الأربعاء 17 صفر 1441 هـ :: 16 أكتوبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

الدين ليس مظهراً فقط


عناصر المادة
المقدمة:
الشمولية في الإسلام:
أنواع الناس في التدين:
ظاهرة التدين الشكلي:
الشعارات الصحيحة:
التدين بما يوافق هوى النفس:
يجب أن يكمل صلاح الظاهر بصلاح الباطن:
الفساد الذي طرأ على مفهوم العبادة:
الدعوة إلى التساهل:
التناقض بين الظاهر والباطن:
الاهتمام بالباطن:
دلالة الظاهر على الباطن:
أمثلة على استغلال الدين للمصالح الدنيوية:
المقدمة:
00:00:07
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن الله -سبحانه وتعالى- خلق الخلق، والدين من فطرتهم، فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ  [الروم: 30]، هذا هو الدين إسلام، وإيمان، وإحسان، إنه إقامة شرائع الدين الظاهرة والباطنة، فالصلاة، والصيام ،والحج، وشرائع القلب كالمحبة، والخوف، والرجاء، والإنابة،  أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا  [يونس: 105]، مقبلاً على الله تعالى، هذه هي الحقيقة، هذا هو الدين القيم، والطريق المستقيم الذي يوصل إلى كرامة الله –تعالى-.
والتدين عام في تاريخ البشر، لم يخلو منه مجتمع من المجتمعات، حتى قال أحد مؤرخي الإغريق بلوتارك: "وقد وجدت في التاريخ مدناً بلا حصون، ومدناً بلا مدارس، ومدناً بلا قصور، ولكني لم أجد مدناً بلا معابد".
وقد امتن الله علينا بنعمة الإسلام، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا  [المائدة: 3]، جعله شرائع ظاهرة وباطنة، دين كامل لا يمكن الاستغناء بجزء منه عن الآخر، ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً  [البقرة: 208]، في جميع عرى الإيمان.
والإيمان لباسه التقوى، وزينته الحياء، وماله الفقه، الإسلام عقيدة جوهرها التوحيد، وعبادة جوهرها الإخلاص، ومعاملة جوهرها الصدق، وخلق جوهره الرحمة، وتشريع جوهره العدل، وعمل جوهره الإتقان، وأدب جوهره حسن المعاملة، وعلاقة جوهرها الأخوة، فمن ضيع هذه فقد ضيع جوهر الإسلام،
الشمولية في الإسلام:
00:02:34
 هذا الدين شامل لتصديق القلب، واعتقاد القلب، تسليم القلب، قول القلب، وعمل القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح.
قال الشافعي -رحمه الله-: "كان الإجماع من الصحابة، والتابعين من بعدهم، ومن أدركناهم، يقولون: إن الإيمان قول، وعمل، ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة عن الآخر" [شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة:5/ 956].
فالعمل الظاهر لا ينفع صاحبه إن لم يكن معه عمل قلبي، والعمل القلبي لا يكفي بلا عمل ظاهر، كما قال الشافعي أيضاً: "لا يجزئ واحد من الثلاثة عن الآخر"، ولذلك فإن الإيمان شعب كثيرة، قال عليه الصلاة والسلام: الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان  [رواه البخاري:9، ومسلم: 35، واللفظ له].
وأهل الحديث والسنة على أن كل طاعة داخلة في الإيمان سواء كانت من أعمال القلب، أو من أعمال الجوارح، سواء كانت من عمل اللسان، أو سواء كانت من عمل القلب، والله –تعالى- لما ذكر صفات المؤمنين المفلحين ذكر لهم عبادات ظاهرة وباطنة،  الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ  [المؤمنون: 2 - 6] ، شعائر تعبدية بينه وبين الخالق قائمة، وبينه وبين المخلوقين عفة، وكذلك  هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ  [المؤمنون: 8] ، وهذه الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، نزلت في جذر القلوب.
والشمولية في هذا الدين واضحة،  قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  [الأنعام: 162]، ومن تمسك بالدين بشعبه الظاهرة والباطنة، فهو المتدين الحقيقي، هذا الملتزم المستقيم،   يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً  [البقرة: 208]، جميع الأعمال ووجوه البر.
لما عرف العلماء العبادة، ماذا قال قائلهم: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة "، مجموع فتاوى شيخ الإسلام [مجموع الفتاوى:10/ 149].
حديث جبريل يدل على ذلك، فقد جاءهم ليعلمهم دينهم.
قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: "فأما الإسلام فقد فسره النبي -صلى الله عليه وسلم- بأعمال الجوارح الظاهرة من القول والعمل، فجميع الواجبات الظاهرة داخلة في مسمى الإسلام، صلاة، حج".
وأما الإيمان فقد فسره النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث جبريل بالاعتقادات الباطنة، فقال:  أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره " [رواه البخاري: 50، ومسلم: 9] [جامع العلوم والحكم: 1/ 98- 102]، هذا هو التدين الحقيقي ظاهر وباطن، جوهر ومخبر، اعتقاد وسلوك، قول وعمل .
                         وإذا بحثت عن التقي وجدته *** رجلاً يصدق قوله بفعالي
أنواع الناس في التدين:
00:06:07
 ولكن إذا وجدت من يأخذ الدين جزءاً، ويعمل به جانباً، فمنهم من يتدين بعاطفة، ومنهم من يتدين بظاهر وشكل، ومنهم من يتدين تديناً قلبياً بزعمه، ومنهم من يستغل الدين للوصول إلى مآرب ومصالح خاصة.
فمن الناس التدين عندهم جانب معرفي، أنه يعرف، يقول: أنا أعرف الله، أنا أعرف الدين، أنا أعرف الأحكام فقط، أنا مقتنع بعقلي، وربما لا يمارس شيئاً، والمعرض عن دين الله بالكلية لا يقوم بعمل أبداً، هذا صاحب كفر الإعراض؛ لأن قضية الإطلاع على الإسلام، ومعرفة الإسلام يقوم بها كثير من الكفار والمستشرقين، يعرفون الإسلام، يطلعون على الإسلام، يقرءون عن الإسلام، وربما عرف بعضهم عن الدين أكثر مما يعرف بعض المسلمين، لكن الممارسة في العمل، آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ  [البقرة: 25].
وبعض الذين يزعمون التدين يكون له نصيب منه في شيء من عمل القلب، ولكن لا يظهر بعد ذلك في سلوكه، ولا في حياته اليومية.
وقد جاء عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال على المنبر: "إن أخوف ما أخاف عليكم المنافق العليم.
قالوا : كيف يكون المنافق عليماً؟
قال: يتكلم بالحكمة، ويعمل بالجور، أو قال: بالمنكر"، أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة عن عمر -رضي الله عنه- [تعظيم قدر الصلاة: 685].
وربما كان لبعضهم علم بمسائل من الشريعة، بل وأشياء من السنة، لكن من جهة العمل في غاية التقصير، وربما سلك بعضهم مسلك الجدل في المسائل، والمناقشات الطويلة، لكن رصيده العملي ضعيف.
قال بعض السلف: "إذا أراد الله بعبد خيراً فتح عليه باب العمل، وأغلق عليه باب الجدل، وإذا أراد بعبد شراً أغلق عليه باب العمل، وفتح عليه باب الجدل" [شعب الإيمان: 1692].
ولذلك قال الحسن البصري -رحمه الله-: "العلم علمان: فعلم على اللسان، فذلك حجة الله على ابن آدم، وعلم في القلب، فذلك العلم النافع" [سنن الدارمي: 376].
فما هو العلم النافع؟ الذي يورث خشية الله، وتعظيم الله، ومحبة الله؛ لأن القلب متى خشع خشعت بقية الجوارح؛ لأنها تابعة له، والنبي -عليه الصلاة والسلام- كان يقول:  اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع  [رواه مسلم: 2722]، فبعض الناس عندهم معلومات، معلومات عن الدين، لكن ماذا لديهم من الرصيد العملي؟
ونرى البعض ربما يزين مكتبته بكتب إسلامية، وعنده بعض المظاهر الدينية، وريما كان في يده سبحة، وربما كان في جداره آيات معلقة، لكن ما هو نصيبه من الدين؟ عنده في مرآة السيارة لواحات، لكن أشكال ظاهرة، ربما يعبر بها عاطفياً عن انتمائه للدين، لكن في حقيقة الأمر العمل ضعيف جداً ، والعجب ممن يشتغل أحياناً برسم الحروف الظاهرة في المصحف، فهو في التجويد والمخارج ممتاز، ولكن في إقامة القرآن في حياته ضعيف.
وكان السلف ينهون عن إقامة اللفظ وترك العمل، كما قال الحسن رحمه الله: "أنزل القرآن ليعمل به، فاتخذ الناس تلاوته عملاً"، يعني: اقتصروا على ذلك، وتركوا العمل بمعانيه [تلبيس إبليس: 101].
وعن مالك بن دينار قال: "تلقى الرجل وما يلحن حرفاً، وعمله كله لحن" [حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: 2/ 383].
وعن معاوية بن قرة قال: "بكاء العمل أحب إلي من بكاء العين" [سير أعلام النبلاء: 5/ 471].
وقال مالك بن دينار أيضاً : "إني آمركم بأشياء لا يبلغها عملي، أنا قد أحثكم على أمور، وأنا لا أقوم بها، ولكن إذا نهيتكم عن شيء ثم خالفتكم إليه فأنا يومئذ كذاب" [حلية الأولياء: 2/ 379].
وكان منهج النبي -صلى الله عليه وسلم- شاملاً للعلم: المعرفة، والتدين العملي، يوجد في واقع الشخص في حياة الصحابي سلوك، تعبد، خلق، أدب، ممارسة أعمال.
ظاهرة التدين الشكلي:
00:11:57
 قضية الظاهر قد تبدو في أشياء متعددة، ظواهر التدين قد تكون اللحية، وتقصير الثوب، وقد تكون إقامة الحروف والتجويد، وقد تكون أشياء مما يعلق، وبعضها قد يكون من الدين، وبعضها قد يكون طارئاً من البدع التي يظهر بها شيء من التدين، لكنها في الحقيقة لا دليل عليها، ولذلك يجب التوقف ملياً عند قضية الظاهر؛ لأن بعض الناس ربما يشعر أنه يريح ضميره في قضية التدين بإبراز بعض الظواهر، لكن الممارسة العملية عليها مؤاخذات كثيرة، لماذا كان السلف لا يتجاوزن العشر آيات من القرآن حتى يعرفوا معانيها؟ لأجل العمل، التمكن من العمل.
وهنالك من الناس من عنده بعض العبادات، فتراه يصلي، ويحج، ويعتمر، ويصوم، وهذه لديها حجاب جيد، مستمسكة به، وهذا عنده سمت إسلامي، ومظهر موافق للسنة، لكن تعال إلى الخوف من الله، محبة الله، رجاء الله، التوكل على الله، الحياء من الله، الصدق مع الله، الإنابة إلى الله، الخضوع، التذلل، التوبة، الذل للرب، الانكسار له، تجد أن هذه المعاني ضعيفة، ولذلك لا يعتبر هذا الشخص قد أراح ضميره وقام بما عليه بأداء هذه الأشياء، وإن كانت من الدين ومن السنة، لكنها ليست هي الإسلام،  بني الإسلام على خمس  [رواه البخاري: 8، ومسلم: 16]، فالأركان هذه الخمسة هذه أعمدة الدين، لكن فوقها بناء: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبر الوالدين، والإحسان إلى الجار، وصلة الرحم، والأمانة، وهكذا،  بني الإسلام على خمس ، فإذا كان عندك أعمدة بلا بناء فوقها فما الذي يظلك؟
لقد أصبحت ظاهرة التدين الشكلي، وممارسة بعض العبادات، وربما في رمضان يوجد شيء من الاجتهاد، وذهاب إلى مكة، لكن بقية السنة فيها تقصير كبير، جوهر الدين وترجمة هذا الإسلام إلى سلوك في الحياة يوجد فيه نقص، يجب تكميله، والمحافظة على الأركان في غاية الأهمية، والمعاملة للخلق لا بد أن تكمل المعاملة مع الخالق.
وتجد عند الناس في هذا إفراط وتفريط:
فمنهم من يعامل الخالق في بيته معاملة حسنة، لكن إذا خرج إلى الخلق عاملهم معاملة سيئة.
ومنهم من يتعامل مع الناس معاملة حسنة، لكنه في غاية السوء في معاملته مع ربه؛ لأنه مضيع، فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ  [مريم: 59]، فهو في العمل جيد، وفي الدراسة جيد، وفي المعاملة مع الناس جيد، لكن في المعاملة مع الله في صلاة الفجر والعصر ليس بجيد، ونحن نرى مواسم حماس لبعض الطاعات في الصيام، والتراويح، وعمرة رمضان، لكن النفس الطويل في ممارسة العبادة مما ينقص.
وبعض الناس عنده محافظة على الصف الأول، لكنه لا يخلص في عمله، ولا يكون أميناً في معاملته.
وبعضهم يحج ويتقاضى رشوة، يصوم فرضاً وتطوعاً وعنده معاملات ربوية، ربما يتدين بحضور بعض مجالس الذكر لكن هنالك تقصير كبير في قضية العقود مع الخلق، والعهود معهم.
وبعضهم ربما يحن إلى سبحة يحركها في يده، ويعالج بها شيئاً في نفسه من شعار يحس به بالانتماء لهذا الدين، لكن في الحقيقة كم مرة يسبح بها؟ وكم مرة يذكر بها؟
إن الحرص على هداية الناس بالإضافة إلى الالتزام الشخصي بالدين أمر مهم جداً؛ لأن هذا من طبيعة هذا الدين، ولكن عندما ندعو إليه يجب أن ندعو إليه بالشمولية التي جاء بها؛ لأن بعضهم قد يكتفي من الشخص إذا دعاه أن يلتزم بالشعائر الظاهرة، أو ببعض المظاهر من الدين، لكن في قلب الآخر المدعو لم يحدث تغيير جذري، وهذا المدعو قد يوافق الداعية طوعاً، أو كرهاً، محبة، عاطفة،  ميلاً، تشبهاً بإعجاب، لكن التغيير الحقيقي هو أن يضاف إلى هذا التغيير الشكلي، الجيد، الممتاز، الحسن، الموافق للسنة، الذي يجب أن نحرص عليه أن يضاف إلى ذلك التغيير للقلب،  إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ  [الرعد: 11].
الشعارات الصحيحة:
00:18:47
 قضية الشعارات أيها الإخوة قضية مهمة، "أعل هبل،  أجيبوه: قولوا الله أعلى وأجل ، لنا العزى ولا عزى لكم،  أجيبوه: الله مولانا ولا مولى لكم [رواه البخاري: 3039]، يا منصور "أمت أمت" [رواه أبو داود: 2596، وصححه الألباني في صحيح أبي داود: 2336] ، من شعارات المسلمين في الغزوات، كان لهم شعارات، حم لا ينصرون، هنالك في إعلان الشعارات والإسلام هو الحل، شعارات مهمة في إيقاظ حس الناس، مهمة في التنبيه على الوجود الإسلامي في الواقع، لكن يجب أن لا تستغل هذه الشعارات في أمور الدنيا لدغدغة عواطف الناس من الناحية الدينية، لجذبهم إلى منافع دنيوية،
وربما عمد بعض الناس إلى تسمية بضائع بأسماء دينية، بل ربما كان في بعضها ملاحظات، فيسمي عطراً بجنة الفردوس، وهل هذا العطر هو جنة الفردوس، وما الذي فيه من جنة الفردوس؟، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر  [رواه البخاري: 3244، ومسلم: 2824]، ليست القضية الخطأ في الاسم، لكن ما هو المسمى، وعندما تسمي كذا الإيمان وكذا التقوى وكذا الاستقامة وكذا الهدى فانظر هل للمسمى من هذا الاسم نصيب؟ ، الاسم جميل، محلات الهدى ، محلات التقوى ، محلات الإيمان، لكن هل هي تلتزم بهذا الاسم الشرعي؟
وبعضهم يعلق مصحفاً أو سجادة صلاة على الجدار، أو هلالاً، أو نغمة جوال يقول: إسلامية، يوجد زخارف في بعض المساجد، يوجد آيات منقوشة في بعض الجدران، بعض هذه الأشياء أصلاً ليست من الشرع، بل الشرع حاربها، حارب تزويق المساجد، وحارب الزخرفة هذه التي هي إهدار للمال، لأن النفع الحقيقي بقراءة هذه الآيات، وامتثالها بالقلب، والعمل بها بالجوارح.
وعندما يعلن عن بعض الاستثمارات في مكة والمدينة بعبارات فيها دغدغة للعواطف الدينية؛ ليقبل الناس على هذا الاستثمار مع هذا الجوار، وعلى هذه العبادة مع هذه الاستفادة، يعني أنت تجد هنالك شعارات، لكن ما هي حقيقتها؟ وماذا يراد بها ومن ورائها؟
والأعمال الخيرية من الطبيعي أن تسمى بأسماء من هذا القبيل، لأنه لا منفعة شخصية فيها، وإنما هي لله، لكن أحياناً يكون من وراء بعض الأعمال قصد التجارة فقط، وتظهر بأشكال ومظاهر فيها حق، وفيها تقصير في اتباع الحق.
التدين بما يوافق هوى النفس:
00:22:46
 ثم إن بعض الطبائع عجيبة تلتزم بأمور من الدين، وتعرض عن أمور، فربما من جهة إعفاء اللحية لا يوجد مقاومة هوى، فهو مستعد أن يقوم بذلك، ولكن في قضايا تتعلق بالنظرة المحرمة غير مستعد للقيام بذلك، التورع عن الخمر عند بعض الناس قوي أنه ما يمكن يشرب خمر، لكن في قضية أكل أموال الناس لا يتورع عن ذلك، فالعجب يتورع عن شيء ولا يتورع عن آخر، الدين جاء بمنع هذا ومنع هذا، فلماذا فرقت بينهما؟ لأن هذا ليس مخالفاً لهواك، أنت ما عندك مانع أن تمتثل به، لكن الآخر مخالف لهواك، ولذلك لا تمتثلوا له، ولذلك لا تمتثلوا بالنهي الذي ورد فيه.
قال ابن القيم رحمه الله: "ولهذا تجد الرجل يتورع عن القطرة من الخمر، أو من استناده إلى وسادة حرير لحظة واحدة، ولكنه يطلق لسانه في الغيبة والنميمة في أعراض الخلق، كما يحكى أن رجلاً خلا بامرأة أجنبية، فلما أراد مواقعتها، قال: يا هذه غطي وجهك، فإن النظر إلى وجه الأجنبية حرام"، عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين لابن القيم [70].
قال ابن الجوزي -رحمه الله-: فإن الإنسان لو ضرب بالسياط ما أفطر في رمضان عادة قد استمرت، ويأخذ أعراض الناس وأموالهم عادة غالبة" [صيد الخاطر: 244].
فأين هؤلاء من قوله تعالى:  وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ  [الأنعام: 120]، فنهى الله عباده عن اقتراف الإثم الظاهر والباطن، يعني في السر والعلانية، سواء متعلق بالقلب مثل سوء الظن، أو بالجوارح مثل الاعتداء والبغي.
وكذلك فإن الظاهر، والباطن، والجوهر، والمخبر متلازمان، وإذا صح هذا صح هذا، ولا بد أن القلب إذا كان صحيحاً ينعكس ذلك ويظهر على الجوارح، وقد يظهر بعض الناس مجاملة أو مسايرة لمن معه بمظهر إسلامي، ولكن إذا خلا بمحارم الله انتهكها.
ولما جاءت إلينا طلائع الغزو الإباحي في الموجات، والشاشات، والأجهزة، والجوالات، والرسائل الإلكترونية، والمخزنات، والمنقولات، والمنسوخات، والمرسلات، صار هنالك تخريب داخلي في قضية الاستسلام للشهوات، ولذلك لا بد من مقاومة داعي الهوى، لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاً، فيجعلها الله -عز وجل- هباء منثوراً ، قال ثوبان يا رسول الله: صفهم لنا، جلهم لنا، أن لا نكون منهم، ونحن لا نعلم، قال:  أما إنهم إخوانكم ،ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها  [رواه ابن ماجه: 4245، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: 505].
يجب أن يكمل صلاح الظاهر بصلاح الباطن:
00:27:04
 ليس الحل هو شطب مظاهر التدين لعدم إيجاد حالة نفاق وازدواجية، فيجب أن نكون واضحين وصريحين أمام الناس، فنلغي مظاهر التدين حتى لا نقع في الازدواجيات، لا، لأنه في الحقيقة إذا كان عند شخص ما خراب داخلي فأضاف إليه خراب الخارج فقد ازداد إثماً إلى إثم، ومعصية إلى معصية، ولكن يجب أن يكمل صلاح الظاهر بصلاح الباطن، ووجود ظاهر حسن جميل يقود إلى مقاومة لتصحيح الداخل، ولذلك بقاء الظاهر الحسن، الجميل، الموافق للسنة يعين الإنسان على التغلب على داعي الهوى؛ لأن هنالك صراع سيعمل في النفس، أنا أمام الناس ملتزم وفي الحقيقة أفعل كذا وكذا، ما هو المطلوب؟ أن أتغلب على ضعف نفسي، حتى لا أكون منافقاً، ولا يكون عندي ازدواجية، ويكون ظاهري كباطني، يجب أن أعدل الباطن، وليس أن أعدل الظاهر؛ لأن تعديل الظاهر في هذه الحالة، أو إلغاء الظاهر هذا الذي يدل على استقامة، هو إثم على إثم، وسيئة على سيئة.
ويكون الإنسان عنده شيء من التمسك بالسنة فيلغيه لأجل عدم وقوع الازدواجية، ويقول: حتى ما أكون بلاء على الإسلام، وحتى الناس ما يأخذوا فكرة سيئة عن المتدينين، فلأظهر على حقيقتي، ولأنزل هذه المظاهر من مظاهر التدين، وأكشف نفسي أمام الناس، لا، هذه مجاهرة، لماذا المجاهرة؟ أنت كنت مستتراً بالمعصية، صرت الآن مجاهراً، انتقلت من سيئ إلى أسوأ، أنت ما حليت المشكلة، أنت زدت الطين سوءاً ونجاسة، ولذلك وجود الظاهر الشرعي وسيلة للتغلب على النفس في الصراع.
قال بعض أهل العلم: "ومنهم متصنع في الظاهر، ليث الشرى في الباطن" -سبع عادي- "يتناول في خلواته الشهوات، وينعكف على اللذات، ويري الناس بزيه أنه متصوف، متزهد، وما تزهد إلا القميص" [صيد الخاطر: 42].
القميص هو الزاهد، أما ما بداخل القميص فليس بزاهد، وهذا إنسان قصده بالتدين الظاهري أصلاً الخداع، وهذه مصيبة أعظم، لأن بعض الناس يقصد بالتدين الظاهري التقرب إلى الله، يقول: أنا اتبعت سنة محمد -صلى الله عليه وسلم- أنا أؤجر على ذلك، أنا أؤجر على إطلاق لحيتي، وعلى أن لا أسبل الثوب، وعلى وعلى، أؤجر عليه، ويؤجر عليه إذا قصد وجه الله يؤجر عليه.
لكن بعض الناس ربما حتى التدين الظاهري يريد به نفاقاً وخداعاً، كالذي يأتي إلى ناس يخطب من عندهم ليزوجوه، فهو قد أطلق، وأعفى، وقصر، وجاء ليقول: أنا كذا، وسمتي كذا، ويأتي وقت الأذان، ثم يقول: لماذا لا نذهب للمسجد؟ هو أصلاً منافق لا يصلي أساساً، ولكن يريد منهم أن يزوجوه فقط، كمن يريد أن يتولى وظيفة دينية فهو يظهر التدين الظاهر نفاقاً لأجل الحصول على الوظيفة، وإلا هو في الحقيقة لا يريد ويشمئز منه، ومكره عليه.
لكن الذي يتمسك بالتدين الظاهر تقرباً إلى الله، وعنده صراع في نفسه ضد الشهوات، تغلبه ويغلبها، هذا إنسان يعني على الأقل لما التزم بهذا الظاهر، فإنه ينوي به قربة، ويؤجر عليه يؤجر عليه، ولذلك فإن الحل هو تقوية الداخل والباطن؛ ليكون خالصاً لله.
ومرة أخرى كتابة الشعار هذه قضية يفعلها حتى بعض الكفار غير المسلمين، يكتبون على عملتهمWe Trust In God نحن نثق بالله، وهم يخالفون أوامر الله ظاهراً وباطناً، ولا يؤمنون بالله، ويشركون به، ويعتدون على من حرم الله العدوان عليه، ويأكلون أموال الناس ظلماً، ويخربون ديارهم، ويستحلون دمائهم، ويكتبون على عملتهم We Trust In God.
الفساد الذي طرأ على مفهوم العبادة:
00:32:10
 الفساد الذي طرأ على مفهوم العبادة، وحصرها في شعائر معينة من القضايا التي يجب أن تلفت نظرنا، لأن بعض الناس الذين ربما يسمون أنفسهم ليبرو إسلاميين، مسلم ليبرالي، هذا إنسان عجيب، هو يصلي، ويصوم، وحج، ويذهب إلى مكة للعمرة، ما عنده إشكال ، ممكن يقرأ قرآناً ما عنده إشكال، ويمكن ختم في رمضان، ويمكن يصلي في المسجد، لكن عنده أنه لا تدخل للدين في الأشياء التي هي خارج نطاق التعبد، والعلاقة بين العبد وربه، فما دخل الدين في قضية الاقتصاد المعاملات، ما يدخل الدين هنا عنده أبداً.
بل بعضهم يذهب إلي أوقح من ذلك، فيقول: هناك فرق بين الحرام وبين الإبداع، فإذا رسم شخص صور نساء عاريات، والحقيقة أنه مبدع، اترك الحكم على جنب، اترك إنه حرام، لكن هو مبدع، فعنده قبول لقضية الإبداع ولو كان حرام، وإن البشرية تتعامل مع الإبداع البشري، ومع هذه المنتجات البشرية التي فيها إبداع وروعة وفيها جمال، الدين يقول: حرام، لكن أنت انظر لها من جهة الإبداع، يعني في تطورات في القضية.
الدعوة إلى التساهل:
00:34:04
 الآن ومع الأسف يوجد من يدعو إلى التحلل من أمور من الدين، تهاون في السنن، إهمال بعض الأدلة الشرعية، قبول الرخص الشاذة، والأقوال الشاذة، ونشر التساهل، نشر ثقافة التساهل بأي حجة؟ الله أعلم، هو قد يقول: الناس لا يتحملون الخطاب الديني الملتزم، يعني حذو القذة بالقذة، وعلى كتاب الله وسنة نبينا -صلى الله عليه وسلم- مائة بالمائة، الناس ما يتحملون.
أو يقول: دعونا نستدرجهم للإسلام، دعونا نجذبهم للدين، أنا ما أستطيع أن أطرح خطاباً دينياً ملتزماً، لأن هذا ينفر الناس، فأنا سأطرح خطاباً متميعاً، يخالف بعض الأدلة، يخالف كلام بعض العلماء، لكن حتى أكون مقبولاً في الطرح، يعني: مرة أخرى الناس غير مستعدة أن تتحمل الأذى الذي هو في صميم دعوة الرسل.
الأنبياء ماذا وجد في دعوتهم؟ صبروا على ما كذبوا وأوذوا، يعني: كذبوا وأوذوا.
بعض الدعاة اليوم لا يريد أن يؤذى، ولا أن يكذب، فهو مستعد أن يمضي مع بعض المنافقين، والعلمانيين، والليبراليين أشواطاً في الطريق، ولذلك يثنون عليه، ويشيدون به؛ لأنه يوافق مسارهم، عنده نوع من التحلل، وعنده نوع من التسيب، وعنده نوع من التمييع، وعنده نوع من الإغضاء عن بعض المنكرات، أصلاً ما عنده شيء اسمه إنكار منكر، تسمع طرح الواحد منهم، ما عنده شيء اسمه إنكار منكر، عمرك سمعته أنكر منكراً، لا، ويتحدث عن قضية التعايش، قضية النظافة، المعاملة الحسنة، الخلق الحسن، الإعمار، الإبداع، الإنشاء، الوعي الصحي، لماذا؟ يقول: لأن هؤلاء المتفتحين وهؤلاء أصحاب المسارات الأخرى ما عندهم مشكلة معنا فيها، فلذلك يطرح هذا بقوة، لكن قضية:  فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ  [التغابن: 2]، أصلاً كلمة كافر هذه ما أستطيع أن أقولها أصلاً، لكن الله -عز وجل- بين الهدى من الضلال، والحق من الباطل، والإسلام من الكفر، والتوحيد من الشرك، والسنة من البدعة، يعني: هذه مفردات موجودة في الدين، والولاء لأهل الإيمان والبراءة من أهل الشرك والكفر.
وقضية التشبه بغير المسلمين، وكيف أثرها على العقيدة والدين، وقضية التمايز، بحيث يبقى المسلم مسلماً في شكله، ومظهره، وعقيدته، وعبادته، وتميزه عن أهل الأرض الآخرين، أنه ليس أحد من الناس يصلي هذه الساعة غيركم [أخرجه البخاري: 567، ومسلم: 641]،  ومن تشبه بقوم فهو منهم  [أخرجه أبو داود: 4031، صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 6149]، "وإياكم ولباس العجم" [الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم: 1535]، هذا الطرح اختفى تماماً؛ لأنه الآن يقول: هذا يعني يؤذي مشاعر الآخرين، ويعرضني للأذى.
أنت كداعية المفترض أن تطرح دين الله، أو نصف دين الله، وربع دين الله؟ يعني: أن تطرح ما يرضي الله، أو ما يرضي الناس؟ مرة أخرى القضية هي أنت تعمل لصالح من؟ أو تريد أن تخدم أي قضية؟ ولذلك لا بد من إنقاذ الموقف، لأن هنالك من الناس من يسير إلى هاوية في الاقتناع بهذه الأطروحات؛ التي غيرت في جوانب كثيرة من تدين الناس، والتزام بعض الناس، وإذا ما أسعفنا القضية بقومة لله وتدارك هذا فهناك انحدار في قضية تعريف التدين أصلاً، ومعنى التدين أصلاً؟ ومن هو المسلم؟ وما هي الأشياء التي يقبل بها المسلم؟ وما هي الأشياء التي لا يقبل بها المسلم؟
إن مسألة العودة إلى الله، وإلى كتاب الله، وإلى دين محمد -صلى الله عليه وسلم-، وإلى النصوص الشرعية التي نحن متعبدون بها، قضية وفاء للنص الشرعي، قدسية النص الشرعي، وهيبة الآية والحديث في قلوبنا يجب أن تكون قوية؛ لأن هنالك من يريد اليوم انتزاع هيبة النص من قلوب المسلمين والمسلمات، وأن يقودهم عبر معميات في مسألة المصالح والمفاسد، والضرورات والضروريات، إلى مشتركات مع الأجناس الأخرى، ومع الأديان الأخرى، توجد نوع من التأقلم والتعايش.
ونحن المسلمين ليس غرضنا الأول أن نتصادم مع أهل الأرض جميعاً، وأن نسعى لقتال أهل الأرض جميعاً ، وأن نرفع السيف على أهل الأرض جميعاً، كلا والله، لكننا لا يمكن أن نقر الباطل، وقد نؤجل المواجهة مع صاحب باطل، لا نحاربه لعدم قدرتنا على ذلك، لكن لا يمكن أن نقول له: أنت صح، ولا أنت على حق، ولا أنت مثلنا، أبداً.
ولذلك تجد بعض الذين تنازلوا في أشياء، وأرادوا أن يتحاوروا مع أهل الأديان الأخرى، وربما يقدمون تنازلات،  وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُون  [القلم: 9]، هو أصلاً ما يمكن تسمعه يقول:  قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون: 1]، أصلاً هذه السورة لا تقرأ عنده أبداً، أقرأ قل يا أيها الكافرون هذه كارثة على مذهبه، لذلك تجد أن رد أصحاب الأديان الأخرى أوضح وأصرح من طرح هؤلاء.
فيقولون مثلاً: ما نستطيع نتحاور معكم -أنتم أيها المسلمون-، لأنكم تعتبرون القرآن نصاً مقدساً إلهياً، فما دمتم تعتبرون أن القرآن نص إلهي مقدس، وهذا كلام الله، فما يمكن نتحاور معكم، لأنهم يعرفون ماذا يوجد في القرآن،  لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ  [المائدة: 73]،  لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ  [المائدة: 17]، يعني: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ  [الكهف: 5]، فلذلك يقولون: ما في فائدة من الحوار معكم، وفعلاً كلامهم من جهة –يعني: ما في فائدة أن نصل إلى حل وسط- صحيح تماماً، كلامهم إنه ما يمكن نصل معكم -أنتم أيها المسلمون- إلى حل وسط ما دمتم تعتقدون أن الكلام نص إلهي مقدس، كلامهم صحيح، ونحن نقرهم عليه، نقول: نعم، إذا تريدون أن نتخلى عن قضية إن القرآن هو النص الإلهي المقدس فما يمكن.
نعود إلى قضية الالتزام ببعض الشعائر التعبدية ليقول عن نفسه: إني أنا قمت بالإسلام كما يرضي الله، هذا النقص في العبادة كبير، وخطير، وفيه جوانب من العقيدة ممسوحة عند هذا الشخص.
وفي الجانب المقابل عندنا مثلاً: بعض الناس قد تجد عنده علاقة بالله في العبادات؛ لكن من جهة الغش والخيانة، ويعني: خلف العهد والوعد كثير.
والأوامر والنواهي جاءت في الشريعة واجبات ومندوبات، ومحرمات ومكروهات، فينبغي مراعاة هذه الجوانب، نحن أحياناً نتساءل: لماذا وجدت الازدواجية؟ وإنه أحياناً يكون عندنا ظاهر جيد، ولكن الباطن فيه فساد، أحياناً يكون لخلل في تربيتنا، لا نربي أولادنا على الشمولية المطلوبة.
أحياناً ممكن تقول الأم لابنتها: ما أجمل ثيابك، ما أحسن مظهرك، ما أحلى تسريحتك، لكن ربما لا تثني على صلاتها، أو على خلقها، أو على رعايتها لأخيها، أو محافظتها على شيء من الدين، لنشجع الأولاد على قضية الشمولية لما نثني على الولد نثني عليه في الإيجابيات، سواء صلى، أو كان خلقه حسن، ومعاملته طيبة في أمر من الأمور.
قضية التربية هذه التي تنشئ الولد على احترام الشعائر التعبدية، والعلاقة مع الله، واحترام العلاقة مع الخلق، وأن لا يكون عنده حقد، ولا يكون عنده ضغينة، ولا يكون عنده حسد، ولا يكون عنده كذب، وإنما يكون صادق الوعد، مخموم القلب، يكون سليم النفس، سليم الصدر.
كذلك وجود القدوات أصحاب التكامل في غاية الأهمية من الدعاة، والعلماء، والآباء والأمهات، والخطباء، والمدرسين، والمدرسات، المنظور لهم في الواقع من المربين، وغيرهم في الأوساط المختلفة، الذين عندهم التكامل في هذه الجوانب مهم في تخريج أجيال عندها الاهتمام بالجوانب المختلفة.
يقول بعض الناس الذين ذهبوا إلى الخارج: رأينا أئمة في أنحاء من العالم الإسلامي، وأئمة في مراكز في أوروبا، يعني عجيب يقول: إمام يدعونا إلى غداء فيه فودكا خمر في نهار رمضان، وجدوه في جمهورية من الجمهوريات القصية البعيدة.
وآخر يقول: يصلي العشاء في رمضان، ثم يطلع يدخن، ويرجع يصلي بهم التراويح، وبنت الإمام لابسه شورت عادي، الآن تقولها لي، هذا هو خيرهم، يعني: هذا هو أعلمهم، هذا أفضل واحد فيهم، هذا الذي اتخذوه إماماً، فماذا يكون بعد ذلك؟ إذا كان أصلاً إمامهم فاقد الأهلية في أشياء من الدين، وربما يقول قائل: إذا كان هذا إمامنا، معنى هذا إحنا يمكن ما نتحاسب، وهذا من جهلهم لأن الله لا يترك أحداً بلا حساب.
فمنهم من يحاسبه حساباً يسيراً، وينقلب إلى أهله مسروراً، ومنهم من يناقش، ومن نوقش الحساب عذب  [أخرجه البخاري: 6536]، والله يحصي على العباد مثاقيل الذر، والناس غافلون، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ  [الزلزلة: 7- 8].
ولما يكون الخطأ، والمعصية، والمنكر جاء من جانب شخص له وظيفة دينية مثلاً مدرس علوم شرعية، يقولون: مدرسنا العلوم الشرعية يفعل كذا، ويفعل كذا، ولما يكون واحد مثلاً من المحسوبين على المفتين مثلاً، المفتي هو كذا، وأهله كذا، وعنده نقص خطير في جوانب من الدين، المرأة المسلمة الأوروبية حديثة الإسلام تمتنع عن المصافحة، وهو يمد يده ليصافحها، ويتهمها بالتشدد، والتنطع.
قال ابن القيم -رحمه الله-: "علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، فكلما قالت أقوالهم للناس: هلموا، قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم، فلو كان ما دعوا إليه حقاً، كانوا أول المستجيبين له، فهم في الصورة أدلاء" -يعني: في الشكل الظاهر هؤلاء يدعون يدلون الناس على الخير، على الحق، على الجنة- "وفي الحقيقة قطاع طرق" [الفوائد: 61]، قاطع طريق، ما يترك الناس يذهبون إلى الجنة بسلام، لا بد أن يفسد عليهم.
التناقض بين الظاهر والباطن:
00:47:37
 أمام قضية وجود تناقضات بين الظاهر والباطن، لا بد أن نعلم أن الالتزام الظاهري لا يكفي إذا لم يصاحبه سلوك موافق للشرع، والمسألة فيها خطورة، ولذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- في أكثر من مناسبة كان يبين لهم أهمية التكامل، وخطورة النقص.
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: "قال رجل: يا رسول الله، إن فلانة يذكر من كثرة صلاتها، وصيامها، وصدقتها" -يعني: في النوافل، ليس فقط الفرائض- "غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال:  هي في النار ، قيل: يا رسول الله، فإن فلانة يذكر من قلة صيامها، وصدقتها، وصلاتها، -يعني: في النوافل؛ لأن الواجبات هذه من المفروغ منها، "وإنها تصدق بالأثوار من الأقط"، القطع الكبيرة من اللبن الجامد المستحجر، وكان مستعملاً في قوتهم ذلك الوقت، "ولا تؤذي جيرانها بلسانها، قال:  هي في الجنة . رواه أحمد [9675]، وصححه الألباني [في سلسلة الأحاديث الصحيحة: 190].
يعني هي في النار، لماذا ؟ مع أن عندها واجبات، وعندها نوافل أيضاً، لكن لما اكتسبت الأذى المحرم ولغت النار.
قال علي القاري -رحمه الله-: "وفي نظيره كثير من الناس، واقعون حتى عند دخول البيت الشريف، واستلام الركن المنيف، ومن هذا القبيل عمل الظلمة من جمع مال الحرام، وصرفه في بناء المساجد، والمدارس، وإطعام الطعام" [مرقاة المفاتيح: 8/ 3126].
فيقول صاحب مرقاة المفاتيح: إن هناك ظاهرة اجتماعية موجودة كانت في عهده، أن بعض الناس يأخذون أموالاً من الحرام، ويتصدقون، ويبنون مساجد، ومدارس، فإذا لم يستفد المرء من عبادته ما يزكي قلبه، وينقي لبه، ويهذب بالله، وبالناس صلته، فقد هوى، ألم يقل نبينا -عليه الصلاة والسلام- في شأن الصيام: ومن لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ، رواه البخاري [1903].
طيب لو قال قائل: إذاً لا يصوم أحسن، وهذه تؤذي جيرانها لا تصلي، وتتصدق، ولا تصوم.
نقول: لو فعلت ذلك يمكن تخلد في النار، إذا كان هذا الأذى للجيران عرضها لعذاب النار مدة من الزمن، الله أعلم كم، استحقت دخول النار بهذا العمل، فإن ترك الأعمال الأخرى يخلد في النار، ترك العمل بالكلية ممكن يخلد في النار، ولذلك ليس الحل أن تقول: لهذا الشخص لا فائدة من صلاتك وصيامك أصلاً، ما لها فائدة، لا، إذا قلت له: ما لها فائدة يعني: كأن وجوده وعدمه سواء، وهذا لا يمكن، بلا شك أن وجود الصلاة والصيام والحج له فائدة، له فائدة عظيمة، لكن لا يكفي في النجاة من النار إذا وجدت أذية الجار، وقد قال سبحانه وتعالى:  لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ  [الحج: 37].
سائر العبادات إذا ما اقترن بها الإخلاص كانت بلا روح، جسد بلا روح، فلا يكفي للإنسان أن يقوم ببعض الشعائر الظاهرة، وإنما لا بد أن يلتزم بأمور الدين، يفعل الواجبات، ويترك المحرمات على الأقل، وقد قال عليه الصلاة والسلام:  من علامات المنافق ثلاثة: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم  [أخرجه مسلم: 59].
فلو قال قائل: إذاً ما فائدة الصيام والصلاة؟
نقول: لها فائدة كبيرة، قد يكون الإنسان فيه نفاق أصغر، لكن في حالات ممكن يتحول إلى كفر أكبر، إذاً لا يمكن أن يقال: مالك فائدة من هذه الأعمال، لكن يقال: اتق الله في الأعمال السيئة التي تفعلها.
وقال عليه الصلاة والسلام:  من ادعى دعوى الجاهلية  –يعني: نادى بنداء الجاهلية، وعصبية الجاهلية، وفخر الجاهلية– قال: فإنه من جثا جهنم  –يعني من الجماعات المحترقة في النار– "فقال رجل: يا رسول الله، وإن صلى وصام، قال:  وإن صلى وصام، فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله ، رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح غريب [2863، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان: 6200].
الآن بعض البرامج الفضائية تنفخ في قضية العصبية، وبعض التنافسات القبلية تنفخ في قضية العصبية، ولذلك يجب الانتباه إلى هذا الوتر الذي يقوم البعض بالضرب عليه، وهو مناف لروح الاجتماع في الإسلام على جماعة المسلمين، فإننا لسنا قبائل متناحرة، ولا جماعات متنافسة، بل كونوا عباد الله إخواناً، فمن أراد أن يخرج خط المسلمين عن المنهج الذي رسمه الله، فهو من جثا جهنم.
التدين الحقيقي يقوم على أساس من الإيمان القلبي، والسلوك العملي، لما قال:  التقوى هاهنا  وأشار إلى صدره ثلاث مرات" [رواه مسلم: 2564]، ليس معنى ذلك أن ما لها أثر على الظاهر ولا في الأعمال، بل لها أثر في الظاهر والأعمال، والعجب أنه قيل لبعض الناس: يا أخي صلِ لماذا ما تصلي، قال: التقوى هاهنا، يعني: ستصلي بقلبك.
إذا أمرت بمعروف فهو أبكم لا ينطق بالحق، يشير الإشارات التي يقصد بها الباطل، أو قلة فقه وجهل.
ومن جهة أخرى، فإن قضية الظاهر هذه عدم الانخداع بها من ناحية أخرى مهمة في مسألة عدم الانخداع بالشكل، عدم الانخداع بالمال، عدم الانخداع بالمنصب،  إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم  [أخرجه مسلم: 2564].
الاهتمام بالباطن:
00:54:50
  قال النووي -رحمه الله-: "الأعمال الظاهرة لا يحصل بها التقوى، وإنما تحصل بما يقع في القلب من عظمة الله، وخشيته، ومراقبته" [شرح النووي على مسلم: 16/ 121]، والباطن أجل من الظاهر.                                  
لا خير في المرء إذا لم يكن *** باطنه خيراً من الظاهر
قال ابن الحاج في المدخل: "فمراعاة الباطن أوجب من مراعاة الظاهر؛ لأن الظاهر للخلق، والباطن للخالق" [المدخل لابن الحاج: 3/ 166].
أي ظاهر؟ الظاهر الدنيوي، يعني: ظاهر المال، ظاهر الجمال، ظاهر الحسب، ظاهر النسب، ظاهر الوظيفة، ظاهر المنصب، هذا الظاهر، ولذلك فإن النبي -عليه الصلاة و السلام- لما مر عليه رجل، وقال لمن عنده" ما تقولون في هذا؟  -يعني يسأله عن رأيه في هذا- "قال: هذا حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يسمع لقوله"، ورجل آخر فقير مر عليه، ما تقولون في هذا؟ ، قال: "حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يسمع، قال:  هذا خير من ملء الأرض مثل هذا [رواه البخاري: 5091]، إذاً الظاهر هذا المزيف، الظاهر الدنيوي يجب عدم الاغترار به.
وقد جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو  للناس، وإنه لمن أهل النار [رواه البخاري: 4207]، ولذلك لا بد من التدين الحقيقي، لا تدين النفاق، ولا العجب، والغرور، والكبر الذي يجعل الإنسان في آخر عمره يترك الدين، ويذهب إلى النار؛ لأن بعض الناس عندهم شعبة نفاق، أو غرور، وكبر، تظهر في آخر حياته.
واختلاف السريرة والعلانية، اختلاف القلب واللسان، اختلاف الخارج والباطن، هذا مصيبة، خشوع النفاق أن ترى الجسد خاشع والقلب ليس بخاشع، تقرر عند الصحابة أن النفاق هو اختلاف السر عن العلانية.
قال عثمان -رضي الله عنه-: "ما أسر أحد سريره إلا أظهرها الله -عز وجل- على صفحات وجهه، وفلتات لسانه" [الآداب الشرعية: 1/ 136]؛ لأنه لا يتحمل مع الوقت الجمع بين المتناقضات، والإنسان قد يخفي ما لا يرضاه الله، فيظهره الله ولو بعد حين.
ومن الأشياء التي يقدرها ربنا في الواقع أن يقدر أحداثاً، محناً، ابتلاءات، شدائد، وربما تكون محنة سراء، يعني ممكن تكون فتنة سراء؛ ليبتلي الناس، ماذا قال الله في سورة عمران بعد هزيمة أحد:  وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ  [آل عمران: 154]، هذه الهزيمة، ليظهر الله ما في الصدور، يعني: ليظهر الله ما في القلب؛ لأن القلب في الصدر،  وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ  [الحج: 46]، فيظهر ما في القلب من إيمان أو في نفاق في تصديق بوعد الله، أو في تكذيب بوعد الله، وفي إساءة الظن بالرب،  يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ  [آل عمران: 154]، فيكشف ربنا بالابتلاءات ما في الباطن.
وكذلك يمحص ما في القلب، فينقيه، ويهذبه بالنسبة لقلب المؤمن بالشدائد هذه، ولذلك لا تتعجب كثيراً، بين فترة وأخرى يجري الله أقداراً شديدة في الواقع، هائلة، هائلة، أحداثاً ضخمة، يسقط فيها من يسقط، يقوم فيها من يقوم، ينجو فيها من ينجو، يثبت فيها من يثبت، يهلك فيها من يهلك.
تأمل يا سبحان الله! يمكن ما تمر عشر سنوات إلا وفيه فتنة عظيمة تقع، شدة كبيرة تقوم، تقريباً هكذا كل عشر سنوات تجد حاجة هائلة تحدث، وبسببها ينحرف من ينحرف، ويثبت من يثبت، وينجو من ينجو، ويهلك من يهلك، ويظهر علم الذي عنده علم، ويظهر جهل الذي عنده جهل، ويظهر هوى الذي عنده هوى، والله يظهر بالأحداث، وتقليب الأمور، والأقدار المختلفة، يظهر أصحاب التنقلات، والتحولات، والتغيرات، والزلات، والمنزلقات، ويظهر أصحاب الثبات، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ   [الحج: 11].
قضية التدين الشكلي أحياناً ممكن يستعملها البعض غطاء للمحرمات التي يمارسها، وهذه من أكبر المصائب، ولذلك تجد -سبحان الله- بعض الذين يمارسون أحياناً تهريب المخدرات، وجرائم كبيرة، وتزوير، يكون له هيئة دينية.
بل أحياناً تُستعمل الهيئة الدينية في إقناع الناس بإعطاء المال، مثل الشحاذين، ما يلفت نظركم أن أكثر الشحاذين أصحاب هيئة دينية، كأنه الذي ليس له هيئة دينية غير مقنع للناس، يتزي بهيئة دينية لكي يصدق في كلامه أنا مسكين، وأنا وأنا وأنا ...، ليعطى، ولذلك ربما يقوم بهذا بعض الناس.
ولذلك مسألة ابتلاء الأشخاص لمعرفة حقائقهم مهمة، في تزويجهم، في توليتهم للأعمال، في الدخول معهم في شراكات، في إسناد المناصب الدينية إليهم.
جاء عن خرشة بن الحر قال: "شهد رجل عند عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بشهادة، فقال له: لست أعرفك، ولا يضرك أن لا أعرفك، ائت بمن يعرفك؟"
واحد شاهد عند عمر بشهادة، عمر قال: كيف أقبل شهادتك وأنا لا أعرفك، وما يضرك أن لا أعرفك، أنت ممكن تكون من الأتقياء، ممكن تكون من الزهاد، من العباد، لكن حتى أقبل شهادتك هات من يعرفك، ويعرفك: يزكيك.
"فقال رجل من القوم" أنا أعرفه.
قال عمر: بأي شيء تعرفه؟
قال: بالعدالة والفضل" كلام عام.
قال: فهو جارك الأدنى؟ القريب المجاور، الذي تعرف ليله ونهاره، ومدخله ومخرجه.
قال: لا.
قال: فمعاملك بالدينار والدرهم، اللذين بهما يستدل على الورع؟
قال:لا.
قال: فرفيقك في السفر، الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟
قال:لا.
لا شاركته وعاملته، ولا سافرت معه ولازمته، ولا جاورته ورأيته وراقبته، كيف تعرفه؟
قال عمر: لست تعرفه، ثم قال: ائت بمن يعرفك" والقصة رواها البيهقي [السنن الكبرى:20400]، وصححه الألباني في الإرواء [2637].
ولذلك ابتلاء الناس في هذا الباب مهم، يعني: يختبر، الآن القضية كبيرة، تزويج، تولية منصب، مشاركة، والتدين الظاهري والتدين الباطني لا ينفكان، ولا بد من الجمع بينهما، وكلاهما مطلوب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "نجد المتفقه المتمسك من الدين بالأعمال الظاهرة"، يعني: يهتم بالأحكام، بالأمور الفقهية الصحة، والبطلان، "والمتصوف المتمسك منه بأعمال الباطنة"، يعني: قضايا الخوف، والرجاء، والمحبة والإنابة أعمال القلب، "كل منهما ينفي طريقة الآخر، ويدعي أنه ليس من أهل الدين، فتقع بينهما العداوة والبغضاء، وقد أمر الله بطهارة القلب، وأمر بطهارة البدن"، يعني طهارة البدن مهمة، تعلم أحكام الطهارة مهمة، "وكلا الطهارتين من الدين الذي أمر الله به، وأوجبه" [مجموع الفتاوى: 1/ 15]، ولذلك من الخطأ أن يهتم بعض الناس بطهارة الظاهر فقط، ولو ترى كل الدروس والكتب والأشرطة التي يسمعها كلها في الأشياء التي تتكلم عن طهارة الظاهر، ما عنده اهتمام بطهارة القلب.
ومن الناس بالعكس تجد الإيمانيات القلبيات أعمال القلب هذه مركز  عليها، قضايا الحلال، والحرام، والصحة والبطلان، والفقه لا يوجد عنده اهتمام، وربما عاب بجهله على الفقيه، مثل ما عاب أحدهم قال: هذا الشيخ أخرج خمسة وتسعين شريطا في عدة المرأة، في العدة، هو جاهل أصلاً، هو العدة شرح العمدة، الشيخ شرح كتاباً في خمسة وتسعين شريطا في كتاب الفقه من أوله إلى آخره، لكن هذا بسرعة وجد عنوانا فطار به، نحن نعرف أن القلب فيه مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله.
قال ابن حبان -رحمه الله-: "أول شعب العقل لزوم تقوى الله، وإصلاح السريرة، فإن من أصلح جوانيه أصلح الله برانيه، ومن فسد جوانيه أفسد الله برانيه"، روضة العقلاء لابن حبان[26].
وقال سفيان بن عيينة: "كان العلماء فيما مضى يكتب بعضهم إلى بعض بهذه الكلمات: من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس" [الآداب الشرعية والمنح المرعية: 1/136].
وقال شيخ الإسلام : "إن الإيمان قول وعمل، قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر، والظاهر تابع للباطن لازم له، متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد، ولهذا قال من قال من الصحابة عن المصلي العابث: "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه " [مجموع الفتاوى: 7/ 187].
إيمان القلب لا بد أن يكون معه أعمال ظاهرة، وإذا لم توجد أعمال ظاهرة مع إيمان بالقلب فهذا مكذوب مدعى.
دلالة الظاهر على الباطن:
01:06:39
 قال الشاطبي: "وكذلك فقد جعلت الأعمال الظاهرة، في الشرع دليلاً على ما في الباطن، فإن كان الظاهر منخرماً حكم على الباطن بذلك، أو مستقيماً حكم على الباطن بذلك أيضاً" [الموافقات: 1/ 367]، ولذلك فإن عمل الظاهر مهم جداً، وكذلك الباطن.
والأعمال الظاهرة من صلاة، وحج، وشعائر ينمي بها العبد باطنه، تزكو نفسه بها، هذه العبادات لها أثر على الروح، هذه العبادات فيها تصحيح للعادات، سينهاه ما يقول، يقوم الليل سينهاه عن السرقة، ولذلك قال شيخ الإسلام: "الصراط المستقيم أمور باطنة في القلب من اعتقادات، وإرادات، وغير ذلك، وأمور ظاهرة من أقوال، وأفعال قد تكون عبادات، وقد تكون عادات في الطعام، واللباس، والنكاح، والمسكن، والاجتماع، والافتراق، والسفر، والإقامة" [اقتضاء الصراط المستقيم: 1/ 92].
أما كلمة الدين في القلب يريدون بها التهرب من التكاليف الظاهرة، حتى لا أحد يحاسبهم عليها، ولو جئت تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر قال لك: الدين في القلب، يعني: هو لا يريد أن يأمر بالمعروف، ولا أن ينهى عن منكر، ولا أن يؤاخذ، ولا أن يحاسب، ولا أن يلام، ولا أن ينكر عليه، ولا أن يخطأ، فيقول، الدين في القلب، طيب لو كان الدين موجود في القلب، أين الظاهر الذي يدل عليه؟ أين العمل الذي يدل على أنه هذا موجود عندك في القلب ؟
خطر التدين المصلحي:
01:08:19
إن التدين المصلحي -إن صح التعبير- لقصد جمع المال عند بعض الناس خطر عظيم، وربما يكون استُغل في قضية ترويج السلع، حديث  ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم  ((المنفق سلعته بالحلف الكاذب)) [أخرجه مسلم: 106] واحد منهم.
المنفق: المروج لسلعته بالحلف الكاذب، يتخذ الله -عز وجل-، اسم الله، القسم، والحلف باسمه، هذا يشتري به ويبيع، فهذا جزاؤه العظيم يوم القيامة، كما جاء في الحديث الآخر: ورجل جعل الله بضاعته، لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه [رواه الطبراني في المعجم الكبير: 6111، وصححه الألباني صحيح الترغيب والترهيب: 1788]، فلما استعمل الكلمة الدينية والله العظيم، أقسم بالله العظيم، أقسم بآيات الله، استعملها ليروج سلعته، لينفق سلعته، وهو كاذب
وهكذا نجد بعض الذين وضعوا أحاديث في السابق، من أسباب وضع الحديث، حركة وضع الحديث، الكذب في الحديث، من البواعث عليها: ترويج بعض السلع.
"سيد طعام أهل الدنيا وأهل الجنة اللحم" [أخرجه ابن ماجه: 3305، وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة: 3724] ، لأن الذي وضعه لحام.
كذلك "ما من رمان إلا ويلقح بحبة من رمان الجنة" [أخرجه ابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال: 7/543]، لأنه بياع رمان.
"ربيع أمتي العنب والبطيخ"  [الموضوعات لابن الجوزي: 2/287]، لأنه بياع فواكه.
"لو يعلم الناس ما في الحلبة لاشتروها ولو بوزنها ذهباً" [أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: 187، الموضوعات لابن الجوزي: 2/297]، إنسان عطار.
"أحضروا موائدكم البقل فإنها مطردة للشيطان" [الفردوس بمأثور الخطاب،للديلمي: 3333، قال ابن الجوزي لا أصل له: الموضوعات: 2/298].
"من أكل فولة بقشرها أخرج الله منه من الداء مثلها" ][المجروحين لابن حبان: 2/150] ، فوال.
"عليكم بالعدس، فإنه مبارك يرق له القلب، وتكثر له الدمعة، بارك فيه سبعون نبياً" [الموضوعات لابن الجوزي: 2/ 294].
لمن أراد قيام الليل، روى ابن عدي، قال: "أطعمني جبريل الهريسة من الجنة لأشد بها ظهري لقيام الليل" [الكامل في ضعفاء الرجال: 1644]، لأنه بياع هريسة.
"الدجاج غنم فقراء أمتي" [المقاصد الحسنة: 371] ، لأنه تبع الدجاج .
وهكذا، هؤلاء لما وضعوا الأحاديث يمشوا سلعهم بأشياء من الدين، يعني يظنها الناس أحاديث، ويكذبون على محمد -صلى الله عليه وسلم- من أجل ذلك.
بعضهم لما يصير وكيلاً شرعياً، ويصير مدير أملاك، ويصير ناظر وقف، يعني فيها تولي على أموال، فيظهر أشياء من السمت الشرعي الظاهر من أجل التوصل إلى هذا، وتجد مثلاً في بعض المؤسسات، وبعض المساهمات وثق الناس بشكل أصحابها، وثق الناس بالقائمين على الشركة، وثق الناس بمن يعطونهم المال، يعني: يقول هذا ما دام إن شاء الله بهذا الشكل، وبهذا السمت، وبهذا الظاهر، بهذا التدين -يرونه في الظاهر- لن يأكلوا فلوسنا، لن ينصبوا علينا، لن يسرقونا لن يخونوننا لن يضيعوننا.
وهؤلاء الذين دخلوا في هذه المساهمات منهم من هو صادق، ولكن خسر بابتلاء من الله، ما قصر بذل جهداً، وبذل ما عنده، وقدر الله، ابتلاء خسر.
ومنهم عنده أمانة، لكن مغامر ومتهور، وما عنده خبرة، ولو ربع الذي عنده عند ياباني، لكان عنده عشرين مدير مالي، لكن صاحبنا معتمد على دفتر أبو عشرين.
ومنهم من هو خائن وسارق، ولكن تستر بستار من الدين لكي يأخذ أموال الناس.
ومن أشنع الممارسات التي تمارس باسم الدين اليوم الدخول في عمليات التلاعب، والكذب، والخداع، وغش الناس بزعم التورق الإسلامي، والتمويل الإسلامي، وهي في الحقيقة ربا، أو معاملة محرمة لوجود جهالة غرر، لوجود أسباب كثيرة فيها تجعلها محرمة، ومع ذلك يسمونها تورقاً إسلامياً.
وبطاقات فيها مخالفات شرعية واضحة، بطاقات ائتمانية، وتسمى بأسماء؛ لاصطياد الناس، لو تلاحظ أسماء: الإيمان، والإحسان، والخير، والبركة، والتقوى، أسماء على البطاقات، وعلى المنتوجات، وعلى أنواع التمويلات.
هل هذا سيغير حقائقها عند الله؟ يعني: الملح إذا كتبت عليه سكر هل يتغير؟ ولذلك لما واحد يقول: فرع إسلامي، ومعاملة إسلامية، وبديل إسلامي، ترى حسابه شديد؛ لأنه إذا كذب على الله، وادعى أن هذا موافق لشرع الله، وخدع الناس بهذا، فإن له عند الله حساباً عسيراً، ولذلك لا يعفي الشخص الذي يدعى للمشاركة والدخول في هذه المعاملات التي لها أسماء إسلامية، لا يعفيه من البحث، ولا يعفيه من استفتاء الثقات، ولا يعفيه من الرجوع إلى أهل العلم، ولا يعفيه من المراجعة، والنظر، والتأمل، والتدقيق، للاختلاط الحاصل، لأنك لا تدري الصادق من الكاذب.
فإذاً ما تكتفي بقضية شعار، ما تكتفي بقضية اسم، ما تكتفي بعنوان، لازم تدقق، ولازم تمحص، ولازم تسأل، وترجع إلى أهل الخبرة في هذا الجانب، وفي الأمة والحمد لله من برع في هذه الجوانب.
أمثلة على استغلال الدين للمصالح الدنيوية:
01:15:11
 لقد حكى لنا التاريخ الإسلامي عن بعض الوعاظ الذين كانوا يبكون الناس، وفي آخر الموعظة يقول: وأنا حالتي ضعيفة، وكذا كذا وتصدق.
وتجد في فتاوى علماءنا كالشيخ ابن إبراهيم وغيره من ينهى نهياً شديداً عن هذا، أن تختم الموعظة بطلب مساعدات مالية، لأن معنى هذا يدعي الزهد وموعظة الناس.
لما جاء أحد الوعاظ إلى أحد الولاة وعظه إلى أن أبكاه، وخرج من عنده، أمر غلاماً أن يلحقه بألف درهم، قال: ادفعها إليه، ثم إن الغلام قال لنفسه: هذا زاهد، يعني: هذا الذي جاء ووعظ السلطان إنسان زاهد، ما يصنع بالدراهم، ألف درهم ما أظنه يأخذها، فلما عاد الغلام ويده فارغة، قال: كلنا صيادون، ولكن الشباك تختلف، فإذاً منهم من يصيد بدينه" [المنتظم في تاريخ الملوك والأمم: 14/ 12].
وذكر ابن الجوزي في كتاب الأذكياء عن واحد من العفاريت، من عفاريت الإنس، خرج بعض الحذاق من بغداد إلى بعض مدن الشام ومعه امرأته، فلما وصل إليها اتفق مع امرأته على التحايل على أهلها، وقال: كوني بموضعك، ولا تجتازي بي البتة، فإذا كان كل يوم فخذي لي كذا زبيب، وكذا لوز، واجعليه وقت الهاجرة على آجرة جديدة نظيفة في الميضأة الفلانية، قريبة من الجامع، ولا تمري بناحيتي، ضعيه وامشي وأنا آتي وآخذه ، ثم لبس جبة صوف، ولزم اسطوانة المسجد، تمر الناس عليه يصلي بالنهار والليل أجمع، ولا يستريح إلا في أوقات النهي، فإذا جلس فيها سبح، ولم ينطق بكلمة، فتحير أهل البلد في أمره، يعني: هذا إنسان غريب على البلد، ومن أول كان الجامع في البلد هو الجامع الوحيد في البلد، والغريب على البلد يظهر، يبين من أهل البلد، فتحيروا في أمره، وكان لا يخرج من الجامع إلا في وقت الظهيرة إلى الميضأة، وفي المكان المعلوم مدسوس فيه الأكل يأخذه ويأكل، ويظن أهل البلد أن هذا ما يأكل ولا يشرب، كل الوقت موجود ما يطلع إلا المواضئ، والأكل مدسوس في المواضئ، يعني: هذا كيف يعيش، هذا يمكن من الأولياء، هذا يمكن الله هو الذي يطعمه ويسقيه، فعظم عندهم، واجتهدوا في خطابه، فلزم الصمت، ولا يتكلم ولا كلمة، ينادوه ما يتكلم، فزادوا له توقيراً، وصاروا يأخذون التراب من الموضع الذي يمشي فيه، ويحملون له المرضى والصبيان يمسح عليهم، فلما رأى منزلته قد بلغت هذا، ومضى على هذا السمت سنة، قال: خلا بامرأته بعيداً عن أعين الناس، وقال: إذا كان يوم جمعة حيث يصلي الناس فتعالي، وتعلقي بي، والطمي وجهي، وقولي: يا عدو الله، يا فاسق، قتلت ابني ببغداد، وهربت هنا تتعبد، وعبادتك مضروب بها وجهك، ولا تفارقيني، وأظهري أنك تريدين قتلي بابنك، يعني: القصاص، فلما كان من الغد جاءت المرأة، وتعلقت به أمام الناس في المسجد، وهو يصلي، وفعلت به ما قال، فقام أهل البلد يقتلوها، وقالوا: يا عدوة الله هذا من الأبدال، هذا قطب الدين، فأوجز في صلاته ثم سلم، وتمرغ في التراب طويلاً، ثم قال: قد كنت رجلاً في دفع وخسارة، فقتلت ابن هذه المرأة، وتبت وجئت ههنا للعبادة، يعني: اعترف أمامهم، وكنت محدثاً نفسي بالرجوع لها لتقتلني خوفاً من أن تكون توبتي ما صحت، يعني: كنت أسلم نفسي لها، وما زلت أدعو الله أن يقبل توبتي، ويمكنها مني إلى أن أجيبت دعوتي بأن أتى الله بها هنا، ومكنها مني، فدعوها تقتلني، واستودعكم الله، فارتفع الناس وضجوا بالبكاء، وقام أهل البلد على المرأة، وقالوا اقبلي الدية، قالت : لا أفعل، خذي ديتين، رفضت فما زالوا بها حتى بلغوا عشر ديات، فقالت: اجمعوا المال، فإذا رأيت وطاب قلبي، وإلا قتلت القاتل، فجمعوا مائة ألف، قالوا: خذيها ، قالت: لا، أريد قتل قاتل ابني، فأقبل الناس يرمون ثيابهم، وأرديتهم، وخواتيم نساءهم، والحلي، في النهاية لما خلص كل شيء، أخذت المرأة وقالت: طيب أبرأت من الدم، وانصرفت، وأقام الرجل بعد ذلك في الجامع أياماً يسيرة حتى علم أنها قد ابتعدت، فهرب في ليلة، فلم يوجد، ولا عرف له خبر، وانكشف لهم بعد ذلك أن القضية كانت حيلة ولعبة" [الأذكياء:102].
إذاً هي المسألة حتى تاريخياً في شواهد، في شواهد على هذا، لكن هذا هل يصح أن يصطاد به في الماء العكر، ويقال: لا عمرك لا تثق في متدين، يمكن لحيته كذا لكن هو في النهاية كذا؟
هذا المقصود من إيراد القصة من جهة إن بعض الناس، نعم هم يأكلون بالدين، لكن من الجهة الأخرى أن بعض المنافقين ينتهزون مثل هذه القصص، ليحطموا بها كل الصروح الطيبة، وكل الشخصيات المخلصة، وكل المظاهر الإسلامية، ويطعنوا في كل الأشياء التي فيها أشياء شرعية؛ بحجة أن هذا قد يكون هؤلاء منافقون، قد يكون ورائهم ما ورائهم، وقد يكون مجرد شعار، وقد يكون مجرد مظاهر زائفة، وما ندري ما وراء هذا، والمقصود تحطيم كل الذين أظهروا، والتزموا بالدين ظاهراً، وهذه قضية خطيرة وكبيرة، ولذلك القصص في مثلها مثايل، وكيف توضع في موضعها الصحيح؟وكيف الواحد ينتبه؟ "لست بخب ولا يخدعني الخب" [الروح: 244].
لكن في ذات الوقت لا بد من الدعوة إلى التدين الظاهر والباطن.
وهناك أمثلة على قضية طلب المناصب بالدين من قضاء أو إمارة، فبلال بن أبي بردة على عهد عمر بن عبد العزيز جاء إلى عمر بن عبد العزيز، وهو في بلد، فلزم سارية المسجد يصلي بسجود، وخشوع، وركوع، وعمر بن عبد العزيز ينظر إليه ويعجبه سمته، وصلاته، وكان ذا عمامة سوداء يسدلها بين يديه، ومظهره على السنة، ومن خلفه بين الكتفين.
فهم عمر بن عبد العزيز أن يوليه على العراق، ثم إن عمر تروى -تريث-، فكتب إلى العلاء بن المغيرة إن يكن سر هذا كعلانيته، فهو رجل أهل العراق غير مدافع، هذا هو الذي يصلح لهم.
فقال له العلاء بن المغيرة: "أنا آتيك يا أمير المؤمنين بخبره، فأتاه وهو يصلي بين المغرب والعشاء"، إذاً عمر تكلم مع أحد مستشاريه الخلص وهو العلاء بن المغيرة، قال" انظر لي حال بلال بن أبي بردة هذا، اكشف لي حقيقته، "فقال له العلاء: أنا آتيك يا أمير المؤمنين بخبره، فذهب العلاء إلى بلال بن أبي بردة وهو يصلي بين المغرب والعشاء.
فقال له : اشفع صلاتك"، يعني: أوجز فإن لي حاجة، "فلما سلم من صلاته، قال له العلاء: تعلم منزلتي وموضعي من أمير المؤمنين وحالي"، أنا مستشار عند أمير المؤمنين، مقرب عند أمير المؤمنين، "فإن أشرت عليه أن يوليك العراق، ما تجعل لي"، أنا سأتوسط لك تأخذ منصباً، منصباً رهيباً، ما هو مقابل هذا؟
"قال: عمالتي سنة"، هذا فرح، قال: أعطيك دخلي مدة سنة، طبعاً العراق كانت بلد خيرات، ولذلك ممكن يأتي واليها مال عظيم، وكان ما يأتيه مائة وعشرين ألف درهم، "قال: أعطيك دخل سنة، مائة وعشرين ألف درهم.
قال: اكتب لي بذلك خطاً"، أنا خائف بكرة تصير والي ثم تنساني، اكتب لي، "فكتب له، فحمل العلاء الخط إلى عمر بن عبد العزيز، فلما قرأه، قال: لا يبيتن في عسكره"، هذا ما يبيت هنا أصلاً.
وكتب إلى واليه على الكوفة، أما بعد : فإن فلاناً غرنا بالله، فكدنا أن نغتر، ثم سبكناه فوجدناه خبثاً كله، وكان هذا الرجل ظلوماً جائراً لا يبالي ما صنع لا في حكمه ولا غيره [تهذيب الكمال في أسماء الرجال: 4/ 271].
ولذلك نحن اليوم في القضايا الاجتماعية، في عالم الزواج مثلاً، عندنا قصص كثيرة مؤلمة تدمي القلب، هناك ناس خدعوا فتيات متدينات، بنات عوائل محترمة بزعم التدين، ويأتيها وعليه سيم التدين، ولما ترى المرأة شكله، وليها أحياناً يكون كسلاناً، وأحياناً يكون عنده غفلة، وأحياناً تقول أم البنت: اسأل عنه.
يقول: ما يحتاج خلاص واضح من شكله، لا بد من السؤال، ولذلك تجد المسكينة هذه طلع زوجها مدمن مخدرات، وهذه طلعت زوجها يمسكها كذا، خنق، ويمسكها من ظفرها ويبغى يخلعه، يقول: أنا بس كنت أمزح إذا اشتكت، أبوها يقول: يا ابن الحلال أنت ماذا تفعل بالبنت.
ولا تحرز من النجاسات، ولا اهتمام بالصلوات، أبو زوجته أخذه إلى المسجد، أبو الزوجة يريد أن يتوضأ، طلع ما في المسجد مواضئ، دور لي على مواضئ وإلا نرجع إلى البيت نتوضأ، قال: يا عمي مش حالك، خلاص مش حالك، مش  حالك، الصلاة الصلاة، لا يقبل الله صلاة بغير طهور  [رواه مسلم: 224]، وهذا يقول له: مش حالك.
وليست القضية هذه طعن في الناس، أنت لا تقول له: أنت منافق، أو أنت مزور، أو أنت مزيف، لا، أنت تقول له: سأنظر في أمري، سأبحث، واستشير، ولي الحق في هذا، لي الحق أن أستشير.
وجدنا ممارسات بطبيعة الحال يمكن أن يستغلها أعداء الله، والمنافقون في الطعن في الصف الإسلامي كله، وبعض هذه الممارسات موجودة، يعني لما تقول: والله هذا راقي، ويعبث بالنساء، ويبيع الزيت، والكذا بكذا كذا ألف لبعض النفثات والنفخات، وأصلاً بيع الماء المقروء في رفع سعره عن الماء العادي من أجل القراءة فيه ما يجوز، يعني فيها، فيها امتهان لكتاب الله، وامتهان للقرآن، كما أفتانا بذلك الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى- وغيره، فإذا جاء من يمارس مثل هذه الأشياء، ويعبث، ويعمل المحرمات، ماذا سيكون أمام الآخرين ممن ينتهزون، يريدون قصص مثل هذه، مادة صحفية للطعن في أهل الدين.
                                 
   يا جاعل الدين له بازياً   يصطد أموال المساكين 
                                    احتلت للدنيا ولذاتها      بحيلة تذهب بالدين
                                   وصرت مجنوناً بها بعدما    كنت دواء للمجانين

[المنتظم في تاريخ الملوك والأمم: 9/ 227].
ومتى كان مس النساء، ولمس النساء، أو الخلوة بالنساء، ومسك النساء من الشرع؟ ما يجوز هذه امرأة أجنبية، حرام الخلوة بها، وتكشف عليك.
يقول: لا أنا مثل الطبيب، سبحان الله! الطبيب ما يجوز له أن يكشف أكثر من موضع الحاجة، وإذا كان موضع الحاجة مثلاً في الذراع، ما يجوز تكشف العضد، ولا الكتف، وهذا لا، عادي، يقول: أنا مثل الطبيب، لا، لست مثل الطبيب، ليست الرقية تستدعي الكشف، ما تستدعي الكشف، يعني  القرآن ما يخترق الحجاب، يعني: لازم تكشف من أجل تقرأ أنت بريقك، ونفثك المبارك على هذه الأجساد، ولذلك ضعفت هيبة الدين، غفلة بعض المسلمين والمسلمات، قضية الجهل، الجهل عدم معرفة الأحكام، توقع الناس بأشياء من هذا.
وينبغي أن يتورع الإنسان أن يأكل بدينه، بعض السلف كان لما يخفض له واحد بالسعر، ويقول له: لأنك الشيخ فلان، أو العالم الفلاني، يقول: يا أخي إني أشتري بمالي لا بديني، ولذلك ممكن يذهب إلى واحد لا يعرفه ليشتري منه؛ حتى لا يكون قد اشترى بالدين أو أكل بالدين، وهذا هو الذي يولد المصداقية، ويعطي هؤلاء الذين يتعاملون هذه المعاملة الهيبة في نفوس الناس، يهابون العلم الذي عندهم، والدين الذي في نفوسهم.
وقال الفضيل: "لأن آكل الدنيا بالطبل والمزمار أحب إلي من أن آكلها بديني" [مختصر شعب الإيمان: 98].
وقال مطرف: "إن أقبح الرغبة في الدنيا أن تطلب بعمل الآخرة" [شعب الإيمان: 6529].
وقال بعضهم: السفلة الذين يأكلون بالدين، هؤلاء الأحبار والرهبان، الذين قال الله عنهم:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ  [التوبة: 34]، ولذلك يجب صيانة الدين عن هذا، والمتشبع بما لم يعط،  والمتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور  [أخرجه البخاري:5219، ومسلم:2129].
فإذا كان يظهر التدين يعني: زوراً، ثم يأخذ عليه مالاً من الجهتين، صار في هذه الحالة إنساناً مرتكباً للمحرمات، ولا بد أن نسلك في البحث عن الذين يتولون أمور المسلمين صاحب الدين الحقيقي، والذي يزكيه أهل العلم، والذي لا يطلب هو هذه الوظائف، ويسعى فيها، وينافس بالباطل أحياناً مع وجود من هو أفضل منه، وجدنا في نهاية هذا الموضوع بأن قضية الظاهر والباطن، قضية ضخمة جداً، ومهمة جداً.
وينبغي معرفة ما جاء بها في الكتاب والسنة، لأنه في الحقيقة هي حياتنا، وهي ملازمة للإنسان، فهي معه دائماً، ظاهرك وباطنك، إصلاح الظاهر وإصلاح الباطن، وكيف ينبغي أن نكون مسلمين لله حقاً؟ فنتبع سنة نبينا عليه الصلاة والسلام.
شوف سنن الفطرة هذه ما هي؟ بعضها في الظاهر، يعني: لما قال: اللحية، قص الشارب، لما قال: من لم يأخذ من شاربه فليس منا  [رواه الترمذي: 2761، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 6533]، معناه يدل على وجوب الأخذ من الشارب.
والمرأة لما يحرم عليها نتف الحاجب، هذا ظاهر، ممكن تعرف المرأة أحياناً المتدينة وغير المتدينة من حاجبها، إذا كانت نامصة خلاص، هذه جاهرت بالمعصية، وأظهرت النمص عياناً بياناً، وفيها لعن هذه ما هي مسألة سهلة، فيها لعن، ولذلك نجد أن الدين جاء بأشياء في الظاهر وسنن الفطرة، وحسن السمت من النبوة  [أخرجه الترمذي: 2010، وحسنه صحيح الجامع الصغير: 3692]، حسن السمت والمظهر من النبوة.
جاء الإسلام بأحكام في اللباس، اللباس ظاهر، خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ   [الأعراف: 31]، والنهي عن لبس الثوب المزعفر، والنهي عن الأحمر الخالص للرجال، قضية عدم الإسبال، وقضية عدم لبس ثوب الشهرة، وأحكام كثيرة متعلقة بالظاهر جاءت في الشريعة، الظاهر مهم هذا، والذي يدعي أن الظاهر غير مهم، المهم فقط القلب ولو خالفت السنة، ولو عصيت، وارتكبت المنهيات، ولو نمصت، ولو فعلت، ولو لبست عباءة مشدودة، ومخصرة، وملونه.
تقول: لا، التقوى هاهنا، لو في تقوى هاهنا كان ظهر على الحجاب، صار حجاباً فضفاضاً، ساتراً، سابغاً، سميكاً، غير شفاف، ولا ضيق، ولا مبخر، ولا مطيب، ولا مشابه لملابس الرجال، لا يفتن.
فإذاً المسألة الظاهر من الدين، الظاهر جاءت به الأدلة، الظاهر مطلوب والباطن مطلوب، وعلى هذا يجب أن تقوم التربية الإسلامية للجميع أنفسنا وغيرنا.
نسأل الله -عز وجل- أن يحيينا مسلمين، وأن يتوفنا مؤمنين، وأن يلحقنا بالصالحين غير خزايا، ولا مفتونين، وصلى الله علي نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.