الله.

وأحياناً يكون التعويض أن ينتقل الشخص من الحرام إلى الجهاد، إلى ميادين الجهاد يكون التعويض بخاتمة حسنة لهذا الرجل، مثل مالك بن الريب الذي كان يسلب القوافل ويقطع الطريق ويأخذ متاع الحجاج فمر به سعيد بن عثمان بن عفان وهو يزحف يجيش إلى خراسان للجهاد في سبيل الله فنصحه ووعظه، فالرجل استجاب وتاب وذهب للجهاد وأبلى بلاء حسنا وطعن، فقال ودماؤه تنزف:

ألم ترني بعت الضلالة بالهدى وأصبحت في جيش ابن عفان غازيا
فلله دري يوم أترك طائعا بني بأعلى الرقمتين وماليا
تذكرت من يبكي علي فلم أجد سوى السيف والرمح الرديني باكيا

وهو نسب إلى ردينة امرأة كانت تقوم الرماح

إذاً، السيرة الحسنة والخاتمة الحسنة عاقبة حسنة لمن ترك الحياة السيئة الرديئة.

وينبغي علينا دائماً أن نتذكر بأن هذه القاعدة عليها  مدار السعادة: "من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه".

ونتذكر بأن الدين لا يقوم إلا بالتضحيات، وأن التضحيات إذا بذلناها لله فإن العوض على الله ولا بد، والله لا يخلف الميعاد، وإذا وعد فلا بد أن يفي سبحانه بما وعد،  وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء: 122]،  وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا  [النساء: 87]، والله لا يخلف الميعاد.

جزاء وعاقبة ترك أوامر الله

01:04:20

أيها الإخوة: كما أن ترك هذه الأشياء لله يورث أموراً حسنة من الشيء الحسن في الدنيا والآخرة؛ فإن ترك الأشياء الدينية تورث العكس أيضاً -كما مر معنا- في أول هذا الدرس، لما ترك أصحاب الجنة الصدقة وحق الله في المال ماذا حصل؟

 فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ  [القلم: 19-20].

أهل السبت لما تركوا الانقياد لله وحكم عدم الصيد في يوم السبت مسخهم الله قردة وخنازير.

الذي تعاظم في مشيته وتكبر وأسبل الثوب خسف الله به الأرض.

الذي يترك صلاة العصر يحبط عمله.

والذي يترك الجمعة ثلاث مرات تهاوناً يطبع الله على قلبه.

والذي يترك الاستبراء من البول يعذبه الله في القبر.

والذي يترك الجهاد في سبيل الله يسلط الله عليه الذل والهوان.

والذي لا يتحرى الحلال ويأكل الحرام فإن عاقبته أشنع من عاقبة الزنا.

والذي لا يعدل بين زوجتيه يأتي يوم القيامة وشقه مائل.

والذي لا يبر أباه وأمه لا ينظر الله إليه يوم القيامة.

والذي يترك الإخلاص لله في عمله يكون من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة.

والذي يترك الصلاة على النبي ﷺ إذا ذكر فإنه يخطئ طريق الجنة.

والذي يبخل بماله في سبيل الله يعطى التلف.

والذي يقطع رحمه يقطعه الله.

وهكذا تكون العاقبة السيئة لمن ترك ما أمر الله به.

فنسأل الله أن يجعلنا ممن اتبعوا أمره، وتركوا ما نهى عنه، وأن يجعل عاقبتنا إلى خير، وأن يعوضنا خيراً من لدنه، وأن يجعلنا ممن يتركون ما حرم له سبحانه وفي سبيله.

ونسأله أن يرزقنا الشهادة في سبيله إنه سميع مجيب قريب.

والحمد لله أولاً وآخراً.