الإثنين 24 محرّم 1441 هـ :: 23 سبتمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

من عجائب القرآن


عناصر المادة
مقدمة
تعجُّب الجن والإنس من بلاغة القرآن وفصاحته
أقوال أئمة السلف في القرآن الكريم
اللفظ اليسير الجامع لأمهات المسائل والمهمات
أسلوب الإيجاز في القرآن الكريم
مناسبة ألفاظ القرآن الكريم للحال القائمة
عجائب الاستعمال في ألفاظ القرآن الكريم
اختيار اللفظة المناسبة في المكان المناسب
مناسبة خواتم الآيات لما بدأت به
تعدد الأوجه البلاغية في الآية الواحدة
إخبار القرآن بكثير من الغيبيات الماضية والمستقبلة
تأثير القرآن على القلوب والألسن
افتتاح بعض سور القرآن بالحروف المقطعة
اشتمال القرآن على المقلوب المستوي
باب الجمع والإفراد في القرآن الكريم
إضافة أفعال الإحسان والرحمة والجود إلى الله تعالى
اشتمال القرآن على أشياء تنبّه لها البشر مؤخراً
اشتمال القرآن على مفردات لغوية جهلتها العرب
اشتمال القرآن على أحداث عظيمة معاصرة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين بين يدي الساعة داعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، أرسله الله بكتابه إلى الناس بشيراً ونذيراً.
مقدمة
00:00:44
 والحمد لله منزل الفرقان، والناسخ بما أودعه من البيان، وتفصيل الحلال والحرام ما سلف من الشرائع والأحكام، القائل في محكم تنزيله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9].
نزّله قيّماً مفصّلاً مبيناً  لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ  [فصلت: 42].
وشرّفه وكرّمه وعظمّه وسماه: روحاً ورحمة وشفاءً وهدى ونوراً.
حسم بعظيم بلاغته وأنواع فصاحته أطماع الملحدين، وأخبر أنه ليس من بحار كلام المخلوقين ونمط الشعراء والمترسلين، هذا القرآن قفوا عند عجائبه كما قال ابن مسعود: "وحرّكوا به القلوب" [الإتقان في علوم القرآن: 1/367].
لأنه قد أدهش العرب لما سمعوه وحيّر ألبابهم وعقولهم بسحر بيانه وروعة معانيه.
حتى قال فريق منهم: إنه سحر، وزعمت طائفة أنه أساطير الأولين.
وقال بعضهم مكابرة: لو نشاء لقلنا مثل هذا، ولكنهم ظلوا مقموعين مدحورين ثلاثة وعشرين عاماً يتجرعون مرارة الإخفاق، وينغضون رؤوسهم تحت مقارع التحدي والتعيير مع أنهم العرب أصحاب الأنفة والعزة، وقد استكملوا عدتهم بكثرة شعرائهم وتنوع خطبائهم وشيوع  البلاغة فيهم، وكانت اللغة في وقتهم أقوى ما يمكن وقد التهبت قلوبهم بعداوة القرآن وترادفت حوافزهم على مناهضته، لكنهم عجزوا عن معارضته لا بمثله ولا بعشر سور ولا حتى بسورة، وحينئذٍ نادى عليهم بالعجز إلى قيام الساعة، وأنه لو اجتمع الجن والإنس على أن يأتوا بهذا القرآن لن يأتوا بمثله.
تعجُّب الجن والإنس من بلاغة القرآن وفصاحته
00:03:40
 وهذا القرآن تعجبّت ّمنه الجن كما تعجبت منه الإنس.
ولذلك قال علي -رضي الله عنه-: "ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا  [الجن: 1- 2]. من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم" [رواه الترمذي: 2906، وقال: حديث غريب].
فأول ما بدأه الجن عند سماعهم للقرآن أنه عجب غير مألوف، يثير الدهشة في القلوب، وهذه صفة القرآن لمن قرأه بقلب مفتوح، وألقى السمع وهو شهيد.
أقوال أئمة السلف في القرآن الكريم
00:04:43
 ليس لعجائب القرآن حد تنتهي إليه، ولذلك تجد التفاسير على تنوعها في كل منها أشياء ليست في الآخر.
قال ابن عباس عن القرآن: "إن القرآن ذو شجون وفنون لا تنقضي عجائبه ولا تُبلغ غايته".[الإتقان في علوم القرآن: 4/226]. وقال إبراهيم بن أدهم: "لقيت عابداً من العبّاد قيل إنه لا ينام بالليل، فسألته: لمَ لا تنام؟
فقال: "منعتني عجائب القرآن أن أنام" [سير السلف الصالحين للأصبهاني: 973].
وقال عبد الله بن المبارك: "قيل لرجل: ألا تنام؟
قال: "إن عجائب القرآن أذهبت نومي"[حلية الأولياء: 8/151].
وقال آخر: "إن عجائب القرآن أطرن نومي ما أخرج من أعجوبة إلا وقعت في غيرها" [لطائف المعارف لابن رجب: 173].
وقال الشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله-: "وعجائب القرآن لا شك أنها لا تنقضي؛ لأنه كلام الله -عز وجل-".
كان أهل العلم ينسون ملذات الدنيا عند قراءتهم القرآن؛ لأن فيه لذة من العجائب والبدائع، وقد بلغ ببعضهم شأناً عظيماً، حتى قال أبو عبيد: "وسمعت شجاع بن الوليد يحدّث بإسناد له: "أن رجلاً أُدخلت عليه امرأته -هذا في العرس - فقام يصلي" رجل من أصحاب القرآن أعرس، وعندما جاء وقت دخول الزوجة وأُدخلت عليه زوجته، فقام يصلي الركعتين التي تسنّ عند الدخول بالزوجة، فامتدّت صلاته حتى أصبح ولم يلتفت إليها، فعوتب في ذلك، فقال: إني قمتُ وأنا أريد أن أصلي الركعتين اللتين من السنّة عند دخول أهل الرجل عليه، فما زلتُ في عجائب القرآن حتى نسيتها" [فضائل القرآن للقاسم بن سلام: 129]. يعني: نسي الزوجة.
أما اليوم فلا يدري الواحد كيف ينهي الركعتين حتى يتفرّغ لها!
عجائب القرآن لا تنحصر في جهة واحدة بل هي متنوعة متجددة متعددة بتجدد الزمان، وكان القرآن قد نزل على أهل الفصاحة والبلاغة، مع أنهم ليسوا بأصحاب تحضُّر واختراعات وتقدم بشري في أمور الدنيا، لكنهم خبراء في اللسان، فلم يستطيعوا أن يقاوموا القرآن، وكانوا يتعجبون مما فيه.
وفي عصرنا هذا لما أبهر الناس هذه الغرائب والعجائب في المخترعات والآلات وغيرها أيضاً أبهرهم ما في القرآن من الإشارات الكثيرة إلى أمور الحس والواقع، وبعض ما عرفوه مما في السماوات والأرض والأجنّة في أرحام أمهاتها.
اللفظ اليسير الجامع لأمهات المسائل والمهمات
00:09:03
 وهكذا من عجائب القرآن اللفظ اليسير الجامع لأمهات المسائل والمهمات.
أسلوب الإيجاز في القرآن الكريم
00:09:14
 ومن أبدع الأساليب في كلام العرب: الإيجاز، فهو متنافسهم، وغاية تتبارى إليها فصحاؤهم، فجاء القرآن بأبدع إيجاز، والمعاني المتعددة تؤخذ من العبارة القصيرة الوجيزة، ولولا إيجاز القرآن لكان ما يتضمنه من المعاني في أضعاف مقدار القرآن.
وأسرار التنزيل في كل باب بالغة من اللطف والخفاء حداً يدقّ عن تفطّن العالم، ويزيد عن تبصّره، ولا ينبئك مثل خبير، قال بعض بطارقة الروم لعمر بن الخطاب لما سمع قول الله: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [النور: 52]. فقال: قد جمع الله في هذه الآية ما أنزل على عيسى من أحوال الدنيا والآخرة.
قال ابن قتيبة: "فإن شئت أن تعرف ذلك -يعني هذه العجيبة من عجائب القرآن وهي الإيجاز- فتدبر قوله سبحانه: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف: 199]. كيف جمع بهذا الكلام المختصر الأخلاق كلها؛ لأن في أخذ العفو صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء الممانعين، وفي الأمر بالمعروف تقوى الله، وصلة الأرحام، وصَون اللسان عن الكذب، وغض الطرف عن المحرمات والحرمات" [تأويل مشكل القرآن: 12].
وإنما سمي هذا وما أشبهه عُرفاً ومعروفاً؛ لأن كل نفس تعرفه وكل قلب يتوق إليه.
وفي الإعراض عن الجاهلين الصبر والحلم وتنزيه النفس عن مماراة السفيه.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله تعالى-: "هذه الآية جامعة لحسن الخلق مع الناس وما ينبغي في معاملتهم، فالذي ينبغي أن يعامل به الناس أن يأخذ العفو، أي ما سمحت به أنفسهم، وما سهل عليهم من الأعمال والأخلاق، فلا يكلفهم ما لا تسمح به طبائعهم، بل يشكر من كل أحد ما قابله به من قول أو فعل جميل، أو ما هو دون ذلك، ويتجاوز عن تقصيرهم، ويغض طرفه عن نقصهم، ولا يتكبر على الصغير لصغره، ولا ناقص العقل لنقصه ولا الفقير لفقره، بل يعامل الجميع باللطف والمقابلة بما تقتضيه الحال، وتنشرح له صدورهم" [تفسير السعدي: 313].
وهكذا قوله: وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ  قال -رحمه الله-: "بكل قول حسن وفعل جميل وخلق كامل للقريب والبعيد، فاجعل ما يأتي إلى الناس منك إما تعليم علم، أو حث على خير، أو صلة رحم، أو بر والدين، أو إصلاح بين الناس، أو نصيحة نافعة، أو رأي مصيب، أو معاونة على بر وتقوى، أو زجر عن قبيح، أو إرشاد إلى تحصل مصلحة دينية أو دنيوية، ولما كان لا بد من أذية الجاهل أمر الله تعالى أن يقابل الجاهل بالإعراض عنه وعدم مقابلته بجهله، فمن آذاك بقوله أو فعله فلا تؤذه، ومن حرمك لا تحرمه، ومن قطعك فصِله، ومن ظلمك فاعدل فيه". انتهى كلامه رحمه الله.
[تفسير السعدي: 313].
كذلك لو تأملنا قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: 90].
فهذه الآية جامعة لجميع المأمورات وجميع المنهيات، ما بقي شيء إلا دخل فيها فهي قاعدة تندرج تحتها سائر الجزئيات، فكل مسألة تشتمل على عدل أو إحسان أو صلة فهي مما أمر الله به، وكل شيء يشتمل على فحشاء أو منكر أو بغي فهو مما نهى الله عنه، فتبارك من جعل في كلامه الهدى وشفاء الصدور والفرقان والنور.
وكذلك تأمل قوله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: 7، 8].
تراه شاملاً لكل خير، وكذلك لكل شر، وهكذا في الترغيب والترهيب.
وقال -عز وجل- لما ذكر الأرض: أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا [النازعات: 31]. كيف دلّ بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتاً ومتاعاً للأنام من العشب والشجر والحب والثمر والحطب والعصف واللباس والنار والملح؛ لأن النار من العيدان والملح من الماء.
وينبئك أنه أراد ذلك قوله: مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [النازعات: 33].
وكذلك في وصف خمر الجنة: لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ [الواقعة: 19].كيف نفى بهذين اللفظين جميع عيوب الخمر، وجمع بقوله: وَلَا يُنْزِفُونَ  عدم ذهاب العقل، وعدم ذهاب المال.
وكذلك عدم نفاد الشراب؛ لأن شراب الدنيا ينفد، وقرأ عامة قراء المدينة والبصرة وبعض قراء الكوفة "يُنزَفون" بفتح الزاي، يعني: ولا هم عند شربها تنزف عقولهم.
وقرأ عامة قراء الكوفة: وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ [الصافات: 47].
بمعنى: ولا هم عند شربهم ينفد شرابهم، فلا يسكرهم ولا ينتهي.
وتأمل في قوله -عز وجل- مثلاً: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة: 179]. فهي من جوامع الكلِم، وأقرب حكمة عند العرب لها: "القتل أنفى للقتل" يعني: لو أردنا أن نأتي بأحكم عبارة عربية من الكلمة العربية والأمثال العربية وما أبدعه العرب من الجمل القصيرة المحكمة قولهم: "القتل أنفى للقتل" في التعبير عن القصاص.
وهذه عبارة مختصرة فيها المعنى الكبير، "القتل أنفى للقتل"، القتل بالقصاص يدفع وينفي القتل الذي هو بالاعتداء.
ولكن قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ  [البقرة: 179]. أبلغ وأجمل وأوعى وأنفع؛ لأنها في غاية الفصاحة والبلاغة مع ما فيها من الغرابة باشتمال الشيء وضده.
فإن القصاص قتل وتفويت للحياة، ومع ذلك فقد جُعِل حياة، لماذا؟ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ يعني قتل القصاص- حَيَاةٌ  هذه أعجب من قولهم: القتل أنفى بالقتل!
 وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة: 179]. مع أن القصاص قتل، لكن قال فيه حياة؛ لأن القصاص يردع، فكثير من القتل والإجرام لن يحصل إذا أقيم القصاص؛ لأن القصاص سيرهب المجرمين والقتلة، فلن يقتلوا فيعيش كل من كانوا سيُقتلون.
فقوله: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ -وهو قتل- حَيَاةٌ [البقرة: 179]. أدهش وأبرع وأبلغ وأعجب من القتل الأنفى للقتل.
بالإضافة إلى أنه عرّف القصاص ونكّر الحياة وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ  هذه معرفة بأل التعريف، ثم قال: حَيَاةٌ . نكرة، ما قال: ولكم في قصاص الحياة.
قال: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة: 179].
ليدل على أن في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة، فالتنكير للتعظيم، يعني: ولكم في القصاص حياة كثيرة، حياة عظيمة؛ لما في القصاص من الردع.
فتحيا نفوس كثيرة كانت ستقتل بدون تنفيذ حكم القصاص وبدون تقرير حكم القصاص في الواقع.
قال القاسمي -رحمه الله-: "اتفق علماء البيان على أن هذه الآية في الإيجاز مع جمع المعاني البالغة أعلى الدرجات، وذلك لأن العرب عبّروا عن هذا المعنى بألفاظ كثيرة، كقولهم: قتل البعض إحياء للجميع، وقول آخرين: أكثروا القتل ليقل القتل". وأجود الألفاظ المنقولة عن العرب في هذا الباب قولهم: القتل أنفى للقتل.
ومن المعلوم لكل ذي لُبّ أن بين هذه العبارة العربية وبين ما في القرآن كما بين الله وخلقه - يعني هذا كلام الخلق وهذا كلام الله- وأنى لهذه العبارة عند العرب أن تصل لعذوبة القرآن وجماله وبلاغته" [تفسير القاسمي: 2/ 8].
ولذلك لا يشبه كلام الله كلام أحد من خلقه.
وساق القاسمي -رحمه الله- نحواً من عشرين وجهاً في بيان تفوق الآية على حكم العرب.
ومنها: أن الآية فيه مطّردة بخلاف المثل، فإنه ليس كل قتل أنفى للقتل، بل قد يكون أدعى له! وهو القتل ظلماً.
فقولهم: القتل أنفى للقتل، القتل عامة تشمل القتل بحق والقتل بباطل.
لكن قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ [البقرة: 179]. القصاص عدل، القصاص القتل بحق، بجرد كلمة قصاص تعني قتل بحق، بينما قول العرب "القتل أنفى للقتل" القتل هذه الأولى عامة تحتمل قتل بحق وقتل بباطل.
فإذا كان قتلاً بباطل فهذا فتح باب القتل وليس إغلاق الباب، فتأمل الفرق بين دقة القرآن وعجائب القرآن وبين الحكم الأخرى ماذا يمكن أن تنفتح، أن يرد عليها من الإيرادات وينفتح عليها من الاعتراضات.
ثم إن الآية خالية من تكرار رفض القتل الواقع في المثل والخالي من التكرار أبلغ من المشتمل عليه في قواعد الفصاحة.
ثم إن الآية اشتملت على فن البديع، وهو جعل أحد الضدين، ما هما الضدان؟ الموت والحياة.
جعل أحد الضدين محلاً ومكانا ًلضده، واستقرار الحياة في الموت مبالغة عظيمة، وكذلك إن لفظ القصاص مشعر بالمساواة، وينبئ عن العدل بخلاف مطلق القتل، القتل أنفى للقتل.
ثم إن الآية رادعة عن القتل والجرح معاً، وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ [البقرة: 179]. حتى في الجروح الناتجة عن الاعتداءات المتعمدة.
ثم إن الآية رادعة عن القتل والجرح معاً لشمول القصاص لهما بخلاف عبارة العرب "القتل أنفى للقتل" ما فيها ذكر الجراح، فالآية أبلغ وأوعى وأوعب.
وتأمل قول الله تعالى: وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ [يوسف: 25].
هذه من عجائب القرآن، فلا يطيق الثقلان أن يجمعا كل المعاني في هذه التي لا تتجاوز عشر كلمات.
فتصوير المشهد، هو تصوير المشهد لا يتم عند العرب بمثل هذه الكلمات، فلو أن القصة سردت لعربي وقيل له عبر عنها بأوجز عبارة، ما أطاق أن يأتي بمثل هذا، لا يستطيع.
 وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ [يوسف: 25].
هذه الكلمات تصف مشهداً تصوره لك كأنك حاضر فيه تنظر إليه، تنظر إليه وهما يتسابقان، ويريد الهروب، وهي تريد اللحاق به والإمساك قبل أن يهرب بغية أن تحصل على مرادها في الفاحشة معه.
 وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ [يوسف: 25]. فأمكنها الإمساك بطرف قميصه -لا به- وانقطعت القطعة نتيجة سعيه في الهرب وسعيها في الإمساك به، وبلغا الباب فألفيا ووجدا سيدها وزوجها لدى الباب، فكانت المفاجأة وهذا المشهد، هو وهي خلفه والسيد أمامهما يتلقاهما عند الباب، هو داخل ويوسف خارج  أَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ [يوسف: 25].
هذا التصوير لا يمكن أن يأتي به، لو قيلت التفاصيل لعربي بليغ وقيل له وهو لا يعرف الآية ولم يسمع بها: صور لنا هذا المشهد؟
كم كلمة تحتاج لتعبر عن هذه المعاني بذاتها كاملة، وتصور المشهد بدقة كأننا نراه، صوره لنا كأننا نراه وفيه كل هذه التفاصيل وكل كلمة لها مدلول؟
 وَاسْتَبَقَا  هناك مسابقة، الْبَابِ  جهة الباب، إلى تلك الجهة  وَاسْتَبَقَا الْبَابَ  وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ  هي كلمتان: وَاسْتَبَقَا الْبَابَ .
 وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ  واضح جهة القطع من أين،  وَقَدَّتْ  هي، قَمِيصَهُ  هو، مِنْ دُبُرٍ .
 وَأَلْفَيَا  كلاهما وجدا سيدها -فهو زوج المرأة- هناك فرق بين سيدها وسيده، مع أنه سيده، لكن التعبير "سيدها" هنا في هذا المقام أبلغ، وهنا وقع المصيبة والمفاجأة أكبر، سيدها، هنا الفضيحة. وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ 
هذه جزء من آية تصور أشياء كثيرة، تصور المشهد كاملاً وبالدقة وبالفوائد والتفاصيل الموجودة فيه، فلا يمكن لغير كلام الله أن يصور ويعبّر ويجمع ما جمع.
مناسبة ألفاظ القرآن الكريم للحال القائمة
00:27:34
 ومن العجائب مناسبة الألفاظ للأحوال.
زيادة اللفظ التي تنتج زيادة معنى، كما ذكر في قصة ذي القرنين مع القوم المستضعفين من يأجوج ومأجوج، حيث قال:  آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [الكهف: 96، 97].
لو قيل لإنسان أن يعبر -هو مهندس- عن عملية بناء سدّ، ومراحل البناء، والخطة المتخذة، وتعليم الجهلة علم الصناعة مع الدفع والتحفيز والتشجيع، ما يمكن أن يأتي بها بنفس هذه الكلمات الموجزة التي تشتمل على كل المعاني.
 آتُونِي  اشتغلوا،  آتُونِي  مع أن عنده قدرة لكن يريد أن يدفعهم للعمل  زُبَرَ الْحَدِيدِ  قطع الحديد، حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ هم يعملون وهو يعمل، وكل واحد له دور، وهو غني عنهم، ولكن يريد أن يعلمهم وأن يحفّزهم للعمل وأن يخرج من تلك الأمة الجاهلة المظلومة المعتدى عليها المستضعفة الذليلة المهانة، يخرج منهم صنّاعاً يعرفون قيمة نعمة الله، وفضل الله، آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا .
متى هو يعمل ومتى هم يعملون؟ متى يأتي دورهم ومتى يأتي دوره؟ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا .
فعليهم البحث والجمع والجلب ورؤية الخطة كيف تنفّذ وهم يدخلون معه في المراحل، ولا ينتهي دورهم في أول الأمر، مع أول الأمر خرجوا، لا، آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا  [الكهف: 96] .
ثم تأمل قوله: فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [الكهف: 97].
الأولى قال: فَمَا اسْطَاعُوا  بدون التاء، وفي الثانية قال: وَمَا اسْتَطَاعُوا  بزيادة التاء.
أيهما أبلغ، اسطاعوا أو استطاعوا؟
الجواب: "استطاعوا" أبلغ؛ لأنه زاد فيها التاء، وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، زيادة مبنى الكلمة، زيادة التاء في هذه تدل على معنى إضافي أكثر من قوله: "اسطاعوا".
فإذن الاستطاعة أبلغ وأقوى، لماذا؟ لا بد أن تناسب كل واحدة ما أمامها،  فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ  أن يظهروا يتسلقوا عليه، وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا  حفره ونقبه ما استطاعوا، فأيهما أصعب؟ التسلق عليه أو حفره ونقبه؟
الجواب: حفره ونقبه أصعب ولا شك؛ لأن هذه السبيكة المكونة المشكلة من حديد ملبّس بالنحاس، التي هي أقوى السبائك في العالم اختراقها شبه صعب جداً جداً، أما التسلق عليها والظهور عليها فهو أقل صعوبة، وإن كان صعباً أيضاً، ولذلك قال: فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [الكهف: 97].
فقابل كلاً بما يناسبه لفظاً ومعنى، واستطاعة نقب السد أقوى من استطاعة تسلقه.
عجائب الاستعمال في ألفاظ القرآن الكريم
00:32:55
 ومن عجائب القرآن أن كل لفظة منه لها في محلها فائدة ليست حاصلة لو استعملت في غير ذلك المحل.
وقال ابن قتيبة -رحمه الله-: "وقد قال قوم بقصور العلم وسوء النظر في قوله تعالى: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ  [الكهف: 17].
فجاء هؤلاء أو بعض قصار النظر من الذين أوتوا من جهلهم، قال: وما فائدة هذا الكلام؟ وما في الشمس إذا مالت بالغداة والعشي عن الكهف من الخبر؟
 وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ [الكهف: 17].
فكأن بعضهم من جهلهم أن قالوا: ما الجديد في هذا الكلام؟ هذا معروف أن الشمس إذا طلعت ذات اليمين، وإذا غربت ذات الشمال.
قال: "وإنما أراد الله -عز وجل- أن يعرفنا لطفه بالفتية وحفظه إياهم في الهجع، واختياره لهم أحسن المواضع للرقود، فأعلمنا أنه بوأهم كهفاً في مقنأة الجبل -"مقنأة الجبل" الموضع من الجبل الذي لا تصيبه الشمس -مستقبلاً بنات العرش -النجوم مجموعة النجوم المعروفة - فالشمس تزورُّ عنه وتستدبره طالعة وجارية وغاربة، ولا تدخل عليهم فتؤذيهم بحرّها، وتلفحهم بسمومها، وتغير ألوانهم وتبلي ثيابهم، وأنهم كانوا في فجوة من الكهف - يعني متسع منه – ينالهم فيه نسيم الريح وبرده، وينفي عنهم غمّة الغار وكربه" [تأويل مشكل القرآن: 14].
فإذن، ليس الكلام كما يتصور البعض تحصيل حاصل، لا، هناك معانٍ جليلة عظيمة كثيرة متنوعة تبين لطف الله بهؤلاء الذين آمنوا به، وإحسان الله إليهم كما أحسنوا.
اختيار اللفظة المناسبة في المكان المناسب
00:35:37
 ومن عجائب القرآن اختيار اللفظة المعينة التي لا يمكن أن يقوم غيرها مقامها، كما لو تأملت في قوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ [التوبة: 32].
لماذا استعمل "يطفئ" ولم يستعمل مثلاً "يخمد" وكلاهما يستعمل في النار، لكن العرب تفرق بين الإطفاء والإخماد.  
متى تستعمل العرب الإطفاء أو تستعمله مع ماذا؟ في أي حالة؟ والإخماد في أي حالة؟
العرب تستعمل كليهما في النار.
العرب تفرق بين الإطفاء والإخماد مع أن كليهما مستخدم في النار من جهة أن الإطفاء يستعمل في القليل والكثير والإخماد يستعمل في الكثير فقط.
فإذن، ما يمكن تقول شبّت نار في علبة المناديل أخمدناها، لا تأتي، عند العرب الإخماد في النار الكبير.
الإطفاء في الحالين، في النار القليلة والنار الكثيرة، يصح أن يقال "أطفأ الحريق الكبير"، "أطفأ الحريق الصغير"، "أطفأ الشعلة"، "أطفأ الشمعة"، وأطفأ الحريق".
لكن "أخمد" أخمدت الشمعة، لا تأتي.
ما علاقته بموضوع الآية؟ الكفار يريدون إبطال أي شيء يستطيعون إبطاله من الدين قليلاً أو كثيراً، فيحاولون يا محمد -صلى الله عليه وسلم-، ويا أيها المؤمنون السائرون على طريقه أن يحرفوكم عن دينكم أو يضروكم في دينكم أو ينقصوا من دينكم أو يحاربوا من دينكم القليل والكثير.
ما استطاعوا، لو استطاعوا أن يجعلوكم تتركون سنة سيفعلون ذلك، ولو استطاعوا أن يجعلوكم تتركون الدين كله سيفعلون ذلك.  يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ 
يعني ما استطاعوا، ما استطاعوا من النور قليل أو كثير.
 يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ  وحتى كلمة أفواههم بيان العجز، من الذي يستطيع أن يطفئ نور الله بفمه؟ فمه فقط يطفئ نور الله؟ وإضافة النور إلى الله تعني القوة، أنه قوي وعظيم، نور الله، وهؤلاء بأفواههم فقط، يعني لن يستطيعوا، فهيا معنى البشارة.
إذن، فيها أن الكفار يسعون لإطفاء الدين بالقليل والكثير، بعض الدين، كل الدين، ما أمكنهم.
ثم إن إضافة النور إلى الله تفيد القوة، وأن هذا النور منتشر، نور الله لا يمكن أن ينطفئ.
ثم إن بيان عجز بيان الكفار فيه بشارة للمؤمنين أن الكفار مهما عملوا سيعجزون؛ لأن أفواههم لا تستطيع أن تطفئ نور الله، فكيف إذا أكّد البشارة بقوله: وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ [الصف: 8].
فكل كلمة مقصودة، ولها معنى معين، ولها فائدة معينة في محلها المعين، وهكذا.
وتأمل قول الله: امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ .
هذه العبارة جاءت للتشنيع على امرأة العزيز، وقوله "امرأة" فيه تشنيع باعتبار الوضع العائلي، امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ  فيها تشنيع.
النسوة في المدينة قالوها وقد استبشعوا واستشنعوا ما فعلته امرأة العزيز، ومثل هذه المرأة بالتأكيد لها أعداء وحساد على مكانتها، فإذا وقعت لها سقطة وزلّت زلّة بالتأكيد ستطير بين النساء في كلامهن وثرثرتهن ونشرهن للخبر.
فلا شك أن العبارة عبارة تشنيع على امرأة العزيز، لكن وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ [يوسف: 30].
تأمل الآن اختيار الألفاظ للدلالة على التشنيع، ما قالوا: فلانة، ولا زليخة تراود فتاها عن نفسه، لا، امْرَأَتُ الْعَزِيزِ  فكلمة امرأة تدل على التشنيع من جهة الحالة العائلة، إن هذه المرأة متزوجة، ثم تفعل بهذا الفعل؟ يعني لم تكتفِ بزوجها ومدّت نفسها وعينها إلى الحرام.
فصاحبة الفضيحة امرأة متزوجة وفعلها تصرف مشين، ولو كان امرأة غير متزوجة سيكون الوضع أقل في الفضيحة  امْرَأَتُ الْعَزِيزِ [يوسف: 30]. بالنسبة للوضع الطبقي صاحبة الفضيحة هذه ليست امرأة واحد فقير أو مغمور، هذه امرأة العزيز.
فالتشنيع فيها أكبر، والتقبيح أكبر، والفضائح المتسربة من علية القوم دويها أكبر، والتشفي والنكاية والانتقام سيكون من جهة النساء بالتالي أكبر.
فضيحة الأكابر كبرى الفضائح، ثم قولهن: تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ .
تراود باعتبار الوضع النوعي صاحبة الفضيحة خرجت عن المعهود من بنات جنسها وتنكرت للحياء الجبلّي، هي الآن ما استجابت لدعوته لها للفاحشة، ليس هو الذي دعاها، العادة أن المرأة مطلوبة والرجل طالب، حتى في الحرام، الرجل طالب والمرأة مطلوبة، لكن نجد الآن أنهن قلن: " تُرَاوِدُ" فصارت هي الطالبة، وهذا أنكى في التشنيع.
ثم إن لفظة "المراودة" تعني الفرق بين تراود وامرأة العزيز مثلاً تبتغي ولا تريد؟
تراود يفيد التكرار، ما هو مرة واحدة، تراود.
المراودة مرة بعد مرة، فلو أردت تأتي بكلمة أخرى، ماذا ستقول؟  
 تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ [يوسف: 30] إضافة الفتى إليها باعتبار الوضع الخُلقي من صاحبة الفضيحة، يعني: ذهبت إلى الخادم؟ وإلى العبد؟
يعني لو ذهبت على واحد مثلها في الطبقة أو في المنزلة من علية القوم، راحت على فتاها، نزلت إلى مستوى الخدم الآن، ذهبت أسفل إلى العبيد والخدم.
فهذه الكلمات ما يمكن تأتي بغيرها لتدل على نفس مدلولها، وكذلك قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ [العنكبوت: 14].
والفائدة في ذكر مدة لبثه -عليه السلام- أنه كان يضيق صدره بسبب عدم دخول الكفار في الإسلام - يعني محمد ﷺ فقيل له: إن نوحاً لبث ألف سنة تقريباً في الدعوة ولم يؤمن من قومه إلا  القليل، ويُلاحظ في الآية أنه عبر من مدة لبث نوح في قومه بالسنة  فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ [العنكبوت: 14].
وأما الأيام التي عاشها بعد غرق قومه، فعبر عنها بلفظ العام.
لاحظ؛ فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين سنة؟ لا  إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا .
وكذلك لم يقل: فلبث فيهم ألف عام إلا خمسين عاماً، لا، قال: أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا [العنكبوت: 14].
لأن السنة عند العرب فيها معنى الشدة، والجدب، والقحط، وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ [الأعراف: 130]. بالشدة والجدب والقحط، فكأن 950 سنة هذه التي لبثها نوح في قومه كانت قحط في الاستجابة، وجدب في التأثر، أما "العام" قد يستعمل في الرخاء.
قال الله تعالى: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [يوسف: 49].
مناسبة خواتم الآيات لما بدأت به
00:45:39
 وكذلك من عجائب القرآن أن خواتم الآيات التي فيه تناسب موضوع الآية، عن الأصمعي قال: كنت أقرأ  وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا [المائدة: 38]. نساها الأصمعي، قال: (والله غفور رحيم).
قال: وبجنبي أعرابي فقال: كلام من هذا؟
الأعرابي هذا ما يحفظ القرآن، أعرابي عامي، ما يحفظ القرآن، فقال: كلام من هذا؟
قلت: كلام الله.
قال: ليس هذا كلام الله.
فانتبهت، فقرأت -أعاد الآية- وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة: 38].
فقال: أصبت، هذا كلام الله.
فقلت: أتقرأ القرآن؟ أتحفظ؟
فقال: لا.
قلت: من أين علمت؟
قال: يا هذا، عزّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع.
ما يمكن تنتهي الآية "غفور رحيم" وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً  اقطعوا بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ [المائدة: 38]. ثم تنتهي "والله غفور رحيم"؟ ما يمكن.
ثم تجد الآية الواحدة مشتملة على عدة أنواع من البلاغة.
لما كان قوم فرعون اشتهروا بالسحر وقلب الأشياء، والتخييل للأعين، والتلاعب، كانت معجزات موسى من النوع الذي يمحق السحر هذا، في فنهم وبابهم قاضٍ عليهم.
ولما كان قوم عيسى قد برعوا في الطب كانت معجزات عيسى من النوع القاضي عليهم في فنهم وبابهم وما أتقنوه، ولما كانت العرب قد اشتهروا بالفصاحة والبلاغة والبيان كان القرآن معجزة محمد ﷺ قاضٍ عليهم فيما أبدعوا فيه وأتقنوه وبرزوا وبرّزوا فيه.
تعدد الأوجه البلاغية في الآية الواحدة
00:48:09
 فاشتمال الآية على عدة أنواع من البلاغة، حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [النمل: 18]. ففيها عشرة أجناس من الكلام؛ نادت، ونبّهت، وسمّت، وأمرت، ونصّت، وحذّرت، وخصّت، وعمّت، وأشارت، وأعذرت".
أما نادت ففي قوله "يَا"، وأما نبّهت "أَيُّهَا"، وسمّت "النَّمْلُ"، وأمرت "ادْخُلُوا"، ونصّت "مَسَاكِنَكُمْ" تحديداً، وحذّرت "لَا يَحْطِمَنَّكُمْ" ، وخصّت "سُلَيْمَانُ"، وعمّت "وَجُنُودُهُ"، وأشارت "وَهُمْ"، وأعذرت، بينّت العذر "لَا يَشْعُرُونَ".
وعن الأصمعي أنه سمع جارية أعرابية تنشد شعراً حسناً فقال لها: قاتلكِ الله ما أفصحكِ.
فقالت له: أويُعد هذا فصاحة مع قوله تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص: 7].
فجمع في آية واحدة بين خبرين، وأمرين، ونهيين، وبشارتين.
فالخبران: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى  وقوله:  فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ  ، والأمران:  أَرْضِعِيهِ  و فَأَلْقِيهِ ، والنهيان و  وَلَا تَخَافِي  و  وَلَا تَحْزَنِي ، والبشارتان: إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص: 7].
لا تخافي عليه الهلاك من الإلقاء في اليمّ، ولا تحزني على فراقه. [تفسير القرطبي: 13/252].
الخوف توقع المكروه، الحزن حالة نفسية تنشأ عن فوات محبوب، فقد حبيب، لا تخافي، ولا تحزني.
ما هو الفرق بين الخوف والحزن؟ ولماذا في أم موسى؟ لهذين الأمرين.
إخبار القرآن بكثير من الغيبيات الماضية والمستقبلة
00:50:22
 ومن عجائب القرآن إخباره بكثير من الغيبيات الماضية والمستقبلة التي لم يشهدها النبي ﷺ ولا عرفها قومه قطعاً،  تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا  [هود: 49].
هذا القرآن، فأخبره بغيوب ماضية غابت عنهم، ما اطلعوا عليها، ومستقبلية، بعضها تحقق في عهدهم، وبعضها تحقق في عهدنا، أو سيتحقق مستقبلاً.
فمن الغيب المستقبلي الذي تحقق في عهدهم قوله تعالى: الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم: 1 - 4]. فغَلبت الفرس الروم على بلاد الشام، ثم ظهرت الروم بعد ذلك بعد تسع سنوات.
وتأمل قوله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ [الشورى: 32].
العلم هو الجبل، أكبر سفينة في الزمن السابق، سفينة نوح كان فيها معجزة لنوح -عليه السلام-، السفن الأخرى التي صنعها البشر ما هي أكبر سفينة؟ كم حجمها؟
لكن في العصر الحديث حاملات الطائرات، وناقلات البضائع، الشحن البحري، أنت إذا اقتربت بزورقك الصغير من ناقلة نفط أو شاحنة حاويات أو حاملة طائرات، تأمل قوله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ  كالجبل، أنت فعلاً إذا اقتربتَ منها ترى مثل الجبل.
مثل هذا الحجم ما كان مخترعاً من قبل؟ هذا وجد الآن في هذا الزمن.
وما حصل في عهد الصحابة من الغيب المستقبلي:  لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ [الفتح: 27].
يقول عمر: ألم تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطّوف به؟
قال: أخبرتك هذا العام؟ فإنك آتيه ومطّوف فيه. [رواه البخاري: 2731].
وحصل، وهذا له أمثله.
تأثير القرآن على القلوب والألسن
00:53:04
 ومن عجائب القرآن تأثيره على القلوب والألسن، حتى أنك ترى الرجل الأعجمي الذي لا يعرف اللغة العربية إذا أراد أن يتعلّم القرآن سهّل الله عليه الأمر فحفظه وهو لا يعرف معانيه، لا يعرف العربية، يوجد أعاجم يحفظونه من أوله إلى آخره، لو تسأله عن شيء فيه يقول لك لا أدري.
بل العجب أن بعض الخطباء من المسلمين العرب لما خطبوا وكان يسمع الخطبة بعض الكفار الأعاجم فإن بعض الكفار كانوا يميزون الآيات عن غيرها، كما حكى أحد دعاة المسلمين أنه خطب الجمعة في قوم على سفينة كبيرة، وفيها من الأوروبيين والأعاجم، وبعد انتهاء الصلاة، قال: جاءت إحدى الأوروبيات عجوز كبيرة في السن لتهنئنا على نجاح القدّاس، أقرب شيء في مفهومها لما رأته قدّاس -مثل جمع الكنيسة-، ثم قالت: عن أي شيء تكلمتم وعن أي شيء تحدثتم فجعلنا نترجم لها.
ثم قالت: لكن كلام خطيبكم هذا كان يشتمل على مقاطع لا تشبه المقاطع الأخرى، إنها مقاطع مميزة، لها روحانية، طعمها مختلف، فعرفنا أنها تشير إلى آيات القرآن مع أنها لا تعرف اللغة العربية.
ومن العجائب أن بعض الدعاة قد ذهبوا إلى الحبشة وخطبوا فيهم، والقوم ما كانوا يعرفون اللغة العربية.
قال: فتعجبتُ أنهم كانوا يبكون عند سماع الآيات دون غيرها.
ومن العجيب أن القرآن يؤثر في الكافر في الرقية مع كفره، كما فعل أبو سعيد الخدري لما قرأ سورة الفاتحة سبع مرات ورقى بها سيّد حي من المشركين من لدغ العقرب فشُفي، وكانوا قد صالحوهم على عدد من الغنم.
إذن، هذا القرآن يؤثّر، وهناك تجارب على أعاجم يُقرأ عليهم كلام عادي، ويُقرأ عليهم قرآن، فيميزون أن هذا غير هذا؛ مع أنهم لا يعرفون اللغة العربية.
افتتاح بعض سور القرآن بالحروف المقطعة
00:56:44
 ومن عجائب القرآن هذه الافتتاحات بالأحرف المقطعة... ألم، ح، م، ص، ق، ن.
وهي للتحدي والإعجاز والإشارة إلى أن هذا القرآن من عند الله بهذه اللغة التي هذه حروفها، فهاتوا مثله يا أصحاب اللغة التي هذه حروفها.
قال ابن كثير -رحمه الله-: "مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها، يعني في "ألم" أكثر من مرة، مثلاً بحذف المكرر مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور منها أربعة عشر حرفاً، وهي: أ، ل، م، ص، ر، ك، ي، ع، ط، س، ح، ق، ن. يجمعها قولهم: نص حكيم قاطع له سر.
قال: وهي نصف الحروف عدداً، هذه 14 نصف حروف الهجاء.
قال ابن كثير: "والمذكور منها أشرف من المتروك" [تفسير ابن كثير: 1/159].
هذه الحروف المذكورة في الأحرف المقطعة أشرف من الأخرى التي لم تذكر في الأحرف المقطعة.
قال ابن القيم -رحمه الله-: تأمل سِر "ألم" كيف اشتملت على هذه الحروف الثلاثة، فالألف إذا بُدئ بها أولاً كانت همزة "ء" وهي أول المخارج من أقصى الصدر، واللام من وسط مخارج الحروف.
عندنا حروف من أقصى، وحروف من وسط، وحروف من المقدمة، في علم المخارج.
شيء من أقصى، وشيء من الوسط، وشيء من الأمام والمقدمة.
قال "أ" ألف من أقصى، واللام من الوسط، وهي أشد الحروف اعتمادا ًعلى اللسان؛ لأن الحروف عند خروجها تختلف في درجة اعتماديتها على اللسان، فاللام أشد حرف يعتمد على اللسان، أكثر حرف يعتمد على اللسان في خروجه. قال: "والميم آخر الحروف ومخرجها من الفم".
فشيء من أقصى الحلق، من جهة الصدر، وشيء من الوسط وشيء من الأمام.
قال: "وهذه الثلاثة هي أصول مخارج الحروف"، أصول المخارج، أعني الحلق واللسان والشفتين.
مخارج الحروف تنبع من الحلق، واللسان، والشفتين.
قال: "وكل سورة استفتحت بهذه الأحرف الثلاثة فهي مشتملة على بدء الخلق، وتوسطه، ونهايته، فمشتملة على تخليق العالم وغايته، وعلى التوسط بين البداية والنهاية بالتشريع والأوامر".
فتأمل ذلك في البقرة وآل عمران وتنزيل السجدة وسورة الروم، وتأمل السور التي اشتملت على الحروف المفردة، كيف نجد السورة مبنية على ذلك الحرف، فمن ذلك: "ق" والسورة مبنية على الكلمات القافية من ذكر القرآن وذكر الخلق وتكرير القول ومراجعته مراراً، والقرب من ابن آدم، وتلقي الملكين، قول العبد وذكر الرقيب، وذكر السائق والقرين والإلقاء في جهنم، والتقديم بالوعيد، وذكر المتقين وذكر القلب والقرون والتنقيب في البلاد، وذكر القيل مرتين، وتشقق الأرض، وإلقاء الرواسي، وسوق النخل، والرزق، وذكر القوم وحقوق الوعيد ولو لم يكن إلا تكرار القول والمحاورة، وسر آخر وهو أن كل معاني هذه السورة مناسبة لما في حرف القاف من الشدة والجهر والعلو والانفتاح وإذا أردتَ زيادة إيضاح هذا فتأمل ما اشتملت عليه سورة (ص) من الخصومات المتعددة، وكلمة خصومة فيها الصاد، فأولها خصومة الكفار مع النبي ﷺ.
وقولهم: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا ... الآية   [ص: 5]. ثم اختصام الملأ الأعلى في العلم؛ وهو الدرجات والكفارات، ثم مخاصمة إبليس واعتراضه على ربه في أمره بالسجود لآدم، ثم خصامه ثانياً في شأن بنيه وحلِفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم، فليتأمل اللبيب الفطن هل يليق بهذه السورة غير صاد؟ وبسورة قاف غير حرفها؟ وهذه قطرة من بحر أسرار هذه الحروف"[بدائع الفوائد: 3/173].
هذا الكلام وجهة نظر من ابن القيم -رحمه الله- والمقصود هو محاولة منه -رحمه الله- لإيجاد علاقة بين الحرف وبين ما اشتملت عليه السورة من المقاصد والمعاني، موضوع السورة وعلاقتها بالحرف المبدوءة به.
وكذلك قوله تعالى: يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ  [النساء: 1].
مع قوله تعالى:  يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ  [الحج: 1].
سورتان من القرآن صدرهما: يَاأَيُّهَا النَّاسُ  الأولى سورة النساء في النصف الأول وهي الرابعة من سُوَره.
والأخرى الحج في النصف الثاني وهي الرابعة من سوره أيضاً.
ثم التي في النصف الأول مصدّرة بذكر المبدأ: يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ [النساء: 1]. والتي في النصف الثاني مصدّرة بذكر المعاد.
لاحظ... يَاأَيُّهَا النَّاسُ  جاءت في مطلع سورتين، السورة الأولى الرابعة من النصف الأول، السورة الثانية الرابعة من النصف الثاني، لكن التي من النصف الأول: يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ  [النساء: 1].
مبدأ الخلق.
الموضع الثاني: يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَة...  [الحج: 1].نهاية الخلق والحياة قبل قيام الساعة.
اشتمال القرآن على المقلوب المستوي
01:04:06
 ومن العجائب اشتماله على بعض اللطائف مثل المقلوب المستوي، وهذا الكلام أقل أهمية من السابق، لكن ملاحظات لبعض أهل العلم، مثلاً نحن ذكرنا الملاحظة الأولى لابن القيم في العلاقة بين الأحرف المقطعة ومواضيع السورة اجتهاد.
الثاني من تفسير النيسابوري في قضية:  يَاأَيُّهَا النَّاسُ .
الثالث الآن المقلوب المستوي، مثال: كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء: 33].
قال ابن عاشور: "ومن بدائع الإعجاز في هذه الآية أن قوله تعالى: كُلٌّ فِي فَلَكٍ  نلاحظ أنها تُقرأ من الجهتين بنفس الكيفية: كُلٌّ فِي فَلَكٍ  عكسها: كُلٌّ فِي فَلَكٍ .
قال الطاهر بن عاشور: "فيه محسن بديعي، فإن حروفه تُقرأ من آخره على الترتيب كما تُقرأ من أولها مع خفة التركيب ووفرة الفائدة وجريانه مجرى المثل من غير تنافر ولا غرابة".
قال: "ومثله قوله تعالى: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ  [المدثر: 3].
اعكس: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ  [المدثر: 3].
قال: "بطرح واو العطف وكلتا الآيتين بني على سبعة أحرف، وهذا النوع سماه السّكاكي: "المقلوب المستوي" وجعله من أصناف نوع سماه: القلب، وخُصّ هذا الصنف مما يتأتى القلب في حروف كلماته وسماه الحريري في المقامات: "ما لا يستحيل بالانعكاس" ما لا يستحيل يعني: ما لا يتغير بالانعكاس، "وبنى عليه المقام السادس عشرة".
فالحريري في المقامات هو أصلاً أخذ الفكرة "سر فلا كبا بك الفرس"، العبارة تُقرأ من اليمين ومن الشمال من  كُلٌّ فِي فَلَكٍ [الأنبياء: 33]. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [المدثر: 3]. وبنى المقام السادس عشرة، مقامات الحريري على المقلوب المستوي، ووضح أمثلة نثراً ونظماً". [التحرير والتنوير: 17/61].
قول الله تعالى: وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الشورى: 24].
كلمة "يمحو" ماذا نلاحظ فيها؟ طريقة الكتابة في المصحف: يَمْحُ الْبَاطِلَ الواو!
يمحو الباطل مكتوبة في القرآن بحذف الواو، مع أن الواو من أصل الفعل، مع أنها ليست مجزومة، ومع ذلك الواو محذوفة، والسر في حذفها: دلالة على السرعة، تدل على سرعة ذهاب الباطل واضمحلاله.
قال البقاعي: "حذفت واوه في الخط في جميع المصاحف".
المصحف العثماني، كل المصاحف ما هي مذكورة الواو، ليست مكتوبة في خط المصحف مع أن الفعل ليس مجزوماً وهو واو "يمحو" لكن  يَمْحُ الْبَاطِلَ  لماذا حذفت الواو؟
قال: "لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقاً، إيماءً إلى أنه سبحانه يمحق رفعه وعلوه وغلبته كما محيت هذه الواو، وفي الحذف أيضاً تشبيه له بفعل الأمر إلى أن إيقاع هذا المحو أمر لا مفر منه". [نظم الدرر في تناسب الآيات والسور: 10/361].
باب الجمع والإفراد في القرآن الكريم
01:07:42
 ومن عجائب القرآن في الألفاظ في الجمع والإفراد، فترى مثلاً الريح والرياح، وما الفرق بينهما؟ رياح الرحمة مختلفة الصفات والمهاب والمنافع، أما في العذاب فإنها تأتي من وجه واحد وصمام واحد لا يقوم لها شيء.
ولهذا وصف سبحانه الريح التي أرسلت على عاد بأنها عقيم فقال: أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ [الذاريات: 41].
لا تلقح ولا منفعة فيها.
وتأمل قوله تعالى: وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ [يونس: 22].
فذكر ريح الرحمة الطيبة بلفظ الإفراد لأن تمام الرحمة هناك إنما تحصل بوحدة الريح لا باختلافها.
لاحظ في البحر يحتاج الربان إلى ريح في اتجاه واحد لتخدم مسار الرحلة، فقال:  بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ 
ما قال رياح؛ لأن المفيد في الاتجاه في الإبحار ريح في اتجاه واحد.
لكن قال: طَيِّبَةٍ  فهذا لماذا أفرد، ثم قال: وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ 
وقال ابن القيم: "فمثل هذا الفصل يعض عليه بالنواجذ، وتثنى عليه الخناصر، فإنه يشرف بك على أسرار عجائب تجتنيها من كلام الله".
ومما يدخل في هذا الباب: جمع الظلمات وإفراد النور، إفراد السراط  وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا  وجمع السُبُل في قوله:  وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [الأنعام: 153].
لأنها كثيرة وكلها مؤدية إلى جهنم إلا واحد، ففي إفراد الصراط وجمع السّبُل وإفراد النور وجمع الظلمات وما شابه ذلك في هذا الباب- باب الجمع والإفراد في القرآن- العجب العجاب.
إضافة أفعال الإحسان والرحمة والجود إلى الله تعالى
01:10:03
 ومن عجائب القرآن أن أفعال الإحسان والرحمة والجود تضاف إلى الله، فيذكر فاعلها منسوبة إليه، ولا يبنى الفعل معها للمفعول، فإذا جيء بأفعال الجزاء والعقوبة حذف الفاعل وبُني الفعل للمفعول أدباً في الخطاب مع الله تعالى.
 صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ [الفاتحة: 7]. غير الذين غضبتَ عليهم؟ لا، {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ} مبني للفاعل: "أنعمت"، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ  [الفاتحة: 7]. مبني للمفعول أدباً مع الله.
وكقوله تعالى عن إبراهيم يدعو ربه: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ  [الشعراء: 78 - 80]. ما قال: يمرضني؛ مع أنه هو الذي يمرض تعالى، لكن أدبا ًمع الله.
وكقول مؤمني الجن: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن: 10].
وقول الخضر: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا  [الكهف: 79]. وقال في الغلامين:  فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ  [الكهف: 82].، وتأمل قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ  [البقرة: 187].
فحذف الفاعل؛ كان يمكن أن تكون: "أحللتُ لكم ليلة الصيام الرفث"
لكنه قال: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ  لأن في ذكر  الرَّفَثُ  هنا ما يحسن معه الانتقال من الفاعل للمفعول).
 أُحِلَّ  أحسن وألطف من "أحللتُ" لذكر الرفث.
وكذلك وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا  [البقرة: 275]. وكذلك  حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ [المائدة: 3].
[بدائع الفوائد: 1/119].
اشتمال القرآن على أشياء تنبّه لها البشر مؤخراً
01:12:31
 أما قضية اشتمال القرآن على أشياء تنبّه لها البشر مؤخراً، مثلاً: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا  [يونس: 5]. وأن القمر جسم بارد، بخلاف الشمس التي هي جسم ملتهب، ولماذا قال عن الشمس: ضياء، وعن القمر: نوراً، وأن الضياء فيه حرارة بالإضافة إلى الإنارة، أما النور فهو إنارة مع برودة، ليست هناك حرارة؛ لأن القمر جسم يعكس، والشمس جسم يولد، فالجسم يولد حرارة محرقة، بخلاف سطح القمر البارد.
 وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ [الحجر: 22]. فتنبّه البشر أن الرياح تحمل حبوب اللقاح.
 وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ  [الأنبياء: 30]. فتنبه البشر أن كل كائن حي فيه نسبة معينة من الماء والتفاعلات التي تحدث في جسم الكائن تحتاج إلى الماء، وإذا نقص الماء عن حد معين مات الكائن.
وكذلك  يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ [الحج: 5].
وقول الله -عز وجل-: فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا [المؤمنون: 14].
في الطب وفي التشريح معروف أن العظام ما تُخلق إلا بعد المضغ، والعضلات اللحم ما تخلق العضلات إلا بعد خلق العظام، فهذه أشياء تنبه لها البشر في علم التشريح وكذلك في علم الأجنة وكف يكون ثم ينتقل إلى أن يتصور ويتشكل، وأيضاً،  وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ  [الملك: 5].  يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ [الزمر: 6]. ظلمة الغشاء الذي فيه بطانة الرحم والغشاء المشيمي، ثم جدار الرحم الظلمة الثانية، ثم جدار البطن الظلمة الثالثة وهكذا.
اشتمال القرآن على مفردات لغوية جهلتها العرب
01:14:51
 وهناك تراكيب ما كانت العرب تعرفها أصلاً، وقد جمعها أهل العلم ويوجد ألفاظ في القرآن ما استعملتها العرب أصلاً.
فعرّفهم الله أن هناك في كلامهم، في لغتهم كلمات ما يعرفونها لأول مرة.
فمن التراكيب والتشابيه والعبارات  فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ [إبراهيم: 9] يعني لا يوجد شاعر عربي استعملها في شعره، حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا  [محمد: 4]. والأوزار الأثقال، فشبّه انتهاء القتال بوضع الحمّال لمتاعه.
 وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ [الأنفال: 1].  ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة: 46]. ما كانت العرب تعبّر عن الهلاك بقطع الوتين،  وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا  [الفجر: 19].،  يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا [المزمل: 17].
يعني: من الهول، وهكذا من الكلمات أو التعبيرات التشبيهات مثلاً ما كانت عند العرب.
وأختم كلامي؛ لأن القرآن لا تنقضي عجائبه، فمهما بحثنا سنجد أكثر وأكثر وأكثر.
اشتمال القرآن على أحداث عظيمة معاصرة
01:16:17
 فأختم كلامي هذا إليكم بأن من عجائب القرآن التي أراها والله أعلم في هذا الوقت الذي نعيشه الآن، هذه السنة تحديداً أو في هذا العام 1432، شهد عام 1432 أحداثاً عظاماً.
هذه الأحداث العظام من عجائب القرآن إنك ترى الحدث يحدث، وإذا بحثت في كتاب الله تجد الآيات متنزلة عليه.
مثال: السنن الإلهية، يعني سنة الإمهال، والاستدراج، سنة النصر، سنة الزبد، ونجد سنة التغيير، سنة المداولة.
هناك سنن مذكورة في القرآن تجد الآية تتحقق أمامك في الواقع، فتجد مثلاً سنة إهلاك الظالمين تراها عيانا ًتحدث أمامك، سنة الله المذكورة في الآيات بإهلاك الظالمين تحدث عياناً في الواقع.
وعندما تأتي الكاميرات بالصور عما تركه الظالمون من القصور، والزراعات، والمسابح، والأثاث، والرياش، واللباس، والمراكب، والحلية، ونحو ذلك تجد العجب العجاب؛ لأنك أنت الآن عندما تتأمل في مصرع طاغية وما تركه خلفه مما جاءت به عدسات الكاميرات وعُرض في المقاطع والقنوات وعلى الشبكات، تداولته شاشات الجوالات، أنت تتعجب فعلاً، يعني إذا كان واحد حافظ القرآن وانطبع في نفسه تخرج الآية هكذا تلقائياً مع المشهد، أنت ترى المشهد هكذا تخرج: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ [الدخان: 25 - 28].
أنت عندما تشهد مصرع الطاغية كذا فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  [الأنعام: 45].
أنت عندما تتأمل الطاغية ويهرب من مكان إلى مكان متشبّث بالرئاسة إلى آخر رمق، فلا يسلمها، ولا يتنازل عنها، وإنما تُنزع منه نزعاً وتؤخذ بالقوة والسلب، ما لك إلا تقرأ قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ [آل عمران: 26].
أنت عندما ترى المصرع وبقاء الجثة مدة، ما  تملك إلا أن يقفز ذهنك إلى قوله تعالى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً  [يونس: 92].
أنت عندما تتأمل نهاية الظلم، وإن طال أكثر من أربعين سنة ما تملك إلا أن تقرأ قوله تعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم: 42] ويقفز إلى ذهنك حديث النبي ﷺ:  إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته  [رواه البخاري: 4686].
لا بد تقفز إلى ذهنك آيات  وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [القصص: 82].
أنت عندما تشهد الآن المداولات والانتقالات لا بد أن يذهب ذهنك إلى تدبُّر قوله تعالى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ  [آل عمران: 140]. أنت لا بد أن ترى المصائر وتعتبر بقوله تعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ  قال: إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا [آل عمران: 178].
فيصلوا إلى حد البطش الذي يأخذ الله معه وعنده هذا الظالم المعيَّن.
فإذا وصل لهذا الحد من البطش وقتل هذا العدد واغتصب هذا العدد وشرّد هذا العدد وجرح هذا العدد، عند ذلك يأتي الأخذ.
فمن عجائب القرآن أنك الآن مع توالي الأحداث في العالم، شيء يفرض نفسه، إن الآيات تأتي على الواقع كأنما أنزلت لهذا الحدث، تقرأ الأزمة المالية العالمية، يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا [البقرة: 276]. وتتأمل في: "يمحق" وفي الذي يحدث في العالم الآن  فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ  [البقرة: 279]. في الربا.
تتأمل الواقع ترى الآية كأنها تنزل عليهم، حرب من الله.
فهذا من عجائب القرآن أنه صالح لكل زمان، وإن الآيات تنزل كأنها الآن.
هذا من أعجب عجائب القرآن وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
 
 
 
  • صلاح

    جزاكم الله خير على هذه المادة .. وحفظ الله الشيخ من كل سوء. لو أمكن تخفيف حجم المادة .. لأنه هذا الحجم يأخذ تحميله في بلدي ما يقرب الساعة .. وجعل الله هذا العمل في ميزان حسناتكم

  • إدارة الموقع

    أخي صلاح السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،، جزاك الله خيراً أخي الكريم على زيارتك للموقع وتفاعلك ، والمعذرة المادة كبيرة الحجم نسبياً لكونها طويلة وحفاظاً على جودة ممتازة والله الموفق .

  • غانم

    <p> بارك الله في جهودكم</p>

  • ناصر السعدي التميمي

    اللهم احفظ شيخنا وبارك له في عمره ومن يعينه في هذا العمل الخيري

  • ميمو

    جزاك الله كل خير

  • علي محمد الجهيمي

    كيف استطيع ان احمل هذا التسجيل ارجو البيان لاني لم استطع تحميله مع حاجتي اليه الشديدة وجزاكم الله عنا الف خير