الثلاثاء 13 ربيع الآخر 1441 هـ :: 10 ديسمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

39- الموقف من المخالف3 (المرتدين - الزنادقة)


عناصر المادة
ملخص الدرس الماضي:
الموقف من المرتدين وكيفية التعامل معهم:
الموقف الشرعي من المرتدين وكيفية التعامل معهم:
قواعد التعامل مع المخالف في مسألة الردة والتكفير:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
ملخص الدرس الماضي:
00:00:16
 فقد تحدثنا في الدرس الماضي في "سلسلة حماية منهج السلف" عن الموقف من المخالف بالنسبة للكفار، وكذلك المنافقين.
وأما بالنسبة للموقف من المرتدين، والمبتدعة، والعصاة، فإن الموقف الشرعي منهم كذلك بحسب ما ورد في الكتاب والسنة.
وقد ذكرنا مجموعة من الضوابط الأساسية التي تحكم الموقف على المخالفين، على اختلاف أنواعهم، ودرجات مخالفتهم، ومن ذلك:
التزام العدل، واجتناب الظلم.
وأن من عصى الله فينا أطعنا الله فيه.
وأن التعامل يكون بالظاهر والله يتولى السرائر.
وأنه لابد من العلم بحال المخالفين قبل التعامل معهم، حتى تحدد درجة المعاملة بحسب درجة المخالفة.
وكذلك -ذكرنا-: مسألة العدل مع الكفار، والإحسان إلى غير المحاربين منهم، والتعامل معهم على أساس الرحمة العامة، والوفاء لهم بالعهود والمواثيق، وجواز المعاملة معهم بالتجارة.
وكذلك: تحريم المشابهة بهم، تحريم المحبة القلبية والولاية.
وكذلك: البراءة منهم لشركهم وكفرهم.
ثم تحدثنا -كذلك- عن: القواعد في معاملة المخالفين، من المنافقين نفاقاً أكبر أن نبين حالهم، ونقيم الحجة عليهم.
ثانياً: مصارحتهم بكفرهم إذا أعلنوه، وعدم المجاملة على حساب الدين، وأن المنافق تصبح معاملته معاملة الكافر إذا جاهر بالكفر، تتغير من معاملة منافق إلى معاملة كافر.
وهناك فرق طبعاً فرق في التعاملات، ومنها: أن المنافق ما لم يظهر كفره ونفاقه، فإنه يعامل في أحكام الدنيا معاملة المسلمين، من جهة السلام، والتشميت، وأكل الذبيحة، ودخول الحرم، والنكاح، وإذا مات يرث، ويورث، ويصلى عليه، ويغسل، ويكفن، ويدفن في مقابر المسلمين.
يعامل معاملة المسلمين في الظاهر إذا لم يظهر كفره؛ لأن إظهاره للإسلام يعصم به دمه وماله.
ولكن يكون هناك فرق كبير جداً بينه وبين المسلم، وهو قضية الحذر البالغ منه، وأنه إذا أظهر الكفر الصريح، فإنه يقام عليه حد الردة.
وكذلك –ذكرنا-: مسألة محاربة مساجد الضرار على اختلاف أنواعها وأشكالها، وأنه لا يجوز إكرام المنافق ولا توقيره، ولا يجوز توليته من الولاية العامة للمسلمين.
الموقف من المرتدين وكيفية التعامل معهم:
00:03:14
 أما بالنسبة للمعاملة مع المرتدين، وهذا نوع من أنواع المخالفين، فإن الردة ولا شك أخطر الكفر: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُوا فَكِهِينَ*وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ [سورة المطففين: 29-32].
خطر المرتدين على المسلمين:
فهؤلاء المرتدون وبال عظيم على المسلمين، وهؤلاء بينهم وبين المنافقين تقاطع في أشياء، لكن المرتد بطبيعة الحال هو الذي كان معلناً الإسلام ثم أعلن الكفر، وارتد عن الدين، ومعرفة حالهم مهمة؛ لقوله تعالى:  وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [سورة الأنعام:55].
وإذا كان المنافقون على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- كانوا يستخفون بنفاقهم، ولا يظهر نفاقهم إلا في فلتات اللسان، فإن النفاق بعد ذلك قد ظهر وصار جهاراً، وهذا الظهور هو ردة بلا شك.
فقول حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه-: "إن المنافقين اليوم شر منهم اليوم على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-".
وعلل ذلك بقوله: "كانوا يومئذ يسرون، واليوم يجهرون" [رواه البخاري: 7113].
هذا ولا شك انتقال إلى مرتبة الردة، والمنافق قد يعمل على خط النفاق إذا كان صار فيه قوة للدين في المجتمع، فإذا صار هناك ضعف وتراخ، انتقل من مرحلة النفاق إلى مرحلة الردة، ويرجع إلى النفاق، ثم يتقدم إلى الردة مرة أخرى، أو يتأخر إلى الردة مرة أخرى، بحسب حال الدين في الناس.
وكلام حذيفة السابق -رضي الله عنه- في صحيح البخاري، وقال ابن التين معلقاً عليه في شرحه: "أراد أنهم أظهروا من الشر ما لم يظهر أولئك، غير أنهم لم يصرحوا بالكفر، وإنما هو النفث يلقونه بأفواههم، فكانوا يعرفون به"[فتح الباري: 13/74].
ولذلك، قال حذيفة -رضي الله عنه- في الرواية الأخرى عنه: "إنما كان النفاق على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان"[رواه البخاري: 7114].
وقد -ذكرنا-: إن حركة الزندقة هي حركة نفاق، ولكن الزنديق إذا أطلع على كفره، فعند ذلك نعلم ردته، بالتالي يقام عليه حد المرتد، فكل عصر فيه زنادقة، وهذه طبقة من الناس، أو نوع من الناس، موجودين على مر التاريخ الإسلام.
الاختلاف في درجة الزندقة بحسب قوة الدين في المجتمع:
وذكرنا: أن الاختلاف في موضوع الزنادقة، يعني درجة الزندقة، تكون بحسب قوة الدين في المجتمع، فإنه في حال من الأحوال قد يكون نشرهم لكلامهم، وباطلهم وكفرهم، وتخريبهم للدين بطريقة خفية، أو بطرق خفية، فإذا صار أمر الدين في الناس فيه ضعف، فإن هؤلاء يظهرون ويجاهرون.
وهنا حرب ضروس على الإسلام،والله -سبحانه وتعالى- لحكمة منه أراد أن يكون ذلك، وفي هذا ابتلاء عظيم لأهل الإسلام.
تعريف المرتد:
والمرتد، هو: الذي يكفر بعد إسلامه بكلام، أو اعتقاد، أو فعل، أو شك وهو قبل ذلك يلفظ الشهادتين، ويصلي مع الناس ويصوم.
بعض أغراض المرتدين وأهدافهم:
وهؤلاء المرتدون ولا شك لهم أغراض في إفساد الدين، وتشويه صفائه، وتحريفه، ومحاولة تحريفه، واستحلال المحرمات، ونشر الباطل بين الناس، والدعوة إلى زندقتهم، ومحاولة إخراج المسلمين عن دينهم، وإثارة الشبهات، وبثها بين الناس، وعدم التورع عن كل سبيل يوصل إلى ذلك.
وقد يتخذون من المتشابهات سلماً لذلك، يعني لنشر الكفر، بالاحتجاج ببعض النصوص التي هي من قبيل المتشابه، التي جعلها الله فتنة لهؤلاء:  فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ [سورة آل عمران: 7].
وكذلك: يعملون على إقصاء الدين من حياة الناس، وتنحيته عن المجالات المختلفة.
وكذلك: يسعون في تحريف النصوص الشرعية، وإذا ما استطاعوا تحريف اللفظ، فإنهم يحرفون المعنى.
خطر حركة الفهم الجديد للإسلام:
وبعض هؤلاء، يسمون حركتهم: الفهم الجديد للدين، أو الرسالة الثانية للإسلام، أو الوجه الثاني للإسلام، ونحو ذلك، وإنما هي إلحاد وزندقة.
والإسلام الذي يتحدثون عنه، ليس هو الإسلام الذي شرعه الله، ولا أنزله على نبيه -صلى الله عليه وسلم-، ولا دعا محمد بن عبد الله إليه، وإنما هو إسلام بزعمهم يتوافق مع العصر الحديث، وهو في الحقيقة طاعة للأعداء الذين نهى الله -سبحانه وتعالى- عن طاعتهم واتباعهم، وهؤلاء يريدون أن يفتنوك عن بعض ما أنزله الله إليك.
مجاهرة الزنادقة المعاصرين بزندقتهم:
وربما جاهر بعض الزنادقة بكلامهم الخطير، والخطير جداً، فبعضهم يقول: الشهادة! هي: الشهادة على العصر!.
والصلاة! مسألة شخصية لا علاقة لها بالدين، وليست واجبة أصلاً، وأنها تغني عنها رياضة اليوجا.
وأن الزكاة! لا تجب، والضريبة كذلك تقوم مقامها.
وأن الصوم! للتخيير، وأنه كان مفروضاً على العربي، يعني تطويعاً لشخصيات العرب، أو البادية الصعبة، أو لوضع المجتمع الاقتصادي، وانتشار الجوع في ذلك الوقت.
وأن الحج! يغني عن طقوسه: حج العقل، والحج الروحي، كما يقولون.
ويدعون إلى إعادة النظر في الفرائض، وأن نظام الإرث في السابق لا يناسب العصر، وأنه لابد من تسوية بين الجنسين.
وأن القوامة الآن للرجل ملغية، وكذلك الولي والمحرم لا داعي له، وأن النضج قد بلغ بالمرأة حداً تستغني به عن الرجل.
ويرون تغيير نظام التعدد، ونظام الحضانة، وأن الدين السابق لا يتلاءم مع متطلبات العصر، وأنه لابد من إلغاء حد الرجم، وحد الجلد، وحد قطع اليد، وهكذا، وأن العلاقة بين الجنسين ينبغي أن تنفتح.
وأنه لا يجوز تسمية اليهود والنصارى، والبوذيين والهندوس، والمجوس، كفاراً، بل الكل مؤمنون، ما دام عندهم عقيدة، يؤمنون بها.
وبعضهم -يعني من الزنادقة المعاصرين- صرح: أن الجنة والنار في الدنيا، يعني النعيم في الدنيا، والشقاء في الدنيا، وأنه ليس هناك حشر بعد الموت، وأن العالَم هو الأرض، والجنة ما يصيب الإنسان من خير فيها، والنار ما يصيب الإنسان من شر فيها.
فالشاهد: أن هذه الزندقة موجودة،وهناك الآن من ينشر هذا، أو يتكلم به، وبما شابهه.
الموقف الشرعي من المرتدين وكيفية التعامل معهم:
00:10:42
 فما هو الموقف الشرعي من المرتدين؟ كيف يتم التعامل معهم في حماية منهج السلف؟ ما هو الموقف من المخالف في مثل هذه المخالفة؟
تحقيق المناط حول حقيقة المرتد:
أولاً: في المسألة لابد من تحقيق المناط فيها: بمعنى: هل هذا مرتد فعلاً؟ هل هذا صاحب شبهة وإلا ليس بصاحب شبهة؟ المسألة عنده واضحة، لكنه هو المنحرف هذا الانحراف الكامل؟ هل عنده شبهة؟ هل عنده نوع من الجهل مثلاً يناقش فيه؟
قد يكون في بعض البلدان، نتيجة ضعف المسلمين فيها، غزتهم أفكار وأشياء، وشبهات، لو سمعتها منهم هي كلام كفري، لكن يمكن يكون هذا ما وصلهم، أو هذا ما سمعوه مثلاً، من بعض من يظنونه يمثل الدين؟
فالشاهد: أن قضية التعامل مع المرتدين، لابد فيها من التفريق بين التكفير المطلق، وتكفير المعين.
الفرق بين التكفير المطلق وتكفير المعين ومنهج أهل السنة وأهل البدع في ذلك:
ما هو الفرق بين التكفير المطلق وتكفير المعين؟
التكفير المطلق: أن تقول: هذا الكلام كفر، هذا الفعل كفر.
التكفير المعين: أن تقول: هذا الذي فعل هذا الفعل كافر، هذا الذي قال هذا القول كافر.
هذا الأمر في غاية الأهمية.
إذا جئنا إلى منهج السلف، أو إلى منهج أهل السنة، وإلى كلام العلماء في التعامل مع المرتدين، والزنادقة، فيجب: التفريق بين التكفير المطلق، الذي هو الحكم بالكفر على قول معين، أو فعل معين، أو اعتقاد معين، وبين التكفير تكفير المعين، الذي هو الحكم على شخص بعينه بالكفر، والخروج عن ملة الإسلام، وأنه قد أتى ما يناقض الإسلام، ولم يعد في دائرته.
فيفرق أهل السنة بين التكفير المطلق، وتكفير المعين، فيقولون: من قال كذا فهو كافر، من فعل كذا فهو كافر، من اعتقد كذا فهو كافر.
لكن لما تقول: فلان الفلاني! يقولون: لا بد من تحقق شروط التكفير، وانتفاء موانعه، حتى نحكم عليه بالكفر، حتى نقول: هذا كافر.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين، وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشبهة، بل لا يزول عنه إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة"[مجموع الفتاوى: 12/466].
وقال رحمه الله أيضاً: "القول قد يكون كفراً، فيطلق القول بتكفير صاحبه،-يعني من قال: كذا فهو كافر-، ويقال: من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها.
وهذا كما في نصوص الوعيد، فإن الله -سبحانه وتعالى- قال:  إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً [سورة النساء:10]"[مجموع الفتاوى: 23/345].
لكن هل أي واحد أكل مال يتيم، نقول له: أنت يا فلان ابن فلان في النار، أنت ستأكل في بطنك ناراً، وستصلى سعيراً قطعاً، ونحن نعلم!.
يقول شيخ الإسلام:"فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق، لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد، فلا يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار لجواز أن يلحقه الوعيد،لجواز أن لا يلحقه الوعيد،لفوات شرط أو ثبوت مانع"[مجموع الفتاوى: 23/345].
فقد يرتكب بعض الناس جرماً، عقوبته منصوص عليها دخول النار، لكنه لا يعلم الحكم، كمن ينشأ مثلاً في البوادي بعيدة، أو بلاد بعيدة، أو يكون حديث الدخول في الإسلام، فيفعل فعلاً قد ورد عليه الوعيد بالنار قطعاً، لكن ما تستطيع أن تقول: أنت في النار يا فلان؛ لأنه قد لا يكون علم، قد يكون عنده شبهة، أو فقدان شرط من شروط تحقق الوعيد فيه، أو وجود مانع يمنع من انطباق الوعيد عليه.
وهناك فرق بين الحكم العام على الأفعال والأقوال، وبين تطبيقه على المعين، هذه مسألة مهمة للغاية.
وغلط في هذا الباب طائفتان:
إحداهما: رأت أن المعين لا يكفر أبداً.
هؤلاء من جنس المرجئة، والمميعين للدين، أبداً ما يرون أن أحداً يكفر، فلذلك عندهم باب الردة مغلق، ما في مرتد أصلا.
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: "العلماء -رحمهم الله- يحكمون على الشخص بعينه بالردة، أو غيرها مما يقتضيه فعله" خلافاً لما عليه البعض الآن، يعني يقول الشيخ-:"فإنهم يتهيبون أن يكفروا أحداً بعينه، وهذا غلط، إذا وجد الكفر، وتمَّت الشروط، وانتفت الموانع، فإننا نكفره بعينه، ونعامله معاملة الكافر".
وهذا هو موضوعنا الأصلي: الموقف من المخالف.
قال الشيخ:"ونعامله معاملة الكافر في كل شيء؛ لأنه ليس لنا إلا الظاهر.
أما لو فرضنا: أنه كان مؤمناً بقلبه، ولكن يظهر الكفر، فهذا حسابه على الله -عز وجل- لكن نكفره بعينه إذا انطبقت الشروط؛ لأننا لو قلنا: إننا لا نكفر أحداً بعينه-أبدا- وإنما نكفر الجنس، ما بقي أحد يُكفر، ولا أحد يُدعى إلى الإسلام" [الشرح الممتع(11/307)].
الطائفة الأخرى: الذين انحرفوا في هذا الباب:الخوارج.
ومن قال أيضاً: إنه إذا وجد الحكم العام على فعل من الأفعال بأنه كفر، يدخل فيه كل من قام بهذا الفعل، بغض النظر عن له عذر أو لا، شبهة أو لا، يعلم أو لا يعلم، خلاص يحكم عليه مباشرة بهذا، دون النظر إلى حال كل شخص، دون النظر في توفر شروط التكفير، أو الوعيد أم لا، دون النظر في انتفاء الموانع أم لا.
وهؤلاء أيضاً غلاة؛ لأنهم يعممون الحكم بالتكفير على المعينين، بدون النظر في توفر الشروط، وانتفاء الموانع، فربهم يعذر وهم لا يعذرون.
فضلاً عمن يكفر من لا يستحق التكفير، فضلاً عمن يكفر بالشبهة بدون يقين، فضلاً عمن يكفر في المسائل الخلافية والاجتهادية، فضلاً عمن يستعمل التكفير بالتسلسل، وكل من له علاقة بالكافر كافر.
فالشاهد: هذه انحرافات أخرى، المسألة فيها واضحة.
والخوارج موجودون في كل عصر، كما قال ذكر علي -رضي الله عنه-، لما جاء الناس يهنئونه بقتل الخوارج بعد النهروان، والقضاء عليهم، قال: "كلا والله إنهم لفي أصلاب الرجال، وأرحام النساء"[انظر: البداية والنهاية: 7/321].
يعني القضاء على الخوارج قضاءً نهائياً، لا يمكن "إنهم في أصلاب الرجال، وأرحام النساء"، يعني: سيولدون ويخرجون، فيستبيحون الدماء، ويكفرون أهل الإسلام.
بعض الآثار المترتبة على الحكم على شخص بعينه بالفسق:
ومسألة الفسق أيضاً مسألة مشابهة، يعني الحكم على شخص بأنه فاسق؛ لأن الحكم عليه بالفسق فيه ستنتج عليه أمور عملية، فالفاسق مثلاً لا تقبل شهادته، وفي بعض الولايات لا يجوز يتولاها أصلاً الفاسق، مثلاً ولاية النكاح فيها أشياء، يعني فيها مسألة ستدخل في جوانب.
فإذا حكم عليه: أنه فاسق بدون توفر الشروط، وانتفاء الموانع، بمعنى قد لا يكون عنده علم بأن هذا الأمر مفسق، قد يعمله ويظنه جائزاً، قد تكون عنده شبهة وما فندت، ولا رد عليها، فإذا حكم عليه بالفسق، فيقال له: أنت ما تتقدمنا بالصلاة، وأنت .. وأنت .. وأنت..
ولذلك لماذا أحياناً يحدث نزاع في بعض المساجد أو الأماكن؟
من وراء هذه القضية، الحكم على شخص بالفسق، ولم تتوفر فيه شروط الحكم، ما تنطبق.
ولماذا أيضاً لما تقول: إنه في غلو عند بعض الناس من أمثلته: الحكم على أشخاص بالفسق، ولم تتوافر فيهم شروط التفسيق، أو عندهم موانع تمنعهم من ذلك؟
فضلاً عن التفسيق في الأمور الخلافية، أو الاجتهادية، فمثلاً قد هو يرى أنه أن مثلاً يجب كذا، وغيره يرى أنه مستحب، فيقول له: تتركه يا فسق!.
مسألة مثلاً اختلف العلماء: هل هي محرمة أو مكروهة؟ فهذا يأخذ بالتحريم، فيرى غيره يفعل، فيقول له: تفعل هذا يا فاسق! مع أن المسألة من المسائل الاجتهادية، يعني ليست من المسائل التي لا وجه للخلاف فيها، أو الخلاف غير سائغ، أو ضعيف ولا يذكر، أو شذوذ، بل قد تكون المسألة فيها خلاف قوي، فلو واحد مثلاً يرى بوجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، وواحد لا يرى الوجوب، فيأتي يقول له: أنت لا ترى الوجوب! يعني أنت تترك واجبا، يعني أنت فاسق، أنا ما أصلي خلفك.
هذا كان طيب، فهذه من مسائل الخلاف السائغة، كيف تفعل ذلك؟!
لكن مثلاً: لبس الذهب للرجال، هذه ما فيها خلاف سائغ، وليست خلافية اجتهادية أبداً، ولو وجد قول فسيكون شاذاً ساقطاً.
فما يمكن يقال: والله هذا لا تستعجل في تفسيقه؛ لأن المسألة اجتهادية، وإنما سيقال: لا تستعجل في تفسيقه قبل أن تقيم عليه الحجة، اذهب واسأله: هل تعلم بأن لبس الذهب للرجال حرام؟
لأنه قد يكون حديث عهد بإسلام، قد يكون في وضع، أو في حال في جهل كبير وما يعرف، أول مرة يسمع بهذا الحكم، ونتيجة الجهل يوجد ناس ما نتوقع أنهم لا يعرفون، ويتضح أنهم لا يعرفون، وهذه فائدة الدعوة، ونشر العلم، أن هذه ينبغي أن يزول:  لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال:42].
وليس كل من جاءنا إلى مسألة، يَطلع ما يعلم، وهذا عنده شبهة، وهذا عنده كذا. هذا بسبب عدم القيام بالدعوة إلى الله، الدعوة ليست قائمة كما ينبغي، تعليم الناس العلم ليس قائماً كما ينبغي، الإجابة عن أسئلة الناس وشبهاتهم، ليست قائمة كما ينبغي.
ولذلك تفاجأ في كثير من القضايا: أنه هذا لا يدري! وهذا عنده شبهة!.
الادعاء الكاذب، هذا أمر آخر، قد يأتي واحد، ويقول: أنا لا أعلم وهو يعلم، هذا أمر آخر.
أو يجادل مجادلة باطلة، واضح أن هو يعرف ويعلم، ولكن يتظاهر.
أو الشبهة التي يأتي بها تافهة جداً، وساقطة لا يمكن أن تكون مما يجعل الشخص يخفى عليه الحكم، يعني واضح من كلامه أنه ممن يجادل بالباطل، والله -عز وجل- ذكر هذا في القرآن مراراً:  وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [الكهف:56].
ذكرها مراراً؛ لأن في طائفة من الناس هذا تعاملهم مع أهل الحق، يجادلون بالباطل، فهؤلاء لا يدخلون أيضاً.
فالشاهد: إذا انتفت الموانع، وتوافرت الشروط بالفسق، حكمنا عليه بالفسق، وتعاملنا معه على هذا الأساس، وبالتالي ممكن يكون في أحكام من جهة جواز هجره، وعدم الكلام معه مثلا، وعدم توليته الإمامة..، وعدم.. إلى آخره.
يعني من الأحكام التي تتعلق بالفسق، مثلاً في كثير من الأحيان يقال: هذا الكلام يقبل من العدل، إذا شهد عدل رؤية الهلال، وإذا شهد عدل عقود معينة، أو أشياء معينة، يشترط فيها مثلاً أن يكون الشاهد: عدلاً، لكن إذا ثبت تفسيقه، ستسقط شهادته، وستنبني عليها أحكام.
ثبوت الردة:
مثل قضية الكفر إذا ثبتت، الردة إذا ثبتت، يقول الشيخ عبد الرحمن المحمود -حفظه الله-: "والطائفة الأخرى: قالت: إذا وجد الحكم العام على فعل من الأعمال بأنه كفر، دخل فيه جميع الأفراد ممن وقع منهم هذا الفعل المكفر، وكفروا بأعيانهم دون النظر إلى حال كل فرد على حدة".
وهذا هو الضلال، وليس من الحق.
أما أهل السنة، يقول الشيخ: "فإنهم لم يقولوا إن المعين لا يكفر، أو لا يكفر أبداً، كما أنهم لم يوقعوا التكفير على كل من فعل المكفر، دون النظر إلى عوارض الأهلية".
وعوارض الأهلية، هي عدم توفر الشروط، وانتفاء الموانع.
الشروط والموانع هذه المتعلقة بعوارض الأهلية، عوارض الأهلية مثلاً قد تكون الجهل، قد تكون الإكراه، قد تكون الشبهة.
واحد سب الدين مكرهاً بالقتل، والله قال: إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل: 106].
فهذا مانع من موانع التكفير.
واحد مثلاً في مكان يتبع الطائفة التيجانية، وهو لا يعرف عن الحق شيئاً، كل الذي يعرفه من المشايخ الذين حوله: أنه هذه الطائفة أن هذا الحق، والتيجانية فيها الشرك الأكبر المخرج عن الملة، لكن هذا عامي، وكل المشايخ من حوله يقولون له: هذه .. هذه .. هذه .. هذه.
قال الشيخ: "ولو نظرنا إلى فعل السلف -رحمهم الله-، لوجدنا أنهم كثيراً ما يطلقون التكفير في بعض الأفعال، والبدع، والمقالات، ونحوها، وحينما يطبقونها على محلها بتكفير المعين يشددون في التطبيق؛ لأن من وقع منه ذلك-يعني الشيء المكفر- قد يكون جاهلاً، أو متأولا تأويلاً سائغاً، -ولأن التأويل غير السائغ هو الجدال بالباطل الذي ذكرناه-.
قال: "أو حديث عهد بالإسلام، أو غير ذلك من الأمور التي تمنع الحكم بتكفيره.
والإمام أحمد وغيره أطلقوا: أن التجهم وتعطيل الصفات، أو القول بخلق القرآن، أو إنكار رؤية الله، أو القدر –يعني إنكار القدر- كفر لا شك كفر أكبر هذا، لكنهم لم يكفروا الأعيان، إلا قليلاً ممن ثبت كفرهم، بتوفر الشروط، وانتفاء الموانع".
ومن ثبت عندهم، قاموا عليه الحجة.
يعني الفرق عندهم: هل الإمام أحمد كفر كل من قال بخلق القرآن، مع أن القول بخلق القرآن كفر، وإلا كفر رؤوس المبتدعة الذين أقام عليهم الحجة وناظرهم، وثبت ثبتت إقامة الحجة عليهم؟
بينما ربما بعض الخلفاء الذين تابعوا هؤلاء، ما كفرهم الإمام أحمد -رحمه الله- وغيره من أهل العلم؛ لأنهم لما يأتون للمعين يشددون، يقولون: ما نحكم عليه بالكفر دون ثبوت شروط التكفير.
قال الشيخ -رحمه الله-: "والإمام أحمد وغيره أطلقوا: أن التجهم وتعطيل الصفات، أو القول بخلق القرآن، أو إنكار رؤية الله، أو القدر كفر، لكنهم لم يكفروا الأعيان، إلا قليلاً ممن ثبت كفرهم بتوفر الشروط، وانتفاء الموانع، ومن ثم أقيمت عليهم أحكام الردة من قتل وغيره" انتهى.
يعني مثلاً الحلاج، ناقشه العلماء، وأقاموا عليه الحجة، فبعض من قتل كافراً، في وقت -طبعاً- كان فيه للإسلام عز، وكانت تقام الحدود حد الردة، وكان مثلاً من ثبتت ردته بعد نقاش العلماء له، وإقامة الحجة عليه، يقام عليه حد الردة.
وأما الآن هناك أقوال كفرية ولا شك منتشرة، يعني مثلاً تجد واحدًا، يقول: يجلس المتعصب على الشاشة التي اخترعها نصراني، وجمعها بوذي، وصمم برامجها يهودي، ونفذها هندوسي، ليكتب أنه وحده سيدخل الجنة، وكل هؤلاء في النار!.
-طبعاً- هذا كلام خطير، يعني مؤدى هذا الكلام: أنه كل هؤلاء في الجنة، وأنه ما يجوز أنك تحتكر الجنة؛ لأنك مسلم، تقول: نحن في الجنة والبقية!. فالقول كفري، لكن هل نحكم عليه بالكفر؟
هذا ممكن يكون يعيش في الخارج، يعيش في أماكن، وهو ينظر كذا، متأثر بدعاوى وأطروحات، وما أحد بين له: أن هذا كلام خطير!.
وبعض الناس فعلاً يعتقد، يعني يقول: بالله أنت الجاهل تدخل الجنة؛ لأنك مسلم! والذي اخترع التكييف هذا الذي بحبح العالم خلاهم يعيشون هو في النار؟!وأنت الذي ما سويت شيء للبشرية تدخل الجنة! إلا بحجة أنك مسلم، والذي اخترع الكهرباء، ونور الكرة الأرضية، هذا في النار؟!
-طبعاً- هذا مسكين! ما يعرف: أن توحيد الله عند الله أعلى من الكهرباء والتكييف والاختراعات، والاكتشافات، توحيد الله، يعني هذه قضية القضايا.
فبعض الناس عنده جهل عظيم، لدرجة أنه ممكن يظن هذا.
وبعضهم يقول مثلاً: إن الذي ينتقل من دين سماوي إلى دين سماوي آخر مؤمن مسلم، ما زال من أهل الجنة.
فلو واحد كان مسلما صار نصرانيا، كان مسلما صار يهوديا، انتقل من دين سماوي إلى دين سماوي! كلها أديان سماوية! وكلهم في الجنة! وكلها صح! وكلها حق! وكلهم مؤمنون!.
وقد يأتي واحد، ويقول: يعني هذا ما قرأ في القرآن: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [سورة المائدة:73]؟
هؤلاء الذين كفروا، وهكذا: الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [سورة آل عمران:181].
وقد يصل الجهل إلى درجة أنه ما قرأها، ولا وصل إليها، وقد يكون يقرأها ولا يفكر فيها، وقد يكون...
فإذا جاء واحد، وأقام عليه الحجة، قال: تعال! انظر الآية هذه: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [سورة المائدة:73].
رأيتها، هذا كفر أكبر مخرج عن الملة، وإن لم ينتهوا عما يقولون النار!.
وهذه الأدلة، يبين له، فإذا أصرَّ، فهنا يحكم بكفره.
فإذن، قبل التكفير: لابد من إزالة الشبهات التي تعلقوا بها، أو ربما ارتدوا من أجلها، لعلهم يتوبون.
والناس أحوالهم تختلف، ففي ناس مثلاً درسوا مناهج التوحيد والحديث والتفسير، والفقه والعقيدة، وفي بعض البلدان فيها مناهج إسلامية ممتازة، المنهج نفسه يقيم الحجة! فكيف تقول: ما اطلع على الأدلة؟!
نعم، ما اطلع عليها.
واحد مثلاً نشأ في بلد، كانوا تحت الشيوعية، أربعين سنة مغلق عليهم،لا يكاد يصلهم شيء من العلم، هذا غير هذا في مسألة إقامة الحجة، يقبل من ذاك أشياء لا تقبل من هذا.
قواعد التعامل مع المخالف في مسألة الردة والتكفير:
00:31:58
 من قواعد التعامل مع المخالف في مسألة الردة والتكفير:
أولا: إزالة الشبهات التي تعلقوا بها، أو ارتدوا من أجلها.
ثانياً: أن نعتقد أن المرتد إذا مات على الردة، فإن عمله حابط، وهو خالد مخلد في النار، ولا يقبل الله منه، ولا أي عمل خيري، ولا حسنة من الحسنات مهما تصدق، ووصل الرحم، وفعل .. وفعل .. فيوم القيامة لا شيء له.
لكن من عدل الله: أنه يعطيه أجره في الدنيا: صحة، ومالا، وأولادا، وشهرة، ... وإلى آخره .. لكن يوم القيامة لا شيء له:  وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [سورة البقرة:217].
ونعتقد: أن هؤلاء المرتدين لن يضروا الله شيئاً، وإنما يضرون أنفسهم، قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [سورة المائدة:54].
توبة المرتد:
كذلك نعتقد في موضوع المرتدين: أن باب التوبة مفتوح، وأن الواحد منهم مهما بلغ في الكفر، ومهما أمعن في الضلال، ومهما ولغ في أوحال الزندقة، إذا تاب إلى الله توبة حقيقية أن الله يتوب عليه.
لو قال: أنا كنت! أنا .. أنا ضل بسببي مائة ألف؟!!
نقول: تب إلى الله وبين، لازم تبين: تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا [سورة البقرة:160].
فنعتقد: أن باب التوبة مفتوح حتى للمرتدين، وأن هذا المرتد إذا ندم على ما مضى منه، وعزم على عدم العودة، وإذا كان ارتد بشيء فعله يتركه، وإذا ارتد بشيء تركه يفعله، حتى يعود للدين، وإن كان بقول شيء فنطق الشهادتين.
والمستبيح لفعل المحرمات المجمع على تحريمها، توبته: أن يعتقد تحريمها، مع الندم على ما مضى منه، والعزم الصادق أن لا يعود إلى ما كان فيه.
هل المرتد لو تاب يعني يسلم من العقوبة قطعاً؟
ليس بشرط، قد يكون في نوع تعزير، متعلق بجانب من الجوانب.
فقد رفع إلى الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله-، رجل دعي إلى الصلاة، فعاند وقال: أنا حر أصلي في بيتي، أو في المسجد، أو ما أصلي، أنا أريد أن أدخل النار ما لكم دخل، أنا نصراني! يا الله!.
فالشيخ -طبعاً- حكم بردته على هذا الكلام؛ لأنه يعيش بين المسلمين، ويعرف ويسمع كلام العلماء، وما يخفى عليه شيئاً، ما يخفى عليه: أن واحد لو اعتقد النصرانية يكون مرتداً، وأن كلمة: أنا نصراني! هذه ردة عن الدين.
فالشيخ حكم بردته.
ثم قال: "وقد وعظناه واستتبناه، فتاب إلى الله، واستغفر، وأظهر التوبة، والندم على ما بدر منه، فبلغناه: بأن عليه أن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن يتبرأ من كل دين يخالف دين الإسلام، ففعل ذلك، فعليه سقط عنه القتل بالتوبة، ولكن نظراً؛ لأنه تجرأ على أمر عظيم بين ظهراني المسلمين، فإن عليه التعزير البليغ، زجراً له، وردعاً لأمثاله".
-طبعاً- التعزير بالضرب، بالحبس، بما يقدره الحاكم الشرعي.
فالشيخ لم يقل: طيب، يعني هذا عادي! الآن استتبناه وتاب، وحد الردة درئ عنه بالتوبة، والعودة إلى الإسلام، والنطق بالشهادتين.
لكن هذا الأمر الذي حصل على محضر من المسلمين، لو تركت المسألة تمشي كذا بدون أي شيء، يعني هذا بالنسبة لمن حضر وسمع، ووصلت إليه القصة والخبر، ما ينبغي كذا يمر مرور الكرام، ففيه تعزير لابد أن يقع.
فهذا إذن اجتهاد المفتي، والحاكم، والقاضي، في كيفية معالجة الأمور، لكن كمبدأ: توبة المرتد تقبل، يعصم دمه بالعودة إلى الإسلام، والدخول في الدين من جديد.
حكم العلماء المرتد بالردة وتنفيذ العقوبة من اختصاص الحاكم الشرعي:
ومن التعامل مع المرتد: أن العلماء يظهرون الحكم، وأما تنفيذ العقوبة، فمن اختصاص الحاكم الشرعي، القاضي، من يقوم مقامه، وليس لأحد الناس، ولا لأي عالم، ولا لأي طالب علم، ولا لأي داعية أن يقيم حداً.
فالحدود والعقوبات الشرعية هذه قضية اختصاصية، لماذا؟
لأنه لو ترك الأمر مفتوحاً، يقول واحد: أنا شفته مرتد، وقطعت رقبته! وهذا فلان أنا ثبت عندي أنه سرق من جارنا بشروط السرقة المعتبرة، فقطعت يده، وهذا أنا رأيته، وإحنا رأيناه، يزني فرجمناه! وهذا .. فيؤدي هذا إلى كل واحد يدعي أنه رأى، وثبت عنده الحد.
بل من الفقه في الحدود الشرعية: ما يطبق الحد في الغزو، حتى ما يلتحق المسلمون بكفار، أنه ما يطبق حد السرقة في مجاعة.
ما تطبق الحدود في أرض ليس فيها سلطان للمسلمين؛ لأنه لو ما فيها سلطان للمسلمين ماذا سيحدث؟
لو أتيت إلى منطقة فيها فوضى واضطرابات، ما استتب فيها للمسلمين سلطان وشرع، وحكم، وأـتيت تطبق فيه حد؟!
لو جاء هؤلاء مثلاً لمجرد أنه معهم سلاح، أو عندهم قوة، فقاموا بقطع يد، أو قتل شخص، فممكن قبيلة الشخص ترد بالثأر؛ لأن المنطقة فوضى، واضطرابات؛ لأنه ما فيها سلطان شرعاً مستقر.
لأن البلد التي فيها سلطان شرعي مستقر، ما يستطيع أحد يفعل ذلك.
يقول: أريد أخذ بالثأر، أو نقتل الجلاد الذي أقام الحد، أو القاضي الذي حكم سنقتله، والجلاد سنقتله، فتصير الأمور فوضى!.
هذه المسائل المتعلقة بفقه إقامة الحدود، كثيرون لا يفهمونها، فبعض المتحمسين ما عندهم العلم، هذا الذي يؤصل القضية، بهذا الوضع يطبق، وهذا الوضع لا يطبق، هذه الفروق.
بل قد بعضهم يقول: هذه بالعكس! هذا خذلان، وهذا تخاذل، وهذا ضعف، وهذا هوان، وهذا كذا، العكس اضرب بيد من حديد.
يا أخي! ما استقر سلطان المسلمين على المكان، هذا ممكن يفتح باب الثأر، ممكن يزيد الفوضى اشتعالاً.
ولذلك ترى في كلام الفقهاء، العلماء الربانيين المحققين، يسأل عن مسألة مثلاً فيها قضية حد، يقول: لا يقام في هذا الحال، ولا تجوز إقامته، ويأثم من أقامه.
يقول كلاما شديدا، تستغرب؛ لماذا؟
لأن المسألة متعلقة بهذا الأمر الذي فقهه هذا العالم، وجهله بعض المتحمسين.
فإذن، من القواعد: العلماء يظهرون الحكم، وأما إقامة عقوبة المرتد، فمن اختصاص الحاكم الشرعي، فالذي يقيم العقوبة الشرعية على المرتد إنما هو الحاكم أو نائبه، وليس ذلك لعامة الناس، لما يفضي إليه من الفساد والفوضى، وفتح باب الشر والفتن.
قال ابن مفلح -رحمه الله- في "حكم المرتد": "ولا يقتله إلا الإمام أو نائبه ... في قول عامة العلماء" [المبدع شرح المقنع: 9/154].
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: "ولا يحل لأحد قتله –يعني المرتد- مع أنه مباح الدم؛ لأن في قتله إفتياتاً على ولي الأمر؛ ولأن في قتله سبباً للفوضى بين الناس، ولهذا لا يتولى قتله إلا الإمام أو نائبه" [الشرح الممتع: 14/455].
وأحياناً يعني نرى الويلات التي تجر إليها هذه المخالفة، فأحياناً يحصل حصار للدين، بسبب قتل مرتد في مكان لا يصح فيه أن يقام ذلك، أو الذي نفذه ليس من اختصاصه ذلك، وليس من مسؤوليته أن يفعله، لا حق له في أن يفعله.
الآن مثلاً في بعض البلدان، ما في سلطان شرعي، هل يترك الأمر؟
إذا كان ما في سلطان للشرع، فهذا الباب غير مقدور على القيام به، ولا يمكن يقال: قوموا به على جميع حالاته، قوموا به بأي وضع ممكن.
لأن هذا سيؤدي إلى زيادة الشر، وفتح باب الفتنة.
عدم صحة زواج المرتد من أي ذات دين كانت:
من القواعد المتعلقة بالمرتد: أن المرتد لا يصح زواجه مطلقاً، من أي ذات دين كانت.
فلو أتى مرتد، وقال: تعقدوا على هذه النصرانية.
قال الشافعي -رحمه الله-: "وإذا ارتد المسلم، فنكح مسلمة، أو مرتدة، أو مشركة، أو وثنية، فنكاحه باطل"[الأم: 5/57].
هذا ما له نكاح أصلاً، ولا يمكن يعقد له قاضي شرعي أبداً، ولا على أي امرأة، الشافعي يقول: "لو مرتدة مثله".
حدوث الردة بعد الزواج:
وإذا حدثت الردة بعد الزواج، وجب التفريق بينه وبينها.
قال ابن قدامة: "إذا ارتد أحد الزوجين قبل الدخول انفسخ النكاح في الحال، ولم يرث أحدهما الآخر، وإن كانت ردته بعد الدخول ففيه روايتان: إحداهما: يتعجل الفرقة، والأخرى: يقف على انقضاء العدة" [المغني: 14/67].
تحريم أكل ذبيحة المرتد:
المرتد لا تأكل ذبيحته؛ لأنه ليس بمسلم ولا كتابي، وإنما أباح الله ذبيحة المسلم، وذبيحة الكتابي، كما قال تعالى:  الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ  [سورة المائدة: 5].
قال ابن عباس: "يعني ذبائحهم".
ولو ارتد إلى دين أهل الكتاب، لا تؤكل ذبيحته؛ لأنه ما صار نصرانياً، وإنما هو مرتد.
لو واحد مسلم صار نصرانياً وذبح، وقال: طيب، ما أنتم تقولون: طعام الذين أوتوا الكتاب، أنا الآن صرت من أهل الكتاب، وهذه شهادة من الكنيسة، أنا من أهل الكتاب؟!
فنقول: لا، أنت كنت مسلماً، أنت لست كتابياً بالأصل، ولا بالولادة، ولا... أنت كنت مسلماً، ثم ارتددت، وصرت نصرانياً، فدخولك في النصرانية ما أزال عنك حكم الردة، حكم الردة باق عليك، وبالتالي لا يمكن أن تؤكل ذبيحتك.
وأنتِ يا أيتها المرتدة إلى النصرانية، ما يجوز لمسلم أن يتزوجك، لست من أهل الكتاب، أنت مرتدة.
قال الخرقي -رحمه الله-: "وذبيحة المرتد حرام، وإن كانت ردته إلى دين أهل الكتاب" [المغني: 19/465].
بعض الأحكام الخاصة بالمرتد عند الموت:
وعند الموت: لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، قال الله -تعالى-: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ [سورة التوبة:84].
إذن، لا يجوز حتى اتباع الجنازة، وحتى الوقوف على القبر، وحتى الدفن.
وعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: "لما توفي أبو طالب، أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقلت: إن عمك الشيخ الضال قد مات؟".
انظر هذا ولاء وبراء، هذه براءة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، حتى وهو صغير في السن يفقه ويفهم هذا.
فمات أبوه الآن، وأبوه –طبعاً- كان يعني مسالماً للمسلمين، وكان يدافع .. وكان..، فجاء علي بن أبي طالب وهو صغير، وهذا في العهد المكي، قال: "إن عمك الشيخ الضال قد مات؟ قال: اذهب فواره، ثم لا تحدث شيئاً حتى تأتيني، قال: فواريته".
-طبعاً- لا صلاة، ولا تغسيل: "اذهب فواره"؛ لأنه لا يمكن إبقاء الجيفة على سطح الأرض: "اذهب فواره".
"قال: فواريته، ثم أتيته –يعني أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: اذهب فاغتسل، ثم لا تحدث شيئاً حتى تأتيني، قال: فاغتسلت، ثم أتيته، قال: فدعا لي بدعوات، ما يسرني أن لي بها حمر النعم" الذي هي أنفس أموال العرب، الإبل الحمر.
قال: "ما يسرني أن لي بها حمر النعم، وسوده"[رواه النسائي: 193، وصححه الألباني في تلخيص أحكام الجنائز: 85].
فالدعوات دعوات عظيمة، ما يكافئها، ولا يساويها، ولا ... أنفس الأموال.
المرتد لا يرث ولا يورث:
ومن أحكام المرتد كذلك: لا يرث ولا يورث:
قال عليه الصلاة والسلام: لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم [رواه البخاري: 6764، ومسلم: 4225].
بغض المرتد والبراءة منه:
المرتد يجب بغضه، والبراءة منه: قال الله -تعالى-:  قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [سورة الممتحنة: 4].
تحريم موالاة ومحبته:
المرتد أيضاً مثل الكافر، وهو كافر، تحرم موالاته، وتحرم محبته، قال الله -تعالى-:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ [سورة الممتحنة:1].
دعوة المرتد وإقامة الحجة عليه:
المرتد يجب نصحه، وإقامة الحجة عليه، ودعوته إلى الله، والتوبة من الردة، والعودة إلى الإسلام، ويبين له أن ما فعله وقاله، هذا كفر مخرج عن الملة، ولا مجاملة في هذا.
قال الربيع بن سليمان -رحمه الله-: "لما كلم الشافعي حفص الفرد".
"حفص الفرد" هذا مجرم منحرف، كان شيخ الإسلام يقول: "حفص القرد" سماه بعض العلماء بهذا، وهو اسمه أصلاً: "حفص الفرد".
"لما كلم الشافعي حفص الفرد، فقال حفص: القرآن مخلوق، فقال له الشافعي: كفرت بالله العظيم"[شرح السنة: 1/187].
عدم جواز تولية المرتد الولايات العامة:
والمرتد لا يولى الولايات العامة، فلابد من إقصائه إذا كان فيها، وعدم تعيينه إذا لم يكن فيها؛ لأن هذا غير مؤتمن.
عن طارق بن شهاب قال: "قدم وفد بزاخة بن أسد وغطفان على أبي بكر يسألونه الصلح".
"وفد بُزَاخَة من أسد وغطفان" هؤلاء ارتدوا ثم خضعوا، فجاؤوا يسألون الصلح، واتبعوا طليحة بن خويلد الأسدي، وأطاعوه، لكونه منهم، فقاتلهم خالد بن الوليد بعد أن فرغ من قتال مسيلمة، وانتصر عليهم.
فبعثوا وفدهم إلى الصديق: الآن نتفاهم! يعني ماذا لنا وماذا علينا؟
فخيرهم أبو بكر: بين الحرب المجلية، والسلم المخزية، فقالوا له رضي الله عنه: أما الحرب المجلية فقد عرفناها -وخالد عرفنا إياها عملياً- فما السلم المخزية؟
فقال: "أن تنزع منكم الحلقة".
ما يبقى معكم سلاح أبدا، تمشوا عرايا عن السلاح.
"أن تنزع منكم الحلقة والكراع".
الحلقة: السلاح.
والكراع: الخيل.
"وتتركون أقواماً تتبعون أذناب الإبل".
خيل ما تركبون، وسلاح ما تحملون.
"وتتركون أقواماً تتبعون أذناب الإبل، حتى يري الله خليفة نبيه والمهاجرين أمراً يعذرونكم به".
يعني نتأكد من استقامتكم، ونتأكد من توبتكم، ونتأكد من تغير حالكم، وبعد ذلك ننظر.
قال: "ونغنم ما أصبنا منكم" يعني ما تقولوا رجعوا لنا، ما في ترجيع.
"وتردون إلينا ما أصبتم منا، وتدون قتلانا" تدفعون دية قتلانا" ويكون قتلاكم في النار".
عمر -رضي الله عنه- لما سمع هذا، فقال للصديق: إنك رأيت رأياً وسنشير عليك.
يعني نحن سندرس ما قلته يا أمير المؤمنين.
"أما ما رأيت أن تنزع منهم الحلقة والكراع فنعم ما رأيت" فعلاً حكمة.
"وأما ما ذكرت أن يتركوا أقواماً يتبعون أذناب الإبل، حتى يري الله خليفة نبيه والمهاجرين أمراً يعذرونهم به، فنعم ما رأيت.
وأما ما ذكرت من أنا نغنم ما أصبنا منهم، ويردوا إلينا ما أصابوا منا، فنعم ما رأيت. وأما ما رأيت من أن يدوا قتلانا، ويكون قتلاهم في النار، فإن قتلانا قتلوا على أمر الله، أجورهم على الله، ليس لهم ديات، قال: فتابع القوم ما قال عمر"[رواه سعيد بن منصور: 448، في سننه، والبيهقي في السنن الكبرى: 8/335، والطبراني في الأوسط: 2/270، رقم: 1953].
القوم الذين هم علماء الصحابة، أهل الحل والعقد، والرأي، أهل العلم، تابعوا قول عمر: أن المسلمين الذين قتلوا شهداء، أجرهم على الله، فليس لهم في الدنيا أجرة أو مقابل، أجرهم على الله.
وبهذا نكون قد انتهينا من الحديث عن الموقف من المخالف المرتد، وقد سبق أن تحدثنا عن الموقف من المخالف الكافر، والموقف من المخالف المنافق، وبقي الحديث عن الموقف من المخالف المبتدع، والموقف من المخالف العاصي، هذا ما سوف نتحدث عنه في الدرس القادم -بمشيئة الله تعالى-.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.