السبت 17 ربيع الآخر 1441 هـ :: 14 ديسمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

11- طلوع الشمس والدابة وخروج النار


عناصر المادة
طلوع الشمس من مغربها:
خروج الدابة:
صفات الدابة:
الريح التي تقبض أرواح المؤمنين:
النار التي تحشر الناس:
الحمد له رب العالمين، وصلي الله علي نبينا محمد، وعلي اله وصحبه أجمعين.
وبعد:
طلوع الشمس من مغربها:
00:00:11
 بقي لدينا من أشراط الساعة الكبرى طلوع الشمس من مغربها، والدابة، والنار التي تخرج لتحشر الناس.
أما بالنسبة لطلوع الشمس من مغربها، فهو مذكور في أحاديث أشراط الساعة العشرة، في قول النبي صلى الله عليه وسلم:  إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات  فذكر  الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب ، وآخر ذلك:  نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم  [رواه مسلم: 2901].
وهذه الآية العظيمة -وهي طلوع الشمس من مغربها- مذكورة في قوله تعالي: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أو يَأْتِيَ رَبُّكَ أو يَأْتِيَ بَعْضُ آيات رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيات رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانها لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أو كَسَبَتْ فِي إيمانها خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ  [الأنعام: 158].
ومعنى هذه الآية: هل ينظر هؤلاء الذين استمر ظلمهم وعنادهم إلا أن تأتيهم مقدمات العذاب، ومقدمات الآخرة بالملائكة التي تأتي بقبض أرواحهم، إذا وصلوا إلى تلك الحال لم ينفعهم إيمان ولا صالح الأعمال، أو ينتظرون أن يأتي الله تعالي لفصل القضاء بين العباد، ومجازاة المحسنين والمسيئين.
 أو يَأْتِيَ بَعْضُ آيات رَبِّكَ  الدالة علي قرب الساعة.
 يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيات رَبِّكَ الخارقة للعادة التي يعلم بقدومها إن الساعة قد أزفت أذنت ودنت.
 لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانها لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أو كَسَبَتْ فِي إيمانها خَيْرًا  فلا ينفع كافرا إيمان إن آمن في ذلك الوقت، ولا المسلم المقصر لا ينفعه أن يزداد خيرا في ذلك الوقت.
والحكمة في هذا ظاهرة، فإنه إنما كان الإيمان ينفع إذا كان إيمانا بالغيب وكان اختيارا من العبد، أما إذا وجدت الآيات صار الأمر شهادة، ولم يبقي للإيمان فائدة؛ لأنه يصبح كإيمان فرعون لما أدركه الغرق قال: آمنت إلا إله إلا الله، وما ينفعه الآن أن يؤمن أن لا اله إلا الذي آمن فيه بنو إسرائيل، وقد شارف علي الموت.
فإذا طلعت الشمس من مغربها انتهت المسألة، لأن كل الناس سيؤمنون اضطرارا رغما عنهم، الكافر سيؤمن رغما عنه، لأن الآية هذى آية عظيمة جدا خارقه، وعند ذلك سترغم أنف كل واحد لم يؤمن فسيؤمن رغما عنه، والمذنب سيتوب، والمقصر سيعود، لكن بعد أن صار الإيمان شيئا اضطراريا،  آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ [يونس: 91].
 فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا  [غافر: 84-85].
طلوع الشمس من مغربها الإيمان عنده مثل إيمان الأقوام التي كذبت الرسل لما نزل العذاب، مثل إيمان فرعون لما أدركه الغرق، شيء لا ينفع في ذلك الوقت، لقد أغلق باب التوبة حينئذ.
عن أبي هريرة  رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس  -يعنى طالعه من المغرب-  آمنوا أجمعون فذلك حين  لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانها لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أو كَسَبَتْ فِي إيمانها خَيْرًا   [البخاري:4636، ومسلم:157].
إذًا النبي عليه الصلاة والسلام لما تحدث عن طلوع الشمس من مغربها ذكر الآية، إذًا تحمل الآية عليها ولا بد؛ لأن أولى ما فسر به كتاب الله سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد كتاب الله.
فإذن  يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ  [الأنعام: 158]، يعنى: يوم تطلع الشمس من مغربها.
وقد روي البخاري عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس:  أتدرى أين تذهب؟  
قلت: الله ورسوله اعلم.
 فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها  الشمس تذهب تسجد تحت العرش كل يوم، وتستأذن في الخروج، فيؤذن لها، وتخرج من جهة المشرق، قال: ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، يقال لها ارجعي من حيت جئت، فتطلع من مغربها  لأنها جاءت من المغرب لتسجد تحت العرش فلا يؤذن لها بالذهاب للمشرق لتخرج، وإنما ترد إلى الجهة التي جاءت منها، وهي الغرب، ((فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالي: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [يس: 38]. [رواه البخاري: 3199].
هذه الشمس كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم:  إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فتخر ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئاً حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا  [الأنعام: 158] [رواه مسلم: 159].
فالشمس تسير في كل يوم وليلة، الشمس تتحرك الشمس ليست مرصعة بالفلك، ليست مثبته في السماء، إنما تدور وتتحرك،  كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ  [الأنبياء: 33] يدورون، ولذلك لا عبرة بأي فلكي قال، إن الشمس ثابتة؛ لأن الله قال:  وَالشَّمْسُ تَجْرِي [يس: 38].
ولذلك قال العلماء: إن من يقول: إن الشمس تجري كافر، لماذا؟ لأنه كذّب ظاهر القرآن، كذّب الله، ورد قول الله تعالى، أما سجود الشمس فإننا نؤمن به حقا علي الحقيقة، وان كنا لا ندركه نحن، لا ندرك تسبيح الطيور لكنها تسبح، لا نفقه تسبيح الجمادات ولكنها تسبح،  وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ  [الإسراء: 44].
وكذلك الشمس تسجد، وإن كنا لا ندرك سجودها ولا نراه، ولكنه سجود حقيقي، وبعض أصحاب الفكر المعوج المنحرف، قالوا سجودها هو انقيادها لأمر الله، ودورانها، وخروجها من المشرق، وغروبها من المغرب، هذا هو السجود.
نقول: هذا يحدث دائماً، فأي فائدة في الحديث تجرى حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتقر ساجدة؟ وأي فائدة في الحديث:  أتدرى أين تذهب الشمس؟ تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها  إذًا هناك سجود في وقت معين في مكان معين.
إذا سجدت تحت العرش، وعرش الرحمن قبة العالم والكون والسماوات والأرض والأفلاك والكواكب، فالعرش كالقبة على الكون، سجدت سجوداً حقيقياً، ليس معناه مجرد الانقياد ومجرد الحركة، والشروق والغروب، السجود أمر آخر حقيقي، الله سبحانه وتعالى أمرها أن تسجد فسجدت تحت العرش.
وأما بالنسبة لقول الله عن ذي القرنين:  وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ  [الكهف: 86]، فإنه وجدها تغرب في عين الناظر أنها تغيب في البحر؛ لأن كل من وصل إلى الشاطئ وأمامه البحر والشمس تغرب فيه، فإنه سيجد الشمس تغرب في البحر، هي في الحقيقة لا تدخل في الماء، لكن في عين الناظر،  وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ  [الكهف: 86]، يعنى في رأي العين كأنها تدخل البحر.
وهناك من طعن في حديث سجود الشمس، ولا يلتفت إلى هذا، ولا اعتبار بما قال به صاحب تفسير المنار عندما أخطأ في ذلك خطأ عظيماً، والله يغفر لنا وله.
والسجود من الجمادات، والسجود من الكائنات يعلمه الله سبحانه وتعالى والله قادر علي الإسجاد والإنطاق  وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ  [فصلت: 21]، الآن علاقة موضوع سجود الشمس بطلوع الشمس من مغربها ما هي؟
أنها كل يوم تسجد تحت العرش ففي ذلك اليوم المعين الذي يريده الله قبل قيام الساعة تسجد تحت العرش، وتستأذن للخروج من المشرق، فلا يؤذن لها، وترد فتخرج من المغرب، وقد ورد أن طلوع الشمس من مغربها هو أول الآيات كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو:  أن أول الآيات خروجاً: طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على إثرها قريب  [رواه مسلم: 2941].
وهذه الأولية في هذا الحديث الأولية في الأشياء غير المألوفة، وان كان الدجال ونزول عيسي قبل ذلك، وخروج يأجوج ومأجوج قبل ذلك لكن هؤلاء بشر، يعنى: الدجال وعيسي ويأجوج من البشر علي الأقل شيء مألوف للناس أن يروا بشراً، نعم في خوارق وفي معجزات من عيسي، وخوارق من الدجال، وعجائب من يأجوج ومأجوج، لاشك أشياء مذهله، لكن ليست مثل طلوع الشمس من مغربها، ليست مثل طلوع الشمس من مغربها.
وخروج الدابة على شكل غريب غير مألوف، ومخاطبتها للناس، ووصفها إياهم بالإيمان والكفر شيء خارج عن مجال العادة، وذلك أول الآيات الأرضية، كما أن طلوع الشمس من مغربها علي خلاف عادتها المألوفة أول الآيات السماوية،  أول الآيات المؤذنة بتغير العالم العلوي طلوع الشمس من مغربها.
قال الحافظ بن حجر رحمه الله: مدة الدجال إلى أن يقتله عيسي، ثم خروج يأجوج ومأجوج، كل ذلك سابق علي طلوع الشمس من المغرب، فالذي يترجح من مجموع الأخبار"، -هذا ما خرج به الحافظ بعد الدراسة، والبحث، وأعمال النظر، وجمع الروايات والتفكير فيها- قال: "الذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض"، -هناك تغيرات ضخمة ستكون في الأرض، فالدجال هو مقدمة التغيرات الكبيرة في الأرض- "وينتهي ذلك بموت عيسي بن مريم، وإن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة" ثم قال: "وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة النار التي تحشر الناس، كما ورد في حديث أنس في مسائل عبد الله بن سلام"، وفيه: وأما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب  [البخاري:3329]" [فتح الباري:11/353].
أول أشراط الساعة أي قيام الساعة، سينفخ في الصور خروج النار لتحشر الناس، هذه معناها ان النفخ في الصور الآن قد صار وشيكا.
أغلاق باب التوبة:
إذا طلعت الشمس من المغرب قفل باب التوبة، ولا يقبل إسلام، ولا إيمان ولا إحسان ولا عمل صالح، ولا ينفع شيء، كل واحد إلى ما كان عليه، قال عليه الصلاة والسلام:  من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه  [رواه مسلم: 2703].
وقال:  إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء والنهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها   [مسلم:2759].
وقال: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها  [رواه أبو داود: 2481، وصححه الألباني صحيح أبي داود: 2166]، كل هذه أحاديث صحيحة.
وفي رواية لأحمد:  لا تنقطع الهجرة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه، وكفي الناس العمل [رواه أحمد: 1671، وقال محققو المسند: إسناده حسن].
فلا يقبل إيمان، ولا توبة عاصي، ولا إسلام كافر، لأن طلوع الشمس آية عظيمة تنكشف عندها الحقائق، ويؤمن الناس رغما عنهم، ويشاهدون من الأهوال ما يحملهم بالاضطرار علي الإسلام إن كان كافرا، والتوبة إن كان عاصيا، كما أن التوبة عند معاينة الموت لا تنفع، وقد رأى الملائكة، وحضر ملك الموت، وسحبت الروح، فأي نفع الآن في التوبة،  وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآن [النساء: 18]، الآن لا ينفع.
لا ينفع كافر لم يكن آمن قبل طلوع الشمس إيمان بعد الطلوع، ولا ينفع مؤمناً لم يكن عمل صالحاً قبل الطلوع عمل صالح بعد الطلوع؛ لأن حكم الإيمان والعمل الصالح حينئذ حكم من آمن أو عمل صالحاً عند الغرغرة، وذلك لا يفيد شيئا قال تعالي:  فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ [غافر: 85]، تقبل توبة العبد مالم يغرغر.
قال الطيبي رحمه الله: "فلا ينفع بعد ظهور الآية اكتساب الخير في إغلاق باب التوبة، ورفع الصحف تكف الحفظة علي العمل، وأن كان ما سبق قبل ظهور الآية ينفع صاحبه في الجملة". [فتح الباري: 11/357].
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:  بادروا بالأعمال  الآن اعملوا قبل أن تأتى هذه الأشياء فلا ينفع العمل، أو لا تستطيعون العمل أو تغلبون على العمل، فلا تطيقونه أو تذهلون تندهشون تصابون بالحيرة البالغة، فلا يكون عندكم قدرة علي العمل،  بادروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم  -يعنى الموت-  أو أمر العامة [رواه مسلم: 2947]، يعنى: قيام الساعة.
 بادروا  سابقوا قبل أن تقع الفتن، قبل أن تذهل العقول وتحار وتضطرب، ولا تقوى علي العمل، ففي هذا الحث علي المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذرها، وقبل الذهول والاشتغال عنها، وقبل حلول الشيء المحير الذي تطير له الألباب، وتطيش العقول، فإن هذه التوبة لا تنفع في ذلك الحال.
 ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه، وكفي الناس العمل . [رواه أحمد: 1671].
قال ابن كثير: إسناده جيد قوي، قال الألباني: وهذا إسناد صحيح ورجاله كلهم ثقات. [إرواء الغليل: 5/34].
الباب هذا الذي سيغلق مسيرة سبعين سنة، لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها، وهذا هو باب التوبة، وجاء في حديث ابن مردويه:  فإذا طلعت الشمس من مغربها رد المصراعان فيلتئم ما بينهما ، فإذا أغلق ذلك الباب لم تقبل بعد ذلك توبة، ولا تنفع حسنة إلا من كان يعمل الخير قبل ذلك، فإنه يجرى لهم ما كان قبل ذلك [فتح الباري:11/355].
لو قال قائل: لو طلعت الشمس من مغربها ذلك الجيل الذي في الأرض لا ينفع عمل، ولا يقبل شيء، فكيف بالذين كانوا يعملون الصالحات قبل طلوع الشمس من مغربها؟ فنقول: يجرى عليهم مثل ما كانوا يعملون مستمراً، كأنه مستمر على ما كان عليه قبل طلوع الشمس من مغربها أجره يكتب، ويستمر مكتوبا مثل ما كان يعمل قبل الطلوع، أما بعد الطلوع قال:  طبع الله على كل قلب بما فيه، وكفي الناس العمل  انتهي ختم علي ذلك، وقف هنا.
وقد جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عند نعيم بن حماد -وهذا لو صح يفصل في موضع النزاع-: ((إن الشمس إذا غربت سلمت وسجدت، واستأذنت في الطلوع، فيؤذن لها، حتى إذا كان ذات ليلة فلا يؤذن لها، وتحبس ما شاء الله -تعالي-، ثم يقال لها: اطلعي من حيث غربت، قال: فمن يومئذ إلى يوم القيامة لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ [الأنعام:158]. [الفتن لنعيم بن حماد: 1846].
وجاء بسند صحيح عن عائشة عند الطبري:  إذا خرجت أول الآيات طرحت الأقلام، وطويت الصحف، وخلصت الحفظة، وشهدت الأجساد على الأعمال . [جامع البيان: 11076].
"إذا خرجت أول الآيات طرحت الأقلام": لأن الملائكة تكتب، إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: 29].
"طرحت الأقلام وطويت الصحف، وخلصت الحفظة، وشهدت الأجساد على الأعمال"، وهذا الحديث وإن كان موقوفاً لكن له حكم الرفع؛ لأن مثل هذا لا يقوله الصحابي من رأيه، هذا شيء غيبي لا بد أن يكون له فيه مستند ومصدر من الوحي، أي: من النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الحافظ بعد ما سرد الآثار هذه: فهذه آثار يشد بعضها بعضاً متفقه على أن الشمس إذا طلعت من المغرب أغلق باب التوبة، ولم يفتح بعد ذلك، وأن ذلك لا يختص بيوم طلوع الشمس من مغربها، بل يمتد إلى يوم القيامة". [فتح الباري: 11/355]، خلاص ما في أعمال صالحة ما يقبل شيئاً.
لكن كم بين طلوع الشمس من مغربها وقيام الساعة ؟
الله أعلم، لكن جاءت رواية عن عبد الله بن عمرو سندها جيد موقوف على الصحابي، قال: "تبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومائة سنة". هذا لا يثبت مرفوعاً، لكن الحديث هذا موقوف على عبد الله بسند قال عنه الحافظ: جيد. [فتح الباري:11/ 354].
فهنا يأتي السؤال ألا يعارض حديث:  الآيات خرزات منظومات في سلك، إذا انقطع السلك تبع بعضها بعضاً  حديث صحيح عن عبد الله بن عمرو. [رواه أحمد: 7040 ، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة: 1762]؟
أجاب بعض العلماء: أن هذه المائة وعشرين تمر مروراً سريعاً جدًا، وبالتالي لأن تقارب الزمان في آخر الزمن في آخر الدنيا سريع جداً،  تكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كاحتراق السعفة خوصة النخل [رواه أحمد: 10956، وصححه الألباني صحيح الجامع:7422].
وبعض العلماء قالوا: حديث عبدالله بن عمرو لا يمكن أن نسلم به؛ لأنه كان معروفاً بالأخذ عن أهل الكتاب، وإنه وجد من أهل الكتاب، فكان يحدث بما فيهما، وقد يكون هذا منها.
لكن نقول: ما بعد طلوع الشمس إلى نفخ الصور مدة الله أعلم بها، ولو ثبت أن هذه المدة، فإنها تمر مروراً سريعاً جداً.
وردت الأحاديث ذكر أن ثلاثاً إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها، وذكر منها الدجال، فقال:  ثلاث إذا خرجن  لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: 158]: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض  [رواه مسلم: 158].
طلوع الشمس من مغربها ودابة الأرض هذه فهمناها، والدابة ستطلع بعد طلوع الشمس من مغربها مباشرة تختم علي الناس مؤمن كافر، تختم علي الناس بحسب حالهم، والختم هذا هو ختم النهاية.
لكن الإشكال في الدجال هل إذا خرج الدجال لا ينفع نفسه إيمانها أيضاً؟ وهناك خروج عيسي، وعيسي سيكون في عهده إيمان وإسلام، ولا يقبل من الكفار إلا الإسلام؟
فقال البيهقي: وكذا في قصة الدجال لا ينفع إيمان من آمن بعيسي عند مشاهدة الدجال، وينفعه بعد انقراضه. [فتح الباري لابن حجر: 11/354] فهذا من الإجابات.
على أن بعض المحدثين قالوا: إن الدجال لعل هذه اللفظة مستبدله من الدخان، وليست الدجال، وإنما هي الدخان، وأن النبي عليه الصلاة والسلام قال:  بادروا بالأعمال ستاً: الدجال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة أحدكم  [رواه مسلم: 2947].
هذه أشياء ضخمة كبيرة تشغل الإنسان؛ لأنه يطيش عقله، فعلي حسب ما كان عليه الحال قبل ذلك، فهو في الغالب يستمر عليه، بمعنى انه الآن إذا صارت المسألة إيمان اضطراري لا ينفع النفس شيئاً.
ذكر الدجال في هذا إشكال الله اعلم بجوابه، هذا جواب البيهقي، وكلام بعض المحدثين أن لفظة الدجال هنا محرفة، وإنما هي الدخان، وفي تشابه في طريقة الكتابة.
وقوله: لا ينفع العمل إذا طلعت الشمس، وإذا خرجت الدابة، فهذا معروف وواضح.
إذاً يكون هنا عرفنا مسألة طلوع الشمس من مغربها، وأثرها في ذلك الوقت علي النفوس، وبداية تغير أحوال العالم العلوى، وننتقل بعد ذلك إلى موضوع خروج الدابة.
خروج الدابة:
00:25:50
 ثبت خروج الدابة آية من آيات الله عز وجل وحججه على خلقه نصا في كتاب الله المبين، قال تعالي  وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرض تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتنَا لَا يُوقِنُونَ [النمل: 82].
ما معنى  وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا ؟
في ارتباط بين خروج الدابة ووقع القول، ما هو وقوع القول هذا؟
فقال بعض المفسرين: العذاب  وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أي: العذاب.
قال جماعه أيضاً: إذا وجب عليهم العذاب.
وقيل: إذا غضب الله عليهم.
وقيل: إذا وجبت الحجة عليهم إذا انهم لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر.
وقيل: المراد ما وعدوا به من مشارطة قيام الساعة، وقد تظاهرت الاحاديث الدالة علي خروج هذه الدابة، وأنها من أشراط الساعة، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم  في حديث الأشراط فذكر منها: دابة الأرض.
والعلماء سطروا هذا في كتب العقيدة، وقالوا: نشهد أن الدجال حق، وأن الدابة حق، يعنى: أن خروجه حق، أما دعوته باطلة.
وقد ارتبط ذكر هذه الآية، وظهورها بآية أخرى من آيات الله العظام، وهي طلوع الشمس من مغربها، وجاء الحديث أن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى.
متى تخرج الدابة؟
في الضحى بعد طلوع الشمس.
ومتى ينتهي وقت الضحى؟
قبيل الظهر.
فقال:  وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على أثرها قريباً  [رواه مسلم: 2941].
قال الحافظ ابن حجر: طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام، والمؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة"، التغيرات العلوية تنتهي بقيام الساعة، "ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب". [فتح الباري: 11/353].
فالحافظ ابن حجر، يرجح أو يظن أن خروج الدابة في نفس يوم طلوع الشمس من مغربها، فالطلوع يحدث، ثم خروج الدابة في نفس اليوم.
والحاكم أبو عبدالله النيسابوري صاحب المستدرك قال: "الذي يظهر أن طلوع الشمس يسبق خروج الدابة، ثم تخرج الدابة في ذلك اليوم، أو الذي يقرب منه.
قال الحافظ: "والحكمة في ذلك أنه عند طلوع الشمس من المغرب يغلق باب التوبة، فتخرج الدابة تميز المؤمن من الكافر تكميلاً للمقصود من إغلاق باب التوبة". [فتح الباري: 11/353].
وإذا كان خروج الدابة قرين هذه الآية العظيمة، وهي خروج الشمس وطلوعها الشمس من مغربها، فإنها في الخروج كفرسي رهان متقاربتان جدا.
فهي كآية الشمس إذا خرجت لا ينفع نفساً أن تستأنف إيماناً أو عملاً لم تكن كسبته من قبل.
صفات الدابة:
00:29:20
 هذه الدابة التي ستخرج.
هل لها صفات؟
جاء فيها روايات لكنها ضعيفة، أن ما بين قرنيها فرسخ للراكب. [تفسير ابن أبي حاتم:15521]، وأنها مثل الحربة العظيمة [تفسير ابن أبي حاتم: 15520].
وأنها دابة ذات زغب وريش، ولها أربع قوائم لكن سند هذه الرواية عن ابن عباس ضعيف.
فما ورد من الآيات في وصفها أن لها ريش، وزغب، وحافر، ولحية، وأن رأسها رأس الثور، وعينها عين الخنزير، وأذنها كأذن الفيل، وعنقها عنق النعامة، وصدرها صدر الأسد، ولونها لون النمر، وخاصرتها خاصرة الهرة، وزينبها زينب الكبش، وقوائمها قوائم بعير، ما بين كل مفصلين اثنى عشر ذراعا.
وأنه يخرج معها عصى موسي وخاتم سليمان. [تفسير ابن أبي حاتم: 15519]، لم يثبت لكن لاشك أنها دابة عظيمة؛ لأنها تبهر الناس، وهذه ليست يعنى حيواناً مخلوقاً صغيراً لا،  وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرض تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتنَا لَا يُوقِنُونَ [النمل: 82].
فهي مخلوق مذهل يتكلم، دابة، حيوان، الله أعلم بشكله وصورته وخلقه؛ لأن بعض العلماء قالوا: أنها ناقة صالح تخرج مرة أخرى، تخرج آخر الزمان، لكن لا دليل علي ذلك، نريد دليلاً صحيحاً.
قالوا بعضهم: أنها من فصيلة ناقة صالح، والذين قالوا بذلك جاءوا بحديث فيه أن الناس لم يروعهم إلا وهو ترغو ما بين الركن والمقام الدابة، تخرج بين الركن والمقام. [مسند أبي داود الطيالسي: 1165].
والرغاة: من أصوات الابل، لكن هذه الرواية أيضا في سندها رجل متروك، فلا نستطيع الاعتماد عليها.
بعضهم قالوا: أن الدابة هذه هي الجساسة التي وردت في حديث الدجال، وهذا أيضاً ما جاء به حديث صحيح.
بعضهم قال: أنه الثعبان الذي كان تحت الكعبة يحمي كنز الكعبة.
تأويلات المدرسة العصرانية العقلانية:
وبعضهم قال: أن الدابة إنسان يتكلم، ويناظر أهل الكفر ليسكتهم، وهذا قول يليق بالذين يقدمون العقول على النصوص، والذين يريدون تمييع الأمور.
هناك اتجاه عند بعض السخفاء المنحرفين يأتون إلى الآيات العظام، إلى آيات الله العجيبة، ويقولون: هذا الكتاب يمكن أن يقرأه كافر، فلا بد نحاول نخليها قريبة من عقول الكفار، فيأتوا مثلاً إلى: تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ  [الفيل: 4]، الطير التي رمت أبرهة وجيشه، يقولون: هذه جراثيم مرض الجدري.
يقولون: إن الكفار إذا قرأوها، وقرأوا تفسير الآيات، وطير ترمي الحجارة، ما يصدق، فيحاولون تمحية بعض الأمور، فيأتي مثلاً علي الدابة هذه، دابة عظيمة تخرج وتختم علي الناس وتكلم، فيقولون: لكن هذه يمكن إذا قرأها الكفار لا تدخل عقولهم، دعونا نفسرها بأنها إنسان يتكلم، ويحاجج الناس، ويسكت الكافر والمبتدع، ويقيم عليه الحجة.
هذا منهجهم منهج ضلالي منحرف، ضاعت الآيات، إذا كان اليوم كل شيء عادي.
ولذلك يقولون: إن الدجال أمريكا، عندهم كله من هذا النمط، يعنى: أي: من الآيات الحق هذه يريدون التهوين منه، ويقولون: على شأن نقرب العقول، يعنى: هناك ناس عقولهم لا تتحمل، ذنبه عليه، سيذوق وبال أمره، لكن نحن نؤمن
 أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ  [النمل: 82]، هل الانسان يطلق عليه دآبة؟ الذين قالوا أن الدابة إنسان، وأنه يناقش الناس، هل الإنسان يطلق عليه دآبة في الشرع، أو في العقل، أو في العرف؟ هل الانسان يطلق عليه دابة؟
والأعجب من ذلك الاثنى عشرية أهل الرفض الذين يقولون: علي بن أبي طالب يخرج، ويقنع الناس إذا كانوا يوقرون عليا، فكيف يسمحون لأنفسهم أن يفسروا الدابة بعلي، يعنى: علي هو الدابة، ما هذا التوقير والاحترام؟ وهذا موجود في كتبهم.
هي دابة حقيقة هي دابة تخرج من الأرض، تنشق الأرض تخرج هذه الدابة، وأنها دابة تتكلم بفصاحة بكلام حقيقي، وسبق في أشراط الساعة أن تكلم السباع الإنسان سيحدث، والجماد سيتكلم، وعذبة سوطه طرف السوط يتكلم، وفخذ الإنسان سيتكلم، في آخر الزمان هذه كلها ستتكلم، فما العجب أن هذه الدابة العجيبة ستتكلم؟
لكن انظر إلى التحريف الباطل إلى هذا التحريف العقلاني -هم يسمونه عقلاني- وهو ضد العقل في الحقيقة، فيأتي واحد مثل محمد فريد وجدى في دائرة معارف القرن العشرين من أصحاب العقول المنحرفة هؤلاء، يقول:  أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ  يعنى: الجراثيم، وتكلمهم.
قال: تكلمهم من الكلم، وهو الجرح، يعنى: تجرحهم من الكلم، وليس من الكلام، وتفتك بالإنسان، وجسمه، وصحته، وتجرح، وتقتل.
فأي آية في الموضوع؟ فالجراثيم من زمان موجودة، وتفتك بالناس، ثم الجراثيم لا ترى، وهذه الدابة ترى ويراها الناس، ثم الحديث أنها تسم الناس على وجوهم كافر، وتطبع عليه طبع واضح كافر مؤمن، كافر مؤمن، وهكذا، فهل الجراثيم تطبع علي الناس؟.
هذا شغل المدرسة العصرانية العقلانية المتعفنة، الذين يريدون تحريف النصوص، كل همهم أن الكفار لا يضحكوا علينا، وأن يكون الدين مقبول عند الجميع،  وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ  [البقرة:120]، لن يكون مقبولاً عند الجميع، هناك أعداء للدين مهما عملت هل يؤمنوا؟
ولذلك علق الشيخ العلامة المحدث المصري رحمه الله علي هذه الباطنية المعاصرة، قال: "والآية صريحة بالقول العربي أنها دابة، ومعنى الدابة في لغة العرب معروف واضح، لا يحتاج إلى تأويل، ووردت أحاديث كثيرة في الصحاح وغيرها بخروج هذه الدابة الآية، وأنها تخرج آخر الزمان، ووردت أثار أخر في صفتها لم تنسب إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم" إلى أن يقول: "ولكن بعض أهل عصرنا من المنتسبين للإسلام الذين فشا فيهم المنكر من القول، والباطل من الرأي الذين لا يريدون أن يؤمنوا بالغيب، ولا يريدون الا أن يقفوا عند حدود المادة التي رسمها لهم معلموهم وقدوتهم، ملحدوا أوربا الوثنيون الإباحيون المتحللون من خلق ودين". [مسند أحمد بتحقيق أحمد محمد شاكر: 15/82].
لماذا سافروا الغرب؟ فتنوا بالغرب، قالوا: لا نؤمن إلا بالمحسوسات، الدابة شيء غريب الجراثيم، الدجال شيء غريب كذا الاستعمار.
هذه نصوص شرعية بكلام عربي مبين، والقرآن يفهم علي ظاهره، ما فيه تأويلات من هذا النوع الأعوج.
والحقيقة كان لمدرسة جمال الدين الأفغاني المنحرفة، وكثير من آراء تلميذه محمد عبده الباطلة أثر على الكُتاب الذين تأثروا بهذه المدرسة المنحرفة.
أيضاً الأقوال التي جاءت أنها تخرج في موقع قرب مكة، وبعضهم قال: تخرج من صخرة بأجياد، وبعضهم قال: تخرج من جبل الصفا، ينصدع وتخرج، وبعضهم قال: من بعض البوادي، ومن بعض القرى، ومن أشرف المساجد، ولكن ما عندنا دليل صحيح نقول به.
إذن نمسك ما عندنا شيء ثبت في مكان خروجها، ما عندنا شيء ثبت في شكلها نمسك، لكن عندنا أشياء أنها دآبة حقيقة، أنها آية عظيمة، أنها تتكلم، وتختم علي الناس.
فماذا تقول لو تكلمت؟ قال الله تعالي: وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرض تُكَلِّمُهُمْ ماذا تتكلم ماذا تقول؟  تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتنَا لَا يُوقِنُونَ [النمل: 82].
أذن تكلمهم، وتتحدث معهم، ماذا تقول لهم:  أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتنَا لَا يُوقِنُونَ ، هذا ما تفعله.
أين تختم الدابة علي كل واحد؟
قد ورد في هذا حديث شريف مكان الختم، فروى الإمام أحمد عن أبي أمامة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: تخرج الدابة فتسم الناس علي خراطميهم  [رواه أحمد: 22362، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة: 322].
ما معنى  علي خراطيمهم  ؟ جمع خرطوم، وهو الأنف في اللغة.
ما معنى تسم؟ من الوسم الكى يستعملونه في تمييز الدواب، طبعه علي جلد الدابة بالكي محمى بالنار حتى يضع العلامة الختم.
قال:  تسم الناس علي خراطيمهم ، الوسم هو الأثر في الوجه، والوشم هو الأثر في البدن، والخرطوم هو الأنف، سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ  [القلم: 16].
فتؤثر في أنفه سمة يعرف بها، قال عليه الصلاة والسلام:  تخرج الدابة، فتسم الناس علي خراطيمهم، ثم يغمرون فيكم حتى يشترى الرجل البعير، فيقول ممن اشتريته، فيقول: اشتريته من أحد المخطمين  [رواه أحمد: 22362، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة: 322].
وفي رواية:  يقول: ممن اشتريته، فيقول: من الرجل المخطم  [صحيح الجامع الصغير: 2927] من أحد المخطمين.
هناك ناس سيأتون بعدهم، والواحد يشترى بعيرا، فيسأل من الذي باعك البعير، فيقول: اشتريته من رجل مخطم من الذي ختمت عليهم الدابة.
فيه أجيال تخرج، وسيقول واحد ممن جاءوا: اشتريت بعيراً من الرجل المخطم، وستقول الدابة للناس بكلام فصيح واضح،  وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرض تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتنَا لَا يُوقِنُونَ  [النمل: 82]، وهذا فيه تحقير للكفار، وتنديم لهم، وخزى لهم عندما تقول لهم الدابة هذا الكلام.
الريح التي تقبض أرواح المؤمنين:
00:43:31
 جاء في صحيح مسلم عن عبدالرحمن بن شماسة المهري قال: كنت عند مسلم بن مخلد، وعنده عبدالله بن عمرو بن العاص، فقال عبدالله: "لا تقوم الساعة الا علي شرار الخلق هم شر من أهل الجاهلية، لا يدعون الله بشيء إلا رده عليهم، فبينما هم علي ذلك" -المجتمعون هؤلاء- "يتكلمون أقبل عقبة بن عامر، فقال له مسلم: يا عقبة اسمع ما يقول عبدالله، فقال عقبة: هو أعلم، وأما أنا فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:  لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون علي أمر الله قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم علي ذلك ، فقال عبدالله: أجل،  ثم يبعث الله ريحاً كريح المسك، مسها مس الحرير، فلا تترك نفساً فيها مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته، ثم يبقي شرار الناس عليهم تقوم الساعة  هذا رواه مسلم في صحيحه [1924].
وفى رواية أخرى لمسلم: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:   أن الله يبعث ريحاً من اليمن ألين من الحرير، فلا تدع أحداً في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته  [رواه مسلم: 117].
بعد الوسم والختم، وانتهت الأعمال، ستأتي ريح من اليمن، وتقبض المؤمنين، كمس الحرير، لا تترك نفساً فيها مثقال حبة من الإيمان إلا تقبضها.
من الجيل الذي سيبقي بعد ذلك؟
كفار، أشرار. هؤلاء عليهم تقوم الساعة.
متى هذه الريح ستكون؟
بعد خروج الدابة، وبعد طلوع الشمس من مغربها.
وقد جاء في حديث آخر في رواية لمسلم في هذه الريح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذكر الدجال يخرج الدجال في أمتى، فيمكث أربعين لا أدري أربعين يوماً، أو أربعين شهراً، أو أربعين عاماً، فيبعث الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحا باردة  قال في الحديث:  فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه .
قال: فيبقي شرار الناس في خفة الطير، وأحلام السباع، لا يعرفون معروفاً  كلها طبائع عدوانية، عقول مثل عقول الطير ما فيها خفيفة  ولا ينكرون منكراً، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دار رزقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور  [رواه مسلم: 2940].
النار التي تحشر الناس:
00:47:15
 وبعد قضية خروج الدابة، وهذه الريح التي تقبض أرواح المؤمنين سنتحدث أخيراً في أشراط الساعة الكبرى.
النار التي تحشر الناس: روى مسلم في صحيحه عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: اطلع النبي صلى الله عليه وسلم  علينا ونحن نتذاكر، فقال ما تذاكرون؟
قالوا: نذكر الساعة.
قال:  أنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات ، وفي آخر الحديث  وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم  [رواه مسلم: 2901].
فهذه النار هي آخر علامة من علامات الساعة الكبرى، ولا يبقى بعدها إلا النفخ في الصور.
خروج النار هذا لا يعلمها إلا الأنبياء، ولذلك لما سأل اليهودي عبدالله بن سلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاب عنها أنه لا يعلمها إلا نبي، وذلك كما جاء في حديث البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن عبدالله بن سلام رضي الله عنه قبل أن يسلم بلغه مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وأتاه يسأله عن أشياء، فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟
قال:  أخبرني به جبريل آنفاً .
قال ابن سلام: ذلك عدو اليهود من الملائكة.
قال:  أما أول أشراط الساعة: فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد .
قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله" ...الحديث [رواه البخاري: 3938].
والشاهد منه قوله:  أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب .
قال: بعضهم إن النار هذه: الفتن والحروب، وأنها تخرج من جهة المشرق، وأن هذا وقع أيام التتر، ولكن ما هو الأصل في ألفاظ الكتاب والسنة أنها تحمل على ظاهرها، وعلى حقيقتها، والنار نار هذا هو الأصل، ولا داعي للتأويل.
تواردت الأحاديث على إثبات هذه العلامة، وجاء أنها أول أشراط الساعة، فكيف الجمع بينه وبين حديث حذيفة أنها آخر الأشراط؟
حاول بعضهم أن يقول: أنهما ناران، وأن أحداهما تخرج من المشرق، والأخرى تخرج من اليمن، لكن الصحيح أنهما نار واحدة، لكن الرواية التي قالت: آخر الأشراط باعتبار ما ذكر معها من الآيات، يعنى: قبلها الدجال، والدابة، ويأجوج مأجوج، وطلوع الشمس، وإلى آخره.
والحديث الذي فيه أول الأشراط: أول الآيات التي لا شيء بعدها من أمور الدنيا، أولية باعتبار قيام الساعة إنها الآن على وشك أن تقوم.
من أين تخرج النار؟
هذه النار من أين ستخرج؟
عندنا رواية أنها تخرج من المشرق، ورواية أنها تخرج من اليمن، هناك حديث لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى  [رواه البخاري: 7118، ومسلم: 2902]، هذه النار غير النار التي نتحدث عنها.
هذه النار خرجت في القرن السابع الهجري، وكانت من أشراط الساعة الصغرى، وخرجت بمكان معين، وهو الحجاز، ورأوا أعناق الإبل ببصرى على ضوئها، وكتبت في كتب التاريخ، وذكرت كما ذكرها أبو شامة، وغيرهم من أئمة الإسلام.
لكن الآن لا نتحدث عن نار الحجاز التي خرجت قرب المدينة، وإنما نتحدث عن نار تحشر الناس، ففي رواية:   أنها تخرج من قعر عدن [رواه أبو داود: 4313، وصححه الألباني صحيح الجامع الصغير: 1635]، فلا إشكال قعر عدن في اليمن، لكن كيف نفعل في الرواية التي تقول:  أنها تخرج من المشرق ؟ [رواه أحمد:  12076، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة: 3493].
الحافظ بن حجر رحمه الله قال: "وظهر لي وجه في الجمع أن كونها تخرج من قعر عدن لا ينافي حشرها للناس من المشرق إلى المغرب، وذلك أن ابتداء خروجها من قعر عدن، فإذا خرجت انتشرت في الأرض كلها، والمراد بقوله: تحشر الناس من المشرق إلى المغرب أرادة تعميم الحشر لا خصوص المشرق والمغرب، أو أنها بعد الانتشار أول ما تحشر أهل المشرق" [فتح الباري: 11/378].
يعنى: هي تخرج من قعر عدن أول ما تخرج النار من قعر عدن، ثم تذهب إلى المشرق، فتحشر أهل المشرق إلى الشام، ثم تذهب إلى المغرب، فتحشرهم كذلك تعم الأرض، تأتى بكل الناس الذين في الأرض تأتى بهم إلى الشام، رغما عنهم سيساقون بالنار إلى هذه البقعة التي ستقوم عليهم فيها الساعة، ويموتون جميعا، آخر جيل من البشرية.
وعن عبدالله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  ستخرج نار من حضرموت، أو من نحو بحر حضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس  [رواه الترمذي: 2217، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 3609].
وفي رواية لمسلم: ونار تخرج من قعرة عدن ترحل الناس  [رواه مسلم: 2901].
وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين، راهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، ويحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا  -يعنى: قيلولة-  وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسو  [رواه البخاري: 6522، ومسلم: 2861].
السؤال: هل الحشر هذا الراغبين، والراهبين، واثنان على بعير، وثلاث على بعير، وعشرة يعتقبون بعيراً.
ليس معناه أن كل العشرة فوق البعير الواحد، لا يتحمل، لكن المقصود أنه يركب بعضهم، والآخرون يمشون، ثم ينزل الذين ركبوا ويركب الآخرون، ثم ينزل الذين ركبوا ويركب الآخرون، وهكذا يعتقبون.
يعنى: يتوالون علي البعير، مشوار طويل يحتاجون إلى الدواب، والنار معهم إذا نزلوا، النار معهم إذا مشوا، النار وراءهم إذا باتوا، النار معهم، وهكذا حتى توصلهم الى مكان أرض المحشر.
بعض العلماء فهموا أن هذا الحديث يوم القيامة، يعنى: المقصود أن الحشر بعد الخروج من القبور، لكن البعض الآخر فهموا أن هذا قبل قيام الساعة، أن هذا حشر النار وليس الحشر من القبور.
لأن الحشر حشران: حشر قبل قيام الساعة، وهو حشر كل الناس من المعمورة من الأرض إلى هذا المكان المعين الذي سينفخ في الصور والناس متجمعين فيه، ويموتون، والحشر الذي سيكون بعد نفخة البعث عندما يخرج الناس من قبورهم إلى أرض المحشر، يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ  [إبراهيم: 48].
وقد ورد في رواية أن الحشر يكون في القيامة، لكن هذا ليس هذا هو الراجح، والراجح أن الحشر المذكور في حديث البعير وثلاث طرائق أنه سيكون في آخر عمر الدنيا، حين تخرج النار من قعر عدن تحشر الناس من الأرض؛ هذه النار مكان خروجها من اليمن من قعر عدن، لكن ستنتشر في جميع الأرض في كل القارات في كل المعمورة، وأي أحد موجود في أي مكان في العالم ستأتي به النار إلى الشام، وهذا الذي قال به الخطابي، والقرطبي، والقاضي عياض، والنووي، والطيبي، وابن كثير، وابن حجر، وغيرهم من أهل العلم. [فتح الباري: 11/379].
الحشر الذي نتحدث عنه هو حشر في آخر الدنيا قبيل القيامة، وقبيل النفخ في الصور، تحشر بقيتهم النار تبيت معهم تقيل تصبح تمسي،  وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن ترحل الناس  وفي رواية:  تطرد الناس إلى محشرهم  [رواه مسلم: 2901].
وجاء في حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  ستخرج نار من حضرموت، أو من نحو بحر حضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس  قالوا: يا رسول الله! فما تأمرنا؟ قال:  عليكم بالشام  [رواه أحمد: 5146، والترمذي: 2249، وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة: 2768].
وأيضاً جاء في حديث عبدالله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم:  ستكون هجرة بعد هجرة، ينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم ، أين المكان الذي هاجر إليه إبراهيم الخليل؟ إلى الشام. من أين هاجر؟ من العراق.
فالشام هي مهاجر إبراهيم الخليل، والمدينة النبوية هي مهاجر النبي محمد صلى الله عليه وسلم . فإبراهيم هاجر في ذات الله، ومحمد صلى الله عليه وسلم والمهاجرون هاجروا في ذات الله، كان انتقال إبراهيم الخليل إلى بقعة يستطيع أن يعبد فيها ربه بعد أذى النمرود وقومه الطغاة، والناس سيحشرون في آخر الزمان إلى مهاجر إبراهيم، يعنى: الشام.
قال: ستكون هجرة بعد هجرة، ينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم، لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، تلفظهم أرضوهم، تقذرهم نفس الله، تحشرهم النار مع القردة والخنازير  [رواه الحاكم: 8497، وصححه الألباني صحيح الترغيب: 3091].
هذا آخر جيل من البشرية ما فيه خير أبداً، لا يعرفون لفظ الجلالة أصلا. لا تقوم الساعة وفي الأرض من يقول: الله الله  [رواه مسلم: 148].
 تلفظهم   تقذفهم وترميهم أرضوهم التي هم فيها، والنار تحشرهم. ونفس الله تكرههم وتمقتهم، يعنى: ذات الله، والنار تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، والحديث قال عنه ابن حجر: إسناده لا بأس به. [فتح الباري: 11/380]. وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح [المسند:6871].
هذا ما يؤكد أن الحشر حشر الدنيا؛ لأن نار الآخرة لن تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، لكن هؤلاء الذين يحشرون من أقطار الأرض إلى الشام النار لهم بالمرصاد، النار ورائهم حتى يأتوا مرغمين إلى تلك المنطقة.
وجاء في الحديث أيضاً: أن الشارف الواحد، يعنى: البعير يشترى بالحديقة المعجبة، بستان كبير يدفع ثمنا لشراء بعير. لماذا؟
لأن التوجه لا بد إلى الشام، فيصير الواحد مستعد أن يبيع بستاناً عظيماً ومزرعة كبيرة من أجل بعير واحد؛ لقلة الدواب، وكثرة الطلب، الناس كلهم تريد إبل دواب تركب عليها، لأن النار تحشرهم، فمستعد الواحد يدفع بستانه ثمنا لبعير يوصله إلى هذا المكان.
قال: الشارف الواحد بالحديقة المعجبة، ويهون العقار وهو من أنفس الأموال، الآن المستثمرين إذا فزعوا راحوا للعقار، فالعقار من أنفس أموال الناس.
لكن النار التي تحشرهم تلهيهم عن الدنيا والعقارات، يبحث الواحد عن وسيلة مواصلات يصل بها إلى الشام، اتجاه إجباري، اتجاه موحد إلى الشام، فأي مزرعة، وأي أرض، أي بيت، وأي عقار.
ولذلك يكون العقار هينا عند أهله لقلة الدواب، وعزة الظهر، الظهر يعنى: المركوب، عزيز قليل، وهناك أناس سيحشرون طاعمين كاسيين راكبين، وقسم يمشون، وآخرون يعتقبون نوبات علي البعير الواحد: اثنان علي بعير، وثلاث علي بعير، وعشرة علي بعير.
وقال في الحديث:  وتحشر بقيتهم النار  [رواه مسلم: 2861]، التي تخرج من قعر عدن، وتحيط بالناس من ورائهم تسوقهم من كل جانب إلى أرض المحشر، ومن تخلف أكلته النار.
جاء في الحديث أن من تخلف عنها أكلته؛ لذلك مضطرين إلى الذهاب إلى ذلك المكان، ولو كان في الآخرة فلا دواب في المحشر، وأكل وشرب، وآخر من يحشر في العالم راعيان من مزينة، من قبيلة مزينة يرعيان الغنم،  ينعقان بغنمهما، فيجدانها وحشا  توحشت  حتى إذا بلغت ثنية الوداع خرا علي وجوههما  [رواه البخاري: 1874، ومسلم: 1389].
هذه نهاية الناس على كوكب الأرض، وأنهم سيحشرون إلى ذلك المكان، تأكل النار من تأكل، والبقيه سيصلون هناك، ثم ينفخ في الصور نفخة الصعق، ونفخة الموت فيموت الناس جميعاً، ويكون هذا الحشر من جميع أقطار الأرض؛ ليلقى الناس آخر جيل في البشرية مصيرهم في ذلك المكان؛ لذلك قال:   الشام أرض المحشر والمنشر  [البزار:3965 ، وصححه الألباني تخريج أحاديث فضائل الشام ودمشق:13 ].
وبهذا نكون قد أنهينا ذكر أشراط الساعة الكبرى بعد ما مررنا علي أشراط الساعة الصغرى.
 وربما يبقي لدينا درس في الفوائد الدعوية والتربوية التي تؤخذ من أشراط الساعة، ولكن هذا سيكون إن شاء الله في وقت آخر لعله لا يكون بعيداً، لكن هذه نهاية دروس هذه السلسلة، -سلسلة أشراط الساعة- وفيها فوائد بليغة، وعبر عظيمة، ودروس كبيرة، وهي من الغيب الذي يجب علينا أن نؤمن به.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الإيمان والإخلاص والتقوى، وأن يجعلنا من المستمسكين بالعروة الوثقى، وأن يجعل خروجنا من هذه الدنيا على شهادة التوحيد، وعلى ما يحب ويرضى، إنه هو السميع، وهو أهل المغفرة، وأهل التقوى. وصلى الله علي نبينا محمد، وعلي آله وصحبه اجمعين.