الخميس 10 ربيع الآخر 1442 هـ :: 26 نوفمبر 2020 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

24- ضغطة القبر وفتنة القبر


عناصر المادة
خوف الصحابة رضوان الله عليهم من ضغطة القبر
فضل الشهادة وأجر الشهيد عند الله

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأُسلّم على محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين،

وبعد: فنحن في هذه الحلقة مع ضغطة القبر وفتنة القبر نعوذ بالله من تلك الفتنة.

أما المراد بضغطة القبر فإنها ضمته والتقاء جانبي القبر على جسد الميت ضمة القبر هذه التي تضم وينضم طرفا القبر على جسد الميت عامة للمؤمنين والكافرين فأما بالنسبة للكافر فقد جاء في حديث البراء بن عازب قال: فينادي مناد من السماء أن كذبَ فأفرشوا له من النار وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرِّها وسمومها ويُضيّق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه[رواه أحمد: 18534، وصححه الألباني في المشكاة: 1630].

والأضلاع: عظام الجنب، يعني يدخل بعضها في بعض من شدة التضييق والضغطة.

وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك أن نبي الله ﷺ قال: إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد ﷺ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك من النار فقد أبدلك الله به مقعدا في الجنة، قال رسول الله ﷺ: فيراهما جميعا مقعده الذي في النار ومقعده الذي في الجنة انظر إلى مقعدك من النار فقد أبدلك الله به مقعدا في الجنة قال رسول الله ﷺ:  فيراهما جميعًا يعني ليعرف نعمة الله عليه وتعظم هذه النعمة في عينه؛ لأنه يرى لو دخل المقعد الآخر ماذا سيكون عذابه، قال: وأما الكافر والمنافق فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيقول له: لا دريتَ ولا تليتَ ثم يُضرب بمطراق من حديد ضربة بين أُذنيه فيصيح صيحة فيسمعها من يليه غير الثقلين ويُضيّق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه [رواه أحمد: 12271، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 1930].

هل أولياء الله تعالى هل المؤمنين تشملهم ضمّة القبر وضغطته أم لا؟

لقد دلّت النصوص أن ضغطة القبر لا ينجو منها حتى المؤمن وحتى الولي من أولياء الله، والدليل على ذلك:

عن عائشة عن النبي ﷺ قال: إن للقبر ضغطة ولو كان أحد ناجيا منها نجى منها سعد بن معاذ[رواه أحمد: 24283، وقال الذهبي في السير: إسناده قوي. سير أعلام النبلاء: 1/291، وصححه الألباني قال: "وجملة القول أن الحديث بمجموع طرقه وشواهده صحيح بلا ريب" [سلسلة الأحاديث الصحيحة: 4/271].

وروى الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لو نجا أحد من ضمة القبر لنجا سعد بن معاذ ولقد ضُمّ ضمة ثم رُخي عنه[رواه الطبراني: 6593، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 5306].قال الذهبي في السير: "وقد تواتر قول النبي ﷺ إن العرش اهتز لموت سعد فرحًا به" 

[سير أعلام النبلاء: 1/29].

والعرش خلق لله مسخّر إذا شاء أن يهتز اهتز بمشيئة الله، وجعل فيه شعورًا لحبّ سعدٍ كما جعل تعالى شعورا في جبل أُحد  لحبه النبي ﷺ وقال تعالى: يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ [سبأ: 10]، يعني: الجبال تتجاوب مع الذكر الذي يذكره داود وقال تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ [الإسراء: 44] السماوات تسبح والأرض مع أنها جماد تسبح ثم عمّم فقال: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ  [الإسراء: 44].

وهذا حق، وفي صحيح البخاري قول ابن مسعود: "كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل" [رواه البخاري: 3579].

وهذا باب واسع سبيله الإيمان، فالذهبي يقول: العرش يحب يهتز فرحا وجبل أحد يحب والسماوات تسبحّ والجبال تسبّح، هذه جمادات؟

نقول: إذا شاء الله أن يخلق فيها الشعور سيخلقه فيها ولا طريقة إلا الإيمان والتسليم كيف تعلل هذا؟ الله أعلم الطريق هو الإيمان والتسليم، وروى البيهقي في دلائل النبوة عن جابر قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فقال: من هذا العبد الصالح الذي مات؟ فُتحت له أبواب السماء وتحرك له العرش؟ فخرج رسول الله ﷺ فإذا سعد" [دلائل النبوة للبيهقي: 4/29].

إذن لما جاء جبريل ما كان النبي ﷺ يدري أن سعدا مات لكن لما جاءه الخبر من جبريل أن عبدا صالحا فتحت له أبواب السماء خرج يبحث من الذي مات من أصحابه من هو هذا العبد الصالح؟ فإذا هو سعد قد انفجر كُلمُه ومات قال: فجلس على قبره... الحديث. [دلائل النبوة للبيهقي: 4/29].

وروى النسائي عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: هذا الذي تحرك له العرش يعني سعد بن معاذ وفتحت له أبواب السماء وشهده سبعون ألفا من الملائكة كل هذه الميزات قال: لقد ضُمّ ضمّة ثم فرج عنهصححه الألباني في صحيح النسائي. [رواه النسائي: 136، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي: 2055]

إذن، الضمة حاصلة حاصلة على الجميع وهذا مما يستسلم فيه المؤمن لأمر الله، وقد جاءت روايات ضعيفة في سبب ضم القبر لسعد بن معاذ لكنها لا تثبت، بل قال الألباني عن بعضها منكرة؛ لأن فيها ما لا يليق بالصحابي سعد ، ففي بعض الروايات أنها بسبب كان يقصر في الاستنزاه من البول، ومثل سعد على جلالة قدره لا يمكن أن يفرّط في مثل هذا، وهو من الأنصار وكانوا يحسنون التطهُّر بالماء وقد قال الله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: 222]، ونزلت في أهل قُباء نزلت فيهم؛ لأنهم يُحسنون الطهارة.

إذن لو نجا أحد لنجا سعد؛ الذي ضحى بمكانه لرسول اللهﷺ تنازل عن ملكه لرسول الله ﷺ كان أميرًا على قومه وجاهد مع رسول الله ﷺ واليهود كانوا حلفاؤه وضحى بهم وأفتى بقتل رجالهم واسترقاق نسائهم وأطفالهم ووافق حكم الله من فوق سبع سماوات هذا الذي اهتز العرش فرحا باستقباله لما مات هذا الذي شيعه سبعون ألفا من الملائكة هذا الذي فتحت له أبواب السماء ضم في القبر لما وضع ولو نجا أحد لنجا سعد، إذا كان الأمر كذلك فما الحكمة من ضمة القبر؟.

فأما بالنسبة للكافر فإنها تكون عذابًا، وأما بالنسبة للمؤمن فإنها تطهير له وكفارة ورفع لدرجاته، قال العلماء جميع ما يحصل للمؤمن أن أنواع البلايا حتى في أول منازل الآخرة وهو القبر وعذابه وأهواله هو مما اقتضته الحكمة الإلهية من التطهيرات ورفع الدرجات ولا ينافي ضم القبر لسعد اهتزاز العرش فرحا بموته؛ لأن دون البعث زلازل وأهوال لا يسلم منها ولي ولا غيره: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا[مريم: 72].

قال الذهبي - رحمه الله - في السير تعليقا على حديث سعد : "هذه الضمة ليست من عذاب القبر في شيء، بالنسبة للمؤمن بل هو أمر يجده المؤمن كما يجد ألم فقد ولده وحميمه في الدنيا وكما يجد من ألم مرضه كيف ألم المرض وألم خروج نفسه كما قلنا عند الاحتضار إذا خرجت النفس في سكرات والسكرات فيها شدة وألم سؤاله في قبره وامتحانه وألم تأثره ببكاء أهله عليه وألم قيامه من قبره وألم الموقف وهوله وألم الورود على النار ونحو ذلك، فهذه الأراجيف كلها قد تنال العبد وما هي من عذاب القبر ولا من عذاب جهنم قط، ولكن العبد التقي يرفقُ الله به في بعض ذلك أو كله، ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه، فنسأل الله تعالى العفو واللطف الخفي، ومع هذه الهزات يقول الذهبي: "فسعد ممن نعلم أنه من أهل الجنة وأنه من أرفع الشهداء  كأنك يا هذا تظن أن الفائز لا يناله هولٌ في الدارين ولا روع ولا ألم ولا خوف سل ربك العافية وأن يحشرنا في زمرة سعد" انتهى كلامه رحمه الله. [سير أعلام النبلاء: 1/290].

إذن ضمّة القبر للمؤمن مثل ألم المرض وألم فقد الولد والسكرات من جملة ما يصيبه من المصائب، يستفيد منها نعم يستفيد ماذا يستفيد رفع درجاته تكفير سيئاته هل الله يرفق به هذا كلام الذهبي رحمه الله.

وما الفرق بين المؤمن والكافر المؤمن ضمة ثم يراخ القبر، أما الكافر ضمة ثم يزداد شدة وضمة القبر ليست خاصة بالكافر أو الفاسق وإنما هي لجميع الناس غير أن المؤمن الكامل ينضم عليه ثم ينفرج عنه سريعا الضمة حاصلة حاصلة لكن المؤمن تنفرج بسرعة والمؤمن العاصي يطول ضمه ثم يراخى عنه بعد والكافر يدوم ضمه أو يكاد يدوم قاله المناوي في فيض القدير: "فالقبر ينضم على المؤمن فتدركه الرحمة وعلى قدر مجيئها يتخلص من الضمة فإن كان محسنا فإن رحمة الله قريب من المحسنين" [فيض القدير: 5/313]، هل يُضغط الصبي في قبره لو مات الطفل هل يضغط ؟

روى الطبراني عن أبي أيوب أن صبيًا دفُن فقال رسول اللهﷺ: لو أفلت أحد من ضمة القبر لأفلت هذا الصبي، فقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح" [مجمع الزوائد: 3/47]، وصححه الألباني في سلسلته [سلسلة الأحاديث الصحيحة: 2164].

وعن أنس أن النبي ﷺ صلّى على صبي أو صبية فقال: لو كان أحدٌ نجا من ضمة القبر لنجا هذا الصبي قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقون" [مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 3/47]. وصححه الألباني  [السلسلة الصحيحة: 2164].

وذكر بعضهم أن الأولياء يستثنون ولكن كلامهم مردود لحديث سعد فإن سعدا من أولياء الله ولا شك، ومع ذلك لم يستثن ورد حديث في استثناء فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب وهذا الحديث رواه الطبراني عن ابن عباس قال: لما ماتت فاطمة أم علي خلع رسول الله ﷺ قميصه وألبسها إياه ونزل في قبرها ﷺ قال: فلما سوى عليها التراب قال بعضهم: يا رسول الله رأيناك صنعت شيئا لم تصنعه بأحد قال: إني ألبستها قميصي لتلبس من ثياب الجنة، ثم قال في سبب نزوله في القبر معها قال: لأخفف عنها من ضغطة القبر إنها كانت أحسن خلق الله صنيعا إليّ بعد أبي طالب لكن الهيثمي قال رواه الطبراني في الأوسط وفيه سعدان بن الوليد ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات. [مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: 9/257].

وكذلك ورد حديث ضعيف في الوقاية من ضغطة القبر بل قال الألباني في سلسلته: موضوع؛ وهو حديث عبد الله بن الشخّير مرفوعا: من قرأ قل هو الله أحد في مرضه الذي يموت فيه لم يفتن في قبره وأمن من ضغطة القبر وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفّها حتى تجيزه من الصراط إلى الجنة[رواه الطبراني في الأوسط: 5785، والأصبهاني في الحلية: 5785، وقال الألباني في السلسلة الضعيفة: موضوع: 301].

بعض أهل العلم حاول أن يقول إن الضغطة في القبر هذه بالنسبة للمؤمنين مثل ضم الأم وليدها، قال النسفي: "يقال إن ضمة القبر إنما أصلها أنها أمهم - يعني الأرض - ومنها خُلقوا فغابوا عنها الغيبة الطويلة، فلما رُدُّوا إليها ضمتهم ضمة الوالدة غاب عنها ولدها ثم قدِم عليها، فمن كان لله مطيعا ضمته برأفة ورفق، ومن كان عاصيًا ضمته بعنف سخطا منها عليه لربها، قال النسفي هذا الكلام ولكن يخالف ظاهر حديث سعد فإن النبي ﷺ أشفق عليه من ضمة القبر، والله يرفق بمن يشاء ويرحم من يشاء ولكن هذه الضغطة ثابتة وظاهرها أنها على الجميع لو نجا أحد لنجا سعد ماذا بالنسبة للفتنة؟ عرفنا الضغطة ونريد الكلام عن الفتنة، قال الحافظ - رحمه الله -: "قال أهل اللغة الفتنة الامتحان والاختبار واستعمالها في العُرف لكشف ما يكره وأما فتنة القبر فهي ما يكون فيه من الامتحان والاختبار" [فتح الباري لابن حجر: 2/318].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : "أما الفتنة في القبور فهي الامتحان والاختبار للميت، حين يسأله الملكان فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بُعث فيكم محمد؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، فيقول المؤمن الله ربي والإسلام ديني ومحمد نبيي، ويقول هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فآمنّا به واتبعناه، فينتهرانه انتهارة شديدة وهي آخر فتنه التي يُفتن بها المؤمن فيقولان له كما قالا أولا، وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ في هذه الفتنة من حديث البراء بن عازب وأنس بن مالك وأبي هريرة وغيرهم " [مجموع الفتاوى: 4/257].

وفتنة القبر هذه من الغيب، وقد روى مسلم من حديث عروة بن الزبير أن عائشة قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وعندي امرأة من اليهود وهي تقول: هل شعرتِ أنكم تفتنون في القبور؟

قالت: فارتاع رسول الله ﷺ وقال: إنما تُفتن يهود قالت عائشة: فلبثنا ليالي ثم قال رسول الله ﷺ: هل شعرتِ يعني: هل علمت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور؟

قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ بعدُ يستعيذ من عذاب القبر" [رواه مسلم: 584]

قولها: "فارتاع" الارتياع الفزع، والمراد أنه صار ذلك الكلام عنده بمنزلة خبرٍ لم يسبق به علم ويكون شنيعا منكرًا، ثم ردّه في البداية النبي ﷺ لما سمع من اليهودية أنها تقول عن المسلمين يفتنون في القبور قال هم اليهود الذين يفتنون في البداية رد أن المسلمين يفتنون في القبر بناء على أنه لم يوح إليه بذلك وأن فتنة القبر الجزم به متوقف على الدليل؛ ولأنه ﷺ ما كان عنده علم بهذا فقد رده في البداية وفي هذا فائدة: أنه يجوز إنكار الشيء ما لم يأت الدليل على أنه حق وأهل الكتاب كان عندهم علم بهذه المسألة، الحديث يدل على ذلك أن هذه اليهودية كانت تعلم بالعلم الذي كان عندهم من الكتاب السابق أن هناك فتنة في القبر ثم أوحي إلى النبي ﷺ بتأكيد ذلك.

وروى الإمام أحمد عن عائشة قالت: "جاءت يهودية فاستطعمت على بابي فقالت: أطعموني أعاذكم الله من فتنة الدجال ومن فتنة عذاب القبر، قالت: فلم أزل أحبسها حتى جاء رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله ما تقول هذه اليهودية؟ قال: وما تقول؟ قلت: تقول أعاذكم الله من فتنة الدجال ومن فتنة عذاب القبر قالت عائشة: فقام رسول الله ﷺ فرفع يديه مدا يستعيذ بالله من فتنة الدجال ومن فتنة عذاب القبر، ثم قال: أما فتنة الدجال فإنه لم يكن نبيٌ إلا قد حذّر أمته... الحديث ثم قال: فأما فتنة القبر فبي تفتنون وعني تسألون، فإذا كان الرجل الصالح أُجلس في قبره غير فزع ولا مشعوف ثم يقال له فيم كنت؟ فيقول في الإسلام فيقال: ما هذا الرجل الذي كان فيكم فيقول محمد رسول الله ﷺ جاءنا بالبينات من عند الله فصدّقناه فيفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضا فيقال له انظر إلى ما وقاك الله ثم يُفرج له فرجة إلى الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها فيقال له هذا مقعدك منها ويقال: على اليقين كنتَ وعليه متَ وعليه تُبعث إن شاء الله، وإذا كان الرجل السوء أجلس في قبره فزعا مشعوفا فيقال له: فيم كنت؟ فيقول: لا أدري فيقال: ما هذا الرجل الذي كان فيكم فيقول: سمعت الناس يقولون قولا فقلت كما قالوا فتفرج له فرجة قبل الجنة، فينظر إلى زهرتها وما فيها فيقال له: انظر إلى ما صرف الله عنك حرمت ثم يفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضا ويقال له هذا مقعدك منها كنتَ على الشك وعليه مُتَّ وعليه تبعث إن شاء الله ثم يُعذّبوصححه الألباني في صحيح الترغيب. [رواه أحمد: 25089، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 3556] 

قوله: ولا مشعوف الشعف شدة الفزع حتى يذهب بالقلب، وذهب ابن حجر الهيتمى إلا أن النفي في الحديث لأصل الفزع وخالفه القاري فذهب إلى أن أصل الفزع ثابت وأن هذا هو الذي تدل عليه الأحاديث.

الآن يقال للمؤمن ما هذا الرجل؟ ويقال له: محمد بدون تعريفه بأنه رسول اللهﷺ فلماذا؟

قال العلماء لم يذكر في السؤال بوصف النبوة ولا بوصف يُشعر بالتعظيم وإنما يقال ما هذا الرجل؛ لئلا يصير تلقينا  لأن الموضع الآن موضع اختبار وفي الاختبار يأتي السؤال مجردا عن التلقين، ولذلك يقولون ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ينظر  إلى النار يحطم بعضها بعضا لأنها تحطم ما يلقى فيها ومن شدة المزاحمة التي تكون فيها ويقال للمؤمن على اليقين تبعث إن شاء الله وللكافر على الشك كنت وعليه تبعث إن شاء الله وهذا الاستثناء للتبرُّك وليس للشك وفتنة القبر في الحقيقة نتائجها إما عذاب وإما نعيم فهي مقدمة لعذاب القبر أو نعيمه وسبب من أسبابه؛ فروى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إذا قبر الميت أو قال أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول ما كان يقول إذا كان مؤمنا يقول: هو عبد الله ورسوله أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ثم ينوّر له فيه ثم يقال له: نم فيقول أرجع إلى أهلي فأخبرهم يعني أبشرهم أني نجوت وأني نجحت في الامتحان فيقولان نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقا قال سمعت الناس يقولون فقلت مثله لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه فتلتئم عليه فتختلف فيها أضلاعه فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك [رواه الترمذي:  1071، وحسنه الألباني في صحيح جامع الترمذي: 1071]. 

إذن إذا قبر الميت ودفن: جاءاه عند البخاري ومسلم: فيقعدانه في حديث البراء الذي تقدم معنا فتعاد روحه في جسده، في رواية ابن حبان عن أبي هريرة: فإذا كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه والزكاة عن يمينه والصوم عن شماله وفعل المعروف من قبل رجليه فيقال له: اجلس فيجلس، وقد مثَلت له الشمس عند الغروب، الحديث وسيأتي وفي سنن ابن ماجة من حديث جابر قال النبي ﷺ: إذا دخل الميت القبر مُثّلت الشمس عند غروبها فيجلس يمسح عينيه ويقول دعوني أصلي [رواه ابن ماجة: 4272، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجة:4272].  

وقوله: مثلت يعني: صورت الله على كل شيء قدير إذا قام المؤمن إذا أُقعد في القبر تمثل له الشمس على وشك الغروب عند غروبها ويسأل: ما هذا الرجل ما كنت تقول في هذا الرجل ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟

قال القسطلاني - رحمه الله -: "عبّر بذلك امتحانا؛ لئلا يتلقن تعظيمه عن عبارة القائل" [مرقاة المفاتيح: 1/204].

يقول ما كان يقوله قبل الموت قد كنا نعلم أنك تقول هذا الملكان يتكلمان وأن عندهم علم من الله وأن في الميت هذا من النور والأثر ما يجعلانه يعلمان أنه من أهل السعادة ثم قال يفسح يوسع سبعون ذراعا في سبعين الطول في العرض ثم ينور له فيه في هذا القبر الموسع والحديث حسن: المؤمن في قبره في روضة يرحب له قبره سبعين ذراعا ويرحب له قبره سبعين ذراعا وينور له كالقمر ليلة البدر[رواه ابن حبان: 3122، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 3552].

إذن كيف النور في القبر بالنسبة للمؤمن كالقمر ليلة البدر وكيف الطول والعرض سبعون في سبعين ويملأ عليه خضرا إلى يوم يبعثون فيقول الميت بعدما نجح في الامتحان، يقول لعظيم السرور الذي رآه دخل عليه؛ التوسعة والإنارة والاخضرار، فيقول: أرجع إلى أهلي أريد الرجوع أو هو استفهام: هل يمكن أن أرجع إلى أهلي لأخبرهم أن حالي طيب وأنه لا حزن عليّ ليفرحوا بذلك؟ فيقولان: نم كنومة العروس، ليس الآن لا رجوع الآن نم كنومة العروس يطلق على الذكر والأنثى في أول اجتماعهما في الزوج لكل واحد منهما عروس نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، شبهها بنومة العروس دلالة على طيب عيشه في القبر وعزّته وتعظيمه عند أهله من الذي يأتيه غداة ليلة زفافه أعطف وأرفق وألطف يوقظه على الرفق واللطف نم كنومة العروس لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله في طيب العيش هذا في القبر في السعة والإنارة والاخضرار مع الأنس بعمله الصالح الذي يكون معه يؤنسه مع النظر إلى مقعده من الجنة مع ما يأتيه من طيبها مع ما يلاقي  من أرواح المؤمنين من إخوانه مع ما يأكل من شجر الجنة وإذا كان شهيدا مع ما يأوي إلى القناديل المعلقة تحت العرش، وأما الآخر سمعت الناس يقولون فقلت مثله لا أدري هل هو نبي ما هو نبي لا أدري فيقال للأرض التئمي انضمي واجتمعي عليه فتختلف أضلاعه عظام الجنب تزول عن الهيئة المستوية التي كانت عليها من شدة الضغط وتجاوز جنبيه من كل جانب إلى الجانب الآخر فتداخل الأضلاع في بعض، فلا يزال فيها أي في الأرض أو في تلك الحالة حتى يبعث الله من في القبور.

وروى البخاري ومسلم عن عائشة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات اللهم، إني أعوذ بك من المأثم والمغرم[رواه البخاري: 832، ومسلم: 589].

فتنة المحيا ما يعرض للإنسان في مدة حياته من الافتتان بالشبهات والشهوات والجاهلات وأعظمها ما يكون عند الموت وفتنة الممات يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت أضيفت إليه لقربها منه ويجوز أن يراد بها فتنة القبر وفتنة القبر غير عذاب القبر؛ لأن عذاب القبر نتيجة فتنة القبر وهذا السبب والمسبَّب فالسبب الفتنة والمسبب النعيم أو العذاب، وفتنة المحيا قد يدخل فيها أيضا الابتلاءات وفتنة الممات السؤال في القبر مع الحيرة وفتنة الدجال داخلة في فتنة المحيا لكن لأنها شديدة جدا أُفردت بالذكر.

وسئل سفيان الثوري عن الفتنة؟ فذكر ما يكون من ترائي الشيطان له، وقال عمرو بن مُرّة: "كانوا يستحبون إذا وضع الميت في القبر أن يقولوا اللهم أعذه من الشيطان" بما يحصل من تعرض الشيطان له.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في العقيدة الواسطية بعد ذكر فتنة القبر ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب" [شرح العقيدة الواسطية للعثيمين: 2/120].

قال الشيخ ابن عثيمين في الشرح: "ثم هذه لمطلق الترتيب وليست للتراخي" يعني "ثم" بعد الفتنة "ثم" ليس هناك فاصل ولا فارق بينهما؛ لأن الإنسان يعذب أو ينعم فورا" [شرح العقيدة الواسطية للعثيمين: 2/119].

يعني بعد الأسئلة فورا نعيم أو عذاب كما سبق أنه إذا قال لا أدري يُضرب بمرزبة الضرب مباشرة وأن ذاك الذي أجابه بالصواب يفتح له باب إلى الجنة ويوسّع له في قبره مباشرة بعد السؤال، ولعله لأجل  ذلك قرنت أم المؤمنين عائشة بين ما أخبرها به النبي ﷺ من أن هذه الأمة فعلا تُفتن في القبور وأنه ﷺ صار بعدها مباشرة يتعوذ بالله من فتنة القبر ويستعيذ بالله من عذاب القبر أما شدة القبر وهولها فإنه عظيم.

وفي الصحيحين عن أسماء أنها قالت في صلاة النبي ﷺ في الكسوف أنه قال لما انصرف من صلاته حمد الله وأثنى عليه قال: ما من شيء كنت لم أره إلا رأيته في مقامي هذا، حتى الجنة والنار ولقد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور مثل أو قريبا من فتنة الدجال يؤتى أحدكم فيقال له: ما علمكم بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن يقول محمد رسول الله ﷺ جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وآمنا واتبعنا فيقول له نم صالحا فقد علمنا إن كنت لموقنا وأما المنافق أو المرتاب لا أدري أيتهما قالت أسماء: فيقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته" [رواه البخاري: 86، ومسلم: 905].

وقال ﷺ من حديث عائشة في صحيح مسلم: إني قد رأيتكم تُفتنون في القبور كفتنة الدجال، يعني فتنة شديدة جدا وامتحان هائل جدا لكن: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [إبراهيم: 27]

فوجْه الشبه بين فتنة الدجال وبين فتنة القبر؛ لأنه قال: أوحي إلي إني قد رأيتكم تفتنون في القبور كفتنة الدجال[رواه مسلم: 903]. كيف فتنة الدجال في الشدة والهول؛ والدجال معه اشياء تحير الألباب جنة ونار وأنهار ومعه أشياء، يحيي الموتى بإذن الله أمام الناس، فإذا علمنا أن النبي ﷺ قال: ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أكبر من فتنة الدجال تبين لنا كيف يكون هول فتنة القبر، والهول في أشياء عدة، فمنها: مثلا فقط  يكفي فقط يكفي فقط في فتنة القبر شكل الملكين، قال ﷺ: إذا قبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير[رواه الترمذي:  1071، وحسّنه الألباني في المشكاة: 130]. 

يقال لأحدهما: المنكر والآخر النكير؛ لأنه لا يعرفهما أحد، والمنكر ضد المعروف، فليسا بمعروفين؛ لأن الميت لم يعرفهما ولم يرهما من قبل ولم ير صورة مثل صورتهما أصلا، فيفاجأ بمنظر مخيف، يفاجأ الميت بمنظر مخيف وفي حديث البراء: فيأتيه ملكان شديدا الانتهار فينتهرانه ويجلسانه فيقولان: من ربك؟ وهذه الشدة ينهار لها كل قوي إلا من ثبته الله، وغير هذا بيد الملك مطراق مرزبّة، فإذا رأى الشخص في قبره ملكان أسودان أزرقان مع الواحد مرزبّة، كيف سيكون؟ أنت الآن في الاختبار هذه اختبارات الدنيا العادية هذه إذا صرت مفزوع من شيء تستطيع تجيب؟ إذا واحد حالته النفسية قالوا هذا مربوش في الاختبار يستطيع يجيب؟

فإذن، هذه المسألة تحتاج فعلا إلى تفكير منا كثير جدا؛ لأن الاستعداد لها مهم جدا، والقضية أكبر ما يُستعد لها به الإيمان؛ لأن هذه المسألة تريد لها إيمان جازم وعمل صالح شكوك إيمان ضعيف المسألة خطيرة وهذا الانتهار والخوف الذي سيعتري الميت في القبر خوف عظيم روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: شهدت مع رسول الله ﷺ جنازة فقال رسول الله ﷺ: أيها الناس إن هذه الأمة تُبتلى في قبورها، فإذا الإنسان دُفن فتفرّق عنه أصحابه جاءه ملكٌ في يده مطراق فأقعده، قال: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنا قال: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فيقول: صدقتالله ثبته وإلا أصلا منظر الملك يعني الواحد يحار ويخاف ويفزع وينعقد لسانه ولا يجيب بشيء، الإنسان الفزع ما يستطيع أن يتكلم فلو أن الله ثبتّه بما كان عليه في الدنيا من الإيمان والعمل الصالح وإلا ما استطاع يجيب، جاءه ملك في يده مطراق فأقعده قال ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنا قال أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فيقول: صدقت، ثم يُفتح له باب إلى النار فيقول: هذا كان منزلك لو كفرت بربك فأما إذ آمنتَ فهذا منزلك، فيفتح له باب إلى الجنة فيريد أن ينهض إليه فيقول: له اسكن لأنه إذا رأى ماله من الجنة اشتاق أن يذهب مباشرة يدخل من هذا الباب إلى الجنة فيقال له: اسكن، ويُفسح له في قبره وإن كان كافرا أو منافقا يقال له ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولان شيئا فيقول لا دريتَ ولا تليتَ ولا اهتديتَ، ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقول هذا منزلك لو آمنت بربك فأما إذ كفرتَ به فإن الله أبدلك به هذه لتعظم الحسرة لماذا يرى مقعده من الجنة لو آمن؟ ليعلم ما حرم منه فتعظم الحسرة ويفتح له باب إلى النار ثم يقمعه قمعة بالمطراق يسمعها خلق الله كلهم غير الثقلين[رواه أحمد: 11000، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 3394].

قال بعض القوم الصحابة، الآن عندما يسمعوا هذا الكلام عندما يستقبلوه خوفهم وخشيتهم لله عظيمة قال بعض القوم: يا رسول الله ما أحد يقوم عليه ملكان في يده مطراق إلا هبِل عند ذلك؟" ملك في يده مطراق يعني من الذي يثبت الآن ليجيب من الذي سيكون عنده قلب ورابط الجأش حتى يجيب ملك على رأسه بمطراق، فقال رسول الله ﷺ: يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت [رواه أحمد: 11000، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 3394].

مكان وفي رواية ملك معه مطراق والمطراق آلة الضرب ومر معنا في حديث البراء مرزبّة ومعنى هبل أي فقد عقله من شدة الخوف والفزع، قال الشيخ ابن عثيمين: "وما أعظمها من فتنة؛ لأن الإنسان يتلقى فيها السؤال الذي لا يمكن الجواب عنه إلا على أساس متين من العقيدة والعمل الصالح" [شرح العقيدة الواسطية للعثيمين: 2/109]، فيثبت الله المؤمن ولو كان ضعيف البنية ولو كانت امرأة أصلا في الدنيا سريعة الفزع لكنها إذا كانت من أهل الإيمان والدين، وكان هذا الرجل من أهل الإيمان والدين يثبته الله، ولذلك عائشة - رضي الله عنها قالت: يا رسول الله تبتلى هذه الأمة في قبورها فكيف بي وأنا امرأة ضعيفة؟ يعني إذا الرجل يخاف ويفزع فكيف أنا المرأة فقال ﷺ: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ[إبراهيم: 27]، قال الهيثمي: رواه البزار ورجاله ثقات [مجمع الزوائد: 3/53]، وصححه الألباني في صحيح الترهيب [صحيح الترغيب: 3556].

خوف الصحابة رضوان الله عليهم من ضغطة القبر
00:43:12

ولأجل ما أخبر به النبي ﷺ من هول هذه الفتنة فزع الصحابة كما في البخاري من حديث أسماء: قام رسول الله ﷺ خطيبا، فذكر فتنة القبر التي يفتتن فيها المرء، فلما ذكر ذلك ضجّ المسلمون ضجّة" [رواه البخاري: 1373].

وفي رواية النسائي: قام رسول الله ﷺ فذكر الفتنة التي يفتن بها المرء في قبره فلما ذكر ذلك ضجّ المسلمون ضجّة حالت بيني وبين أن أفهم كلام رسول الله ﷺ" [رواه النسائي: 2062، وصححه الألباني في المشكاة: 137]، يعني الصحابة ما تحملوا لما سمعوا الكلام ما تحملوا، وفي البخاري: "ولغط نسوة من الأنصار فانكفأت إليهن لأسكتهن، فقلت لعائشة ما قال؟ قالت: قال: ما من شيء لم أكن أريته إلا قد رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار، وإنه قد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور [رواه البخاري: 922].

لقد كان النبي يستعيذ بالله من شرها؛ حتى أنه كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم والمأثم والمغرم ومن فتنة القبر وعذاب القبر [رواه البخاري: 6368]، من الثنتين: من فتنة القبر وعذاب القبر، فالفتنة سؤال الملكين والعذاب عرفناه ومن هولها كان ﷺ يدعو الله أن يعيذ من مات من أصحابه منها، فروى مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي قال: سمعت النبي ﷺ وصلّى على جنازة يقول: اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه وأكرم نزله ووسِّع مدخله واغسله بماء وثلج وبرد ونقه من الخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارًا خيرًا من داره وأهلا خيرًا من أهله وزوجًا خيرًا من زوجه وقِه فتنة القبر وعذاب النارقال عوف لما سمع هذه الأدعية: "فتمنيتُ أن لو كنت أنا الميت لدعاء رسول الله ﷺ على ذلك الميت" [رواه مسلم: 963].

وجاء أيضا عن واثلة بن الأسقع: صلّى بنا رسول الله ﷺ على رجل من المسلمين فسمعته يقول: اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك وحبل جوارك فقِه من فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحمد، اللهم فاغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم في ذمتك يعني: أمانك وحبل جواركالعهد والحفظ وفي سبيل قربك وهو الإيمان، وقيل المعنى أنه متعلق ومتمسك بالقرآن كما قال الله: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ [آل عمران: 103] والمراد بالجوار الأمان، وهذا الحبل الذي يورث الاعتصام وبه الأمن والأمان والإسلام، وقوله: من فتنة القبر يعني: السؤال والامتحان وعذاب القبر ما يكون فيه من الظلمة والمجيء من النار بما يأتي منها، وقوله: أنت أهل الوفاء[رواه أبو داود: 3202، وصححه الألباني في صحيح أبي داود]. يعني بالوعد والحق يعني أنت أهل الحق وأنت الغفور للسيئات الرحيم كثير الرحمة.

فضل الشهادة وأجر الشهيد عند الله
00:47:01

هل هناك أحد ينجو من فتنة القبر لا يُسأل؟ روى مسلم عن سلمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: رباط يوم وليلة أربعة وعشرين ساعة مرابط في سبيل الله في الثغر بين المسلمين والكفار على الحدود بين بلاد المسلمين والكفار في المناطق الخطرة التي لو أراد الكفار الهجوم على بلاد المسلمين هؤلاء الذين على الثغور أول من سيكون في المواجهة خط المقدمة الرباط هنا على حدود المسلمين المتاخمة الملاصقة للكفار هذا المرابط رابط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه؛ لأنهم يحرسون البلاد يحرسون المسلمين في البلد كله من شر الكفار لأنهم يتلقون الهجمة أول ما تحدث فوضعهم خطير أهل الرباط، قال: وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأُجري عليه رزقه وأمن الفتان[رواه مسلم: 1913]، قال النووي - رحمه الله -: "هذه فضيلة ظاهرة للمرابط وجريان عمله بعد موته فضيلة مختصة به لا يشاركها فيها أحد" [شرح النووي على مسلم: 13/61].

وقد جاء صريحًا في غير مسلم: كل ميت يُختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمّى له عمله إلى يوم القيامة [رواه الحاكم في المستدرك: 2417، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه].

لأنه في خوف هذا الذي يحرس مع الخوف الشديد وثابت.

وقوله ﷺ: وأُجري عليه رزقهموافق لقول الله عن الشهداء: أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: 169]، وقوله: من رابط لازم الثغر للجهاد جرى له مثل ذلك يعني لو انقطع عمله هذا فضل من الله تعالى؛ لأن الإنسان إذا مات انقطع عمله وهذا فدى بنفسه المسلمين وكان شوكة في حلوق الكافرين وكان حارسا يقظا لأهل الإسلام ولذلك يقيه الله الفتّان أو الفُتَّان الفتان جمع فاتن والفتان صيغة مبالغة والمراد المنكر والنكير فإنهما لا يأتيان إليه للسؤال إذا مات المرابط لا يأتيان إليه للسؤال بل يكفي موته مرابطا في سبيل الله يكفي ذلك شاهدا على صحة إيمانه فلا يأتيانه، وقيل: إذا أتياه لا يضرانه ولا يزعجانه.

وفي رواية الترمذي عن فضالة بن عبيد  عن رسول الله ﷺ قال: كل ميّت يُختم له على عمله إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله فإنه يُنمى له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتنة القبر[رواه الترمذي: 1621، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 4562].

وربط نفسه وسجنها وصيرها جيشا لله لمحاربة أعدائه فإذا مات على هذا فقد ظهر صدقه فوقي فتنة القبر.

نقل السيوطي عن ابن حجر: أن الميت بالطاعون لا يسأل؛ لأنه نظير المقتول في المعركة وبأن الصابر بالطاعون محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إذا مات فيه حتى بغير الطاعون لا يُفتن؛ لأنه نظير المرابط" [ذخيرة العقبى في شرح المجتبى: 20/93]، وقال القرطبي في التذكرة: "وإذا كان الشهيد لا يفتن فالصديق أجل خطرا" [التذكرة: 424].

يعني: أعلى في الشأن "أو أعظم أجرا فهو أحرى ألا يفتن؛ لأنه المقدم ذكره في التنزيل على الشهداء في قوله: فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ [النساء: 69]، وقد جاء في المرابط الذي هو أقل مرتبة من الشهداء أنه لا يُفتن، فكيف بمن هو أعلى مرتبة منه وهو الشهيد؟ فكيف بمن هو أعلى مرتبة منهما وهو الصديق؟ فكيف بمن هو أعلى من الجميع وهم الأنبياء؟ وكيف لا يأمن الشهيد الفتنة القبر ولمعان السيوف يخطف بصره؟

روى النسائي عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رجلا قال: يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ فقال ﷺ: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة حديث صحيح. [رواه النسائي: 2053، وصححه الألباني في صحيح الصغير: 4483]. 

يُفتنون يمتحنون بسؤال الملكين في القبور كفى ببارقة السيوف اللمعان، كفى بثباتهم عند السيوف التي تلمع في المعركة، كفى بذلهم لأرواحهم في سبيل الله، يُفتنون أهل القبور، وهؤلاء أهل السيوف المجاهدون في سبيل الله، السيوف أو ما يقوم مقامها، المقصود أنهم ثابتون في المعركة والسلاح فوق رؤوسهم، وهذه لعلعته وصوته، بل إن أصوات الأسلحة الآن أعظم من أصوات السيوف في القديم، يعني الآن الخوف أكثر؛ لأن ضجيج القنابل والانفجارات ليست مثل ضرب السيوف، فقد يكون الذي يثبت الآن في المعركة في سبيل الله من هذه الجهة؛ من جهة الصمود في وقت الخوف والفزع، يكون من جهة الثواب والأجر قد يكون أكثر؛ لأن صوت أسلحة اليوم أشد فزعا من صوت السيوف ولمعانها كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة لو كان هؤلاء من المنافقين ما ثبتوا عند التقاء الزحفين ولفروا إذا برقت السيوف ولكنهم لا يروغون ولا ينهزمون ولذلك كما ثبتوا في المعركة فإن ذلك دال على إيمانهم القوي الثابت فلا حاجة لفتنتهم في القبر.

وممن يوقى من فتنة القبر أيضا: من ينعم الله عليه بالموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة هذه موت ليلة الجمعة أو يوم الجمعة هذه نعمة بحد ذاتها روى الإمام أحمد والترمذي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر [رواه الترمذي: 1074، وحسنه الألباني في أحكام الجنائز: 21].

قال العلامة المباركفوري شارح الترمذي: "يوم الجمعة أو ليلة الجمعة للتنويع لا للشك" [تحفة الأحوذي: 4/160].

ل يعني هذه الميزة تحصل سواء مات ليلة الجمعة أو يوم الجمعة ليلة الجمعة في الليل قبل النهار الجمعة أو في النهار قبل المغرب إذا غربت الشمس دخل ليلة السبت فإذن من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة الليلة تسبق اليوم الليلة قبل النهار.

وقاه الله" يعني حفظها وهذا يدل على شرف الزمان وأن له تأثيرًا كما أن فضل المكان له أثر جسيم.

قال القرطبي - رحمه الله - هذه الأحاديث أي التي تدل على نفي سؤال القبر لا تعارض أحاديث السؤال السابقة بل تخصصها، وتبين من لا يُسأل في قبره ولا يُفتن فيه، وتبين من يجري عليه السؤال ويقاسي تلك الأهوال، وهذا كله ليس فيه مدخل للقياس ولا مجال للنظر فيه، وإنما فيه التسليم والانقياد لقول الصادق المصدوق" [مرقاة المفاتيح: 3/1021].

يعني لو واحد قال ما معنى الذي يموت يوم السبت لا والأحد لا والاثنين لا والذي يموت الجمعة يوقى واللي يموت السبت ما يوقى واللي يموت الخميس ما يوقى  واللي يموت الجمعة يوقى، إذن المسألة ما في مجال لقضية الاعتراض والتشكيك استسلام، خبر بالوحي يجب التصديق به.

السؤال الآخر: يا ترى غير المكلفين من الصبيان والمجانين الذين يموتون وهم صغار مثلا هل يسألون ويفتنون في قبورهم؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأول: وقد نسبه شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى إلى أكثر أهل السنة: أنهم يُسألون واحتجوا بما يلي:

أولا: أنه يُشرع الصلاة عليهم والدعاء لهم، لو كان طفلا ولو كان مجنونا ألا يصلى عليه؟ إذا مات صلاة الجنازة ألا يدعا له؟ وسؤال الله أن يقيهم عذاب القبر وفتنة القبر كما رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: صلّيتُ وراء أبي هريرة على صبي لم يعمل خطيئة قط فسمعته يقول: "اللهم أعذه من عذاب القبر" أبو هريرة إمام يصلي على صبي صغير يقول اللهم أعذه من عذاب القبر، قالوا: يحتمل أن يكون أبا هريرة اعتقده لشيء سمعه من النبي ﷺ أن عذاب القبر عام في الصغير والكبير، وأن الفتنة فيه لا تسقط عن الصغير؛ لعدم التكليف في الدنيا.

يعني أن التكليف في الدنيا عدمه عدم التكليف لا يسقط الفتنة لا يسقط السؤال، كونه غير مكلّف لما كان حيا لا يعني أنه بعد الموت لا يُسأل، واحتجوا بأنه ثبت عن النبي ﷺ أن الصبي يُضمّ في قبره قالوا: فإذا كان يضم فما المانع من سؤاله؟ روى الطبراني عن أبي أيوب  أن صبيا دفن فقال رسول الله ﷺ: لو أفلت أحد من ضمة القبر لأفلت هذا الصبي حديث صحيح. [رواه الطبراني في الكبير: 3858، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 2164].

وعن عائشة أنه مر عليها بجنازة صبي صغير فبكت، فقيل لها: ما يبكيك يا أم المؤمنين؟

قالت: "هذا الصبي بكيت له شفقة عليه من ضمة القبر"، ولكن إسناده ضعيف.

احتجوا أيضا الذين يقولون بأنهم يسألون بالأحاديث التي ورد فيها أن أطفال المشركين يمتحنون في الآخرة، أن الله يمتحنهم في الآخرة،  هذا القول الأول: أنهم يسألون.

و القول الثاني: أنهم لا يسألون ما هي أدلة هؤلاء الذين قالوا لا يسألون قالوا السؤال إنما يكون لمن عقل الرسول والمرسِل، فيُسأل: هل آمن بالرسول وأطاعه أم لا؟ فيقال له: ما كنتَ تقول في هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فأما الطفل الذي لا تميز له بوجه فكيف يقال له ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم ولو رد إليه عقله في القبر فإنه لا يسأل عما لم يتمكن من معرفته والعلم به في الدنيا قبل أن يموت قالوا ولا فائدة في هذا السؤال وأما قولكم إنه يمتحن في الآخرة، وهذا ورد في أطفال الكفار أنهم يمتحنون في الآخرة الذي مات الكافر الذي مات ولده ما مصير الولد هذا اختلف العلماء في ذلك، من أقوى الأقوال: أنهم يُمتحنون، أن الله يعطيهم يوم القيامة القدرة والقوة والعقل  ويأخذ عليهم العهد والميثاق ليطيعنه ثم يرسل إليهم رسولا فيأمرهم أن يقعوا في النار، فمن وقع فيها كانت عليه بردا وسلاما إلى جنات النعيم ومن أبى سحب إليها خلاص هذا الامتحان يوم القيامة وهذا السؤال وهذا الطلب وهذا الرسول وهذه النهاية قالوا كون الأطفال أطفال الكفار مثلا يمتحنون يوم القيامة لا يعني أنهم يسألون في القبور ممكن يمتحن في الآخرة ولكن ما يسأل في القبر كيف يسأل عن شيء يعني في الدنيا ما كان يعقل ما عنده تمييز فكيف يسأل في القبر عن شيء لم يكن في الدنيا عنده عقل أصلا لكي يؤمن به أو يقتنع أو يصدق وينعقد قلبه على التصديق بالرسول والإيمان به وامتحان الآخرة قضية أخرى غير سؤال القبر، قالوا: أما حديث أبي هريرة ودعاؤه للصبي أن يقيه الله عذاب القبر فليس المراد بعذاب القبر عقوبة الطفل على ترك طاعة أو فعل معصية قطعا فإن الله لا يعذب أحدا بلا ذنب عمله بل عذاب القبر، والمقصود أن أبا هريرة لما قال للطفل أعذه من عذاب القبر: قال: قد يراد به الألم الذي يحصل للميت بسبب غيره وإن لم يكن عقوبة على عمل عمله مثل النياحة  إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه [رواه البخاري: 1304، ومسلم: 927]،

أي يتألم بذلك ويتوجع له، لا أنه يعاقب به أو عليه؛ لأنه ليس من فعله والولد الصغير ما له ذنب أصلا ولا هو الذي ناح وإنما هو يتألم كيف أن أهله هؤلاء الذين ينوحون عليه الآن في الدنيا مخالفين للدليل وللنقل وعصاة، قالوا: وهكذا كقول النبي ﷺ: السفر قطعة من عذاب فالعذاب أعم من العقوبة، يعني كلمة عذاب أعم من كلمة عقوبة وليس كل عذاب عقوبة، قالوا: ولا ريب أن في القبر من الآلام والهموم والحسرات ما قد يسري أثره إلى الطفل فيتألم به، ولذلك فإن المصلي على الطفل لو قال قه فتنة القبر وعذاب القبر لها وجه"

وهذا ملخص ما ذكره ابن القيم في كتاب الروح. [الروح: 88].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أطفال الكفار أصح الأقوال فيهم الله أعلم بما كانوا عاملين كما أجاب بذلك النبي ﷺ وطائفة قالوا إنهم كلهم في النار وهو غلط على أحمد، يعني الذي نسبه إلى أحمد لم يصب في تلك النسبة وطائفة جزموا أنهم كلهم في الجنة حتى أن بعضهم قالوا هم من الولدان المخلدين الذين يخدمون أهل الجنة والصواب أن يقال الله أعلم بما كانوا عاملين ولا نحكم لمعين منهم بجنة ولا نار" [مجموع الفتاوى: 4/303].

يعني الله أعلم لو كبروا ماذا سيعملون  الله أعلم بما كانوا عاملين الله أعلم لو أنهم ما ماتوا أطفال المشركين وبقوا في الحياة وكبروا وبلغوا كيف كان سيعملون؟ الله يعلم هذا، وأما في عرصات القيامة فيمتحنون فيها كما يمتحنون في البرزخ فيقال لأحدهم من ربك وما دينك ومن نبيك؟ إذن الأطفال وحتى المجانين يمكن أن يسألوا في القبر ويمتحنون في الآخرة.

هل فتنة القبر خاصة بهذه الأمة أو أنها تقع على الأموات في الأمم من قبلنا؟

قال ابن القيم - رحمه الله -: "هذا موضع تكلم فيه الناس، قال أبو عبد الله الترمذي: إنما سؤال الميت في هذه الأمة خاصة؛ لأن الأمم قبلنا كانت الرسل تأتيهم فإذا أبوا كفّت الرسل واعتزلوهم وعوجلوا بالعذاب وهذه الأمة أمسك عنها العذاب وأمر المؤمنون بجهاد الكفار" [الروح: 86].

وردّ ذلك بعض أهل العلم وقالوا: إن فتنة القبر وعذاب القبر أيضا على الأمم السابقة إذا وضعوا في قبورهم وماتوا، وقال عبد الحق الإشبيلي والقرطبي السؤال لهذه الأمة ولغيرها، ومال إليه ابن القيم واختاره السفاريني وهو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فقد قال في الواسطية: "فأما الفتنة فإن الناس يفتنون في قبورهم" [شرح العقيدة الواسطية: 138].

هذا معناه الأمم السابقة يشملهم ذلك وتوقف آخرون في هذه المسألة ومنهم أبو عمر بن عبد البر.

وحديث: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها الحديث الصحيح مفهومه هذه الأمة لكن هناك أحاديث أخرى مثل قوله ﷺ عن اليهود إنهم يفتنون في قبورهم: إنما تُفنن يهود وقضية ماذا سيقال للأمم من قبلنا الأموات فيها نقول: كما أن هذه الأمة تسأل عن نبيها محمد بن عبد الله ﷺ فكل ميت من الأمم السابقة يسأل عن نبيه فالميت الذي يموت من قوم موسى يسأل عن موسى والميت الذي يموت من قوم عيسى يسأل عن عيسى وهكذا، وتعليلهم بأن الكفار في الأمم السابقة كان ينزل عليهم عذاب من الله بعد انتهاء المواجهة بينهم وبين الرسل يهلك الله الكفار؛ صيحة حجارة صاعقة ريح شديدة الغرق، خلاص ينتهون وأن الجهاد في هذه الأمة؟ فيقال: بل في الأمم السابقة قد صحّ أيضاً أنه كان هنالك جهاد عندهم وأنه قد أُمر مؤمنوهم بجهاد الكافرين وكان العذاب ينزل على المكذبين من الله تعالى فيأخذهم جميعا، فكفار قوم نوح أخذهم الله جميعًا، كفار قوم عاد قوم ثمود قوم لوط قوم شعيب أُخذوا جميعا بعد ذلك نزل الحكم بجهاد المؤمنين للكافرين فما صارت العقوبة تنزل على المكذبين عامة، وإنما تكون بأيدي المؤمنين جهادا في سبيل الله، فمثلا في شرع موسى  أمروا بالجهاد يعني بعد إهلاك فرعون صار كل المواجهات بعد ذلك إذا ناس كفروا وكذبوا الأنبياء ما يجتاحهم عذاب من الله  كلهم يستأصلوا وإنما أمر المؤمنين بجهاد الكافرين، فصار عذاب الكافرين بأيدي المؤمنين وليس بشيء ينزل من السماء فيستأصلهم لكن قبل كان عذاب يستأصل الكافرين يعني ما كانت تنتهي القضية بمواجهة بين جيش المسلم من قوم نوح والكفار جيش مسلم من قوم صالح مع الكفار جيش مسلم من قوم هود مع الكفار جيش مسلم من قوم شعيب مع الكفار، ما كان في هذا الجهاد، بانتهاء عملية التكذيب وفتنة المؤمنين والمواجهة ينزل عذاب الله ويستأصل الكفار كلهم وانتهت القضية، بعد ذلك أوحي إلى المؤمنين بجهاد الكافرين وتوقفت قضية نزول عذاب شامل.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "من المعروف عند أهل العلم أنه بعد نزول التوراة لم يهلك الله تعالى مكذبي الأمم بعذاب من السماء يعمهم، كما أهلك قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وفرعون وغيرهم، بل أُمر المؤمنين بجهاد الكفار كما أمر بنو إسرائيل على لسان موسى بقتال الجبابرة" [الجواب الصحيح: 2/251].

إذن ممكن نقول أنه بنزول التوراة شُرع الجهاد وتوقف الاستئصال العام للمكذبين وصار عذاب المكذبين بأيدي المؤمنين قبل نزول التوراة كان الاستئصال العام.

فإذن لو قال واحد والأمم الأخرى المكذبة  هل يجرى عليه فتنة في القبر هل مؤمنهم وكافرهم يفتنون في القبر هذا هو الأقرب والراجح أنهم يسألون عن أنبيائهم وأنهم يفتنون في قبورهم.

نلاحظ أن النصوص السابقة في فتنة القبر وعذاب القبر جاءت للمؤمن والكافر، والفاسق وأهل الكبائر والعصاة؟ يعني المؤمن عرف أمره خلاص المؤمن يثبت ويثبته الله ونعيم القبر وفسح القبر وتنوير القبر واخضرار القبر ونومة العروس وباب إلى الجنة، والكافر عرفنا يضيق وتختلف أضلاعه والمرزبة ويصير ترابا ويعيده الله كما كان وضربة ينزل في الأرض ويضيّق عليه القبر وتختلف أضلاعه وعمله السيئ يتعذب به وبمنظره وبرائحته الكريهة وباب إلى النار والحسرة على باب الجنة الذي قفل والفاسق صاحب الكبائر والعاصي وهو موحد ما هو مصيره؟ نلاحظ أن النصوص تقريبا سكتت عن هذا بينت المؤمن المؤمن والكافر الكافر، ولذلك فإنه يقال من ثبته الله ثبت ومن أزاغه الله هلك وكون يقع عذاب على أهل الكبائر في القبور هذا مؤكد فإن النبي ﷺ قد أخبر عن الذي لا يستنزه من البول والماشي بالنميمة وآكل الربا والزاني والزانية والكذاب الذي ينشر الكذب أخبر عن الذي ينام عن صلاة الفجر في عذاب في القبر عليهم لكن هل هؤلاء يعذبون في القبر ثم يرفع العذاب إذا كان ما مضى منه مكفرا لسيئاتهم وإذا ما كان كافي استمر العذاب إلى أن يبعث الله من في القبور ثم يعذبون في المحشر بدنو الشمس والعرق والزحام والكربات وإذا ما كان يكفي دخلوا النار فإذن هو وسيئاته إذا كانت سيئاته كثيرة جدا ربما يطول عذابه في القبر وفي البعث وفي النار إذا كانت أقل قد يكون ما يصيبه في القبر من الضغطة والعذاب استمرار الضغط والضرب في القبر قد يكون كافيا في تكفير سيئاته وقد لا يكون وقد يعذب في قبره مدة ثم يرفع عنه العذاب بحسب سيئاته: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ۝ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ[الأعراف: 8، 9]، الكافر هل يسأل في القبر؟ يسأل ولماذا لا يسأل وقد ثبتت الأدلة بذلك وقد قال تعالى: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ۝ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ[الحجر: 92، 93]،  فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ[الأعراف: 6]، فإذا سئلوا يوم القيامة فلماذا لا يُسألون في قبورهم؟ هذا ما يتعلق بفتنة القبر والسؤال وما يكون من عاقبة السؤال ومن الذي يوقى فتنة القبر ، نسأل الله أن يعيذنا من فتنة القبر ومن عذاب القبر.