الأربعاء 19 محرّم 1441 هـ :: 18 سبتمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

التوكل على الله في الأزمات


عناصر المادة
العبادة والاستعانة لله وحده.
أقسام الناس في التوكل على الله.
أهمية التوكل في وقت الأزمات.
من معاني التوكل الأخذ بالأسباب الشرعية.
قصة فلم انتشر في بعض البلدان العربية والتنبيه على ذلك.

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَسورة آل عمران102.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًاسورة النساء1.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًاسورة الأحزاب70-71.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

العبادة والاستعانة لله وحده.
00:01:07

أيها الأخوة:

قال الله في كتابه العزيز: الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُسورة الفاتحة1-4. جمع الدين في هذه الآية، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وابتلى عباده في عبادته، والاستعانة به، من الذي يعبده حق عبادته، ومن الذي يستعين به حق الاستعانة.

أيها الأخوة:

لقد أُتي أكثر الناس من هذه الجهة، وقد جاء النقص، ودخل على الناس من هذه الجهة، جهة النقص في العبادة، وجهة النقص في الاستعانة، ولذلك فأنت تراهم إذا نزل بهم أمر، أو حلت بهم كارثة، أو أحاطت بهم مصيبة، فإنهم يفقدون العبودية لله، أو جزء منها، ويفقدون الاستعانة بالله عز وجل، والتوكل عليه، وتفويض الأمور إليه، فمنهم من يسقط في يده، ولا يستطيع حولاً، ولا قوة بشرية، فضلاً عن الاستعانة بحول الله، وقوت الله أصلاً.

أيها الأخوة:

لقد فقد كثير من الناس بعض معاني التوكل على الله، وتفويض الأمور إليه، واللجوء إليه عند الشدائد، فقدوا معاني عظيمة، ولذلك تراهم -وفي هذه الأيام بالذات- يتخبطون، ويضطربون، ويخافون، ويجبنون، ولا يستطيعون لأمورهم تصريفاً، ولا حتى الأخذ بالأسباب الشرعية الأخذ الصحيح، ولذلك فأنت ترى هؤلاء يموجون، ويضطربون، كأنهم مساكين، لا يستطيعون أن ينظروا إلى الأمام، ولا إلى الورى.

أيها الأخوة:

إن هذا الخبط، وإن هذا الاضطراب، إنما نتيجته قطعاً، فقدان التوكل على الله عز وجل، وتفويض الأمور إليه، أيها الأخوة:

إذا كنا مؤمنين حقا فهل عرفنا كيف نتوكل على الله الذي قال لنا: وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَسورة المائدة23. إذا كنا مؤمنين حقاً، فهل علمنا يقينا أننا إذا توكلنا على الله، بأن الله يحفظنا، وأن الله يعيننا، وأن الله ينصرنا، وأن الله يدرأ عنا، وأن الله يبعد  الشرور عنا.

أيها الأخوة:

وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُسورة الطلاق3. فهو يكفيه يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُيكفيك الله وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَسورة الأنفال64. يعني يكفيك، ويكفي من اتبعك من المؤمنين، الله عز وجل كافيك، وكافي أتباعك يا محمد صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَسورة يونس84. فَقَالُواْ عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَاسورة يونس85. من الذي يحفظ؟ الله، ومن الذي ينصر؟ الله، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًاسورة الأحزاب3. لما ألقي إبراهيم في النار، وفقد الأخذ بأي سبب من أسباب الدنيا، لم تنقطع صلته بالله، لا من قبل، ولا من بعد، ولا أثناء الرمي، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُسورة آل عمران173. قال ابن عباس: "حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له: "إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل"[رواه البخاري4563]. وكان صلى الله عليه وسلم يقول كما في دعاء الصحيحين: (اللهم لك أسلمت وبك أمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت)[رواه البخاري1120ومسلم769]. الحديث، إذن كان لا يفتر أن يتوكل على الله في جميع أموره، وأن يذكر نفسه بأن يذكر هذه العبارة أنه لا يزال متوكلاً على الله.

أيها الأخوة:

وأنتم تسمعون الآن الأنباء، والأخبار، والتحليلات السياسية، وقول من يقول: إن موعد الحرب قد اقترب، وغير ذلك من الأقوال، لا بد أن تذكروا، ولا بد أن نذكر جميعاً، أن الله سبحانه وتعالى هو المهيمن، وأنه هو الجبار، وأنه هو القوي، وأنه مالك الملك، وأنه مصرف الأمور, لو أراد أن يقع شيء لوقع، ولو أراد أن لا يقع شيء لما وقع أبداً، وإن فعل الفاعلون ما فعلوا، فإذن العبد الذي يعلم هذه الحقيقة هو الذي لا يضطرب، ولا يجبن، ولا يهلع، وإنما يتوكل على الله، ويأخذ بالأسباب الأخذ الشرعي، الذي لا يتناقض مع التوحيد.

أيها الأخوة:

كان صلى الله عليه وسلم إذا خرج من بيته أبسط الأمور يقول: (بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله) يقال له- لمن قال هذه العبارة – (هديت، وكفيت، ووقيت).[رواه أبو داوود5095]. (هديت، ووقيت) وقيت من كل شر، (وكفيت) كفيت كل عدو.

أقسام الناس في التوكل على الله.
00:07:43

أيها الأخوة:

إن التوكل على الله نصف الدين، والناس في التوكل على الله أقسام: فمنهم من يتوكل على الله، ومنهم من يتوكل على غير الله، والذين يتوكلون على الله أقسام: فمنهم من يتوكل عليه في الإيمان، ونصرة الدين، وإعلاء كلمة الله عز وجل، وجهاد الأعداء، وعبادته سبحانه وتعالى، هؤلاء الذين يتوكلون عليه في نصرة الدين، وقمع المبتدعين، وزيادة الإيمان، والعلم، ومصالح المسلمين، هؤلاء هم الرسل، وورثة الرسل، وأتباعهم إلى يوم الدين

 

إن التوكل على الله نصف الدين، والناس في التوكل على الله أقسام: فمنهم من يتوكل على الله، ومنهم من يتوكل على غير الله، والذين يتوكلون على الله أقسام: فمنهم من يتوكل عليه في الإيمان، ونصرة الدين، وإعلاء كلمة الله عز وجل، وجهاد الأعداء، وعبادته سبحانه وتعالى، هؤلاء الذين يتوكلون عليه في نصرة الدين، وقمع المبتدعين، وزيادة الإيمان، والعلم، ومصالح المسلمين، هؤلاء هم الرسل، وورثة الرسل، وأتباعهم إلى يوم الدين

 

، ومن الناس من يتوكل على الله في أمور من الدنيا ينالها، من رزق، أو عافية، أو خلاص من عدو، أو حفظ ولد، وهذا جائز ولا شك، بل هو واجب من ناحية أصله، وهو التوكل على الله المباح من جهة المتعلق به، وهو الخلاص من عدو، أو طلب غنيمة، أو رزق، أو شفاء من مرض، أو حفظ ولد، و نجاة إنسان مشرف على الخطر، و نحو ذلك، يجب التوكل على الله فيها، ولكن من الناس من يجعل كل همه في التوكل في الأشياء الدنيوية، نحن نتكلم الآن في المتوكلين على الله، الذين يجعلون همهم في التوكل على الله في الأشياء الدنيوية، كسد جوع، أو الخلاص من وجع، وهؤلاء الذين يتوكلون فلينظروا إلى ما توكلوا به، من سد جوع يحصل بنصف رغيف، أو ذهاب وجع يحصل بأقل مداواة، فلينظروا أن لا يحبسوا توكلهم في هذه الأشياء فقط، يجب أن يتوكلوا على الله فيها، ولكن لا يصلح أن يحبسوا توكلهم فيها فقط، وينسوا التوكل على الله في الإيمان، ينسوا التوكل على الله في العبادات، ينسوا التوكل على الله في طلب العلم، ينسوا التوكل على الله في الجهاد لإعلاء كلمت الله، ينسوا التوكل على الله في نشر الدين، هذه المتعلقات التي غفل أكثر الناس عنها لانشغالهم بالدنيا.

أيها الأخوة:

لا بد أن نتوكل على الله في الأمور كلها، ولكن ينبغي أن تكون مجالات التوكل عامة عندنا، لتشمل العبادات، والطاعات، والمباحات، ومن صدق في توكله فلا بد أن يحصل الشيء الذي طلبه، والتوكل عمل بالقلب، هو عبارة عن اعتقاد، أو هو اعتقاد أن الله يكفيك من كل شيء، والرضا بالله وكيلا، والانخلاع من الاعتماد على الحول، والقوة الشخصية، سواء قوتك أنت، أو قوة الآخرين، والاعتقاد أن الله يفعل ما يشاء، وأنه إذا أراد شيء فلا بد أن يكون، وإذا لم يرد فلا يمكن أن يحدث، قطع القلب من التعلق بغير الله، والتسليم الكامل لله، هذه من معاني التوكل، عدم الركون إلى الأسباب الدنيوية، هذه من معاني التوكل، أن يكون المتوكل على الله لا يعتمد على شيء من الدنيا، يبذل الأسباب لكن لا يعتمد عليها، يبذل الأسباب، ويعتمد على الله، رسولكم صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر، عمل من الأسباب ما يكون، خرج، وتجهز، ووصل الآبار، وسدوا بعضها، وابقوا واحداً، ونظم، وعمل، ومع ذلك قام يدعوا الله، ويناشده حتى سقط برده عن كتفيه صلى الله عليه وسلم، ملتجئ إلى الله تماماً، ولو تأملت دعائه عليه الصلاة والسلام في هذا الأمر، في غزوة بدر لعلمت أنه لم يكن للتوكل على الأسباب في قلبه نصيباً، وتأمل في دعاء الاستخارة: (اللهم إن أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب)[رواه البخاري1166].

أيها الإخوة:

أما الذين يتوكلون على غير الله، وهم القسم الثاني، أو يشركون مع الله في التوكل، فإن أمرهم خطير جداً، فإن أمرهم خطير للغاية؛ لأن التوحيد قد انشرخ بالتوكل على غير الله، والاعتماد على غير الله، وتفويض الأمور إلى غير الله، من فوض أموره إلى غير الله خاب، وخسر، من فوض أموره إلى غير الله، فلا بد أن يعاجله الله بالخسران في الدنيا قبل الآخرة.

أيها الأخوة:

فرغوا قلوبكم من الاعتماد على كل قوة إلا قوة العزيز الحكيم،

أيها الأخوة: لا تتعلقوا بأي شيء من قوى الدنيا أبداً، وتعلقوا فقط بقوة الله العزيز الحكيم، إن الذين يتوكلون على قوة غير قوة الله، ويعتمدون على قوة غير قوة الله، خاسرون دائماً وأبداً؛ لأن الله هو القوي، وأكبر بشر في الأرض، وأكبر قوة في الأرض، لا يملكون لأنفسهم نفعاً، ولا ضراً، والدليل قوله تعالى: فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَسورة آل عمران168. أكبر قوة في الأرضلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًاسورة الفرقان3. فليدرءوا عن أنفسهم الموت إن كانوا صادقين، فليدرءوا عن أنفسهم الموت.

يا أيها الموحدون: يا عباد الله:

تأملوا نزلاً من العزيز الحكيم، فليدرؤوا عن أنفسهم الموت إن كانوا صادقين، فلماذا نتوكل على غير الله؟ لا يمكن، نتوكل على الله، ونبذل الأسباب، نقول هذا الكلام وبقية الكلام في التوكل سيأتي إن شاء الله في الخطب القادمة؛ لأن هذا الموضوع في هذا الوقت بالذات حساس جداً، موضوع التوكل، وتحقيق التوحيد، الآن في غمرة خوف الناس، وهلعهم من الأمور، والأخطار والحروب، وما يكون، وما يتوقع أن يكون، إن الناس قد هاجوا وماجوا ولا يسكنهم –والله- إلا التوحيد، ولا يسكن الناس –والله- في أوقات الأزمات إلا التوحيد، ولا يطمئن الناس –والله- في أوقات الأزمات إلا تحقيق التوكل على الله والأخذ بالأسباب، أما أن يكونوا هكذا في خوف، وهرج، ومرج، لا يستطيعون حتى أن يتعاملوا مع الأمور بواقعية، وتعقل، ولذلك يفعلون من الأمور المضحكة ما يجعل العاقل -فعلاً- محتاراً في أمر الناس هؤلاء،  أهم مسلمون أم لا؟ أهم صادقين مع الله أم لا؟ ومنهم من يقول لك: أنا سافرت، أو سأسافر بأهلي، لا خوفاً من الحرب، لا، لا، لا، لمجرد أن عندي إجازة، فلماذا تهرب من الواقع؟ ولماذا تضحك على نفسك، أو على غيرك؟ عندك أسباب دنيوية أبذلها، وتوكل على الله، عندك أشياء حقيقية، مخاطر حقيقة، إذا لم تستطع لها دفعاً، انؤ عنها بنفسك، وابتعد عنها بنفسك، ولم يحرم الله هذا الأمر، ولم يحرم الله الابتعاد عن الخطر أبداً، ولكن المشكلة أيها الأخوة، أن الناس وهم يبتعدون عن الخطر على قسمين: منهم من يبتعد؛ لأن الابتعاد عبادة، ويتوكل على الله، ويعلم أنه ربما يأتيه قدر الله  في طريقه، وهو مبتعد عن الأخطار يأتيه قدر الله، ويأتيه أمر الله، وتأتيه منيته، يعلم تماماً هذا العلم، ومنهم من يظن بهلعه، وخوفه، أنه سيفر من قضاء الله، وقدره، وأين تهرب من قضاء الله وقدره؟ وهل في منطقة في العالم ليست تحت حكم الله؟ وليست تحت إرادة الله، ومشيئته؟ لا يوجد أيها الأخوة، ثم أضف إلى ذلك أن الذين لا يتوكلون على الله، ولا يعتمدون عليه، أول شيء يخافون من أتفه الأشياء, ثاني شيء يضطربون من سماع الكلام المنشور، والمسموع، وخصوصاً من الإذاعات الخارجية، هم المرجفون في الأرض في هذه الأيام، يخوفون الناس، والناس مساكين، وهؤلاء يضعون مواعيد، والناس عملهم أن يخافوا، سبحان الله العظيم، ألم يأتيكم النبأ في الفترة الماضية لما قال الناس: ستقع حرب، ستقع حرب، ولم يقع شيء، سيكون في يوم كذا، ولم يقع شيء، فإذن أيها الأخوة: نحن ناس موحدون، نعتمد على الله، ونأخذ بالأسباب، وإذا رأينا خطراً واقعاً، وشيئاً منظوراً، وأمراً موثوقاً، ابتعدنا عنه والحمد لله، ولم يحرم الله الابتعاد عن الخطر الواقع, ولكن المشكلة وأوجه كلامي إلى الناس الذين يعتمدون على أخبار المنافقين، ويتصرفون بناءً عليها، يعتمدون على أخبار المنافقين، والمرجفين، ويتصرفون بناءً عليها، لا بناءً على الأشياء المحسوسة، الملموسة، الموثوقة، ونحن نسأل الله -من كل قلوبنا أيها الأخوة- أن يحفظنا، وأن يحفظ أولادنا، وبيوتنا، وبلدنا، وأن يدرأ الخطر عنا، وعن جميع المسلمين، ويجب أن نلجأ إلى الله، وأن نتوكل عليه، في حفظ بلدنا، وحفظ مجتمعنا، وأن لا نكون من المرجفين ونساعد الأعداء في تشقيق الصف، وزعزعة الأمن، والاضطراب، هذا مجتمعكم، وهذه مسؤوليتكم في المحافظة عليه، فكونوا عباد الله إخوانا، وكونوا عباد الله الموحدين، المتوكلين عليه، وكونوا عباد الله المتعقلين ،الذين يتصرفون بالحكمة، ويتصرفون بما يناسب الوضع والحال.

نسأل الله أن يقينا وإياكم كل شر، وأن يدفع عنا وعنكم كل مكروه وسوء، إنه هو الحفيظ، القائم على كل نفس بما كسبت.

أيها الأخوة:

الكلام في التوكل طويل، لكن نذكِّر أنفسنا بأن الذي يتوكل على غير الله، إنما هو شحاذ يسأل شحاذاً، الذي يتوكل على غير الله، شحاذ يسأل شحاذاً، والفرق أحياناً بين المتوكل، والمتواكل شعرة، ويكون أحياناً الفرق دقيقا بين الذي يخاف خوفا طبيعيا أجازته الشريعة، وبين الذي يخاف خوفاً غير طبيعي لا يجوز في الشريعة، أو يخاف من بشر كخوفه من الله، أو أشد.

أهمية التوكل في وقت الأزمات.
00:20:01

أيها الأخوة:

إن هذا الموضوع له أهمية كبرى، خصوصا في هذا الوقت العصيب، الأخطار فيه محدقة، والحوادث تترى، والمفاجئات قد تكون كثيرة، ولكن عباد الله الذين قال الله في وصفهم: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَسورة الأنفال2. هؤلاء العباد يخافون من الله لا من غيره، ويتوكلون على الله لا على سواه، ويتوكلون على الله لا على غيره سبحانه وتعالى، هؤلاء العباد الذين امتلأت قلوبهم خوفاً من الله، ومحبةً له، وخضوعاً له، يذكرون الله سبحانه وتعالى قياماً، وقعوداً، وعلى جنوبهم، هؤلاء الذين لهم الأمن وهم مهتدون، هؤلاء الذين لا ترهبهم قوى الأرض، ولا يؤيسهم سوء الأحداث، والأمور مهما بلغت من السوء، هؤلاء المعتصمون بحبل الله، المعتمدون على الله، الذين فوضوا أمورهم إليه، إن الله يحفظهم، ويدافع عنهم، ويكفيهم شرور أعدائهم.

أيها الأخوة:

لما نقص التوكل على الله خفنا، ولما قلَّ تفويض الأمور إليه ارتعدت فرائصنا، ولما تركنا الاعتصام بالله، وبذكره، صرنا نخشى من كل يوم يأتي خشية ليست طبيعية، تدل على انخلاع الفؤاد، وعلى عدم التبصر بالطرق الصحيحة، والأسباب الشرعية اللازم اتخاذها.

أيها الأخوة:

إن رسولنا صلى الله عليه وسلم اسمه المتوكل كما في التوراة، وجاء في الحديث الصحيح، والله يحب المتوكلين،وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًاسورة الطلاق2. وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًاسورة الطلاق4. ثم قال:  وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُسورة الطلاق3. في سورة الطلاق، المخرج بتقوى الله، وتيسير الأمور بتقوى الله.

يا أيها الناس: ألا تستغربون عندما تجتمع الغيوم في السماء متلبدة، وكأنها تحمل الأمطار الغزيرة، ثم تتفرق الغيوم، ولا ينزل علينا شيء، ما السبب؟ أليست ذنوبنا، ومعاصينا؟ وهذه الحالة حالتنا لا نستحق بها نزول مطر، ولو نزل مطر فلأجل هذه البهائم التي ترعى في الصحراء، ولو نزل مطر فهو رحمة من الله بهؤلاء المتوكلين عليه، أو هؤلاء الأطفال الرضع، والبهائم الرتع.

أيها الأخوة:

نحتاج في هذا الوقت العصيب إلى مزيد من التقوى، والإقلاع عن الذنوب، والتوكل على الله عز وجل، وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًاسورة الطلاق2. أنت تقول: الأزمة مشتدة، والحرب قريبة، و... و... إلى آخر الكلام, وأقول لك: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًاسورة الطلاق2. وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًاسورة الطلاق4. وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُسورة الطلاق3. هذا هو الجواب فقط على ما ينبغي أن نعمله.

لقد ذكرنا للتوكل معاني كثيرة، ونقول أيها الأخوة: إن التوكل على الله هو تفويض الأمور كلها إليه سبحانه وتعالى، هو التسليم له، وعدم الاعتراض، تفويض الأمور إليه سبحانه وتعالى، أرأيت لو كان ولد عاجز، مغلوب على أمره، ضعيف، لا يستطيع للأمور تصريفاً، ولا لشؤونه تدبيراً، وله أب قوي، قادر، حكيم، فماذا يفعل هذا الولد؟ إنه يفوض أمره لأبيه المشفق عليه، الرحيم به، لأنه يعلم أن قيام أبيه بتدبير أمره، هو أفضل من قيامه هو بتدبير أمر نفسه، لعجزه، وضعفه، فهو يرى أن تدبير أبيه له، خير من تدبيره لنفسه، وقيام أبيه بمصالحه، خير من قيامه هو بمصالح نفسه، فلا يجد أصلح من تفويض الأمور إلى أبيه، فكيف إذا كان هذا هو العبد، والله سبحانه وتعالى؟ فكيف ينبغي أن تكون الأمور عند ذاك؟ لقد ضربنا بهذا المثل الدنيوي، فكيف ينبغي أن يكون الحال، إذا كان الولد هنا هو العبد الضعيف، الذي لا يستطيع للأمور تصريفا، ولا تحويلا، لا حول له ولا قوة إلا بربه، فكيف ينبغي أن يكون اعتماده عليه؟ وكيف ينبغي أن يكون لجوؤه إليه؟ وكيف ينبغي أن يكون اطمئنانه إليه؟ العبودية: هي التوكل على الله في المقدور، والرضا به بعد حصوله، وتأمل دعاء صلاة الاستخارة، آخر الدعاء يقول العبد في دعائه:  واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به, فهو يتوكل على ربه في اختيار أحسن الأمور بالنسبة له، ثم يسأل ربه أن يرضيه بالنتيجة.

من معاني التوكل الأخذ بالأسباب الشرعية.
00:27:41

أيها الأخوة:

إن من معاني التوكل، ومستلزماته، وأركانه: الأخذ بالأسباب الشرعية، والدنيوية، التي شرعها الله، وأباحها لنا، فنحن نتوكل على الله، ونأخذ بالأسباب، ولكننا نفرق بين القلب، والجوارح، فالقلب معتمد على الله فقط، والبدن يقوم بالأسباب، القلب ليس فيه إلا الاعتماد على الله، والبدن يعمل بالأسباب، والجوارح تعمل بالأسباب، وتأخذ بالأسباب، والقلب ليس فيه إلا التوكل على الله، الأخذ بالأسباب سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الأخذ بالأسباب أمر واجب، ظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين يوم أحد، ولم يحضر الصف قط عرياناً، كما يفعله من لا علم له، ولا معرفة، واستأجر دليلاً مشركاً على دين قومه يدله على طريق الهجرة، لكن مأموناً، استئجاراً، وقد هدى الله به العالمين، وعصمه من الناس أجمعين، ومع ذلك يأخذ بالأسباب، وكان يدخر لأهله قوت سنة، وهو سيد المتوكلين، وكان إذا سافر في جهاد، أو حج، أو عمرة، حمل الزاد، والمزاد، وجمع أصحابه، وهم ألوا التوكل حقاً، وأكمل المتوكلين بعدهم، جمعوا هذه الأسباب أيضاً، كما أمرهم الله عز وجل، ففتحوا البلاد، لما جيشوا الجيوش، وعقدوا الألوية، فتح الله بهم بصائر القلوب، وعبد الله في البلاد بعد أن كانت مليئة بالشرك، وأشرقت شموس الحق على قلوب العباد، فملأ الصحابة العالم إيماناً بعد ما توكلوا على الله، وأخذوا بالأسباب، والناس في الأسباب على قسمين: منهم من ينكر الأسباب بالكلية، ويظن أن التوكل تمام التوكل لا يحصل إلا بالتخلي عن الأسباب، وهذا خطأ مخالف للسنة، كما ذكرنا الآن، فلا بد من الأخذ بالأسباب؛ لأن هذه سنة الله في الكون، قضى الله أن يجعل لكل مسبب سبباً، ويقضي الله بحصول الأشياء عند حصول أسبابها، فإذا لم يأتي العبد بالسبب لم يحصل الشيء، ولم يقع، فإذا قضى الله بحصول الولد إذا جامع الرجل المرأة، فإذا لم يقربها لم يحصل الولد، وقضى بإنضاج الطعام إذا أوقدت النار، وقضى بحصول الشبع إذا أكل العبد، وحصول الري إذا شرب، وقضى بأن من الأسباب إلى الحج، والعمرة، قصد مكة بالسفر، وركوب الطريق، فإذا جلس في بيته لم يصل إلى مكة، وقضى بدخول الجنة إذا أسلم العبد، وعمل الصالحات، فإذا لم يسلم العبد، ولم يحصل الصالحات لم يدخل الجنة، وهكذا جعل لكل شيء سبباً، فهل يقول عاقل إنني سأرزق بالولد حتماً إذا قضى الله لي ولد، سأرزق به حتماً ولو لم أتزوج، لا يمكن أن يكون ذلك أبداً، أو يقول: إذا قضى الله لي بالحج سأحج، ولو لم أسافر، وأركب الطريق، لا يمكن هذا الحال البهائم أفقه منه؛ لأن البهائم تسعى للسبب، وتمشي للمرعى، وتأكل لتشبع، وهذا يقول: لا أفعل شيئاً من الأسباب، فالأسباب سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الأخذ بها سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن أيها الأخوة: هل يجوز أن نتوكل على الأسباب، ونعتمد عليها، ونظن أن الشيء سيحصل ولا بد، إذا اتخذنا الأسباب؟ كلا، وإنما لا بد أن يكون التوكل على الله هو الذي يكون عماد القلوب؛ لأن الأخذ بالأسباب وحدها فقط، والاعتماد عليها شرك، شرك ينافي التوحيد، ولذلك فإن العبد إذا أخذ بالأسباب، فوض الأمور إلى الله، قبل السبب، ومع الأخذ به، وبعده، وإذا توكل العبد على السبب، لو كان جيش، أو مذاكرة دراسية، أو مال حصله، وجمعه، فاتكل عليه، فإن الله يخذله، ومن توكل على غير الله بقلبه، توكل على الشيء بقلبه، توكل عليه، ولو بمقدار شعبة من القلب، فإن توكله على الله ينقص بمقدار هذه الشعبة، فإذا صارت شعب القلب كلها متوكلة على غير الله، فإن التوكل على الله يزول من قلبه بالكلية، ولكن العبد المؤمن يأوي إلى الله، ويتوكل عليه، ولا يتوكل على أحد غيره، مثل الطفل الرضيع الذي لا يأوي إلى شيء إلا ثدي الأم، لا يعرف إلا ثدي الأم، هداه الله إلى ثدي الأم، فهو لا يعرف الطريق إلا إليه، وهو أعمى لا يبصر أول الولادة، لكن إلى ثدي الأم فقط، فإذن لا بد أن نجرد أنفسنا من التوكل على الأسباب فقط، نأخذ بها، ولا نتوكل عليها، ولا بد أن يكون لدينا حسن ظن بالله، لأنك إذا أحسنت الظن به، توكلت عليه، وإذا أسأت الظن به، وقلت: لن ينصرني، لن يحميني، لن يجيرني، فإنك لن تتوكل عليه.

أيها الأخوة:

التوكل على الله في جميع الأشياء، صغيرها، وكبيرها، هو دليل المسلم، وهو منهجه دائما وأبدا، قيل لبعض الفقراء، وكان يذهب في السفر، ويصطحب معه إبرة، وخيط، وركوة، ومقراض، فقيل له: لأي شيء تصطحب هذا، فقال: هذا لا ينقض التوكل، لأن الله فرض الله علينا فرائض، والفقير قد لا يكون له إلا ثوب واحد، فربما تخرق، فإذا كان ليس معه إبرة، وخيط، تبدو عورته في الصلاة، وهذه الركوة أستعين بها في الوضوء، والطهارة، وهذا المقراض أطبق به سنن الفطرة، وهكذا، فنحن نستخدم الأسباب في الأشياء الشرعية، نستخدم الأسباب في المجالات الشرعية، ولا نستخدم الأسباب في المجالات غير الشرعية، ولكن هنا نسأل سؤالا فنقول: كيف يكتشف المسلم أنه معتمد على الله، أو على الأسباب فقط؟ لأن الناس يقولون: نحن متوكلون على الله، ونعلم هذا الكلام الذي تقوله أنت، لكن كثيرا منهم، توكلهم زائف، فكيف يكتشف العبد ذلك؟ يكتشف ذلك إذا انقطع السبب، ولم يحصل الشيء الذي كان يريده، فهل يحضره بثه، وهمه، وحزنه، ويقنط، وييأس، أم لا؟ هب أن إنسان زرع زرعاً، وبذر البذر، ورشه بالماء، وسمده، وحصنه ضد الآفات، وقال أنا توكلت على الله، حصل أن جاءت آفة سماوية، وأخذت الزرع، فماذا يكون حال الشخص هنا؟ إذا رضي بهذا المقدور الذي حصل، وقال الحمد لله على كل حال، أنا أخذت بالسبب، وما قدره الله كان، والحمد لله لك يا ربي، هذا ابتلاء وأصبر، هذا كان توكله فعلاً صحيح، لكن إذا نزلت الآفة السماوية، وأتلفت كل شيء، فيأس، وقنط، واهتم، واغتم، وحصل له من جميع أنواع اليأس، والقنوط، والانهيار، والإحباط، فهذا يعني أن توكله كان غير صحيح، وأن التوكل على السباب فقط كان، وهذا نفس المثال في الدراسة، والآن نحن على أبواب الامتحانات للطلاب، فمنهم من يذاكر، ويجتهد، فكيف نقول له أنت معتمد على المذاكرة أم على الله؟ هل هذا مجرد سبب لا بد أن تعمله فعملته؟ أم أنت متوكل على الدراسة؟ فنقول له: تكتشف ذلك لو لم تأتِ علامتك كما تريد، فهل أنت راضٍ بالقضاء، والقدر، وأنك اتخذت الأسباب، وتوكلت على الله، والله لم يرد لك هذه النتيجة؛ لحكمة عنده سبحانه وتعالى، أم أنه بدأ يلعن الساعة، والزمان، ويحصل له من اليأس، والقنوط أمور كثيرة.

أيها الأخوة:

الكلام عن التوكل كلام طويل، ولعلنا نتابع الموضوع إن شاء الله، ولكن نقول: التوكل على الله يفيدنا جدا في حفظ الأمور، حفظ أنفسنا، انظر إلى دعاء السفر: (اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل)[رواه مسلم1342]. يخرج الإنسان مسافراً، لديه زوجة، وأولاد في البيت، يخاف عليهم من أشياء كثيرة، وماذا يقول؟ (اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل)[رواه مسلم1342]. أي: جعلتك خليفة على أهلي، ترعاهم، وتحفظهم يا ربي، فينطلق المسافر وعنده نوع من اليقين، والإيمان، بأن الله خليفته في أهله، وأن الله سيحفظ أهله، وقد رحل هو فيدعهم في شيء من الطمأنينة في نفسه، يحس بها نحو ترك أهله، وقد ذهب بعيداً عنهم، والله إذا استودع شيءً حفظه، ولذلك أنظر في توكل يعقوب عليه السلام، أمر بالأخذ بالأسباب وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍسورة يوسف67. ربما حتى لا تصيبهم العين، والناس يرونهم أحد عشر شخص، أو عشرة أشخاص يدخلون مع بعض بهذه الحلية، وهذه الجِمال، والجَمال، أو أنه مثلا أراد ألا يشعر أهل المدينة أنهم يدبرون مؤامرة مثلا، فتلتفت إليهم الأنظار، ولكن يعقوب لا يغني عنهم من الله شيء، لو حصل لهم شيء، لو حصل قدر الله عليهم لا يغني عنهم من الله شيء لكن يقول يعقوب: فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَسورة يوسف64.فالله خير حافظاً، ولذلك أيها الأخوة: هذا الكلام مهم جداً في الأخطار، مهم الآن جداً خشية وقوع الأشياء، والحروب، إلى آخره، فنحن نتوكل على الله عز وجل، في حفظ أنفسنا، وأهلينا، وبيوتنا، وبلدنا، وجميع ممتلكاتنا، وأرواحنا، وهكذا، وسأل الناس، ولا يزالون يسألون، ماذا نفعل لو حصل شيء إذا خرجنا من مكان الخطر؟ نقول: إذا حصل شيء اخرج، ولم يقل لك أحد ابق في المكان، وأنت ترى الشيء قد حصل فعلاً، وعند ذلك لا يكون هذا من التولي يوم الزحف، ولا يكون هذا إثم، ولا يكون هذا سوء مطلقا، ولكن الإرجاف، والبلبلة التي تحصل من غير وقوع شيء، هذه هي المشكلة، وهذا هو الذي قلناه، مراراً، وتكراراً.

يأيها الناس: لا ترجفوا في البلد، لا تنشروا الشائعات، ولا تثيروا الاضطراب، توكلوا على الله، إن الله يحفظكم، توكلوا على الله، إن الله يكون معكم، والمنية ستأتي ستأتي، قالت امرأة لرجلها: لا بد أن نخرج من البلد الآن، لا يمكن أن نبقى في البلد، إن الحرب و... إلى آخره، المسكين فصل من عمله، وصفى ممتلكاته، وأخذ الأولاد من المدارس، وأخرجهم منها والامتحانات على الأبواب، يوجد أناس حصل معهم هذا فعلا، قالوا: لا يوجد حجز، لا بد الآن أن نستعجل ونمشي، امتحانات الأولاد، لا داعي للامتحانات، نأخذ الأولاد، يا أخي مهلاً، تعقل، إذا أردت أن تتخذ قراراً اتخذه على أساس، ما حصل شيء إلى الآن، اجلس، وإذا حصل شيء امشي، ولم يقل أحد لك لا تمشِ، أو ستأثم إن مشيت لو صار شيء، فلما ذهبوا في الطريق، وصاروا بقرب الرياض، حصل عليهم حادث، فماتت المرأة في الحادث، التي كانت تقول للزوج: اخرج، اخرج الآن، لا يمكن أن نصل، اخرج، اخرج بناء على أي أساس، إذا كنت ستخرج، اخرج على أساس يا أخي، حصل شيء اخرج، نعم، وإننا -إن شاء الله- إذا توكلنا على الله أيها الأخوة، إننا لمحفوظون بإذن الله، ونقول للذي كان يريد أن يأتي بعمرة، اذهب وأتِ بعمرة، والذي كان يريد أن يصل رحمه، اذهب وصل رحمك، ليس هذا التولي يوم الزحف، لكننا نقول لهؤلاء الناس، الذين يعتمدون على الإرجاف، ويخافون، يأيها الناس: لا، تدخل البقالة يقول لك هذا البائع، يا شيخ يوجد حرب أم لا؟ صاحب المطعم يوجد حرب أم لا؟ خياط الهندي يوجد حرب أم لا؟

أيها الأخوة: فعلاً نحس بخواء الناس، الإيمان إذا ذهب من القلوب يعقبه هذا الخوف الشنيع، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والكلام كثير، والوقت لا نريد أن يطول عليكم، لكن أيها الأخوة: لقد نسينا التاريخ الهجري في هذه الأيام، وتعلق الناس بشهر يناير، أو جانيوري، وصار الناس يعدون إلى خمسة عشر جانيوري ، ولو سألتهم فقلت: كم اليوم جماد الثاني؟ ما يدري، لكن كم جانيوري؟ حافظ التاريخ، ولولا أن جعل الله لنا الهلال، الذي نعرف به شهراً انتصف، أو بعد النصف، أو قبل النصف، ولكننا نوصي أنفسنا جميعاً، بالتوكل على الله حق التوكل، وترك المعاصي، والفرار إلى الله لا إلى غيره، والتوكل على الله لا على غيره

 

فعلاً نحس بخواء الناس، الإيمان إذا ذهب من القلوب يعقبه هذا الخوف الشنيع، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والكلام كثير، والوقت لا نريد أن يطول عليكم، لكن أيها الأخوة: لقد نسينا التاريخ الهجري في هذه الأيام، وتعلق الناس بشهر يناير، أو جانيوري، وصار الناس يعدون إلى خمسة عشر جانيوري ، ولو سألتهم فقلت: كم اليوم جماد الثاني؟ ما يدري، لكن كم جانيوري؟ حافظ التاريخ، ولولا أن جعل الله لنا الهلال، الذي نعرف به شهراً انتصف، أو بعد النصف، أو قبل النصف، ولكننا نوصي أنفسنا جميعاً، بالتوكل على الله حق التوكل، وترك المعاصي، والفرار إلى الله لا إلى غيره، والتوكل على الله لا على غيره

 

، ونسأله سبحانه وتعالى أن يقينا الشرور في أنفسنا، وأهلينا، وبيوتنا، وبلدنا، وممتلكاتنا، وأن يحفظنا وإياكم بحفظه، فهو خير حافظا وهو أرحم الراحمين.

أيها لأخوة:

إن توكلنا على الله عز وجل هو الكفيل بأن ينقذنا، وبالمناسبة فإن التوكل على الله سبب عظيم من أسباب الحفظ، وسبب عظيم لدرء العذاب، ودرء الفتنة، والشر، التوكل على الله، هو أيضاً سبب شرعي، ينجو به العبد من كل شيء.

قصة فلم انتشر في بعض البلدان العربية والتنبيه على ذلك.
00:44:28

أيها الأخوة: ومن الأشياء التي ترتبط بهذه الأزمة، وأنبه عليه بشيء من الاختصار، فلمٌ أخبرني عنه بعض الإخوان، أنه قد انتشر، ودخل كثير من بيوت بعض البلدان العربية، وأنه أيضاً قد وصل إلى كثير من الناس هنا، قصته باختصار: عراف نصراني، تنبأ بنبوءة قبل حوالي خمس مائة سنة، أو أقل، يمكن في عام 1564م، هكذا عرضوها في الفلم، كما قيل لي، وأنه تنبئ بسقوط دول، وقيام دول، ومجيء ملوك، وخروج إنسان يخرج من الشرق، وحروب عالمية، وصواريخ إلى آخره، وتدمير مدن، ونحو ذلك، وخروج هتلر، ونابليون، ومن بعدهم، وأن هذا الفلم توقفت نبوءاته عند عام كذا، وكذا، وأن حرباً عالمية ستقع في عام 1994م إلى آخره، من الأشياء التي أنا الآن لا أحفظ تسلسلها، ولم أشاهد أنا هذا الفلم، ولكنني أنقل ما سمعته من الثقات، ممن رأوه، وهذا الفلم عليه ملاحظات: أولاً: أنه انتشر الآن في وقت الأزمة، والناس في وقت أزمة، مع الخواء الذي يعيشونه في قلوبهم، فإنهم يتعلقون بمصادر أخرى، بمصادر أخرى تتعلق قلوبهم، ومنهم العرافين، والكهنة، والمشعوذين، فتلقى هذه الأشياء رواجاً، ومثل هذا الفلم يلقى رواجاً؛ لأن الناس يخافون من المستقبل، ولا يتوكلون على الله، فيريدون أي شيء يقول لهم ما المستقبل؟! يريدون أي شيء يقول لهم ماذا يوجد في المستقبل؟ فتنتشر هذه الأفلام، ونحن نعلم أنه لا يعلم الغيب إلا الله، نحن نعلم يقينا، من أساسيات عقيدتنا، أنه لا يعلم الغيب إلا الله، وأن هؤلاء الكهنة، لو صدقوا مرة فإنهم قد كذبوا تسعا وتسعين مرة، لأن الكاهن قد يلتقط الخبر مما يلقيه إليه العفريت، الذي يستمع من السماء فيكذب معها تسعة وتسعين كذبة كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن الناس لا يتذكرون إلا هذا الشيء الذي حصل فعلاً، ويقولون: فلان يعلم الغيب فعلاً، النبوءة صحيحة فعلاً، الفلم واقعي، ثم إن هؤلاء اليهود الذين يكونون وراء كثير من هذه الأفلام، يحولون النصوص، -مثلاً نصوص هذا الرجل المتنبئ- لكي توافق الواقع، ويعملون عليها، والغرض من هذا الفلم مثلاً:  إرعاب الناس في العالم ضد المسلمين، لأنه يتنبأ بأن الناس سيخرجون من الشرق من المسلمين، ويكون لهم قائد، ويكون معهم صواريخ، وتساعدهم قوى، ويحاربون، ويدمرون مدن في أوروبا، وأمريكا، وإلى آخره حسب ما يحكي الفلم، فالمقصود: هو إرعاب الناس في العالم ضد المسلمين، وهكذا، وستحصل حرب في عام كذا، وكذا، وأريد أن أنبه أيضاً، إلى أن بعض الناس -أي واحد- يمكن يتنبأ بأشياء، يمكن يفترض فرضيات، يمكن -أي واحد- أن يقول سوف يقع في عام كذا، أتنبأ حصول حرب في عام كذا، بعض الدلائل تشير إلى كذا، وكذا، فهل يعتبر الآن هذا الرجل علم ما في الغيب؟ وأنت ممكن تتوقع أشياء، بناءً على الواقع، فهل إذا وقعت صار أنك تعلم ما في الغيب؟ مثلاً: تأزمت العلاقة بين رجل وزوجته جدا جدا، فقلت: أتوقع الطلاق، ثم طلق الرجل زوجته، أي أن هذا الرجل يعلم ما في الغيب؟ لا، فإذا كان الإنسان عنده نوع من الحدس، أو دراسة الأخبار، وتحليلها، وتوقع أشياء وحصلت، هذا لا يعني أنه يعلم ما في الغيب، وأذكركم بأننا منذ فترة طويلة، كتبت الجرائد، وتكلم الناس، أن القيامة ستقوم يوم الأحد القادم، أتذكرون ذلك، كثير منكم سيذكر ذلك، فهل قامت القيامة يوم الأحد المزعوم؟ ما قامت القيامة يوم الأحد المزعوم، ولذلك أيها الأخوة: فإننا نحذر من الاعتماد، أو التفكير أن هذه الأشياء من الممكن أن تكون فعلاً قد وقعت، بمعنى أن الرجل يعلم الغيب، كلا، ولا يفوتكم ضحك المنتجين، ومروجي الأفلام، ومن يقف وراءهم، من الذين يريدون الكيد لهذه الأمة، فاتقوا الله وجردوا قلوبكم، من التعلق بأخبار الكهنة، والعرافين، وثقوا بأنه لا يعلم الغيب إلا الله.

أيها الأخوة: التوكل على الله عز وجل الذي هو صريح الإيمان، التوكل على الله سبحانه وتعالى الذي هو المعتمد والملجأ الذي ندخل فيه، التوكل على الله عبادة القلب لا تقوم إلا بالقلب، قوتها من قوة الإيمان، وضعفها من ضعف الإيمان، والله سبحانه وتعالى جمع بين العبادة والتوكل فقال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وقال: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِسورة هود123. وجمع بين الإيمان والتوكل فقال: قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَاسورة الملك29. وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَسورة آل عمران122. وقرن بين الإسلام والتوكل في قول موسى لقومه: فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَسورة يونس84. وجمع بين التقوى والتوكل فقال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًاسورة الأحزاب1. وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًاسورة الأحزاب48. وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًاسورة الطلاق2. وجمع بين الهداية والتوكل فقال عز وجل: وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَاسورة إبراهيم12. فيتبين لك أيها المسلم: عظم هذه العبادة، وهي التوكل على الله، كيف قرنت بالإيمان تارة، وبالإسلام تارة، وبالعبودية تارة، وبالتقوى تارة، وبالهداية تارة، دلالة على عظم هذا العمل القلبي -التوكل على الله سبحانه وتعالى- التوكل على الله: هو الاعتماد على الله سبحانه وتعالى في حصول المطلوب، وزوال المكروب، مع فعل الأسباب المأذون فيها شرعا، هذا هو تعريفه لأهل الإيمان، والتوكل: منه ما يكون توكل عبادة، وهو الاعتماد المطلق على الشيء، أو على الشخص، أو على الجماعة، أو الجيش، ونحو ذلك، بحيث يعتقد أنه بيده مقاليد الأمور، وأنه يجلب النفع، ويدفع الضر، وهذا شرك أكبر مخرج عن الملة، إذا اعتمد الإنسان فيه على غير الله، أو توكل فيه على غير الله، من ظن أن شخصاً، أو جماعة، من ظن أن شيئاً غير الله بيده مقاليد الأمور، أو يصرف الأمور، أو يدفع ويمنع، أو يجلب وينفع، فإن هذا التوكل شرك بالله، توكل على مخلوق شحاذ يسأل شحاذاً، ومن أنواعه: الاعتماد في الرزق، والمعاش، على شخص، أو هيئة، مثل الاعتماد على الجهة التي تصرف الراتب، بحيث تكون عند الشخص أكثر من مجرد سبب، فينصرف قلبه إليها، ويتعلق بها، ويكون الشرك في قلبه بحسب ومقدار هذا التعلق، ولذلك كان العمل الحر على وجه العموم أحسن من الوظيفة في هذا الجانب، ومن التوكل ما يكون نوع تفويض في التصرفات، مثل التوكل على شخص في بيع، أو شراء، أو نكاح، أو طلاق، وهذا توكيل، وهذا جائز إذا كان مجال التوكيل فيه جائز، لأن الموكل هو الأعلى، وبإمكانه أن يسحب الوكالة لو شاء، فينبغي أن نحذر يا عباد الله: من أنواع التوكل المحرمة، سواء ما كان شرك أكبر، اعتماد على أشخاص، أو أشياء، واعتقاد أنها تجلب الضر، وأنها هي التي تصرف الأمور، وما تشاء هذه الأشياء، أو هذا الشيء، أو هذه الجماعة يكون، وما لم يشاءوا لم يكن، هذا شرك أكبر، والاعتماد على شخص في جلب رزق، وتعلق القلب به، والتوكل عليه، نوع من الشرك، والتوكل على أشخاص في الأشياء المحرمة، كالسرقة، والرشوة، أمور محرمة أخرى،وأما التوكل على الله: الذي هو تفويض الأمور إليه، والاعتماد عليه، والالتجاء إليه، والاعتقاد أنه هو الذي يضر، وينفع، وأنه هو مالك الملك، لا ملك إلا الله، ولا مالك إلا الله، هو الذي يصرف الأمور، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، ولذلك فإن الله يكفي عباده المتوكلين عليه، فلما أعلن مؤمن آل فرعون إيمانه، وأعلن إسلامه، ودعا قومه إلى الله، وآزر موسى، فماذا هو الظن بقومه أن يفعلوا به؟ لا بد أنهم سيؤذونه، وسيقتلونه ربما، ولذلك قال هذا الرجل المؤمن في ختام كلامه لقومه المشركين: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِسورة غافر44. فماذا حصل؟ قال الله بعدها:

1 - رواه البخاري4563
2 - رواه البخاري1120ومسلم769
3 - رواه أبو داوود5095
4 - رواه البخاري1166
5 - رواه مسلم1342
6 - رواه مسلم1342