الثلاثاء 13 ربيع الآخر 1441 هـ :: 10 ديسمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

قوة الإرادة وعلو الهمة


عناصر المادة
وبعد:
أهمية قوة الإرادة وعلو الهمة:
أنواع الإرادة:
خطر الخلط بين الإرادة الكونية والشرعية:
بعض الأدلة على أن الإنسان إرادة:
الحاجة إلى قوة الإرادة:
وسائل تقوية الإرادة:
المقصود بعلو الهمة:
بعض جوانب علو الهمة من حياة السلف:
علو همة السلف في العبادة:
علو الهمة السلف في البحث عن الحق:
علو همة السلف في الدعوة:
علوم همة السلف في الجهاد في سبيل الله:
علو همة السلف في طلب العلم:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إخواني: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
00:00:17
 فيطيب لي أن أتحدث إليكم في هذا المجلس الذي أسأل الله أن يجعله مجلساً خالصاً لوجهه، وأن يجعلنا فيه من عتقائه من النار، الذين تجالسوا في الله، وتذاكروا في الله، وتحابوا في الله، واجتمعوا على طلب العلم.
أيها الإخوة: موضوعنا في هذه الليلة بعنوان: قوة الإرادة وعلو الهمة.
أهمية قوة الإرادة وعلو الهمة:
00:00:47
 قوة الإرادة وعلو الهمة موضوعان مترابطان.
وهذان الموضوعان في غاية الأهمية من جهة الحاجة إليهما؛ لأنه لا يقوم بدين الله إلا من كانت له إرادة قوية وهمة عالية، فإن هذا الدين دين قويم، ودين عظيم، والله أنزله وامتحن به الناس، ليرى من الذي يقوم به ممن لا يقوم، من الذي يتحرك لنصرته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ومن الذي يتخاذل عن ذلك، ويركن إلى الدنيا وإلى الدعة والكسل.
وهذان الموضوعان أيضاً في غاية الأهمية من جهة علاج الواقع الذي نعيش فيه، فإننا في حال هزيمة على المستوى الفردي والمستوى الجماعي، وإن العودة بالنفس والمجتمع من حال الهزيمة إلى حال الانتصار تحتاج إلى إرادة قوية وهمة عالية.
وحال الأفراد الذين يقولون: عندنا معاصي لا نستطيع أن نفارقها، وشهوات واقعون فيها لا نستطيع أن نبارحها، وعندنا ضياع أوقات من مشكلاتنا وندخل في مشاريع فلا نكمل، وتنقطع بنا السبل، ونعيش في فوضى، وحياتنا ليست مرتبة على حسب الشريعة.
لا شك أن علاج كل هذه المشكلات، وعلاج قضية عدم الجدية في الالتزام بالإسلام من هذه الأوقات الضائعة، والالتزام الناقص، ومظاهر نقص الاستقامة، لا شك أنها لا تعالج إلا بإرادة قوية وهمة عالية.
ونحن نتلفت لعلاج أنفسنا إلى الأنبياء والصحابة والتابعين والعلماء والشهداء الذين قضوا نحبهم وهم مقيمون على طاعة الله، أولئك الذين أخبر الله عنهم بأنهم: صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب: 23].
أولئك أصحاب الهمم العالية، والعزائم القوية، والإرادات التي جعلت أصحابها في ذلك المستوى الإيماني المرتفع.
وأيضاً فإن هذا الموضوع مهم في العبادة، والجهاد، وطلب العلم، والدعوة إلى الله؛ لأن هذه الأمور الشرعية المطلوبة لا يمكن تحقيقها إلا بذلك.
ولنشرع بالشطر الأول من هذا الموضوع وهو: قوة الإرادة.
أنواع الإرادة:
00:04:26
 أما الإرادة فإن الإرادة الكاملة التامة هي لله ، الذي قال ووصف نفسه بأنه: فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ [البروج: 16] لا تحدث حركة ولا سكنة في الأرض ولا في السماء إلا بإرادته ومشيئته، ولو شاء عدم وقوعها لم تقع، فهذه هي إرادته الكونية القدرية التي لا بد من وقوعها، كما قال الله -عز وجل-: فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا [الكهف: 82]، وقال: وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا [الإسراء: 16]، وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا[المائدة: 41]، وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ [الرعد: 11].
فمشيئته سبحانه وتعالى نافذة، إرادته نافذة، هذه الإرادة الكونية القدرية.
والإرادة الثانية: هي الإرادة الدينية الشرعية؛ كما قال الله -تعالى- فيها: وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ [النساء: 27].
ثم إن بعض الناس قد يسلكون سبيل التوبة فيتوب الله عليهم، وبعض الناس لا يسلكونها فلا يتوب الله عليهم.
وقال الله: يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ  [البقرة: 185] وهذه أيضاً من الإرادة الدينية الشرعية، فلو كانت الإرادة هذه كونية لما حصل لأحد منا عسر أبداً.
خطر الخلط بين الإرادة الكونية والشرعية:
00:06:03
 والخلط بين الإرادتين هو الذي يورد الخالط المهالك.
وقد ضل أناس في هذه الإرادة فجعلوهماً شيئاً واحداً، وصار بعض الناس يقولون: إننا مجبورون على الأفعال لا إرادة لنا.
وبعض الناس يقولون: إن كل شيء نفعله فالله يريده، يعني: يحبه، فضلوا واستمروا على المعاصي والضلال، قالوا: إن الله يحب هذا، واحتجوا بأنه وقع وأن الله أراده.
وبعض الناس ضلوا في الناحية الأخرى فقالوا: إن العباد يخلقون أفعالهم بأنفسهم.
وهؤلاء الضلال هم الذين انحرفوا في مفهوم الإرادة، إرادة الله فخلطوا بين الإرادة الشرعية وبين الإرادة الكونية.
والذي يخلط بينهما ولا شك فإنه يضل، فهؤلاء الذين قالوا: إن العباد يخلقون أفعالهم بأنفسهم جعلوا هناك أكثر من خالق، بل إن عدد الخالقين صار بعدد الناس الذين يفعلون الأفعال، ولا شك أن الله خلقنا وخلق أفعالنا: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ  [الصافات: 96].
وأما الذين قالوا: إن العباد ليس لهم إرادة وإنهم مقسورون ومجبورون على أفعالهم سلبوا العباد القدرة والإرادة التي أعطاهم الله إياها، بل إنهم بهذا الكلام الباطل جعلوا تعذيب الله للعاصي مثل تعذيب الطويل لم لم يكن قصيراً، والقصير لم لم يكن طويلاً، بل إنهم عذروا إبليس وقدموا العذر لفرعون وهامان وقارون؛ لأنهم معذورون بما فعلوه وأنهم مجبورون، وقال قائلهم في البيت المشهور:
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له *** إياك إياك أن تبتل بالماء
هذا بيت من عقيدة الجبرية، الذي قاله جبري، يقول: أن الإنسان مجبور، وأن الله امتحنه مع أن المخلوق لا إرادة له، بل إن بعض هؤلاء القدرية الضلال اجتمع نفر منهم فتذاكروا في القدر فجرى ذكر الهدهد وقوله: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ [النمل: 24]، فقال أحدهم: كان الهدهد قدرياً، أضاف العمل إليهم والتزيين إلى الشيطان، وكل ذلك من فعل الله.
ونحن نعتقد أن الله أعطانا القدرة وأعطانا الإرادة، ولكن لا يقع إلا ما يريده الله، لم يسلبنا الله الإرادة ولا القدرة، بل إن العبد إذا أراد أن يفعل شيئاً فإن له الحرية في الفعل إذا أراد الله وقدر وقوع ذلك، ولا يشعر العاصي بقوة تدفعه إلى عمل الشيء بالرغم منه، بالرغم من أنه لا يريد ذلك أبداً، وليس العبد مجبوراً على أفعاله مطلقاً.
وكم كانت هذه العقيدة الضالة سبباً في صد بعض الناس عن دين الله ، وهذا مثال على ذلك قال بعض السلف: خرجنا في سفينة وصحبنا فيها قدري ومجوسي، فقال القدري للمجوسي: أسلم، قال المجوسي: حتى يريد الله.
هذا عين ما يقع اليوم من بعض الناس الفسقة إذا قلت لهم: التزموا بدين الله، عودوا إلى الله، اتركوا المعاصي قالوا: حتى يريد الله.
قال المجوسي: حتى يريد الله.
فقال القدري: إن الله يريد، ولكن الشيطان لا يريد.
فقال المجوسي: أراد الله وأراد الشيطان فكان ما أراد الشيطان، هذا شيطان قوي.
وفي رواية قال: فأنا مع الأقوى منهما [شرح العقيدة الطحاوية، ص: 227].
وهذا الضلال بسبب الخلط بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، الله أعطانا الإرادة وأراد منا أن نعبده سبحانه وهو لا يقع في ملكه إلا ما يريد: إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ  [مريم: 35].
بعض الأدلة على أن الإنسان إرادة:
00:10:44
 ومن الأدلة على أن الإنسان له إرادة: ما أخبر الله به في عدد من المواضع من كتابه، كقوله عز وجل:  فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا [القصص: 19]،  فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا [الكهف: 19]،  وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ [هود: 79].
فنحن لنا إرادة ضمن إرادة الله، لا يمكن أن نخرج عن إرادة الله، ولكن لنا إرادة، لسنا مجبورين على أفعالنا.
وبالمناسبة فإن عدداً من الذين يتكلمون من موضوع الإرادة من أصحاب الكتابات في علم النفس المأخوذ من النظريات الغربية، والمبني على عقائد القوم المنحرفين والكفرة عندهم هذه المسألة، وهي أنهم يقولون في كلامهم: إن الشخص يستطيع أن يفعل ما يريد، وأن الإنسان إذا صمم على شيء فلا بد أن يفعله، فلا بد أن يفعله، فهذا من نتيجة إلحادهم وعدم إيمانهم بالله  وبمشيئته وإرادته، وأننا تحت قهره وسلطانه ونفوذه -عز وجل-، فالله خلق فينا الإرادة وجعل فينا غرائز وأهواء وشهوات، فالإرادة الحازمة تلبي المطالب الشرعية وترفض الإذعان لما يخالف الشريعة، وعلى مقدار إيمان الإنسان تكون قوة إرادته، وبمقدار انحرافه واتباعه لأهوائه وشهواته ونزواته وغرائزه تكون ضعف إرادته؛ لأن الشهوة تجعل ضعيف الإرادة مسوقاً إلى تحقيق مطالب النفس الأمارة بالسوء بدون أن يقاوم.
وإرادة الإنسان المسلم تكبح جماح الأهواء والشهوات الثائرة وتسكنها بالكبح والصبر.
وإذا كانت الإرادة قوية محكومة بالعلم الشرعي مع العقل والحكمة التي اقتضتهما الشريعة وجاءت بهما، فإن أفعال المسلم تكون حكيمة ونافعة.
وإذا كانت الإرادة ضعيفة أو غير مقرونة بالعلم والعقل والحكمة، فإن التصرفات لا تكون حكيمة ولا نافعة.
وضعيف الإرادة يتخاذل أمام ميل نفسه إلى الكسل والتباطؤ في العمل، ويجعل غالب وقته في الهزل، ويتعطل عن العمل عند شعوره بأدنى تعب في جسمه، أو علة في نفسه، أو عند شعوره أن العمل لا يوافق هواه، وهكذا..
وهؤلاء ضعاف الإرادة متبعين لأهوائهم، ولذلك تراهم يخلدون إلى النوم الطويل القاتل للقوى، والمتلف للجسم.
وهؤلاء الذين لم يلتزموا بدين الله ولم يأخذوا بهذه الشريعة فقصروا وجعلوا للشيطان عليهم سبيلاً.
وبعض الناس يكون عندهم قوة إرادة لكن لا يحكمونها بحكمة الشريعة، قد تكون إرادتهم قوية جداً، لكن بسبب فقدانهم للعلم والحكمة تكون قوة إرادتهم نكبة على أنفسهم، فقد يضغط بعضهم على نفسه فيركب مركب الغلو، فيصل إلى تعذيب النفس والجسد فينهار ويتحطم.
وبعضهم قد يستخدم إرادته القوية فيفرض سيطرته على مجموعة من الناس، ويقودهم للإجرام.
وبعضهم من قوة إرادته يغامر بنفسه وبغيره مغامرات تقودهم إلى الهلكة، وهذا من الغلو في هذا الموضوع. والإرادة التي نتكلم عنها هي إرادة وجه الله، ما نريده إرادة وجه الله ، فإن بعض الناس في هذه الدنيا عندهم قوة إرادة لكنهم وجهوها لطلب الحياة الدنيا، فأرادوها وسعوا من أجلها، فمن أجل الدنيا يعيشون، ومن أجلها يكافحون، ومن أجلها يعملون في الصباح والمساء حتى يصلوا إلى غنى، أو شهرة، أو منصب، أو شهادة، ونحو ذلك.
وهذا حال كثير من الناس اليوم، بعضهم عندهم إرادات قوية، لكن في أي شيء سخرها؟ لجمع الأموال، فتح الشركات، متابعة الأعمال كله في الدنيا أو دراسة، تجده يهلك نفسه في الدراسة الدنيوية، مفرط في أمور الشريعة وفي أمور الدين، وجاعل إرادته هذه كلها منصبة في قضايا الدنيا، هذا الذي قال الله -عز وجل- فيه: مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ [الإسراء: 18] يعني: قد تحصل له وقد لا تحصل، فإن بعضهم يكدحون ويكدحون وعندهم إرادات لكن لا يوفقهم الله حتى في الدنيا  مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا [الإسراء  : 18]،  وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا [الإسراء: 19].
فالذين لا يريدون وجه الله ما عندهم إرادة لوجه الله، هؤلاء يكون من عقوبتهم التثبيط عن الأعمال الصالحة، الله -عز وجل- يثبطهم عقوبة لهم، أنهم ما أرادوا وجهه، ولا فعلوا موجبات الإرادة، إذا كان الإنسان يريد فعلاً الدين، يريد نصرة دين الله، يريد العمل لدين الله لكان قام بالأعمال لأدى، صار عنده من أعمال الجوارح وغيرها، والتخطيط والتدبير لنصرة هذا الدين، والسعي إليه، لكن لما فرط وتخلى ثبطه الله، كما قال الله في الذين في قلوبهم مرض: وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ [التوبة: 46] لو أرادوا ذلك  وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً [التوبة: 46] لقاموا بالعمل، جهزوا أنفسهم، لأعدوا له عدة المتيسر: وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ [التوبة: 46].
الحاجة إلى قوة الإرادة:
00:17:42
 وهذه الحياة الدنيا التي نعيش فيها: مغريات، خضرة حلوة، تجذب بما فيها من الزينة والأموال واللهو واللعب، ولذلك يحتاج المسلم إلى قوة إرادة للوقوف أمام شهواتها وإغراءاتها وجاذبيتها.
نحتاج إلى قوة الإرادة في أي شيء؟
في الثبات ضد هذه المغريات.
قوة إرادة للثبات أمام عوامل الانحراف.
قوة إرادة للثبات أمام عوامل التثبيط والفتور سواء التي تأتي من داخل أنفسنا الأمارة بالسوء، أو التي تأتي من الخارج من كيد الأعداء والشيطان، ونحو ذلك، وهو يسير ويجري من ابن آدم مجرى الدم.
نحتاج إلى قوة الإرادة في مواجهة الوساوس التي يلقيها الشيطان، حتى هؤلاء الناس الذين عندهم وساوس في الطهارة، فيعيدون الوضوء عشرات المرات، ويمكثون في مكان قضاء الحاجة والحمامات الساعات الطوال، ويعيدون الصلوات، بل ربما من شدة الوسوسة جعل بجانبه شخصاً يحسب له عدد الركعات.
ما هو علاج الوسوسة؟ إذا أنت تفكرت ونظرت لوجدت أنه قوة الإرادة المانع من تكرار الفعل مثلاً، فلو توضأ بشكل صحيح موافق للسنة غسل الأعضاء، وصل الماء إلى البشرة كما أمره الله، فجاءه الوسواس: ربما لم تغسل! ربما لم تمسح شعرك! ربما لم تفعل كذا وكذا! وهو يعلم إذا وضع يده على شعره يجد البلل، إذا نظر في مرفقيه وجد الماء، فما الذي يثنيه؟ وما الذي يرد الوسواس عنه؟
الإرادة القوية المبنية على التوكل على الله، والعلم الشرعي الذي ينبئك بأن إعادة العبادة محرم لا يجوز، لو أعدت الوضوء تأثم.
نحتاج إلى الإرادة القوية في مواجهة الفتن، فتنة الزوجة التي تجر الإنسان إلى المعاصي إلا من رحم الله من الزوجات الصالحات، فتأمر الزوج بالمعصية، أو تحببه إليها، أو تقول: لماذا لا نذهب إلى المكان الفلاني، وفيه ما لا يرضي الله؟ أو لماذا لا نشتري الشيء الفلاني وهو محرم لا يرضي الله؟ ولماذا لا ندخل في بيتنا الآلة الفلانية وهي لا ترضي الله؟ وهكذا مما تأمر به الزوجة إذا لم تكن طائعة لله.
فتنة الأولاد  الولد محزنة مجبنة مجهلة مبخلة [رواه الطبراني في الكبير: 614].
 مجهلة  يصرف الإنسان عن طلب العلم.
 مبخلة  يصرف الإنسان عن الإنفاق في سبيل الله، وعن الخوض للقتال للمعركة في سبيل الله  مبخلة  يصرفه عن الإنفاق.
 مجبنة  يصرفه عن القتال.
 مجهلة  يصرفه عن طلب العلم.
 محزنة  إذا مرض، وغير ذلك.
فالأولاد فتنة: إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [التغابن: 14].
فالصمود أمام هؤلاء يحتاج إلى إرادة قوية.
قوة الإرادة مهمة في مقاومة ميل النفس إلى الدعة والراحة، النفس بطبيعتها تميل إلى الدعة، تميل إلى الكسل، إلى الفوضى، والإرادة القوية هي التي تحمل النفس على العمل وترغمها على عدم الانجرار وراء ساعات النوم الكثيرة، ويرغمها على التنظيم المقاوم للفوضى، وهكذا..
قوة الإرادة هي التي تصد الشيطان عن إلقاء المخاوف وعن الاستجابة لها: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ [آل عمران: 175] يخوف أولياءه، يعني: يجعل أولياءه أعداء الإسلام يظهرون في أعينكم وفي أنفسكم قوة لها رهبة وخوف: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ ، يخوفكم يا أيها المؤمنون بأوليائه فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ .
الإنسان يتعرض إلى مصائب: موت، مرض، فقر، هذه الإرادة القوية هي التي تجعل الإنسان صامداً أمام المصيبة، صابراً محتسباً على وقوع قضاء الله وقدره.
والإرادة القوية هي التي تحمي الشخص والفرد المسلم عن الانسياق وراء الجموع الضالة التي تهيم على غير هدى من الله: وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ [الأنعام: 116].
والإنسان من طبيعته أنه يحب موافقة الكثرة، والاختلاف عنهم ومفارقتهم صعبة على النفس، ولذلك تجد كثيراً من الناس لو سألته عن سبب معصية، أو عمل خطأ، أو بدعة يفعلها، قال لك: كل الناس يفعلون ذلك، ما عنده إرادة قوية تعصمه عن الانسياق وراء الكثرة الضالة التي تتبع الهوى والجهل والعادات والتقاليد.
وكذلك الأئمة المضلون الذين يسوقون الناس بالضلال ويلبسون عليهم، والطاعة العمياء للغوغاء.
الإرادة القوية تقوم حائل بين الإنسان المسلم وبين مجاراة الجمهور فيما يريدونه إذا كان من معصية الله.
وسائل تقوية الإرادة:
00:23:55
 ما هي وسائل تقوية الإرادة؟
أولاً: الإيمان بالله -عز وجل-، الإيمان بالله وأسمائه وصفاته، وقضائه وقدره، والتوكل عليه، وحسن الظن به، والثقة بالله -سبحانه-.
لاحظ الفرق بيننا وبين مفهوم الطرح، طرح قضية الإرادة عند الكفار، وفي بعض كتب علم النفس، يقولون: أنت تستطيع أن تفعل أي شيء، تستطيع أن تفعل كل شيء، ردد وقل: أريد، أريد، أريد، وستفعل ذلك مهما كان.
ونحن نقول: لا بد أن يوجد عندنا تصميم وعزم كما دعتنا الشريعة إلى ذلك، لكن لا بد أن نتوكل على الله، ونفوض أمرنا إلى الله مع العمل: اعقلها وتوكل  [رواه الترمذي: 2517، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح: 22].
أما الكفار يعقلون ولا يتوكلون، يعقلونها ولا يتوكلون، هذا هو الفرق بيننا وبينهم، ولذلك إذا فشل الواحد منهم تحطم انهار انتهى انتحر أصيب بالجنون أو الأمراض العصبية، لكن المسلم يعمل متوكلاً على الله، فلو ما وصل إلى مرامه ولا نجح، فإنها مصيبة يصبر على قضاء الله .
وثانياً: التربية هي التي تدرب الشخص على مقاومة الأهواء والشهوات، وتربية الإرادة في نفسه التي تكبح جماح هذه الأهواء والشهوات، فالإنسان قد يفشل في المرة الأولى من أول مواجهة ينهار، لكنه بالتربية يصمد في المرة التي بعدها.
نعم، قد لا يستطيع الصمود إلى النهاية أو لا يصمد إلى النهاية ويسقط، لكن مع النصيحة مع المتابعة مع التوجيه مع شد الأزر مع الجو الطيب تتكون عنده الإرادة وتنمو الإرادة القوية التي تساعده في الوقوف أمام جيوش المعاصي والشهوات.
ثم من وسائل تقوية الإرادة: تحديث النفس بالشيء من طاعة الله، أو الانتهاء عن معصية الله، تحدث نفسك به باستمرار، وتتذكره بينك وبين نفسك، تأمل في حديث: من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق [رواه مسلم: 1910] الإنسان إذا كان يحدث نفسه بالغزو دائماً صدق، لو أنه قام قائم الجهاد ونادى المنادي للنفير، فإنه سيكون مع الخارجين في سبيل الله؛ لأنه دائماً يحدث نفسه بهذا الشيء، ويذكر نفسه بهذا الشيء، ويردد على نفسه تلك الآيات والأحاديث المرغبة في هذا العمل.
وكذلك لو أنه يريد أن تكون عنده إرادة في مقاومة شهوة من الشهوات، يردد على نفسه ويتذكر دائماً وباستمرار هاجسه الذي يقلقه والشيء الذي يتردد في نفسه حرمة هذه المعصية وعقوبة العاصي عند الله والعزم على عدم العودة، الندم على الفعل، هذا في النهاية سيوصله إلى إرادة قوية تمنعه من الوقوع في هذه المعصية.
ومن عوامل تقوية الإرادة: ممارسة العبادات، وعلى رأسها: ذكر الله -عز وجل-، فقد ثبت بالدليل الصحيح أن ذكر الله -تعالى- يقوي القلب، ويقوي البدن.
وتأمل أبدان فارس والروم كيف خانتهم أحوج ما كانوا إليها وانتصر عليهم أولئك النفر المؤمنون الذين لم يكونوا مثلهم في قوة الأجساد ولا في العدة والعتاد.
إذاً، الذاكرون الله كثيراً والذاكرات هؤلاء من المزايا التي أعطاهم الله إياها هذه القوة، قوة الإرادة، قوة الإيمان، والقوة في القلب والقوة في البدن.
ثم من العبادات التي تقوي الإرادة: الصيام، فلا شك أن الصيام يقوي الإرادة، إرادة الصبر على الجوع والعطش والشهوة لأجل الله ، فهناك عبادات واضح أثرها في تقوية الإرادة.
ثم من الأمور المهمة أيضاً: عدم التردد والتحير والتلكؤ إذا ظهر لك رجحان الأمر شرعاً وأنه من طاعة الله، بل ينبغي عليك الإقدام والإسراع، الذين يسارعون في الخيرات، ينبغي عليك أن تأخذ بجانب الحزم والعزم، قال النبي ﷺ: إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل [رواه أحمد: 14787، وقال محققو المسند: "صحيح لغيره"].
في غزوة أحد استشار القوم فأشار بعضهم بأمر، وأشار الآخرون بأمر آخر في الخروج، وعدم الخروج، فمال النبي ﷺ إلى قول الذين قالوا بالخروج من المدينة لملاقاة العدو ولبس لأمته، فكأن بعضهم وجد في نفسه أو أنه ندم، قالوا: ربما أكرهنا النبي ﷺ فراجعوه إذا كان يريد أن يقعد، يعني ما عندهم مانع في ذلك، وهم يؤيدونه، لكن النبي ﷺ ما دام اتخذ القرار ورأى فيه المصلحة الشرعية بعدما شاور: فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ  [آل عمران: 159]، فقال: إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل [رواه أحمد: 14787، وقال محققو المسند: "صحيح لغيره"].
وهذا درس في مسألة رد التحير والاضطراب والتردد، ونبذ هذا الكلام، والإقدام على الأمر بالحزم والعزم.
ثم إن النبي ﷺ قد علمنا هذا المفهوم في حديث مهم، فقالﷺ: المؤمن القوي، خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف [رواه مسلم: 2664].
-طبعاً- القوي في كل شيء، في إرادته، دينه، إيمانه، بدنه، مهاراته، قدراته، المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز ، واستعن بالله ولا تعجز، لا تعجز، يعني: أقدم، لا تتردد، لا تتحير، لا تتخاذل، لا تتكاسل، واستعن بالله ولا تعجز، احرص على ما ينفعك، ما دام رأيت فيه المصلحة الشرعية، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء  بعد كل هذه الإجراءات  لو أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان [رواه مسلم: 2664].
فإذاً، الإرادة القوية تقتضي حزم وإقدام وجرأة وشروع في العمل، ولا للتردد والحيرة والاضطراب.
وهذا الحديث رواه أحمد ومسلم.
وهذه اللفتة أيضاً موجودة في حديث مسلم في فتح خبير، في حديث مسلم لما أعطى النبي ﷺ الراية، جاء في الحديث قوله ﷺ: لأعطين هذه الراية رجلاً يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه ، قال عمر -رضي الله عنه-: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، بأي سبب؟ بسبب هذا الوصف يحب الله ورسوله، ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، هذا من ورع عمر -رضي الله عنه- ما كان يتطلع للإمارة إلا في هذا الموقف، "فتساورت لها رجاء أن أدعى إليها، قال أبو هريرة: فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فأعطاه إياها، وقال:  امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك ، فسار علي شيئاً ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ: يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟ قال:  قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم، إلا بحقها وحسابهم على الله [رواه مسلم: 2405].
ومن صفات القائد المسلم الذي يقود في معركة، أو في أي مجال آخر من المجالات: أنه لا يتردد ولا يتباطأ؛ لأن عامل الحسم عامل مهم في القيادة، إذا كان الكفار يتكلمون عنه في كثير من الأمور العسكرية والإدارية وغيرها نحن أولى وأحرى بهذا، بل هو من ديننا، بل عرفناه قبلهم من هذا الدين.
وعدم التكاسل والتردد حتى في العبادة، حتى في الصلاة، في السهو إذا غلب على ظنه، يفعل ما ترجح لديه، وإذا لم يغلب على ظنه شيء شك يبني على اليقين، لا ينصرف عن صلاته وهو شاك فيها، إما أن ينصرف عن يقين أو غلبة ظن ويسجد للسهو.
وقد قال النبي ﷺ: قال الله -تعالى-: يا بن آدم لا تعجز عن أربع ركعات في أول النهار أكفك آخره[رواه أحمد: 22469، وقال محققو المسند: "حديث صحح"]، هذه مثل: صلاة الضحى أربع ركعات في أول النهار تسبب الوقاية من الأحداث السيئة والأعراض والأمراض، ونحو ذلك.
ويحتاج الإنسان في هذا إلى التحلي بالصبر، وأن يكون جاداً، وأن يعقد قلبه على الشيء وأن يعزم، العزم مهم، العزم هذا من مرادفات قوة الإرادة، قال الله -عز وجل-: وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [آل عمران: 186].
هناك أفعال واضح أنها تحتاج إلى عزيمة تحتاج إلى قوة:  وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ  [الشورى: 43].
ليس كل الناس يستطيعون أن يصبروا ويسامحوا الآخرين: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمان: 17]، فليس كل الناس يستطيعون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ما يترتب على ذلك مع إقام الصلاة.
وتأمل في حال أولو العزم من الرسل، لماذا سموا بأولي العزم؟
هؤلاء الخمسة المقدمون عند الله -عز وجل-، كانت لهم إرادات تنفيذية على مستوى رفيع، فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ  [الأحقاف: 35].
ولذلك نحن نعزم ونتوكل على الله وننفذ، ولا نكن كالعاجز الذي يتبع نفسه هواها ويتمنى على الله الأماني.
والإنسان المتعرض للشهوات ينبغي عليه أن يتدبر قول الله -عز وجل-: فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات: 37 - 41] فقوة الإرادة عند الشهوة أن تحضر قلبك وتحضر علمك وعزيمتك للوقوف أمام الشهوة: وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ [يوسف: 23].
 ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها، فقال: إني أخاف الله رب العالمين [رواه البخاري: 1423].
فهذا الرجل الذي قال: إني أخاف الله رب العالمين أمام هذا الإغراء ذات منصب وجمال، منصب ترغمه ربما وتسجنه وتذيقه الأذى إذا ما استجاب، وجمال مغرٍ، فاجتمعت المسألة من جوانبها ترغيب وترهيب، وهو يقول: إني أخاف الله رب العالمين، هذا صاحب إرادة قوية.
ومن عوامل تقوية الإرادة -أيها الإخوة-: المبادرة بالأعمال قبل الأعراض؛ كما قال النبيﷺ: بادروا بالأعمال [رواه مسلم: 118].قد يأتيك فقر ينسي، قد يأتيك غنى يطغي، قد يأتيك مرض يقعد، قد يأتيك الموت، بادر بالأعمال الآن اشرع بها قبل فوات الأوان، قبل أن تجتمع عليك الحوادث، أو يأتي ما لا تظن وما لا تفكر فيه.
وكذلك من عوامل تقوية الإرادة: أن يحافظ الإنسان على العمل وإن قل، فتشرع فيه ثم تحافظ عليه، تشرع فيه ثم تشرع في الأعمال، ثم تحافظ عليها وإن قلت، فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل [رواه البخاري: 6464، ومسلم: 783].
وكذلك إذا فرغت من عمل فابدأ في عمل آخر وراءه مباشرة، هذا من الأمور المهمة في متابعة قوة الإرادة، والدليل على ذلك قول الله -عز وجل-: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ  [الشرح: 7 - 8] إذا فرغت من الصلاة فانصب للذكر بعدها، فليس إذا انتهى الإنسان من عمل يذهب ويلعب، إذا انتهى من الصلاة يذهب ويطلق هوى النفس، يقول: الحمد لله نصلي صلينا، الصلوات صليناها، أدينا الفروض، ممكن نذهب نتفرج على الأفلام ومسلسلات ونلعب الورق يعني فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ  غير موجود عند هؤلاء، ولذلك تكون إراداتهم ضعيفة.
وصحيح أنه يحافظ على بعض الأعمال الدينية كالصلاة مثلاً، أو الزكاة أو الصيام لكن في بقية أعمال الخير كسول متردد مسوف.
وكذلك من الأمور التي تؤثر في الإرادة: التفاؤل وعدم التشاؤم، فإن بعض الناس الذين عندهم نفسيات متشائمة ليست عندهم إرادات قوية؛ لأنه بمجرد ما يرى شيئاً يجلب لنفسه التشاؤم يترك العمل، تنتهي الإرادة، تفتر تنتهي تتلاشى.
كما لو أنه يذهب بعضهم إذا ذهب يفتح الدكان فرأى رجلاً أعور تشاءم، وقال: هذا يوم سوء سنخسر، أقفل الدكان ورجع.
وإذا خرج له رقم مقعد ثلاثة عشر، قال: هذا رقم سوء، هذا رقم شؤم، هذا شؤم أكيد سيكون في حادث ألغى السفر ورجع.
وهكذا بعض الناس يتشاءمون، ربما لو طنت أذنه اليسرى، قال: هذا العمل لا بد من عدم الإقدام عليه، وهكذا..
والنبي ﷺ كان يحب التفاؤل، كان يتفاءل ويحب التفاؤل، وقال:  الطيرة شرك [رواه أبو داود: 3910، وابن ماجه: 3538، وأحمد: 3687، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 3098] لا يجوز التشاؤم، والتشاؤم يبطئ الهمة، ويشتت القلب، ويميت روح الإقدام.
وعلى المسلم أن يتحامل على نفسه رغم الصعاب، هذا من الأشياء التي تقوي الإرادة، كما قال الله -عز وجل-: وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ [النساء: 104].
في غزوة أحد أراد النبي ﷺ أن يلحق بالمشركين وفي المسلمين جراحات، وتعب شديد من المعركة: وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ  مثلكم، لكن الفرق أنكم  وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ  وهذا فرق أساسي ومهم جداً  وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ  تحملوا تجلدوا تصبروا  إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ  فهم يألمون أيضاً لكنكم أنتم يا أيها المؤمنون ترجون من الله ما لا يرجون وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا  [النساء: 104].
ثم على المسلم أن يتلقى الأحداث بالصبر وعدم الجزع عند المصيبة، أو الحزن على ما فات، وهذا ولا شك نابع من الإيمان بالقضاء والقدر، والله -سبحانه- قال: مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا [الحديد: 22] من قبل أن نخلقها ونوجدها في الواقع هي مكتوبة في كتاب  إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ  [الحديد: 22].
فائدة الإيمان بهذا المفهوم ذكرها الله -تعالى- فقال: لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد: 23].
وبعد هذا العرض في موضوع قوة الإرادة لننتقل الآن إلى الشق الثاني من موضوع هذه الليلة وهو: علو الهمة.
المقصود بعلو الهمة:
00:42:24
 علو الهمة -أيها الإخوة- شيء لا يحسنه ولا يتوفر إلا لأكابر الناس الذين جعل الله التوفيق حليفهم.
وعلو الهمة التطلع إلى الأعلى وهو رضا الله ابتغاء وجه الله.
ما هي همتنا؟ ينبغي أن تكون موجهة إلى أي شيء؟
ابتغاء وجه الله، الجنة، وإنا لنبتغي فوق ذلك مظهراً.
هذه الهمة العالية ليست إلا لمن وفقه الله -تعالى- لها.
وعلو الهمة مركب من عدة عناصر؛ منها: الجد في الأمر والإباء والترفع عن الصغائر والدنايا والطموح إلى المعالي الشرعية؛ لأن بعض الناس يطمحون إلى وظائف مناصب مستويات مادية شرف دنيوي مدح ثناء، فهذا ليس علواً في الهمة، هذا دنو في الهمة؛ لأنه صار ينظر إلى الدنيا، لماذا سميت الدنيا؟ لأنها دنية سافلة، فلا يوصف الذي يتطلع إلى منصب أو وظيفة أنه عنده علو همة، هذا همه في الدنيا، وذكرنا أنه قد يكون عنده من قوة الإرادة الشخصية ما يحقق له الغرض الذي يريده، لكن ليس له عند الله من خلاق، فإن قصد بها وجه الله صارت قضية شرعية، كمن قصد أن يحصل على الشهادة لكي يوظف ذلك في طاعة الله، أو قصد التجارة لينفق على نفسه وأهله بالمعروف، وأن يتصدق، وأن يدعم القضايا الإسلامية، ونحو ذلك، فهذا ممن يبتغي وجه الله، همته إرادة وجه الله، ما تاجر إلا لوجه الله، ما اكتسب إلا لوجه الله، ما درس إلا لوجه الله، فهذا عنده علو همة.
فعلو الهمة هو الجد في الأمر والإباء والترفع عن الصغائر والدنايا والطموح إلى المعالي الشرعية.
وكلما عظم الهدف وسمت النفس إليه ارتفعت الهمة، ووصف صاحبها بأنه عالي الهمة.
وكلما هبط الهدف ودنا نزلت الهمة وحصلت الدناءة، ورضي المرء بالصغائر والتوافه.
علو الهمة يقتضي أموراً؛ منها: الجدية في العمل وعدم التواني والكسل، إذا دعا الداعي من الله -عز وجل- إلى عمل تسابقوا إليه: "حي على الصلاة" علو الهمة إن كانت مطرقته رفعها ألقاها خلف ظهره، ولا يطرق بها، وإنما يذهب إلى الصلاة مباشرة.
إذا أراد أن يبيع فأذن المؤذن لم يبع ولم يكمل التفاوض ولا المساومة وترك ذلك للصلاة، هذا علو همة.
من يوم ما يستطيع الحج يحج هذا علو همة، لا يسوف ولا يؤخر.
إذا قال الله: انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً [التوبة: 41] طاروا إليه رجالاً وركباناً، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ يعني: جماعات، أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا [النساء: 71] نفير عام، الجيش كله: وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ [النساء: 72] ما عندهم علو همة، وعندهم ضعف إرادة فهم يثبطون.
وقلنا: إن علو الهمة وقوة الإرادة أمران مترابطان غاية الترابط، وبينهما علاقة وثيقة جداً.
أصحاب الهمة الدنية لا يقومون إلى ما يرضي الله، وإذا دعا الداعي إلى شيء من الطاعات أحجموا وسوفوا وتكاسلوا، كما وصف الله المنافقين بقوله: وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى [النساء: 142]، وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ [التوبة: 54].
فالتكاسل والتقاعس هذا مما ينافي علو الهمة، وعكسه الجد وعدم التواني، والنبي ﷺ كان يتعوذ بالله من العجز والكسل، فيقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل [رواه البخاري: 2823، ومسلم: 2706]، كما جاء في الحديث الصحيح،  اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل ، وهذا دعاء مهم جداً.
والإسلام يدفع المسلم إلى ابتغاء الكمالات، إلى التطلع للآخرة، التطلع إلى المعالي، إلى الأشياء العظيمة، الإسلام يصرف المسلم عن أن ينزل ببصره إلى الدنايا والتوافه والصغائر والأمور الحقيرة، خذ مثلاً على ذلك في أن الله -عز وجل- يريد أن يرتفع المسلم بنفسه عن هذه الأرض وجواذبها ودناياها ليتطلع إلى الأمر العظيم، الهمة العالية تتطلع إلى الأمر العظيم: طاعة الله -عز وجل- العبادة: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر: 9]، فهو يريد أن يكون همة العباد إلى هذا الشيء قيام الليل قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ  (9) سورة الزمر]، وقال الله -عز وجل-: لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ  لا يستوون هؤلاء، والمجاهدون في سبيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى  فضل الله المجاهدين على القاعدين بعذر درجة، ثم قال: وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ ، يعني: بغير عذر  أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [النساء: 96].
هذا المنادي من الله يدعو العباد إلى التطلع إلى هذه المعالي، ويقارن لهم بين الشيء العالي والشيء الدنيء الواطيء، وكذلك حتى الأشياء العالية متفاوتة، فيقول: التمسوا الأعلى  لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا  [الحديد: 10].
والإسلام كما أنه يحث على الارتفاع والتطلع إلى معالي الأمور: طاعة الله، العبادة، الجهاد، الصدقة، الصلاة، قيام الليل، فإنه يصرف المسلم عن أن ينظر ببصره أو يتطلع، يهفو قلبه، ينصرف يميل، يركن إلى سفاسف الأمور والدنايا، قال النبي ﷺ: إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها [رواه الطبراني في الكبير: 2894، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 1627]، وجاء الحديث هذا بألفاظ أخرى.
والسفساف: هو الأمر الحقير والرديء من كل شيء.
ومن الأمثلة على ذلك: ذم السؤال في الإسلام، الشحاذة، السؤال، طلب الناس، يقول النبي ﷺ: اليد العليا خير من اليد السفلى  فسرها في الحديث الآخر: اليد العليا هي المنفقة، والسفلى هي السائلة [رواه البخاري: 1429، ومسلم: 1033].
ما يريد الإسلام من المسلمين أن يكونوا شحاذين وسؤال ويمدون أيديهم، وإنما يكونوا عاملين، بل يأكل الإنسان من عمل يده، حتى الأعمال حتى الطعام، أشرف طعام يدخل جوفك ما صنعته بيدك، هذه سنة داود .
وذم النبي ﷺ السؤال من غير حاجة، المكثرين من السؤال، لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله، وليس في وجهه مزعة لحم [رواه مسلم: 1040].
وقال: من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش، أو كدوح  قيل: وما الغنى يا رسول الله؟ كيف وله ما يغنيه؟، قال: خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب [رواه أبو داود: 1626، والترمذي: 650، وقال: "صَحِيح" كما في صحيح الترغيب والترهيب: 1847] فإذا كان له ما يغنيه وسأل جاءت المسألة يوم القيامة في وجهه هذه الندب والآثار.
والنبي ﷺلفت نظر أصحابه إلى قضية ترك سؤال الناس بالكلية، وقال: من يتكفل لي ألا يسأل الناس شيئاً وأتكفل له بالجنة؟  فقال ثوبان: أنا، فكان بعد ذلك لا يسأل أحداً من الناس شيئاً [رواه أبو داود: 1643، وأحمد: 22374، وصححه الألباني في صحيح أبي داود: 1450].
وصار الصحابة -رضوان الله عليهم- إذا سقط السوط من يد أحدهم لا يسأل أحداً من الناس أن يناوله إياه.
وقضية علو الهمة تطلع إلى الآخرة، تطلع إلى طاعة الله، حتى في الدعاء، الإنسان همته عالية في الدعاء فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة [رواه البخاري: 7423]
 واحد يقول: أنا مقصر وأنا مذنب وأنا أعرف نفسي ما أستاهل الفردوس؟
نقول: لكن النبيﷺ قال:  فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة ، الله كريم، ولا يعجزه شيء ، وهو المنان، فاسأل، وماذا يضرك؟ حتى علو الهمة في الدعاء يتطلع إلى الفردوس، المسلم يسأل الفردوس.
وربما بعض الناس يقول في نفسه: دعني فلأسأل تحت، عند باب الجنة فقط؟
نقول: لا.
يقول: عندي معاصي.
نقول: لا، فاسأل الله الفردوس، حتى في الجنة اسأل المراتب العليا، ادع الله فربما يجيبك فتكون من الفائزين بهذه الدرجات العلى والنعيم المقيم.
والذي يدفع المسلم إلى علو الهمة هو الزهد في الدنيا؛ لأنه إذا عرف حقيقة الدنيا أنها فانية زائلة، أنها ملعونة، أنها كالعصف المأكول، أنها تكون كهذا الذي تذروه الرياح، فإذا عرف قيمة الدنيا وتفاهتها وحقارتها وزوالها وفناءها فإنه في هذه الحالة يزهد فيها، وتتطلع همته إلى الأمور العليا إلى الآخرة وإلى الجنان وما أعد الله فيها.
ومن الأمور المعينة على أن تكون الهمة عالية: اشتغال الإنسان بما يعنيه وانصرافه عما لا يعنيه، فإنه إذا انشغل بما يعنيه، معنى: يعنيه، يعني: يعنيه شرعاً، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعنيك، الدعوة إلى الله تعنيك، كسبك لأجل أولادك وزوجتك والإنفاق على نفسك يعنيك، كل هذا يعنيك، معرفة أوقات الصلوات تعنيك.
وما لا يعنيك كل ما يضرك وما لا مصلحة لك فيه شرعاً.
انظر إلى هؤلاء الناس الذين عندهم هوايات عجيبة: التصوير، وجمع الطوابع، والرياضات البحرية، وساعات يعني تقضى فيها ساعات، وصيد الجرابيع، إيش هذا؟ وأن يصعد بسيارته على تل من رمل، هذه رياضاتهم، هذه همهم في هذه الأشياء، الألعاب واحد يجلس عند الكمبيوتر في ألعاب الكمبيوتر عشر ساعات، واللعبة تأخذ كل يوم مرحلة، ساعات طويلة ساعات،  من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه [رواه أحمد: 1737، وقال الألباني: "صَحِيح" كما في صحيح الترعيب والترهيب: 4839]، فينبغي ترك هذه الأشياء، لا نقول: لا تروح عن نفسك، ولا تتريض الرياضة المباحة، لا، هذا مما يعنيك، لكن الإغراق في هذه الأشياء، وإضاعة الساعات الطويلة فيها، هذا لا شك أنه مناف لعلو الهمة.
وترك فضول الكلام، ومجالس إضاعة الوقت، والناس الثرثارين، هذا مهم من أجل أن يحفظ الإنسان وقته، فالشخص الذي عنده علو همة ينصرف لمراعاة وقته، وكل ما هو من مدعاة الكسل والخمول، فالإنسان يترفع عنه، حتى التثاؤب انظر كيف أمرنا برد التثاؤب وتغطية الفم في الصلاة إذا تثاءبنا حتى لا يدخل الشيطان؛ لأن التثاؤب من الشيطان، والتثاؤب عنوان الكسل والخمول، حتى التثاؤب الذي هو عملية طبعية تكون في الجسم، ومع ذلك نرده ونكظمه؛ أمرنا بذلك شرعاً.
بعض جوانب علو الهمة من حياة السلف:
00:57:10
 وبعد هذه النقاط في مقتضيات علو الهمة وبعض الأسباب التي تؤدي إلى علو الهمة لننتقل إلى تطبيقات عملية من واقع السلف في بعض الجوانب فيما يتعلق بعلو الهمة، ومن ذلك: الهمة في العبادة، الهمة في البحث عن الحق، الهمة في الدعوة إلى الله، الهمة في الجهاد، والهمة في طلب العلم، وتحت كل فرع من هذه الفروع نضرب أمثلة، ونستلهم المعاني من قصص أولئكم النفر الكرام من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين.
علو همة السلف في العبادة:
00:58:05
 أما الهمة في العبادة، فإن الله قد رغبنا في ذلك، وذكر لنا حال أصحاب الهمم العالية في العبادة، مثال:  تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: 16 - 17].
وهذا النبي ﷺ أعلى الأمة قاطبة، بل هو أعلى الناس همة في العبادة كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه [رواه البخاري: 4837]، ضرب لنا مثلاً، همة عالية في العبادة، قال ابن مسعود: "صليت مع النبي ﷺ ليلة فأطال القيام حتى هممت بأمر سوء، قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه" [رواه البخاري: 1135، ومسلم: 773] أكمل الصلاة قاعداً .
وروى مسلم عن حذيفة قال: صليت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، همة عالية، مضى فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم قام قياماً طويلاً قريباً مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى فكان سجوده قريباً من قيامه [رواه مسلم: 772].
والأمثلة كثيرة ومن الصحابة والتابعين وذكرنا طرفاً صالحاً من هذا في محاضرة بعنوان: اجتهاد السلف في العبادة، فلا نطيل في ذلك.
ولكن لنعلم -أيها الإخوة- أن الشيطان يثبط الإنسان أن تكون له همة في العبادة، وهو الشيطان يعني يعقد على قافية رأس أحدنا بثلاث عقد حتى لا يقوم الليل، فإذا قام وذكر الله انحلت عقدة، توضأ انحلت، صلى انحلت كل العقد، انحلت كل العقد [رواه البخاري: 1142، ومسلم: 776].
ولما ذكر للنبي ﷺ رجل نام حتى أصبح، قال: ذلك رجل بال الشيطان في أذنه [رواه البخاري: 1144، ومسلم: 774].
علو الهمة السلف في البحث عن الحق:
01:00:57
 أما بالنسبة للهمة في البحث عن الحق، فإن النبي ﷺ، وهو النبي ﷺ، كان يسأل الله أن يوفقه للحق ويدعو ربه ويناجيه في الليل وهو يصلي وهو يدعو وهو يقوم الليل:  اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك [رواه مسلم: 770].
والإنسان مطالب بالوصول إلى الحق، أن يحاول ذلك، سواء كان في مسائل الاعتقاد، أو العبادات ومعرفة الصواب والحق فيها، ينبغي أن يبذل جهده في ذلك، ولنأخذ مثلاً واحداً يبين لنا الهمة العالية في البحث عن الحق، إنه سلمان الفارسي -رضي الله عنه-، أبوه من عباد النار من المجوس، كان مع أبيه يحش النار، فحصلت له حادثة أرسله أبوه في أمر، فمر على دير للرهبان فتعرف على دين النصرانية، فأعجب بهم فأخبر أباه فسجنه وقيده بالسلاسل، فأرسل إلى أولئك النصارى يسألهم عن أصل هذا الدين، قالوا: هو بالشام، فأرسل إليهم يقول: إذا صار هناك ناس سيتركون يسافرون إلى الشام أعلموني، فلما علم حل القيد فهرب وخرج إلى الشام، وذهب إلى أسقف في كنيسة يخدمه ويتعلم منه، يبحث عن الحق، عبادة النار هذه لا تجدي، ولا تنفع، ولا تصلح، فلما أوشك الرجل على الموت إذا به رجل سوء، اكتشفه أنه يأخذ صدقات الناس ويخزنها، فدل الناس عليه فرجموه وصلبوه ولم يدفنوه، وجعلوا واحداً بدلاً منه رجلاً صالحاً على دين التوحيد، يعني ملة عيسى ، فلازمه سلمان -رضي الله عنه- يخدم ويتعلم منه فلما أوشك الرجل الصالح على الموت قال: لمن توصي بي ، فأوصاه إلى رجل بالموصل، ذهب إليه يتعلم منه، لما نزل به الموت أوصاه إلى رجل بنصيبين، فلما حضرته الوفاة أوصاه إلى رجل بعمورية، وسلمان ينتقل ويسافر من بلد إلى بلد، فلما نزل الموت بصاحب عمورية، قال: أي بني، لما سأله سلمان: تدلني على من؟ أي بني، والله ما أعلمه بقي أحد على مثل ما كنا عليه، ولكن قد أظلك زمان نبي يبعث من الحرم، من الحرم مهاجره بين حرتين إلى أرض سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفى: بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فلما واراه ودفنه أعطى كل ما يملك إلى رجال من تجار العرب ليحملوه إلى أرض العرب، لكن ظلموه وباعوه عبداً لرجل من وادي القرى، فباعه على رجل من بني قريظة، فجيء به إلى المدينة عبد، فأقام في الرق، وبعث الله محمداً ﷺ بمكة، وسلمان لا يدري عنه شيئاً، يعمل في النخل عبد، حتى قدم النبي ﷺ المدينة، فجاء ابن عم لليهودي يخبره بقدوم النبي ﷺ، وسلمان فوق النخلة، فلما سمع الخبر قال: فأخذتني العرواء، يعني الرعدة، حتى ظننت لأسقطن على صاحبي، ونزلت أقول: ما هذا الخبر؟ فرفع مولاي يده فلكمني لكمة شديدة، وقال: مالك ولهذا؟ يهودي، ولكن سلمان عند المساء أتى النبي ﷺ بطعام قال: هو صدقة، فلم يأكل منه النبي ﷺ، فجاءه مرة أخرى بطعام قال: هو هدية، فأكل منه النبي ﷺ، وسلمان يقول: هذه واحدة، هذه الثانية، فدار سلمان حول ظهر النبي ﷺ فعرف النبي ﷺ أنه يريد أن يتثبت من شيء فأرخى له الرداء، فقال سلمان: فنظرت إلى الخاتم فعرفته فانكببت عليه أقبله وأبكي [رواه أحمد: 23737، والطبراني في الكبير: 6065 ، السلسلة الصحيحة: 894].
يعني بعد هذه السنوات الطويلة جداً وصل سلمان إلى هدفه، وعرف الحق، ترك أباه وأهله وفارق الأوطان، وتغرب، وأنفق كل ما عنده من البقرات والمال لأجل أن يسافر إلى المكان الذي فيه ذلك النبي ﷺ، وظلم وبيع عبداً واشتغل في الرق سنوات طويلة جداً حتى وصل إلى الهدف وعرف الحق، وصل إليه.
وإذا كانت النفوس كباراً *** تعبت في مرادها الأجسام.
علو همة السلف في الدعوة:
01:06:40
وأما الهمة في الدعوة إلى الله ، فهذه قضية ينبغي أن تكون مغروسة في أنفسنا؛ لأننا أيها الإخوة مطالبون بأمر إلهي:  ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ [النحل: 125] يجب علينا أن ندعو، إنقاذ الأمة من الهلكة، الأمة الآن تعيش في أحط أوضاعها، وأسفل ما هو مر بها في تاريخها.
ولو تأملنا صعوبة مهمة الداعية، لو تأمل الداعية صعوبة المهمة لعرف أنه لا بد أن يكون صاحب إرادة قوية وهمة عالية؛ لأن هناك جهد كبير ينبغي أن يبذل، تصحيح الانحرافات الموجودة ليس أمراً سهلاً، والأمر أعظم مما قال عمر بن عبد العزيز لما قال: "إني أعالج أمراً لا يعين عليه إلا الله، قد فني عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، وفصح عليه الأعجمي، وهاجر عليه الأعرابي، حتى حسبوه ديناً لا يرون الحق غيره" [سيرة عمر بن عبد العزيز، أحمد عبيد، ص: 42].
هذه الأمة الآن غارقة في المصائب، غارقة في المعاصي، إنها المحاربة من قبل الأعداء، يحاربون المساجد بالمراقص، والزوجات بالمومسات، والعقيدة بالفكر المنحرف والفلسفة، والقوة باللذة، يحاربوننا بأن يجعلوا همتنا دنية في اللقمة والجنس.
والداعية إلى الله إذا رأى أهل الباطل وعملهم في دعواتهم الباطلة، وسعيهم لنشرها حتى لربما كانت عجوزاً شمطاء في المجاهل والأدغال مع ضعفها وقلة حيلتها تعمل لأجل الصليب، أو غير ذلك من الأفكار المنحرفة، ويسهرون الليل، وينفقون الأموال، فالعيب الكبير في الداعية إلى الله أو بالشخص أن يتقاعس عن الدعوة وهو ينظر إلى أولئك القوم.
والداعية إلى الله يعلم أنه منصور، وإن لم يكن منصوراً بالسنان فهو منصور بالحجة والبيان: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله [رواه مسلم: 1920].
وتتأمل في قوة إرادة النبيﷺ وعلو همته في الدعوة لما بعث ولم يكن في الأرض في ذلك الوقت إلا هذه البشرية المنحرفة، تأمل حال رجل واحد يراد ومطلوب منه التبليغ، وحمل الناس على الدين، وإقامة الإسلام في الأرض، واحد أمام هذا الكم الهائل من ركام البشرية المنحرفة التائهة الغارقة في الشرك والوثنية، واحد كم تكون المهمة صعبة والحمل ثقيل؟ رجع يقول: زملوني زملوني[رواه البخاري: 3، ومسلم: 160] من هول ما ألقي عليه من هذه التبعات العظيمة، لا يقام بهذه المسؤولية إلا من قبل رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، أصحاب همم عالية وإرادات قوية.
والدعوة إلى الله طبيعتها الابتلاء والفتن والمحن، ولا بد من صبر.
الدعوة تحتاج إلى بذل أوقات، وهذا نوح قعد يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً.
الدعوة إلى الله تحتاج لصاحب همة عالية يدعو إلى الله سراً وجهاراً، ليلاً ونهاراً، في جميع الأحوال والظروف، وينوع الوسائل، والداعية إلى الله يرحل ويتجول في أي مكان سافر وإلى أي مكان ارتحل فهو يدعو، تأمل حال الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ فقال: "أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك" [رواه مسلم: 12 لاحظ: "أتانا رسولك" هؤلاء رسل النبي -عليه الصلاة والسلام- يجوبون القفار والصحاري، وينتقلون بين القبائل لتبليغ الدعوة، أسفار، مشاق، صرف أموال، تعب، لكن هذه حال الدعوة.
والداعية وقف لله -تعالى- لا يصلح أن يترك هذه المهمة، أو يقول: أدعو سنة وأنام سنة، كلا.
وقد تكلمنا في بعض المحاضرات الماضية عن أساليب الدعوة، ووسائل الدعوة، وبعض صفات الداعية، فلا نطيل بهذا، ولكن القضية تذكير بأن المهمة في عصرنا صعبة ولكنها واجبة، ولا بد أن نكون أصحاب إرادات كبيرة وهمم عليا لنقوم بهذه الدعوة.
علوم همة السلف في الجهاد في سبيل الله:
01:12:02
 أما الجهاد في سبيل الله، فإن النبي ﷺ حكى لنا حال رجل مثل به بألفاظ عجيبة تبين همة هذا الرجل العالية في الجهاد، قال النبي ﷺ: من خير معاش الناس لهم، رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه، كلما سمع هيعة، أو فزعة طار عليه، يبتغي القتل والموت مظانه [رواه مسلم: 1889].
هذا رجل على أهبة الاستعداد، دائماً مستعد ممسك بعنان فرسه، أي وقت فزعة أو هيعة منادي الجهاد طار، لم يمش مشياً، طار على الفرس يبتغي مظان الموت، وأين يوجد القتل فيدخل في المعترك.
وكان النبي ﷺ يقاتل ويحتمي به أصحابه، وتمنى ألا يتخلف عن سرية قط، لكن لأجل بعض المصالح، ومع ذلك قاد عدداً كبيراً من الجيوش والسرايا.
وأصحابه ساروا على منهاجه، انظر إلى همة أنس بن النضر العالية في قتاله حتى ما عرفته أخته إلا بشامة أو ببنانه، سبعين موضع في جسمه طعن وضرب [رواه البخاري: 2805، ومسلم: 1903].
وحمزة في أحد قال الراوي: "مثل الجمل الأورق يهز الناس بسيفه هزاً، ما يقوم له شيء" [رواه ابن حبان في صحيحه: 7016، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان: 6977]، يقول: "يا ابن أم أنمار مقطعة البظور، أتحاد الله ورسولهﷺ؟ قال: ثم شد عليه، فكان كأمس الذاهب [رواه البخاري: 4072].
ولعل من أعجب الأمثلة وأروع الأمثلة في تاريخنا الإسلامي لصاحب همة عالية في الجهاد، الرجل الذي مع شهرة اسمه لكن لا يعرف عن أفعاله إلا القليل، خالد بن الوليد -رضي الله عنه-، هذا الرجل العجيب والعجيب فعلاً فيما قدم لهذا الدين في الجهاد والقتال، أسلم مع النبي ﷺ بعد حين، ولكن سخر قوته ومواهبه لله ورسوله، وقاد جيشاً من المسلمين في فتح مكة، ولما مات النبي ﷺ بعدما أرسله وبعثه أيضاً بعوثاً ارتدت العرب، وكانت مهمة عظيمة ملقاة على أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، فعرف من ينتقي سيف من سيوف الله، فوجهه إلى أشد الخصوم مسيلمة الكذاب، وقاتلوا في ليالي اليمامة وأيامها مقاتلة شديدة، خالد يقود الجيش حتى أظفرهم الله على المرتدين، وبرغم قساوة وشراسة تلك المعارك معارك الردة التي مع الأسف ليست معروفة لكثير من الأجيال المسلمين، معارك الردة التي ينبغي أن تدرس بعناية؛ لأن فيها أمور كثيرة مما ينطبق في زماننا، لم يقعد خالد وإنما وجهه أبو بكر لغزو فارس، بادئاً بثغر أهل الهند والسند، وأرسل معه أناس، فقام خالد -رضي الله عنه- قسم الجيش إلى ثلاث فرق، وأعدهم عند الحفير، وراسل هرمز يدعوه إلى الإسلام، أو الجزية، أو القتال، وجاء هرمز بجيشه، ونزل على الماء ونزل المسلمون على غير ماء، وكلموا خالداً فقال: حطوا أثقالكم، ثم جالدوهم على الماء، فلعمري ليصيرن الماء لأصبر الفريقين وأكرم الجندين، وربط الفرس بعضهم بالسلاسل، ودعا هرمز خالداً للمبارزة يريد الخديعة، حتى جعل خطة بحيث أن هناك أناس من الفرس ينقضون على خالد من الخلف أثناء المبارزة، ولكن القعقاع وهو قائد إسلامي آخر كان منتبهاً فحمل عليهم فقتل خالد هرمز، وانهزم الفرس وأرسلت الغنائم إلى أبي بكر.
ثم دخل في واقعة المدار وكان هرمز قد كتب لأزدشير يستمده، فأمده بقائد منهم، فالتقى الجيشان مع فلول جيش هرمز في ذلك المكان، فنهض خالد لقتالهم على التعبئة، وخرج إليهم، فاقتتل الجيشان وانهزم الفرس وكانت للمسلمين فيهم مقتلة عظيمة.
ثم موقعة الولجة التي أرسل فيها الفرس جيشاً كثيف العدد، ونهض لهم خالد وخلفه من يحمي ظهره، وقسم الجيش وأعد الكمائن، واقتتل الجيشان واستعرت الحرب، وصار الظفر للمسلمين وولى الفرس ومات قائدهم من العطش.
ثم انتقل إلى وقعة أليس، جماعة من عرب الضاحية نصارى من بكر ووائل، عبوا أنفسهم للثأر، وراسلوا الفرس فأمدوهم، وعلم خالد باجتماعهم فذهب إليهم وعاجلهم، واقتتل الجيشان في مقتلة عظيمة, ونذر خالد إن أظفره الله بهم ليجرين نهرهم بدمائهم، وهزم الله الفرس وأسر المسلمون الكثير منهم، ثم قتلوهم حتى جرى النهر بدمهم، فسمي: نهر الدم، وكان خالد يقول: ما لقيت من أهل فارس قوماً كأهل أليس.
وقسم الغنائم وأرسل الخمس إلى الخليفة.
ثم واقعة أنغيشيا التي أكمل خالد بجنده إليها وقاتل أهلها وولوا تاركين كل شيء، ما إن اقترب خالد هربوا وتركوا كل شيء غنيمة.
ثم توجه إلى الحيرة وخرج المرزبان بجنده وجعل خالد الجيش على سفن في الفرات، ولكن الفرس عملوا مكيدة، بأن يفجروا أنهاراً فرعية لتقف سفن المسلمين بأحمالها، وفعلاً وقفت سفن المسلمين بأحمالها، لكن خالد لم يكن ليحتار ويضطرب ولا يدري ماذا يفعل، وإنما انفلت بكتيبة من المسلمين وقاتل ابن المرزبان على حين غفلة من جيشه حتى هزمهم وهم القائمون على الأنهار الفرعية، وأجرى الماء في الفرات، ورجع الماء، وحمى سفن المسلمين.
ودخل الحيرة وفتحها وأعمل القتل فيها، وخيرهم خالد خير قساوستها فاختاروا الجزية، فأرسل لأبي بكر الصديق.
ثم انتقل إلى الأنبار، وهكذا من معركة إلى أخرى، ثم إلى عين التمر وهي واقعة عجيبة.
ثم إلى دومة الجندل، ثم إلى الخنافس والحصيب، وهي وقعة أخرى.
ثم ينتقل خالد من مكان إلى مكان إلى واقعة الفراض التي تحالف فيها الفرس والروم ونصارى العرب في جيش واحد ضد خالد بن الوليد وجيش المسلمين، وفتحها الله.
ثم معركة اليرموك المشهورة وأنتم تعلمون ما فيها، وظهرت العبقرية العجيبة لخالد بن الوليد حينما أراد أن يفاجئ الروم من مكان لا يحسبون له حساباً، فاختار أن ينطلق من العراق إلى الشام عبر بادية الشام الصحراء التي تقطع الآن بالسيارات بعشرين ساعة مع الراحات، أتى خالد بدليل يدل الطريق، وأمر بحمل الماء وأخذ عشرين جزوراً سماناً عظاماً فأظمأها حتى اشتد عطشها ثم أوردها الماء، حتى رويت فقطع مشافرها وعكمها حتى لا تجتر، وكان كل يوم لهم منزل يعمد إلى أربعة من الإبل فيقطع أسنمتها ويأخذ ما في كروشها ويسقيه الخيل حتى كان المنزل الأخير، فوفقهم الله حتى عبروا ذلك المكان، وفاجأ الروم من المكان الذي لا يحتسبونه.
ولما حوصرت دمشق من أبوابها المختلفة كان جيش خالد بن الوليد الفرقة التي فيها خالد هي التي دخلت دمشق، وهو الذي قال لهم: انتظرونا فإذا سمعتمونا كبرنا فاقتحموا، فصعد هو ومن معه الأسوار ونزلوا على الروم في الحراس وقتلوهم وفتحوا الأبواب وكبروا، فدخلت جيوش المسلمين إلى دمشق، وكان أهلها من الطرف الآخر بعض أهلها صالحوا المسلمين في الجهة الأخرى، فصار بعض دمشق فتح عنوة وبعضها فتح صلحاً.
وهكذا يستمر خالد بن الوليد، وفي معركة من المعارك تواجه جيش خالد مع جيش عقة بن أبي عقة النصراني العربي الذي كان يجهز الجيش، فلمح خالد ثغرة فترك جيشه وانطلق إلى القائد، انطلق من مكانه إلى القائد المشرك الكافر فأخذ به فاحتضنه ورجع به أسيراً، فانهزم جيشه، تصور انفض على القائد، انقض عليه فأخذه وسرقه، ورجع به.
وفي معركة من المعارك حاصر المسلمون حصناً، فقال بعض المسلمين لخالد: إن هؤلاء إذا رأوا وجهك لا يخرجون خارج الحصن، نحن نريد أن يخرجوا نقاتلهم، فخرج خالد نهاراً وهم يرونه مبتعداً، ثم دخل ليلاً في الجيش مرة أخرى، في الصباح خرجوا لأنهم علموا أن خالداً خرج، خرجوا من الحصن ليقاتلوا فصبحهم خالد بوجهه فهزموا، رضي الله -تعالى- عنه.
ويستمر حتى يطيع أمر الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بعد حين برجوعه إلى المدينة، ويكون عنده حتى وافاه الأجل -رضي الله عنه-.
في إحدى الغزوات بعدما فتح مدينة أخذ فرساناً وذهب إلى الحج، قطع مسافة إلى عرفة مباشرة، حج ورجع، فلما رآه أصحابه حليق الرأس عرفوا أنه قد حج.
علو همة السلف في طلب العلم:
01:23:35
 وأخيراً: من الأمثلة العالية الهمم العالية في طلب العلم كثيرة جداً وننتقي بعض المقاطع، عن ابن عباس قال: لما توفي رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار: هلم نسأل أصحاب رسول الله ﷺ فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجباً لك يا ابن عباس، أترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب النبي ﷺ من ترى، فترك ذلك وأقبلت على المسألة، يسأل ابن عباس، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه وهو قائل، نائم القيلولة، فأتوسد ردائي على بابه فتسفي الريح علي التراب فيخرج فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول الله، ألا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: أنا أحق أن آتيك فأسألك، قال: فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس علي، فقال: هذا الفتى أعقل مني [فضائل الصحابة: 1925، ومستدرك الحاكم: 363].
الهمة العالية يتوسد عند الباب في الظهيرة، هذا الرجل نائم وابن عباس عند الباب، والريح تأتي بالتراب ينتظر للمسألة العلمية.
وعروة بن الزبير عن هشام عن أبيه أنه كان يقول لنا ونحن شباب: مالكم لا تعلمون؟ إن تكونوا صغار قوم يوشك أن تكونوا كبار قوم، وما خير الشيخ أن يكون شيخا وهو جاهل، لقد رأيتني قبل موت عائشة بأربع حجج وأنا أقول: لو ماتت اليوم ما ندمت على حديث عندها إلا وقد وعيته، ولقد كان يبلغني عن الصحابي الحديث فآتيه وأجده قد قال، فأجلس على بابه ثم أسأله عنه [سير أعلام النبلاء: 4/424].
وكان عامر بن قيس التميمي مقرئاً يقرئ الناس القرآن فيأتيه ناس فيقرئهم القرآن، ثم يقوم فيصلي إلى الظهر، من الصباح يقرئ إلى الظهر، ثم يصلي العصر، ثم يقرئ الناس إلى المغرب، ثم يصلي ما بين العشاءين فينصرف إلى منزله، فيأكل رغيفاً وينام نومة خفيفة ثم يقوم لصلاته، ثم يتسحر رغيفاً ويخرج [سير أعلام النبلاء: 4/15- 16].
قيام وصيام وإقراء قرآن من الصباح إلى الليل.
أما سعيد بن عبد العزيز التنوخي قال: "كنت أجلس بالغدوات إلى ابن أبي مالك، وأجالس بعد الظهر إسماعيل بن عبيد الله، وبعد العصر مكحولاً" [سير أعلام النبلاء: 8/33].
وأما القعنبي قال أبو حاتم: ثقة حجة لم أر أخشع منه، كان إذا مر بمجلس القوم قالوا: لا إله إلا الله، ذكروا الله -عز وجل-، سألناه أن يقرأ علينا الموطأ، فقال: تعالوا بالغداة، فقلنا: لنا مجلس عند الحجاج بن منهال، قال: فإذا فرغتم منه، قلنا: فنأتي حينئذ مسلم بن إبراهيم، قال: فإذا فرغتم، قلنا: نأتي أبا حذيفة النهدي، قال: فبعد العصر، قلنا: نأتي عارماً أبا النعمان، قال: فبعد المغرب، فكان يأتينا بالليل، فيخرج علينا وعليه كبل ما تحته شيء في الصيف، فكان يقرأ علينا في الحر الشديد حينئذ [سير أعلام النبلاء: 10/260].
هذا يدل على كيف كان أبو حاتم -رحمه الله- وأقرانه يطلبون العلم، مجالس متواصلة.
وحدث بعض أهل العلم وهو ابن حبان عن بعض العلماء، ابن حبان يحدث عن نفسه قال: "لعلنا قد كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ"، قال الذهبي: "كذا فلتكن الهمم، هذا مع ما كان عليه من الفقه والعربية والفضائل الباهرة وكثرة التصانيف" رحمه الله [سير أعلام النبلاء: 16/94].
وقال محمد بن علي السُلمي: "قمت ليلة سحراً لآخذ النوبة على ابن الأخرم فوجدته قد سبقني ثلاثون قارئاً، لم تدركني النوبة إلى العصر" [سير أعلام النبلاء: 15/565]، وراء بعض يجلسون سرى عند الشيخ.
وابن الأخرم كان له حلقة عظيمة بجامع دمشق يقرؤون عليه من بعد الفجر إلى الظهر [سير أعلام النبلاء: 15/565].
والطبري قال لأصحابه: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا؟ قالوا: كم قدره؟ قال: نحو ثلاثين ألف ورقة، فقالوا: هذا مما تفني الأعمار قبل تمامه، قال: إنا لله، قد ماتت الهمم، فاختصر ذلك في نحو ثلاثة آلاف ورقة [سير أعلام النبلاء: 14/274 - 275].
وأما السمعاني -رحمه الله- فإنه طوف البلاد وأخذ عن مشايخ لا يعدون، وذهب إلى أبي ورد وإسفرائين والأنبار وبخارى وبسطام والبصرة وبلخ وترمذ وجورجان وحماه وحمص وحلب وخسرو وجرج والري وسرخس وسمرقند وهمذان وهرات والحرمين والكوفة وواسط والموصل ونهاوند والمدائن، ما في طائرات ولا في سيارات ولا قطارات، المشي على الأرجل وعلى الدواب حتى دخل بيت المقدس والخليل وهما بأيدي الفرنج تحيل وخاطر ودخل رغم أنها تحت احتلال النصارى.
السِلفي الذي ذهب يطلب العلم وله أقل من عشرين سنة، ارتحل ونسخ من الأجزاء ما لا يحصى، وكان ينسخ الجزء الضخم في ليلة، وبقي في الرحلة ثمانية عشر عاماً [سير أعلام النبلاء: 21/16].
وابن طاهر قال: بلت الدم في طلب الحديث مرتين، مرة ببغداد، وأخرى بمكة، كنت أمشي حافياً في الحر فلحقني ذلك، وكنت أحمل كتبي على ظهري، وما سألت في الطلب أحداً" ما مددت يدي لأحد.
قيل: إنه كان يمشي في اليوم والليلة عشرين فرسخا [سير أعلام النبلاء: 19/363] الفرسخ تقريباً خمسه كيلو.
وروي عن سليم الرازي قال: "كان أبو حامد الإسفراييني في أول أمره يحرس في درب"، لكن له همة عالية ولو كان يحرس في درب، "وكان يطالع على زيت الحرس" يقرأ على مشاعل الحرس، "وأفتى وهو ابن سبع عشرة سنة" [سير أعلام النبلاء: 17/196].
عطاء بن أبي رباح كان فراشه المسجد عشرين سنة [سير أعلام النبلاء: 6/327].
الزهري جلس يتذاكر الحديث من بعد العشاء حتى أصبح، وعدد من السلف فعلوا ذلك.
الإمام مالك قلما صلى الصبح إلا بوضوء العشاء لمدة تسعة وأربعين سنة.
وكيع بن الجراح والإمام أحمد تذاكرا الحديث من العشاء إلى آخر الليل.
أسد بن الفرات يجلس عند محمد بن الحسن الشيباني يتلقى منه الحديث، وكان ينثر في وجهه الماء ينضح لكي يصحو يبقى منتبهاً في الدرس.
وأحمد بن حنبل كان يذهب من قبل الفجر إلى مجلس الشيخ ليتبوأ مكانه، وكان يقول: مع المحبرة إلى المقبرة.
والبخاري يستيقظ عشرين مرة في الليل ليسجل ما يخطر له، يوقد السراج في كل مرة ويطفئه.
هذه الهمم العالية، هذا الحفظ، هذا العلم، هذه الرحلة، هذا التأليف والتصنيف، هذه المجالس، هذا الحرص على الحضور.
هذه -أيها الإخوة- نماذج مما كان عليه سلفنا -رحمهم الله- في طلب العلم، والهمم العالية فيه.
فنسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يلهمنا رشدنا، وأن يقينا شر أنفسنا، وأن يقوي إراداتنا في طاعته، وأن يجعلنا من أصحاب الهمم العالية في سبيله مجاهدين وعلماء عاملين.
والله -تعالى- أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.