الإثنين 24 محرّم 1441 هـ :: 23 سبتمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

سبع وصايا للأطباء والطبيبات


عناصر المادة
المقدمة:
إخلاص الطبيب نيته لله:
فقه الطبيب وتعلمه للعلم الشرعي:
قيام الطبيب المسلم بالدعوة إلى الله:
تفاني الطبيب في عمله:
بعض أخلاق الطبيب المسلم وصفاته:
بعض الأسئلة:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
أيها الإخوة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المقدمة:
00:00:18
 وهذه فرصة طيبة أن نلتقي في هذا المكان وفي هذا المستشفى لنتحدث عن بعض المسائل التي تهم الطبيب المسلم.
هذه الثغرة في المجتمع التي سدها يتطلب إيماناً بالله واحتساباً للأجر، وعلماً شرعياً، ودعوة إلى الله -سبحانه وتعالى-، وتذكراً وتذكيراً.
فالطبيب المسلم صاحب رسالة.
ولما ميزناه بقولنا: المسلم، علمنا بأنه صاحب رسالة، أقصد برسالة رسالة شرعية إسلامية قبل أن تكون مهمة طبية أو علاجية، ونحو ذلك.
وقد سبق أن تحدثنا في محاضرة سابقة بعنوان: "رسالة إلى الطبيب المسلم" عن بعض الأمور المتعلقة بالطب والأطباء، ونستكمل -إن شاء الله- الكلام عن بعض هذه الأمور التي تهم الأطباء والطبيبات.
تحقيق الطبيب للتقوى في مهمته:
00:01:52
وقد ذكرنا في المحاضرة الماضية أموراً؛ منها: أن الطبيب ينبغي أن يتقي الله -سبحانه وتعالى- في عمله.
تقوى الله -عز وجل- هي الضمان لعدم انحراف الطبيب عن مهمته.
والله -عز وجل- قد كرر الأمر بالتقوى في آيات كثيرة، وهي وصية الله للأولين والآخرين:  وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ  [النساء: 131].
وتقوى الله -سبحانه وتعالى- هي التي تدفع الطبيب إلى عدم ممارسة الطب وهو لا يتقنه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:  من تطبب ولم يعلم منه طب؛ فهو ضامن  [رواه أبو داود: 4586، والنسائي: 4830، وابن ماجه: 3466، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة: 635].
وتقوى الله -سبحانه وتعالى- هي التي تجعل الطبيب يتقن عمله، ولا يقدم وصفة أو علاجاً إلا وهو متأكد منها.
وتقواه تمنعه من أن يجعل نفسه متاجراً مع شركات الأدوية لتجريب الأدوية في مرضى دول العالم الثالث كما يقولون.
وتقوى الله -سبحانه وتعالى- هي التي تجعل الطبيب المسلم لا ينظر إلى المرأة الأجنبية أكثر من نظر الفجأة، إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك في حالات الكشف الطبي والعلاج، إذا لم يتيسر من يقوم بذلك من النساء، والله -عز وجل- قد قال: قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ  [النور: 30].
وقد ذكر العلماء ترتيباً معيناً للمرأة المسلمة إذا أرادت أن تتطبب، فقالوا: تقدم المرأة الطبيبة المسلمة، ثم الطبيبة الكتابية، فالكافرة، ثم الطبيب المسلم، ثم الطبيب الكافر.
والطبيب المسلم لا يكشف إلا ما تدعو الحاجة إلى كشفه في عورات النساء والرجال، وإذا كشف على امرأة للضرورة فبحضرة محرمها الزوج أو المحرم، وإذا احتاج ولم يوجد فلا يخلو مطلقاً، لا يجوز أن يكشف بخلوة إطلاقاً، بل لا يجوز له أن يخلو بها حتى لو كان بغير كشف.
تقوى الله -سبحانه وتعالى- هي التي تجعل الطبيب المسلم يحس بالحرج، وهو يأمر بالكشف أو يغض بصره، وليس يتقدم دون حياء ولا خجل طالباً من المريض الكشف وبسرعة.
والطبيب المسلم عند فحص مواضع الضرورة من قبل المرأة لمريض من الرجال، أو الرجل لمريضة من النساء، فإن أمكن الفحص بالوصف فقط، فلا يجوز النظر ولا اللمس، وإذا كان يكفي النظر فلا يجوز اللمس، وإذا كان لابد من اللمس فمن وراء حائل.
ولو فرضنا أنه لابد أن يكشف عن الموضع من غير حائل، فإنه لابد أن يقدر الضرورة بقدرها، فلا يتعدى المكان ولا الوقت اللازمين للفحص، ولا يدعها تكشف أمامه حتى تصل إلى مكان المرض، بل تكشف من وراء الستارة حتى تصبح جاهزة للكشف على موضع الضرورة.
وهناك أمور لا يصح مطلقاً، يتنافى مع التقوى تماماً، كشفها، مثلما يحدث من التساهل في فحص المرأة لحالة فتاق عند الرجل في موضع العورة المغلظة مثلاً.
وهناك كثير من الحالات التي لا يعتبر الإسلام مسؤولاً نهائياً أبداً عن حدوثها؛ لأنها وجدت في حال انحراف، فلابد من تصحيح الأصل، وليس أن نقول: وقعنا في ورطة ونحن في ضرورة.
نقول: من قواعد الضرورة أنه يجب السعي إلى إزالتها، وليس أن نبقى باستمرار في حالة ضرورة.
وفحص المرأة المتدربة للمرأة المريضة أهون من فحص المرأة المتدربة لمريض رجل، ولذلك نقول ونوصي دائماً: إنه في حال التدريس يجب السعي باستمرار إلى حصول الفصل التام ما أمكن ذلك بين الرجال والنساء.
وينبغي السعي لإيجاد التخصص في قضية علاج النساء من قبل النساء، وعلاج الرجال من قبل الرجال، وحالات الضرورة التي تستدعي تدخل الاستشاري مثلاً أو غيره لها أحكامها.
ومن الأمور التي تجعل الطبيب المسلم لا يتعدى الضرورة، فيفحص بالقفاز مثلاً إذا لم توجد الحاجة للفحص باليد مباشرة لا شك أن هذا منبعه تقوى الله -سبحانه وتعالى-، ولذلك فإننا نشعر بالعار عندما نسمع عن امرأة تلزم أو طبيب رجل يلزم طالبات الطب بالكشف على رجل في أمور يستطيع أن يفعلها رجل آخر، كأخذ درجة الحرارة، ونبض القلب، ونحو ذلك، مع أن بإمكان المرأة أن تتدرب على امرأة وليس على رجل أجنبي.
وهنا يطالعنا بعض الناس في قضية الامتحانات وهل تعتبر ضرورة أم لا؟
فنقول: إن بعض العلماء يرى أنها لا تعتبر ضرورة مطلقاً، وأن المرأة إذا لم تجد امرأة في المستقبل تتعالج عندها، فإنها تتعالج عند رجل للضرورة، فلا الرجل يأثم ولا المرأة تأثم.
وكذلك -إذا قلنا-: إن المرأة تكشف على المرأة وتتدرب عليها سداً للحاجة في المستقبل إلى الرجال، فإن هذا أمر وجيه وحسن نستبدل به عن حالات كثيرة من كشف الرجال على النساء، ولا أقول جميع الحالات؛ لأن الواقع يثبت أن هناك حالات تستدعي تدخل الرجل، ونقول: هذه ضرورة، والضرورة تقدر بقدرها.
على أن بعض أهل العلم يرى أنه في حال الامتحانات إذا اضطرت المرأة أن تكشف على رجل، فإنها تكشف بالنظر دون اللمس.
وأضافوا قيداً آخر وهو: أمن ثوران الشهوة من الفاحص والمفحوص، وهذه مسألة تدرك بالممارسة.
ولكننا نعيد الكرة لنقول: لماذا تجعل المرأة المسلمة في حالة حرج عندما تجبر على الكشف على الرجال؟ وما هي الضرورة لاختلاط الطبيبات بالأطباء؟ أو قل طالبات الطب بالطلاب في التدريب العملي إذا أمكن أن يجعل لكل منهم قسماً مستقلاً.
والواقع يشهد بأن هناك مفاسد وعلاقات محرمة نشأت بين الطالبات والطلاب، وضبطت أوضاع محرمة بسبب الاختلاط، بل إن بعض طالبات الطب ممن لا يخفن الله تنشأ لهن علاقات خاصة مع بعض الدكاترة مع كثرة المحادثة التي تكون تحت ستار أخذ المعلومات، واختلاط بعض الدارسات مع الدكاترة في أوقات خارج التدريب العملي بزعمها للاستزادة من العلم، ونحو ذلك، أو لكي يعرف أنها مهتمة، وأنها تسأل شفوياً بدل أن تتصل بالهاتف، كل هذه المبررات التي تؤدي إلى مفاسد شرعية واضحة.
ولو اضطرت الأحوال إلى أن يكون الذكور والإناث في مكان واحد، فلا أقل من أن تكون النساء خلف الرجال مع غاية النقاب والحشمة، وأن يراعي هذا الطبيب أو المتخصص الذي يدرس وجود المرأة في الفصل، فلا يأتي بحالات فيها صور انتصاب ونحوها مما يخدش الحياء ليعرضه على مسامع ومرأى من النساء الموجودات في الفصول الدراسية.
وبعض الأحوال التي حدثت تثبت أن الفصل بين النساء والرجال ممكن، لكن الذي يحول بين هذا وحدوثه وجود رجل لا يخاف الله، كمسؤول عن الصالات من النصارى ونحوهم الذين لا يهمهم إحداث الفصل بين النساء والرجال.
وتقوى الله -سبحانه وتعالى- هي التي تجعل الطبيب المسلم لا يخلو بالمرأة أبداً، ولا يقول: إن وجود عين سحرية من الخارج يزيل الخلوة، أو أن الباب المفتوح يزيل الخلوة، وهو يجلس في زاوية الغرفة والممر خال والغرفة نائية، بل ينبغي إذا حدثت الحاجة لهذا ولم يوجد شخص ثالث في الغرفة أن يكون الوضع أمام المارين، وإذا كانت الغرفة زجاجية فيكون الزجاج من الأعلى إلى الأسفل بحيث يكون الأمر لا يخفى مطلقاً، ولا يقال أيضاً بالاكتفاء بالكاميرات الإلكترونية للمراقبة فإنها قد تتعطل لأي سبب، أو لا يكون المراقب حاضراً لأي سبب، أو يكون فاسقاً يريد نشر الفاحشة في الذين آمنوا.
وتقوى الله -سبحانه وتعالى- هو الذي يجعل الطبيب المسلم لا يخلو بالمرأة الأجنبية ولو كان لدقائق أو دقيقة أو ثوان في مصعد المستشفى، وهناك حالات تحدث أحياناً يدخلون مجموعة في المصعد ثم يخرج مجموعة في أحد الطوابق فلا يبقى إلا رجل وامرأة في المصعد، وهنا تقوى الله -سبحانه وتعالى- هي التي تدفع الرجل للخروج من المصعد، حتى لا يخلو بالمرأة في هذا الوقت الباقي، ويواصل الصعود هو بعد ذلك.
وبعض الناس يظن أن مس يد المرأة الأجنبية من وراء حائل جائز بإطلاق، وهذا لا يجوز بل الأصل أنه حرام، ولا يجوز إلا لضرورة.
وتقوى الله -سبحانه وتعالى- هي التي تجعل الطالبة المسلمة إذا كانت دراستها تفرض عليها ترك الحجاب أن تقدم الدين والحجاب ولا شك في ذلك.
إخلاص الطبيب نيته لله:
00:15:15
  والطبيب المسلم والطبيبة المسلمة من صفاتهما أيضاً: الإخلاص لله -سبحانه وتعالى-.
والإخلاص لله هو الذي يدفع الطبيب والطبيبة لاحتساب الأجر في العلاج قبل أخذ المال.
احتساب الأجر في زيارة المريض؛ لأن فيها أجراً عظيماً، الأجر في زيارة المريض قبل أن يكون الوضع معالجة وواجب يومي أو زيارة مقررة وتفقد روتيني، ونحو ذلك، فالطبيب الذي يخلص لله -سبحانه وتعالى- يطلب الأجر والاطمئنان على أخيه المسلم، ولذلك فهو يقف ويسأل عن الحال ويلاطف ويرفع المعنويات، يحتسب الأجر الذي ورد في الحديث الصحيح؛ كما جاء عن ثوير عن أبيه قال: أخذ علي بيدي فقال: انطلق بنا إلى الحسن بن علي نعوده، فوجدنا عنده أبا موسى الأشعري، فقال علي لأبي موسى: عائداً جئت أم زائراً؟ فقال: عائداً، فقال علي: إني سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول:  ما من مسلم يعود مسلماً غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، ولا يعوده مساء إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة  [رواه الترمذي: 969، وقال الألباني: "صحيح" كما في صحيح الترغيب والترهيب: 3476].
الطبيب المسلم من إخلاصه ربما يقعد خارج الدوام ويتبرع بوقته ولو بغير مقابل ولا راتب، وخصوصاً في الحالات الطارئة، وكذلك في أوقات الحروب والأزمات، يتقدم ليقدم ما عنده وينفع المسلمين.
والطبيبة المسلمة من إخلاصها: أنها تحتسب الأجر في المجيء خارج الدوام؛ لتوليد النساء عندما لا يكون هناك طبيب رجل، فتحتسب الأجر وتبتغي وجه الله؛ لإنقاذ أختها المسلمة من الحرج، باطلاع رجل أجنبي على عورتها المغلظة.
فقه الطبيب وتعلمه للعلم الشرعي:
00:17:38
  وكذلك فإنه لابد للطبيب المسلم من الفقه والعلم:  من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين [رواه البخاري: 71، ومسلم: 1037].
فالطبيب المسلم يدرس من أحكام الفقه ما يعينه على أداء رسالته الطبية والعلاجية، ولا ينسى عبادته مع الله -سبحانه وتعالى-.
وبعضهم قد يقدم المهنة على العبادة، فيضيع صلوات بدون مبرر شرعي.
الطبيب المسلم من فقهه يعلم أحكام الصلاة وأحكام النجاسات، والوضوء للمس عورة المريض، ويحتاط في نجاسة العينات، وفي حالة الجمع بين الصلاتين لا يفعل ذلك إلا إذا كان مضطراً من حيث توقيت العملية، فإذا كان يمكن أن يوقتها بحيث يصلي كل صلاة في وقتها لا يجوز أن يجعلها في وقت يضطر فيه لجمع الصلاتين، وإذا كان يمكن لطبيب آخر أن يدخل فيساعده ويسانده ريثما يؤدي هو الصلاة ثم يرجع لإتمام ما بيده، فإنه لا يجوز له أن يجمع الصلاتين، وهكذا..
والطبيب من فقهه: أنه يلقن المحتضر الشهادة إذا عرف أنه يحتضر، ويأمره بها قائلاً له، قل: لا إله إلا الله، وقد عاد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجلاً من الأنصار، فقال:  يا خال قل لا إله إلا الله  [رواه أحمد: 12563، وقال محققو المسند: "إسناده صحيح على شرط مسلم"].
فإن لم يتأكد الطبيب أن المريض في حالة احتضار، وخشي إن لقنه الشهادة أو أمره بها أن يصاب بإحباط نفسي، أو تزداد حالته سوءاً أو يضيق صدره، ونحو ذلك، فإنه يردد على مسمعه ذكر الله: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ويأمر المريض بعموم الذكر إذا كان تخصيص أمره بالشهادة يسبب له أضراراً، أو يقول له: اذكر الله، فيقول المريض تلقائياً: لا إله إلا الله.
والطبيب من فقهه أنه إذا صارت الوفاة يسعى:
أولاً: إلى إغماض عيني الميت؛ لأن الروح إذا قبض تبعه البصر.
وثانياً: يغطيه بثوب يستر جميع بدنه.
وثالثاً: يعجل بتجهيزه ودعوة أوليائه لأخذه، وعدم تأخيره في الثلاجة، وعدم إبقائه على السرير بين المرضى، فذلك يؤذيهم.
وكذلك أن يخبر بما رأى عليه من علامات حسن الخاتمة، كأن مات وهو يذكر الله، أو مات في عمل صالح، أو مات برشح الجبين، وتهلل الوجه، ونحو ذلك؛ لأن من السنة الثناء على الميت الصالح والشهادة له بالخير.
والطبيب المسلم من فقهه وعلمه الشرعي: أنه يدرس الطب النبوي؛ لأنه مسلم، ونبيه -صلى الله عليه وسلم- قد أخبر بأشياء تتعلق بالطب، فلا أقل من أن يلم بأشياء، فمن ذلك مثلاً: أنه يعلم الارتباط بين الأسباب والتوكل على الله، وأن الأخذ بالأسباب الشرعية لا ينافي التوكل على الله، وهو لا يعتمد على الأسباب فيقع في شرك الأسباب، ولا يترك الأسباب الشرعية فيقع في التواكل والتفريط.
وهو يعلم القواعد في الحمية الشرعية، وتبريد الحمى بالماء كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: إذا حُم أحدكم، فليشن عليه الماء البارد ثلاث ليال من السَّحَر  [رواه الحاكم في المستدرك: 7438، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 1310].
ويعلم علاج العسل لاستطلاق البطن [رواه البخاري: 5684، ومسلم: 2217].
والطبيب المسلم من فقهه وعلمه: أنه لا ينفي بجهل أثر ما وصفه النبي -عليه الصلاة والسلام- للأمراض ولو كانت بعض النفوس تتقزز منه، مثل وصف بول الإبل لمرض الاستسقاء، فإنه قد ثبت في صحيح مسلم أنه عليه الصلاة والسلام قد وصف بول الإبل في علاج مرض الاستسقاء كما جاء في رواية مسلم:  فلما أصاب القوم عظمت بطونهم، وارتهشت أعضاؤهم ، وهذا من أعراض مرض الاستسقاء.
وكذلك لا ينفي الطبيب المسلم بجهل أثر الحجامة؛ كما كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يحتجم في الأخدعين والكاهل [رواه أبو داود: 3860، والترمذي: 2051، وأحمد: 3483، وقال الألباني: "صحيح" كما في مشكاة المصابيح: 4546].
والطبيب المسلم يعلم أيضاً: أنه يوجد في الطب النبوي علاج لمرض عرق النسا، وهو ألية شاة أعرابية، تذاب ثم تجزأ ثلاثة أجزاء، ثم يشرب على الريق في كل يوم جزء [رواه ابن ماجه: 3463، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة" 1899].
والطبيب المسلم لا ينكر أثر الرقية الشرعية في الشفاء من الأمراض الجسدية والنفسية، ولا ينفي صرع الجن للإنسي، وأثر القرآن في شفاء ذلك.
ويعلم أيضاً أهمية العلاجات الدينية الشرعية في الشفاء من الأمراض النفسية كالوسوسة، وغير ذلك، وأن من الأذكار الشرعية ما يعالج كثيراً من الأمراض النفسية.
ومع الأسف أنه يوجد في كتب الأطباء الكفرة شيء يقال له: بايبل فرتي، ولا يوجد ما يقابل ذلك في الكتب فيما يتعلق بالعلاج بالقرآن والأذكار الشرعية.
وكثير من الأمراض النفسية لها علاقة مباشرة بقضية الإيمان بالقضاء والقدر، بحيث لو أنها شرحت من قبل الطبيب المسلم شرحاً جيداً لتركت آثاراً لا يستهان بها في نفس المريض النفسي، ذلك لأن كثيراً من الأمراض النفسية سببها في الحقيقة المصائب، فبعض الناس نفوسهم ضعيفة لا تقوى أمام المصائب، فإذا حصلت له مصيبة أصيب بالانهيار والإحباط، أو أصابته حالة الاكتئاب والحزن، ونحو ذلك من الأمراض النفسية المعروفة لدى الأطباء النفسانيين، فنقول: الطبيب المسلم يعتني بذلك، وعلمه وفقهه يقودانه إلى استخدام هذه الأشياء الواردة في الكتاب والسنة في العلاج.
وكذلك فإن من الأمور الشرعية المتعلقة بقضايا العلاج: الفقه في قضية جراحات التجميل ما يجوز منها وما لا يجوز، فإن الشيطان من طرقه أنه سيأمرهم ليغيروا خلق الله: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ} [النساء: 119].
وتغيير خلق الله هذه من الأشياء المنتشرة في عالم جراحة التجميل، من فقه الطبيب المسلم: أنه يفرق بين إزالة عيب حدث لإرجاع ما كان إلى ما كان عليه، مثل جراحات الحروق، ويفرق الطبيب المسلم في عمليات جراحة التجميل بين إزالة الضرر كالإصبع الزائد الذي يمنع الشخص من الكتابة والسلام والتصرف، وبين عمليات أخرى لا يقصد بها إلا مجرد التجميل، مثل تصغير الثدي والأنف، وليس فيها أي مصلحة بدنية.
الطبيب المسلم يفرق بين حالات وشر الأسنان وبردها بالمبرد وتفليجها وتفريقها، وهو المنهي عنه، لما لعن النبي -عليه الصلاة والسلام- الواشرات والمستوشرات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله [رواه ]، وبين عمليات تقويم الأسنان المباحة التي لا حرج فيها.
وهو يفرق بين تفليج الأسنان، وبين إزالة سن من الأسنان يسبب ضرراً للشخص.
وكذلك فإن من القواعد الشرعية: أن الطبيب يسعى لإزالة المرض، وهذا لا شك أنه بدهي.
ومن فقه الطبيب: أن يعلم أن الجسد فيه حق لله وحق للعبد، وأنه لا يجوز لأحد أن يتصرف في حق غيره إلا بإذنه، وأنه إذا اجتمع شيء فيه حق لله وحق للإنسان فلا يسقط حق الله بمجرد إسقاط الإنسان لحقه.
ومن فقه الطبيب: أن يعلم أنه إن أمكن تحصيل المصالح كلها فالحمد لله، فإن تعذر حصل المصلحة الأعلى، وأنه يحصل أعلى المصلحتين إذا تعارضتا، فإذا تعذرت المفاضلة جاز الاختيار.
وأن يعلم الطبيب المسلم: أنه يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، وأن الضرورة تقدر بقدرها، وأن الضرر لا يزال بمثله، وكذلك أنه لا تنقلب الرخصة التي أنشأها الشرع للطبيب أو الجراح بممارسة عمله على أجسام الناس إلى حق إلا برضا المريض، ويستثنى من ذلك حالات الضرورة والاستعجال، يعني لا يجوز للطبيب أن يتصرف في جسد المريض إلا بإذنه، لكن هناك حالات جراحة تستوجب التدخل مثلاً: التصرف في بدن المريض استئصالاً أو عمل شيء معين لا يمكن أخذ موافقة المريض عليها؛ لأن الحالة تستدعي تدخلاً عاجلاً، ففي هذه الحالة يتدخل وهو محسن، و  مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ  [التوبة: 91].
وكذلك من فقه الطبيب المسلم: أن يعلم أن من هدف حفظ الصحة الموجودة، ورد الصحة المفقودة ما أمكن، وإزالة العلة أو تقليلها قدر الإمكان، وتحمل أدنى المفسدتين لإزالة أعظمهما.
وكذلك: أنه يجب أن لا يصل بعلاجه لإزالة علة بأن يوجد علة أخرى أعظم وأكثر، فمن ذلك: أن بعض الأطباء قد يفرط في إعطاء المريض إبر المورفين مثلاً للتسكين، صحيح أن إزالة الألم شيء طيب، لكن إذا كان يترتب عليه أن يتحول المريض إلى مدمن للمخدر، فإن هذا لا يجوز مطلقاً، وإذا كانت العلة لا يمكن علاجها امتنع الطبيب عن العلاج، بعض الناس يضحكون على المرضى يريدون أخذ المال، يعلم أنه لا يمكن أن يعالجه، المرض هذا لا يستطيع أن يعالجه، فيعالجه لأخذ المال، والقاعدة في هذا: أن الطبيب إذا عرف أنه لا يمكنه إزالة العلة فإنه لا يجوز له أن يعالج، إلا إذا كان العلاج لشيء نفسي ليرفع معنوية المريض، مثلاً بدلاً من إخباره أن حالته ميؤوس منها مثلاً.
وكذلك بالنسبة للأدوية لا يجوز للطبيب أن يجرب الأدوية في أجساد الناس، وإنما يعطي الدواء المعروف بأثره الإيجابي، ولا يجوز أن يجرب دواءً بما تخاف عاقبته، وإنما إذا أراد أن يجرب دواءً يجرب دواء لا يضر أثره، ليس له أضرار جانبية سلبية؛ لأن في بعض الحالات قد لا يوجد لديه علاج معروف للمرض لكنه يجرب دواءً، فلا يجوز أن يجرب علاجاً إلا وهو متأكد أنه لا يوجد له أضرارا سلبية.
وكذلك فإن من قواعد الشرع الشرعية في العلاج: أن يعالج بالأسهل فالأسهل، فلا ينتقل من الدواء البسيط المعتاد إلى الدواء المركب إلا إذا تعذر استعمال الأول.
وكذلك لا يقوم بإجراء عملية فيها إيذاء وشق وإيلام وتشويه وهو يمكن أن يعالج بالأدوية.
ويحدث عند بعض أطباء النساء والولادة من إجراء العمليات القيصرية والتساهل فيها، بعضهم خبثاً حتى لا تكون المرأة المسلمة في إنجاب دائم متواصل، وهذا حصلت له حالات من بعض أطباء الكفار في نساء المسلمين، أو أنه يرى الشق يراها أسهل، أو أنه ينظر إلى أن العملية أقل ألما، لكن لا ينظر إلى أن العملية تسبب تفويت مقصد من مقاصد الشارع وهو كثرة النسل، فهو من قلة فقهه ينظر إلى الأقل ألماً، ولا ينظر إلى مقاصد الشرع الأخرى في قضية تكثير النسل على سبيل المثال.
وينبغي أن يفرق في فشل العلاج بين المجتهد المخطئ وبين المقصر والمهمل، فالطبيب إذا بذل جهده ووسعه ثم فشل العلاج أو مات المريض، فإنه لا يتحمل مسؤولية؛ لأن الله يقول:  مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ  [التوبة: 91] بخلاف ما إذا كان مفرطاً ومهملاً.
والطبيب يجب أن يستشعر مسؤوليته في أنه من شهداء الله في أرضه، والله يقول:  وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ  [الطلاق: 2]، ويقول الله -عز وجل-:  سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ  [الزخرف: 19].
وسينبني على شهادة الطبيب أشياء عظيمة كترك المريض للصلاة قائماً، أو ترك المريض استعمال الماء في الطهارة، أو ترك المريض للصيام، أو لجوء المريض إلى رخصة للضرورة، أو وضع جبائر، تأمل لو أنه وضع الجبيرة أكثر من موضع الحاجة فصار المريض يمسح على الجزء الذي لا داعي لوجود الجبيرة عليه، وهذا خلل في الطهارة، من الذي يتحمل ذلك إذا غفل المريض؟ إن الطبيب هو الذي يتحمل ذلك، فبضعهم يجعل لفات أو يزيد في وضع الجبيرة أكثر مما يحتاج مما يترتب عليه إخلال بطهارة المريض.
وسيترتب على كلام الطبيب انتقال المريض من الماء إلى التيمم كما قلنا، أو أنه يستعمله في جزء من البدن دون آخر.
أو سيترتب عليه أنه يدفع كفارة.
وسيترتب على كلام الطبيب ترك الجمعة والجماعة.
وسيترتب على شهادته وإجازاته التي يعطيها أن هذا الشخص لا يعمل، وعمله بأجر، فإذا أعطاه إجازة غير صحيحة، فهو متسبب إلى أن يأكل مالاً بغير حل.
فالطبيب إذاً شهادته عظيمة، ومن شهادته أشياء ينبني عليها الطلاق بين الزوجين، والتصرفات في مرض الموت، فإذا قرر الطبيب أن هذا المرض مرض موت فإن تصرفات المريض المالية كالهبات مثلاً لبعض الورثة لا تقبل، أو تطليق الزوجة في مرض الموت بقصد حرمانها من الميراث.
وسينبني على تقرير الطبيب التفريق بين الزوجين أو منع المعاشرة، أو ثبوت المهر كاملاً وعدم ثبوته، أو رد المهر.
سينبني على تقريره معرفة هل في الرجل عيب يمنع الوطء أو الاستمتاع، كأن يكون عنيناً مثلاً.
سينبني على تقرير الطبيب معرفة هذا المرض يمكن علاجه أو لا يمكن علاجه، فلابد من فسخ العقد والنكاح.
وسينبني على كلام الطبيب أحقية الزوجة في طلب الطلاق مثل قضايا العقم عند الرجال.
ولذلك دائماً في قضايا الطب يقول العلماء: يسأل طبيب مسلم ثقة، خبير بفنه، عالم بمجاله وتخصصه.
فهذه من القضايا أيضاً.
قيام الطبيب المسلم بالدعوة إلى الله:
00:38:13
 والطبيب المسلم أيضاً: يراعي الله -سبحانه وتعالى-، وهو يعني من وظيفة الطبيب المسلم: أنه داعية إلى الله -عز وجل-، وليس طبيباً فقط، فالطبيب الداعية يعلم الناس الخير، ومن الناس المرضى، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير  [رواه الترمذي: 2685، وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، وقال الألباني: "حسن" كما في صحيح الترغيب والترهيب: 213].
فالطبيب يعلم المريض:
أولاً: أن الشفاء من الله:  وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ  [الشعراء: 80].
وأن الله هو الطبيب؛ كما جاء في الحديث الصحيح [رواه أبو نعيم في الطب النبوي: 43].
ولا يلتفت إلى دعاوى العلمانيين الذين يقولون: إن تعليمك للمريض أمور الدين هو استغلال للمريض في مرضه لطرح آرائك الشخصية.
نقول: هذه ما هي آراء شخصية، هذا دين يجب تبليغه على الطبيب المسلم قبل أن يكون طبيباً.
ويُعلم المريض كذلك عدم الشكاية، لما دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- على أم السائب، فقال: ما لك تزفزفين؟  قالت: الحمى لا بارك الله فيها، فقال:  لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد  [رواه مسلم: 2575]، فيعلمه عدم لعن المرض أو سب الحمى.
ويعلمه كذلك: الرضا بالقضاء والقدر:  عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء، شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له  [رواه مسلم: 2999].
الطبيب داعية إلى الله يعلم المريض: عدم تمني الموت؛ لأن المريض تحت وطأة الألم قد يتمنى الموت ويدعو به، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:  لا يتمنى أحدكم الموت، ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا  حديث صحيح [رواه مسلم: 2682].
والحديث الآخر يقول النبي -عليه الصلاة والسلام-:  لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لابد متمنياً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي  [رواه مسلم: 2680].
والطبيب الداعية يُعلم المريض ما يحتاج من الأحكام الشرعية، فيبين له من أحكام الطهارة واستقبال القبلة والصلاة، ويعطيه من فتاوى العلماء ما يبين له طريق العبادة، يعينه على التيمم بالتراب إذا لم يوجد الماء، ويعينه على الوضوء والقيام لذلك.
وكثير من المرضى الجهال يتركون الصلاة أثناء مرضهم، فالطبيب يعلم المريض أنه يجب أن يصلي على حسب حاله، ويوجهه للقبلة إن أمكن ذلك.
وإذا سألت فقلت: كيف يتوجه المريض إلى القبلة وهو على فراشه؟
فنقول: يكون مستلقياً على ظهره ووجهه ورجلاه إلى القبلة، بحيث لو أوقف لصار متوجهاً للقبلة، هذه طريقة استقبال القبلة للمريض على فراشه، يستلقي على ظهره ووجهه وقدميه إلى القبلة بحيث لو أوقف لصار وجهه إلى القبلة إن أمكن ذلك.
ويأمره بالصلاة في أوقاتها، ويذكره بذلك؛ لأن المريض قد تنسيه آلام المرض الصلاة، بل يوقظه للصلاة، وكثير من الأطباء لا يبالون بنوم المريض، حتى لو لم يكن لحاجة وضرورة، فإنهم يتركون المرضى ينامون عن الصلوات وعن صلاة الفجر، مع أن بعض المرضى يمكن أن يقوم للصلاة، مرضه ليس بذاك الذي يجعله ينام عن الصلاة.
وهو يعلمه كذلك الترتيب في قضاء الصلوات، ويعلمه أن إزالة النجاسة من الثياب بقدر الاستطاعة، فإن لم يكن ممكناً صلى ولو كان في ثوب نجاسة وعليه آثار الدماء.
وكذلك يعلمه: أن من أغمي عليه لأيام طويلة فإن الصلاة تسقط عنه.
ويعلمه أنه لو لم يمكنه الصلاة بغير وضوء ولا تيمم فإنه يصلي بغير وضوء ولا تيمم؛ لقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16].
وكذلك فإن الطبيب الداعية إذا أتاه كافر يعالجه فإنه يدعوه إلى الإسلام، وبالذات إذا حضرت الكافر الوفاة؛ كما جاء في حديث أنس -رضي الله عنه- قال: كان غلام يهودي يخدم النبي -صلى الله عليه وسلم- فمرض، فأتاه يعوده، فقعد عند رأسه، فقال: أسلم ، فنظر اليهودي الغلام إلى أبيه وهو عنده، فقال له الأب: أطع أبا القاسم -صلى الله عليه وسلم-، فأسلم، فخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار [رواه البخاري: 1356].
والطبيب الداعية لا يفصل بين أمور المهنة وواجبات الدين، فهو مسلم قبل أن يكون طبيباً، وإذا كان هؤلاء أصحاب الجمعيات التبشيرية كمنظمة أطباء بلا حدود وغيرها يعطون المسلمين الدواء بيد والصليب باليد الأخرى، ويعطونهم مع إبرة تخفيف الألم تأليه يسوع وهم كفار على الباطل، أفلا يكون هذا دافعاً للطبيب المسلم وهو على الحق وعلى دين الحق أن يبلغ دين الله -سبحانه وتعالى-؟
الطبيب الداعية يتخذ المواقف الصحيحة عندما تأتي حالات فيها تكشف عن جرائم أو فواحش، فإذا كانت القضية الشرع فيها أن يستر ستر ولم ينتهك، أو يفشي أسراراً أو يشهر، وإذا كانت القضية لابد فيها من تبليغها إلى الجهات المسؤولة لأخذ الحق الشرعي وإقامة الدعوى في المحكمة، فلابد أن يبلغ.
فإذا كانت المسألة فيها ستر يستر، وإذا كانت المسألة لا تحتمل الستر وإنما لا بد فيها من الإبلاغ فإنه لابد له أن يبلغ.
وفي بعض الحالات يطلع الطبيب على أشياء لابد فيها من تنبيه الزوج على أمور تتعلق بزوجته، فهنا يستخدم الحكمة والكلمات المناسبة في ذلك، ويفرق بينما إذا كان هذا الذي أمامه تائباً قد ظهر منه الندم، أو مصراً غير مبال بالمعصية.
وكذلك من ضمن هذه الأشياء التي ينبغي أن يكون عنده حكمة فيها، هذه الحالة: رجل عقيم قام بالتحليل، فلم يوجد في مائه حيوانات منوية على الإطلاق، ثم رجع وأخبر الطبيب أن زوجته حامل، وطلب إعادة التحليل، فخرجت نفس النتيجة السابقة وتأكد الطبيب، هل يخبر الطبيب الرجل أو لا؟
سبق أن ذكرنا أنه لابد للطبيب أن يتفقه في دين الله، وأن يرجع إلى أهل العلم والذكر ليسألهم، فهذه حالة من الحالات، لابد من الرجوع مثلاً إلى أهل الذكر وسؤالهم، فيقال: إن التحليل يثبت أنه لا يوجد هناك أي احتمال لأن يلقح هذا الرجل وزوجته حامل، فهل يخبر أو لا يخبر؟
أما الدليل الشرعي فيقول: الولد للفراش  [رواه البخاري: 2053، ومسلم: 1457]، ولم أضرب هذا المثال لذات المثال، بل لأقول وأبين وأنبه وأؤكد على أهمية الرجوع إلى أهل العلم في مثل هذه القضايا، وكثير من قضايا الطب من النوازل التي ينبغي البحث فيها ليس لعالم وإنما لمجموعة علماء.
تفاني الطبيب في عمله:
00:49:15
 الطبيب الداعية والمخلص لا يحتاج إلى قسَم المهنة ليردعه عن الإخلال بوظيفته ومهمته؛ لأن الله يراقبه، مراقبة الله هي الضمان.
لقد جرت العادة منذ عهد أبقراط أن يبدأ الطبيب حياته المهنية بترديد قسم يلتزم بآدابه في ممارسة الطب، ونحن نعلم أن قضية السلوك المهني لا تحل بقسم، وإنما الذي يحلها فعلاً هي مراقبة الله -عز وجل-، فإذا كان القسم غير شرعي لا يجوز له أن يقسم أصلاً، ولكن نؤكد على أن مراقبة الله،  الإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس  [رواه مسلم: 2553]، هذا هو الضمان الحقيقي لقيام الطبيب بمهمته على الوجه الصحيح.
الطبيب المخلص يعمل لمصلحة المسلمين وإن تعارض ذلك مع مصلحته الشخصية، فمثلاً الطبيب يسعى لمنع الأمراض، وإن نتج عن ذلك قلة المرضى، وبالتالي قلة المراجعين لأصحاب العيادات الخاصة، وشعاره هو:  الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ  [البقرة: 268].
فبعض الأطباء يشعرون بالسرور إذا انتشرت الأمراض في البلد؛ لأن الناس سيراجعونهم، ويأخذون الأموال.
لكن الطبيب المخلص يشعر بالألم إذا انتشر المرض بين المسلمين، ولو كان ذلك يجر عليه منافع.
وكذلك من الإخلاص: أن لا ينزلق الطبيب المسلم وراء الغرور المهني عند نجاحه في بعض الأعمال؛ لأن ذلك يحبط العمل، ويزيل الأجر، عن أبي رمثة قال: "انطلقت مع أبي نحو النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: فقال له أبي: أرني هذا الذي بظهرك"، يعني خاتم النبوة، خاتم النبوة كان مجموعة عظام على هيئة حلقة بين كتفي النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقيل فيه أوصاف أخرى، فقال: "أرني هذا الذي بظهرك فإني رجل طبيب؟" طبعاً هذا ما فهم أن هذا خاتم نبوة وليس بعلة ولا مرض، وإنما رأى هذا فقال: أنا طبيب دعني أكشف عليك، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- في غاية الحكمة والتوضيح:  الله الطبيب، بل أنت رجل رفيق، طبيبها الذي خلقها  حديث صحيح [رواه أبو داود: 4207، وقال: "وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم" كما في السلسلة الصحيحة: 1537].
لما رأى أبو رمثة خاتم النبوة وكان ناتئاً فظنه سلعة تولدت من الفضلات ورم، ونحو ذلك، فرد عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- بإخراجه من هذا إلى غيره، يعني أن يقول: ليس هذا علاجاً، بل كلامك يفتقر إلى العلاج، حيث سميت نفسك: طبيباً، والله هو الطبيب، وإنما أنت رفيق ترفق بالمريض، وتتلطف به، فهو من الأسلوب الحكيم البديع، وذلك لأن الطبيب الحقيقي هو العالم بحقيقة الداء والدواء والقادر على الصحة والشفاء، ومن يملك ذلك؟
الله -عز وجل-.
ففي حالة طلب الشفاء يذكر المسلم نفسه: أن الله هو الطبيب والمداوي الحقيقي.
وكذلك فإن الطبيب من إخلاصه: أنه لا يستغل طبه لامتيازات ومنافع شخصية، كأن يحصل على تخفيضات من المحلات، أو أن يأخذ شيئاً ليس من حقه، أو يعتدي على حق غيره، أو يستغل قضية أن الناس يخافون من الطبيب ويخشونه، أو أنه يقول: إذا عالجتك تنشر إعلاناً في الجريدة فيها دعاية لنفسه، أو تقول: أشكر الدكتور فلان، كما يفعل بعض الناس، لو جاءت من المريض هذا من عاجل بشرى المؤمن، لكن أن الطبيب يوعز له أو يشترط عليه أنه يشكره خطابياً أو يكتب في الجريدة، فليس هذا من الإخلاص في شيء.
وكذلك فإن الطبيب هو آمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر، ولذلك فهو ينكر الاختلاط والتبرج المتفشي الهائل الموجود الآن في عالم الطب في المستوصفات والكليات، وغيرها، و  من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان  [رواه مسلم: 49].
ونحن ما أوتينا إلا من قضية التواكل وإلقاء المسؤولية على الآخرين، وكل واحد يقول: ليس من شأني هذا ولا من تخصصي، أنا مجرد معالج، وهو يرى المنكر أمامه فلا يغيره.
بل ربما يساعد في المنكر، كيف ذلك؟
كأن يأتيه شخص يقول: إنني أريد السفر إلى الخارج إلى بلاد الفسق والفجور، وأريد أن تعطيني إبرة مناعية للأمراض الجنسية، فإذا علم الطبيب أن هذا الرجل سيذهب إلى الفجور، فهل يجوز أن يعينه على ذلك بإعطائه مثل هذه الإبر التي فيها أو التي يساعده بها على أن يقع في الحرام؟
إنه لو جاءه مريض مصاب بمرض جنسي يساعده ولو كان فاسقاً، يعالجه لأجل عدم انتشار المرض عند الأصحاء الأبرياء، هو يعالج، لو جاءك واحد فاسق أصيب بمرض نتيجة فواحش تعالجه، ولكن تنصحه لعله يتوب.
أما أن تعطيه من الأسباب ما يقويه على الفاحشة ويشجعه عليها، فهذا لا يجوز لك بأي حال من الأحوال.
بعض أخلاق الطبيب المسلم وصفاته:
00:57:12
 وكذلك فإن الطبيب المسلم صاحب أمانة:  إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا  [الأحزاب: 72] فقد يخبر المريض الطبيب لأسباب عن أسرار خاصة به، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: المجالس بالأمانة [رواه أبو داود: 4869، ]،   إذا حدث رجل بحديث ثم التفت فهي أمانة  [رواه أبو داود: 4868، والترمذي: 1959، وقال الألباني: "حسن" كما في السلسة الصحيحة: 1090]، فلا يجوز له أن يفشي أسرار المريض إلا إذا كانت القضية تستدعي تبليغ الشرع ووصول القضية إلى المحكمة، فهذا أمر آخر، لكن الأشياء التي لا تستدعي ذلك لا يحوز للطبيب إفشائها بأي حال، سواء كان ذلك متضمن في قسم المهنة أو ليس بمتضمن، فإن الطبيب صاحب أمانة، والله -عز وجل- يقول:  إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا  [النساء: 58].
وقد يحمله المريض وصايا، أو المحتضر يحمله وصية وهو على فراش الموت، أو يطلب منه أن يستسمح له من أشخاص، أو يعتذر إليهم، أو يخبر يقول: أنا أخذت من فلان كذا، أو من فلان دين، أو لفلان عندي مال، ولفلان عندي حق، فعلى الطبيب أن ينقل ذلك بأمانة، وأن يخبر أولياء الميت وورثته بما أخبره به المريض، يبلغ ذلك.
وكذلك فإن الطبيب المسلم صاحب خلق حسن، وأقرب الناس مجلساً من النبي -عليه الصلاة والسلام- أصحاب الأخلاق الحسنة الذين يألفون ويؤلفون.
ومن أخلاق الطبيب: الرحمة، وهو يرحم خلق الله، ويرأف بهم، وهذه الصفة مهمة لأطباء الطوارئ؛ لأن بعضهم من كثرة الحالات يتأفف وربما يقسو على المرضى، ويجابههم بوجه خشن، ويضيق صدره بهم، فربما تلفظ على بعض المرضى بألفاظ لا تليق بطبيب مسلم، فينبغي أن نتعامل معهم من دافع الرحمة وهي الخلق المهم من أخلاقيات الطبيب.
وإذا حضر المريض أو الميت إذا حضره الطبيب، فإنه يدعو له بخير، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:  إذا حضرتم المريض، أو الميت، فقولوا خيراً، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون  [راوه مسلم: 919].
ومن أخلاقيات الطبيب: أنه لا يظهر الابتهاج، وكذلك طالب الطب لا يظهر الابتهاج إذا جاءت حالة نادرة فرحاً بها أمام المريض المسكين.
ومن الرحمة كذلك: أن يتجنب دفع المريض للقيام بحركات وتصرفات معينة؛ لأجل أن يبين لطلاب الطب أعراض المرض، كأن يجعله يجري مثلاً في الممر؛ ليظهر لهم أشياء تتعلق بنبضه أو إعيائه، ونحو ذلك، كما يفعله بعض الذين يدرسون الطب، فمن أجل تدريس الطلاب يرهقون المريض، وربما يؤخرون علاجه، ما يعطيه العلاج الآن الذي يحتاجه الآن، يقول: نستدعي أولاً الطلاب يرون المريض ثم نعطيه العلاج، والمريض يحتاج إلى العلاج، وهذا ليس من الإنسانية في شيء ولا من الرحمة.
وكذلك ينبغي عدم إشعار المريض بأنه حقل تجارب أمام طلاب الطب، ولابد أن يسارع الطبيب إلى النجدة من هذه الرحمة الموجودة لديه.
وكذلك من أخلاقيات الطبيب: أنه يتلطف في حال الكشف، فعندما يرى المريض أو المريضة متحرجاً في الكشف لا يقسو عليه أو يأمره بالكشف، ونحو ذلك، وإنما يراعيه ويسايسه في قضية الحرج هذه؛ لأنها مسألة شرعية.
وليس من شعور أشد على المريض من أن يرى من حوله من طلاب الطب يتناوبون عليه، كل واحد يقول: تفضل، اكشف، يقول: لا، الآخر: تفضل، اكشف أنت، ويتعازمون عنده، وهو يئن تحت وطأة المرض وألم المرض.
وكذلك من حسن أخلاق الطبيب: أن يتلطف في إخبار المريض عن مرضه، وإذا لم ير من الحكمة والمصلحة أن يخبره عن الحقيقة، فلا بأس أن يكتمها أو يؤخرها، لكن إذا كانت القضية ستوصل به، إذا كان المريض على وشك الموت ومرضه مميت، فلابد أن يبين له الطبيب أشياء تتعلق بوضعه حتى يتهيأ للموت، قد تكون عنده وصايا أو أشياء يريد الإخبار بها، فلا يقول: لا نخبره مطلقاً، فيموت المريض فجأة دون أخذ احتياطاته.
وكذلك إخبار المرضى بالعمليات الجراحية التي تكون في العادة شديدة الوطأة، خبرها شديد الوطأة عليهم.
وكذلك من أخلاقيات الطبيب أن لا يعطي المريض كومة أدوية لا داعي لها تكلفه، وإنما يعطيه الدواء النافع الذي يعلمه بخبرته، ولا ينساق وراء إحساس بعض المرضى أن الطبيب ليس بجيد إلا إذا أعطى كومة من الأدوية، ولذلك بعض الأطباء يصفون علاجاً، ثم يقول المريض: عندي حرارة، فيكتب، ثم يقول له: عندي كحة، فيكتب، ثم يقول له: عندي صداع، فيكتب، فأين أنت؟ إما أنك لم تكشف عليه كشفاً جيداً ولم تسأله، وهذا تقصير، أو أنك تكتب أشياء لا داعي لها.
وينبغي أن يكون الطبيب صريحاً صادقاً مع المريض.
ثم إن من إتقان الطبيب أن يكتب الدواء بعناية؛ لأن بعض الصيادلة لا يحسنون قراءة الوصفات، فيعطون المرضى أدوية غير المطلوبة، فلا أقل من أن يحسن الطبيب خطه، ولا نحتج بأن كل الصيادلة يقرؤون جميع هذه الخطوط الرديئة التي تعود الأطباء على كتابة الأدوية بها.
بل إن بعض من جربوا في الصيدليات أثبتوا أنهم يعطون الدواء غير الصحيح، بسبب جهلهم أولاً، ثم بسبب عدم إتقان الطبيب في كتابة اسم الدواء ثانياً.
الطبيب المسلم صاحب عقيدة صحيحة، وكما قلنا: إنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإذا رأى بعض المرضى يعلقون تمائم وعزائم، أو يذهبون للعرافين والكهان، من الواجب عليه أن يبين حرمة ذلك، من تعلق تميمة فقد أشرك  [رواه أحمد: 17422، وقال محققو المسند: "إسناده قوي"].
والذي يأتي الكاهن والعراف لا تقبل له صلاة أربعين يوماً [رواه مسلم: 2230]، فإن صدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد [رواه أبو داود: 3904، وابن ماجه: 639، وأحمد: 9536، وقال الألباني: "صحيح" كما في صحيح الترغيب والترهيب: 3047].
قد يحدث أمام الطبيب منكرات من أهل المريض أو الميت مثل: النياحة، أو شق الثوب وشد الشعر، فلابد من دور في إنكار المنكر، والنهي عن النياحة، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:  النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب  [رواه مسلم: 934].
وفي حديث صحيح آخر:  النياحة على الميت من أمر الجاهلية، وإن النائحة إذا لم تتب قبل أن تموت، فإنها تبعث يوم القيامة عليها سرابيل من قطران، ثم يغلى عليها بدروع من لهب النار  [رواه ابن ماجه: 1582، وقال الألباني: "صحيح" كما في صحيح الجامع: ].
وكذلك فإن الطبيب المسلم لا ينسى ذكر الله، فعند شروعه بالعلاج يقول: بسم الله، يستعين بالله على العلاج.
ويتجنب الأدوية المحرمة مثل التي فيها كحول مسكر.
ويتجنب كذلك ما يحبط المريض نفسياً، بل إنه لابد أن يأتيه بنفسية التفاؤل؛ كما جاء في الحديث:  أصبح بحمد الله بارئاً  [رواه البخاري: 4447، ومسلم: 4156] فهذا هو التفاؤل للمريض.
وكذلك إتيانه بما يشتهيه إن كان لا يضره، وأن يدعو للمريض:  اللهم رب الناس أذهب الباس، اشفه وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما  [رواه البخاري: 5743].
وكذلك من وظائف الطبيب: أن يخبر المريض بأضرار ما حرمه الله كأضرار الخمر إن وجده مدمن خمر، أو التدخين إن وجده مدمن تدخين، أو المخدرات إن وجده مدمن مخدرات، وأضرار الفواحش إن وجده صاحب فواحش.
وكذلك فإنه إذا قام بعمليات التجميل، كما قلنا: لا يقع في المنكرات، ويعمل عمليات شد الوجه، ونحو ذلك، وإنما يصح أن يأتي من عمليات التجميل بما فيه إزالة التشويه الخلقي غير المألوف، أو إزالة ما في بقائه ضرر، أو إزالة ما فيه تشبه بالرجال كاستئصال بصلات شعر اللحية والشارب للمرأة، فهذا لا بأس به، أو إزالة التشويه الحاصل بحادث أو حريق.
وكذلك فإن من الأمور: الاعتناء بتثقيف المرضى، والتعاون مع إدارة المستشفى في جعل رفوف فيها كتب وأشرطة لنفع المرضى بدلاً من تسكعهم في الأسياب.
ومن الملاحظات أيضاً: الحذر من وقوع الطبيب في علاقات عاطفية مع بعض المرضى، وفي حالة وقوع المريض في حالة تعلق عاطفي مع طبيب، فمن واجب الطبيب أن يجعل المريض تحت رعاية أحد زملائه الآخرين، وهذه قضية خطيرة قد توصل إلى العشق والهلاك: يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا  [النساء: 28].
ولا ينسى أن يستر عوراته سواء كانت الأسرار التي أخبر بها أو التي اطلع عليها الطبيب أو العورة، فإذا مر بجانب سريره فوجده مكشوف العورة، غطاها وسترها،  من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة  [رواه مسلم: 2699].
والطبيب مستشار مؤتمن، النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:  المستشار مؤتمن  [رواه أبو داود: 5128، والترمذي: 2822، وابن ماجه: 3745، وقال الألباني: "صحيح" كما في السلسلة الصحيحة: 1641]، فلابد له من الإخلاص في بذل المشورة، المرضى دائماً يستشيرون الأطباء، وهنا لابد أن يشير بالأمانة فيما يراه يُصلح حال المريض. وكذلك يتجنب الطبيب من أخلاقياته: أن يتجنب تجريح زملائه، فإذا جاءه مريض بدواء لا يقول له: من هذا المجنون الذي وصف لك هذا الدواء؟ أو من هذا الجاهل ونحو ذلك؟ ويشتم ويسب في بقية الأطباء، حتى يخبر هذا المريض بأنه هو الطبيب الفاهم المتقن.
ولا يترفع الطبيب عن مشاورة زملائه؛ لأن كثيراً من قضايا العلاج تحتاج إلى رأي جماعي، وليس من الأخلاق في شيء أن يتعصب الطبيب للمدرسة التي درس فيها، فبعضهم يتعصب للمدرسة الكندية، وبعضهم يتعصب للمدرسة الألمانية، ونحو ذلك.
ولا شك أن هذا التعصب أسوأ من تعصب أصحاب المذاهب الفقهية؛ لأن أصحاب المذاهب الفقهية إذا تعصبوا في قضية شرعية، وهؤلاء يتعصبون في قضايا دنيوية، وأولئك يتعصبون لشيوخ من العلماء وهؤلاء يتعصبون للكفار، وهذه التعصبات للمدارس الطبية تنشئ الفرقة والتعالي، وتحدث الضغائن والأحقاد.
وينبغي كذلك على طلاب الطب تقوى الله -سبحانه وتعالى-، وانتقاء التخصصات التي تكون بعيدة عن المنكرات قدر الإمكان، والتخصص الذي يحتاج إليه المسلمون أكثر، وانتقاء التخصص ينبغي أن يكون مبنياً على أمور منها -كما ذكرنا-:
أولا: التخصص الأبعد عن المنكرات.
ثانياً: التخصص الذي يحتاج إليه المسلمون أكثر.
ثالثاً: أن يقدم المصلحة العامة على مصلحته الخاصة؛ لأن بعض التخصصات ليس فيها مناوبات أو فيها رواتب أعلى، لكن يقدم الشيء الذي فيه مصلحة للمسلمين على الشيء الذي فيه مصلحة شخصية له.
وكذلك فإن للطبيب إسهامات أكثر من مجرد العلاج، له إسهامات في المجتمع يستطيع أن يحاضر ويخاطب وينصح، بل يستطيع أن يزرع في الأطفال أحياناً مفاهيم إسلامية عليا.
وكذلك فإن الطبيب الذي يخشى الله -سبحانه وتعالى- عليه أن يسارع ويبادر في قضية إنكار المنكر، والعودة بعالم الطب إلى واقعه الإسلامي الصحيح.
وينبغي أن تتكاتف الجهود لأجل ذلك، ويحس كل واحد بمسؤوليته بدلاً من حالة الموتان التي نعيشها الآن، والتي سوغت استشراء وانتشار هذه المنكرات.
وختاماً: نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يعيننا أجمعين على القيام بأمر هذه الشريعة والدين، وأن يرزقنا سلوك الصراط المستقيم، والبعد عن المحرمات، إنه سميع مجيب.
وأسأله عز وجل أن يعينكم أنتم معاشر الأطباء على القيام بما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن يوفقكم لبذل الخير والإحسان إلى الخلق، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، والحمد لله رب العالمين.
 
بعض الأسئلة:
01:14:49
 يقول: بعض الناس يطرحون طرحاً هذه الأيام أن ما ورد في الطب النبوي هو آراء خاصة للنبي عليه الصلاة والسلام وليست من الوحي؟
هذا خطأ، ممكن أن تكون الأصل أن ما أخبر به عليه الصلاة والسلام فهو وحي إلا إذا دل الدليل والقرينة على أنه من رأيه الشخصي، وإلا فكل ما يقوله حق -صلى الله عليه وسلم-، ولذلك هذه الدعوة توصل في النهاية إلى عدم اعتماد أحاديث صحيحة واردة في الطب النبوي، والله سبحانه وتعالى رحيم بخلقه، ومن الرحمة أن يخبرهم عن علاج بعض الأمراض في كتابه أو على لسان نبيه -صلى الله عليه وسلم-.
يقول: ما حكم النظر إلى وجه الممرضة أو الدكتورة أثناء الكلام معها في شؤون العمل؟
الأصل أنه لا يجوز ذلك، والأمر بغض البصر واجب، وبعض الناس يقولون: لا يمكن وإحراج، نقول: تحمل الإحراج أحسن من أنك تتحمل العذاب.
يقول: ما حكم لبس العدسات الملونة للتجميل؟
الجواب: أفتى أهل العلم بعدم جواز ذلك، فإذا احتاجت إلى عدسات، عدسات شفافة، ولا تلبس العدسات الملونة.
يقول: بعض الأطباء يعمد إلى إجراء عمليات قيصرية لرفع رصيد العمليات التي يقوم بها حتى يكتب له ذلك في مجال الخبرة والترقية؟
-طبعاً- هذا من الخيانة كما ذكرت، ومن العمليات المحرمة التي يقوم بها بعض الأطباء: ربط المبايض، فإذا كان هذا لغير ضرورة، الضرورة معناها أن المرأة تموت لو حملت تموت، فقيامه بعمليات ربط المبايض حرام؛ لأنه يخالف مقصد الشارع بتكثير النسل، وقد يموت أولادها، وقد تطلق، أو يؤخذ منها أولادها، فيكون جنى عليها ولو وافقت، ما دامت عملية ربط المبايض حرام لغير ضرورة فلا يجوز القيام بها.
بعض الأطباء يدخل بجهاز النداء (البيجر) إلى المسجد دون أن يسكته؟
نقول: هذا من إيذاء المصلين وإذهاب الخشوع، فلابد له من أن يجعله على وضعية لا يصدر فيها صوتاً.
إذا أعطى المخرف هبة؟
لا تقبل هبته.
إذا مات المريض نتيجة خطأ من الطبيب؟
إن كان مفرطاً فعليه الدية والكفارة: عتق رقبة، فإن لم يجد صيام شهرين متتابعين، والدية يسلمها لأهله، ويجب أن يعترف، وليس أن تطوى القضية وتلملم الأوراق وتسحب المسألة، لا بد أن يؤدي الحق إلى أهله في الدنيا قبل أن تقوم الساعة.
هل يلزم المريض الذي عنده أمراض وراثية بعدم الإنجاب؟
الجواب: لا، لا يمكن منعه من ذلك شرعاً.
يقول: يخبر بعض الأطباء الحوامل بما عندها من ولد أو بنت؟
أقول: ينبغي ترك ذلك لأجل عدم إيقاع الناس في أوهام تتعلق بتوحيد الربوبية، يعني تعتدي على توحيد الربوبية، فيظنون أن الطبيب يعلم ما في الغيب، مع أن الطبيب لا يعلمه قبل الزواج ولا يعلمه قبل الوقت ولا يعلمه قبل التخلق، على فرض أنهم استطاعوا أن يعلموه بعد مرحلة معينة من الحمل، فإنهم لا يعلموه قبل ذلك، وبناءً عليه يكون علم الأطباء ناقص، الله يعلم ما في الأرحام ما هو فقط في الشهر الرابع أو الخامس، الله يعلم من أول الحمل وقبل الحمل وقبل الزواج، والأطباء لا يعلمون ذلك، الله يعلمه هل هو شقي أو سعيد، والأطباء لا يعلمون ذلك، الله يعلم رزقه، والأطباء لا يعلمون ذلك، والله يعلم أجله والأطباء لا يعلمون ذلك.
فإذاً، علم ما في الأرحام بعض الناس يظن أنه استطعنا أن نصل إلى ذكورة وأنوثة في الشهر الفلاني، نقول: أين أنت من علم ما في الأرحام؟ علم ما في الأرحام يشمل هذا كله، فعلم الأطباء قاصر عن هذا ولا شك.
إسقاط الجنين؟
إذا كان هناك خشية على حياة الأم يسقط الجنين.
أما شق بطن المرأة الحامل إذا ماتت فقال بعض العلماء: إذا كان يغلب على الظن حياة الجنين يجوز، وإلا لا يجوز، لأنه اعتداء على الميت، ولا يجوز الاعتداء على الميت.
إذا ترتب على بذلنا للوقت في مستشفى النساء الإخلال بواجبات المنزل، ماذا يقدم؟
لا شك يقدم واجبات المنزل.
إذا فوجئت بطبيب داخل المصعد لوحده؟
لا تدخل المصعد تنتظر.
موانع الحمل؟
يشترط فيها ثلاثة شروط:
أولاً: ألا تكون ضارة.
ثانياً: ألا يزيد استعمالها عن سنتين.
ثالثاً: أن تكون بموافقة الزوجين.
بعض الممرضات تأتي المستشفى وهي متحجبة ومتنقبة وعليها القفازات والجوارب السود، ثم بعد ذلك ترى في الأقسام وقد كشفت النقاب وتضع هذه الزينة؟
طبعاً هذا من عدم خوف الله -سبحانه وتعالى-، هل خوف الله فقط خارج المستشفى وداخل المستشفى يتهاون في شرع الله؟ طبعاً هذا لا يجوز.
يقول: التوفيق بين التعمق في فهم علوم الطب والتعمق في الفقه الشرعي؟
يعني لا بد أن تكون للطبيب قراءات خارجية، وليس فقط أن يكون مقتصراً على قراءته في كتب الطب، ولتكن هذه القراءات الخارجية قراءة في الأمور الفقيهة اللازمة التي يحتاجها.
ونتوقف عند هذا الحد، والموضوع بقي فيه أشياء وأمور أخرى لعل الفرصة تتاح إن شاء الله للحديث عنها في درس قادم.
ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقنا وإياكم للخير، وأن يأخذ بأيدينا إلى طريق الحق والصواب، وأن يحسن خاتمتنا أجمعين، ويرزقنا الفوز بجنات النعيم.
والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.