الإثنين 5 جمادى الأولى 1444 هـ :: 28 نوفمبر 2022 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

ضبط النفس


عناصر المادة
أهمية ضبط النفس
أمر الشرع بضبط النفس وعدم التفلت
ضبط النفس صفة يحبها الله ورسوله
مضادة العجلة لضبط النفس
ضبط النفس سبب لمعونة الله
ضبط النفس من صفات عباد الرحمن
ضبط النفس من صفات الأنبياء
ضبط النفس في العبادات
ضبط النفس في الحدود والقصاص
مجالات ضبط النفس
قصص في ضبط النفس
ضبط الصحابة لأنفسهم
الوسائل المعينة على ضبط النفس
تذكر النص الشرعي
مجاهدة النفس على ضبط النفس
النظر في العواقب
ضبط النفس لأصحاب المناصب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أيها الإخوة والأخوات: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أما بعد:

أهمية ضبط النفس

00:00:31

فإن الله خلق النفس وهداها النجدين، وركب فيها ما ركب من الأهواء والميل ابتلاء للعبد، فالإنسان تتعارضه في نفسه نزعتان: نزعة تدعوه إلى طاعة ربه، ونزعة تدعوه إلى ضد ذلك:  وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا  [الشمس: 7 - 8].

قال ابن زيد -رحمه الله-: جعل فيها فجورها وتقواها، والموفق من ضبط نفسه فمنعها من الفجور وألزمها التقوى.

وضبط النفس أن يتحرى المسلم الحق والهدى، أن يتحرى الاعتدال والحلم والتأني والرفق والحكمة والعدل والإنصاف والصفح والعفو، ويجاهد هذه النفس ويكبح جماحها لتسير وفق مقتضى الشرع.

والله قد أمر بمجاهدة النفس أمر بمجاهدة الهوى: فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى [النساء: 135]، وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ [الحج: 78].

قصر النفس على الحلال ومنعها من الحرام هذا ضبط عظيم وجهاد كبير: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا  [العنكبوت: 69] جاهدوا النفس والهوى والشيطان.

 وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات: 40-41].

قال السلف في تفسير الآية: ونهى النفس عن الهوى هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه للحساب فيترك هذه المعصية ترك الهوى مفتاح الجنة: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات: 40-41].

 حفت الجنة بالمكاره  ما في طريق لدخول الجنة إلا باقتحام المكاره،  وحفت النار بالشهوات [رواه مسلم: 2822] لا طريق إلى النار إلا بالوقوع في هذه الشهوات.

 وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ  [الرحمن: 46].

الرجل يهم بالذنب فيذكر مقامه بين يدي الله في يوم الحساب فيترك ذلك.

والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، منعها عن الاسترسال في الملذات والشهوات المحرمة، نفسك أقرب أعدائك إليك، ابدأ بنفسك فجاهدها، وابدأ بها فاغزها.

وخالف النفس والشيطان واعصهما وإن هما محضاك النصح فاتهم

 ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله.

أشد الجهاد جهاد الهوى جهاد النفس والهوى، أصل جهاد الكفار.

والمسلم ليس حراً طليقاً يفعل ما يشاء، ودعاة الحرية المطلقة الذين يقولون: حرية! حرية!

هؤلاء في الحقيقة منزلقون في دعاوى أهل الكفر والزندقة والانحلال الذين ينادون بالحريات المطلقة.

الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر.

قيل: إن يهودياً رأى ابن حجر -رحمه الله- وكان قاضياً عظيماً بمصر، وقد مشى معه، سار معه في موكبه من طلبة العلم والمشايخ والعلماء في أبهة عظيمة، فاستوقفه يهودي زيات قال له: كيف يقول نبيكم: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر  ، وأنت فيما أنت فيه وأنا فيما أنا فيه؟ هذا اليهودي يقول: أنا فقير وأنت في هذه الأبهة؟ والقاضي قاضي البلد كيف نبيكم يقول الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر  وأنت فيما أنت فيه وأنا فيما أنا فيه؟ قال رحمه الله: أنا بالنسبة لجنة الآخرة في سجن، وأنت بالنسبة لنار الآخرة في جنة.

"كل مؤمن مسجون في الدنيا" قال النووي "من الشهوات المحرمة والمكروهة، مكلف بفعل الطاعات الشاقة" [شرح النووي على مسلم: 18/ 93].

أمر الشرع بضبط النفس وعدم التفلت

00:05:44

وقد أمر الشرع بضبط النفس وعدم التفلت: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ [آل عمران: 134].

لا يعملون بمقتضى الطبع، الطبع يقول: انتقم، الطبع يقول: اغضب، الطبع يقول: ابطش.

لكن كظم الغيظ والعفو عن الناس من صفات أهل الجنة، وحكي أنه جاءت ميمون بن مهران جاريته ذات يوم بصحفة فيها مرقة حارة وعنده أضياف فعثرت فصبت المرق الحارة على سيدها، فماذا نتوقع أن تكون الحال والانفعال؟ قالت الجارية: سيدي وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ  قال: قد كظمت غيظي، قالت: وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ [آل عمران: 134] قال: قد عفوت عنك، قالت: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: 134] قال: اذهبي فأنت حرة لوجه الله.

مدح الله الذين يضبطون أنفسهم إذا غضبوا فلا ينتقمون، فقال: وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ  [الشورى: 37].

من يدعي الحلم أغضبه لتعرفه لا يعرف الحلم إلا ساعة الغضب الحلم

 ليس أشياء نظرية تدرس فقط لا يعرف الحلم إلا ساعة الغضب  ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه  [رواه البخاري: 6114 ومسلم: 2609]، لاحظوا هذا المفهوم ضبط النفس بالأدلة الشرعية، هذا مفهوم مهم، كثير من الذين طلقوا زوجاتهم طلقوا لأنهم لم يضبطوا أنفسهم.

الذين قالوا كلمة قطيعة، وبعدها تدهورت العلاقات، سنوات مع أطراف بعضهم من الأقارب نتيجة عدم ضبط النفس. الذي تهور فألقى بنفسه إلى التهلكة نتيجة عدم ضبط النفس.

الذي انتحر نتيجة عدم ضبط النفس.

الذي سب وشتم نتيجة عدم ضبط النفس.

الذي دخل بالعرض على واحد في الطريق غضباً وصار حادث سيارة نتيجة عدم ضبط النفس من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره الله من الحور العين ما شاء   [رواه أبو داود: 4777 والترمذي: 2021 وابن ماجة: 4186 وهو حديث حسن].

وعند ابن ماجه: ما من جرعة أعظم أجراً عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله  [رواه ابن ماجه: 4189].

وإذا غضبت فكن وقوراً، كاظماً للغيظ، تبصر ما تقول وتسمع، فكفى به شرفاً تبصر ساعة يرضى به عنك الإله ويدفع، الحسن البصري -رحمه الله- قال: "ما من جرعتين يتجرعهما العبد أحب إلى الله من جرعة مصيبة يتجرعها العبد بحسن صبر وحسن عزاء، وجرعة غيظ يتجرعها العبد بحلم وعفو.

جرعتان جرعة مصيبة وجرعة غيظ، لكن عند الله كتم هذين شيء عظيم، النبي ﷺ لما قال له رجل: أوصني؟ وكرر ذلك قال: ((لا تغضب)) مراراً لا تغضب قال الرجل: ففكرت حين قال النبي ﷺ ما قال، فإذا الغضب يجمع الشر كله" [رواه أحمد: 23171، وقال محققو المسند: "إسناده صحيح"].

ولذلك قيل لعبد الله بن المبارك: اجمع لنا حسن الخلق في كلمة؟ قال: ترك الغضب.

إذاً، هذا معناه الاتصاف بالحلم والعفو.

والثاني: أن لا تعمل بمقتضى الغضب، فإذا كان الغضب يدعوك إلى البطش أمسك يدك، إلى الشتم أمسك لسانك، إذا كنت قائماً فاجلس، وإذا كنت جالساً فاضطجع.

ضبط النفس صفة يحبها الله ورسوله

00:10:47

ضبط النفس صفة يحبها الله ورسوله، جاء وفد إلى النبي ﷺ أول ما وصلوا المدينة بادروا إلى النبي ﷺ تركوا الدواب وجاؤوا بثياب السفر ورائحة السفر، فأقام الأشج بن عبد القيس عند رحالهم فجمعها وعقل ناقته، عقل الدواب ربطها ولبس أحسن ثيابه، ثم أقبل إلى النبي ﷺ فقال ﷺ: إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة  [رواه مسلم: 18].

الرجل عرف كيف يدخل، الرجل عرف كيف يدخل: ربنا أدخل مدخل صدق.

مضادة العجلة لضبط النفس

00:11:40

العجلة مضادة لضبط النفس، والإقدام على الشيء من أول خاطر دون تأمل ولا استطلاع مشكلة.

قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل  الزلل

 العجل يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويحمد قبل أن يجرب، ويذم بعدما يحمد، ويعزم قبل أن يفكر، ويمضي قبل أن يعزم.

العجل تصحبه الندامة، وتعتزله السلامة، كانت العرب تكني العجلة: أم الندامات.

ضبط النفس سبب لمعونة الله

00:12:29

ضبط النفس هذا سبب لمعونة الله للعبد "يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي؟" يعني منتهى ضبط النفس مع الأقارب المؤذين، قال: لئن كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك  [رواه مسلم: 2558]، ((تسف)) يعني تدخل في فم الآخر رغماً عنه.

المل، الرماد الحار، يعني هذا كناية عن ظهور بليغ وتفوق عليهم.

ومن وصايا الحكماء، من وصايا حكيم لابنه: "يا بني إن موصيك بخصال إن تمسكت بها لم تزل سيداً: ابسط حلمك للقريب والبعيد، وأمسك جهلك عن الكريم واللئيم، وصل أقاربك، وليكن إخوانك الذين إذا فارقوك وفارقتهم لم تعب بهم".

ضبط النفس من صفات عباد الرحمن

00:13:54

ضبط النفس من صفات عباد الرحمن: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [الفرقان: 63] هنا ضبط النفس، أين ضبط النفس في عباد الرحمن؟ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا  حلماء لا يجهلون، لا يرد على السفيه.

وفي الحلم ردع للسفيه عن الأذى وفي الخرق (يعني الحمق) إغراء فلا تك أخرقا

 السفيه يتمنى أن ترد عليه حتى يقع فيك، وتستمر المشاتمة.

وبعضهم من يعمل في عالم الإعلام عنده الشيء هذا، يريد أن ينشب المعارك ليكتب المقالات ويتصل على فلان ليحرش بينه وبين فلان، ويتصل على فلان ليحرش بينه وبين فلان؛ لأن هذه مادته ما تطلع الإثارة في عالم الإعلام عنده إلا بهذا، ولذلك يشتغل شغل إبليس في التحريش بينهم

قالوا سكت وقد خوصمت قلت لهم إن الجواب لباب الشر مفتاح
والصمت عن جاهل أو أحمق شرف وفيه أيضا لصون العرض إصلاح
أما ترى الأسد تخشى وهي صامتة والكلب يخسا لعمري وهو نباح

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "درجة الحلم والصبر على الأذى والعفو عن الظلم أفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة يبلغ الرجل بها ما لا يبلغه بالصيام والقيام"[الصارم المسلول، ص: 234].

ضبط النفس من صفات الأنبياء

00:15:49

-طبعاً- ضبط النفس هذه من صفات الأنبياء، السمت الحسن والتؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءاً من النبوة هذا التأني.

ما هي الصفة التي ذكرها الله عن إبراهيم في ضبط النفس؟

 إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ [هود: 75].

وفي الآية الأخرى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ   [التوبة: 114].

وقد وصف الله -تعالى- ابنه إسماعيل أيضا بهذا فقال: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ  [الصافات: 101].

وحفيده الذي جاء بعده محمد ﷺ سيد الحلماء.

انظر إلى حلم إسماعيل لما قال لأبيه: يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ  [الصافات: 102] أي ضبط نفس في هذا ما أعظمه!

ويحيى الله قال عنه: مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا  [آل عمران: 39] قالوا في تفسير  وَسَيِّدًا  سعيد بن جبير وقتادة: الحليم السيد الذي لا يغلبه الغضب.

أين حلم يوسف قبل أن يلقى إخوته؟ أين تأني يوسف -عليه السلام- قبل أن يلقى إخوته؟ أين الموقف؟ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ لكن يوسف ما ثبتت براءته أمام الناس، يعني ما أعلنت البراءة هو دخل السجن على تهمة ملبسة  فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ  ما طلع يوسف على طول، سبع سنوات سجن، أول ما جاءه وقال: هلم يريد أن يخرج على أصول، يريد أن يخرج على بينة للناس، هو يعرف نفسه لكن يريد أن تكون صفحته بيضاء أمام الناس، هذا داعية مهمة في الدعوة، هذه مهم السجل أمام المدعوين، قال: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ  [يوسف: 50].

قال نبينا ﷺ مثنياً على هذا الموقف  لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي [رواه البخاري: 3372 ومسلم: 151] يعني أول ما جاءه، طبعاً هذا من تواضعه ﷺ، وإلا فهو أحلم من يوسف.

وهذا مدح عظيم ليوسف في تثبته وتأنيه وترك الخروج من السجن حتى تظهر براءته للعامة.

وفي هذا من الفوائد: طلب براءة الساحة.

الحلم الآخر لما قابل إخوته بعد السنين الطويلة وقد ألقوه في الجب وتسببوا في إبعاده عن أبيه وحرمانه من تعليم أبيه النبي له وتعريضه للهلاك في الجب وتسببوا في أخذه عبداً بيع بثمن بخس، وتسببوا في تعريضه لفتنة النساء، ثم دخول السجن كله سببه ظلم الإخوة أصل العملية فلما رآهم وحصلت المواقف بعد ذلك قال: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ  ما انتقم، هذا ضبط نفس عظيم جداً  لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف: 92] لا عيب ولا تأنيب ولا توبيخ ولا عتب ولا أعيد التذكير بهذا  لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف: 92].

تعالوا بنا نطوي الحديث الذي جرى ولا سمع الواشي بذاك ولا درى
تعالوا بنا حتى نعود إلى الرضا وحتى كأن العهد لم يتغير
لقد طال شرخ القال والقيل بيننا وما طال ذاك الشرخ إلا ليقصر
من اليوم تاريخ المحبة بيننا عفا الله عن ذاك العتاب الذي جرى

سليمان أين تأنيه في قصة ملكة سبأ مع الهدهد لما قال: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ  [النمل: 20-21] فترك مجالاً لصاحب العذر أن يظهر عذره، فلما أبدى الهدهد عذره صار عند سليمان تأنٍ آخر، ما هو؟  قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ  [النمل: 27-28].

التعامل مع الأحداث هذا شأن الأنبياء ترك مجالاً للعذر؛ إن كان الهدهد معذوراً لا يعاقب فلما جاءه بالخبر تأنى في تصديقه حتى يتبين الأمر.

ضبط النفس في العبادات

00:22:41

هناك عبادات واضح أنها تعود المسلم على ضبط نفسه، يعني حتى هذه الصلاة:  وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت: 45].

وهذا الصيام فيه ضبط النفس عن الشهوات طعام نكاح، وكذلك إذا سابه أحد أو شاتمه والصائم بلغ منه الصيام ما بلغ، ولذلك فإنه يقول مذكراً نفسه: إني امرؤ صائم  [رواه البخاري: 1904 ومسلم: 1151] ومذكراً خصمه: إني امرؤ صائم، إني صائم إني صائم.

وهناك مسألة تتعلق بضبط النفس في الصيام بالنسبة للرجل المتزوج ما هي؟ حكم تقبيل الزوجة في الصيام، قال العلماء: إن عرف من نفسه أنه لو قبل تمادى لا يجوز له؛ لأنه ممكن يأتي واحد يقول: ألم يثبت في البخاري ومسلم أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم؟ نقول: نعم، لكن قالت عائشة: "ولكنه أملككم لإربه" [رواه البخاري: 1927 ومسلم: 1106].

كم من الذين ما ضبطوا أنفسهم في الصيام، وجاء يقول: ما وجدت رقبة أعتقها، ومشكلة في صيام شهرين، دوروا لي حل في عالم الفتاوى، السؤال هذا معروف، رقبة ما وجدنا، وصيام شهرين أنا عندي شغل ودوام، دوروا لي مخرج، طيب أنت جنيت على نفسك، هنا ضبط النفس.

انظر إلى الحج وما فيه من التدريب على ضبط النفس: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ [البقرة: 197] هذا ضبط النفس هذا  فَلَا رَفَثَ  لا الجماع، ولا مقدمات الجماع وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ .

ضبط النفس في الحج أين يتمثل؟ محظورات الإحرام، ضبط نفس للهواة أصحاب الهوايات، تحريم الصيد للمحرم، وتحريم الصيد في الحرم، ترى هذا من ضبط النفس لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ  يعني صيد بمتناول اليد، يعني صيد سهل باليد تمسكه باليد، الصيد تناله أيديكم ورماحكم، ومع ذلك ضبط الصحابة أنفسهم فلم يصيدوا؛ لأن الله ابتلاهم  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ [المائدة: 94] فيتبين أهل الطاعة، فامتنع الصحابة، فهذا أبو قتادة كان مع النبي ﷺ حتى إذا كان ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب لهم محرمين وهو غير محرم، فرأى حماراً وحشياً فاستوى على فرسه فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا عليه [رواه البخاري: 5490 ومسلم: 1196]؛ لأنهم محرمون، والمحرم لا يعين في الصيد ولو واحداً غير محرم ما يعينه، قال: أعطوني سوطي، ما أعطوه فسألهم رمحه فأبوا عليه.

وفي رواية: فأسرجت فرسي وأخذت رمحي ثم ركبت فسقط مني سوطي فقلت لأصحابي وكانوا محرمين: ناولوني السوط، فقالوا: والله لا نعينك عليه بشيء فأخذه ثم شد على حمار الوحش فقتله [رواه البخاري: 5407 ومسلم: 1196].

بخلاف بني إسرائيل حرّم الله عليهم الصيد يوم السبت: إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا [الأعراف: 163] السمك على سطح الماء، تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً؛ مثل قوله: تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ  [المائدة: 94] بمتناول اليد،  كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف: 163].

ضبط النفس في الحدود والقصاص

00:28:02

انظر إلى ضبط الشريعة للناس بالحدود والقصاص ليضبطوا أنفسهم:  وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة: 179]، وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا  [المائدة: 38].

ماذا قال الله لأولياء القتيل في ضبط النفس؟ ماذا قال الله لولي الدم في ضبط النفس؟: وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ  [الأنعام: 151]،  وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا  [الإسراء: 33]، لا يقتل غير القاتل في الجاهلية، كان يقتل القاتل وأقارب القاتل وجماعة القاتل وأي واحد من قبيلة القاتل، لا تقتل غير القاتل، ولا تقتل مع القاتل أحداً آخر ولا تمثل بالقاتل، يعني لو قال واحد: ما معنى {فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ}؟ نقول: هذا لقد ابتلي الصحابة بضبط النفس في المرحلة المكية في أي آية؟

الصحابة منعوا من الجهاد في مكة والعربي لا يسهل عليه أن يضام وما ينتقم حتى لو على أهل بيته، ومع ذلك الصحابة ضبطوا أنفسهم ضبطا عظيما في أي آية؟

 أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ  الآن أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا  إذاً، قبل هذا الإذن كانوا ممنوعين.

مجالات ضبط النفس

00:28:02

نحن لا بد أن نربي أنفسنا وأولادنا على هذا المبدأ العظيم؛ لأنه والله خير عظيم، هذا الواحد لو يلاحظ مسألة ضبط النفس وما هي الوسائل المعينة على ذلك ما هي المجالات لضبط النفس؟

انظروا مثلا في قضية العبادة  ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد [رواه البخاري: 1150 ومسلم: 784].

 إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه [رواه البخاري: 1968].

اللسان هذا ضبطه كم هو صعب، لكن لما قال من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة  [رواه البخاري: 6474].

هذا عرفنا الأجر العظيم في ضبط اللسان، قال الحسن -رحمه الله-: "لسان العاقل من وراء قلبه فإذا أراد ان يتكلم فكر فإن كان له قال، وإن كان عليه سكت، وقلب الجاهل من وراء لسانه".

مسألة ضبط النفس في  التوسط في الأمور، يعني مثلاً في الإنفاق: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ  [الإسراء: 29]،  وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا  [الفرقان: 67].

ضبط النفس الأكل والشرب: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا  [الأعراف: 31].

ضبط النفس في الحب والبغض: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة: 8].

في الحديث: أحبب حبيبك هوناً ما  اقتصد عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما [رواه الترمذي: 1997 والبخاري في الأدب المفرد: 1321، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد: 997].

"لا يكن حبك كلفاً، ولا يكن بغضك تلفاً" كما قال عمر  [الأدب المفرد، ص: 448].

ضبط النفس عند سماع الأخبار: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ [النساء: 83].

من الناس من لا يضبط نفسه، إذا جاءه أي خبر على طول في الواتس، فتح كل المجموعات؛ نسخ، لصق، إرسال، ثلاث حركات على طول، ما في ضبط.

طيب تروى -يا أخي-، تأكد من صحة الخبر، من مصدر الخبر، تكرر الخبر، تعددت مصادره، من الذي قاله؟ ما في على طول، أين ضبط النفس؟ أين قول الله: فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: 6]؟ فتثبتوا؟ ألم يقل ربنا: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ  [النساء: 83]؟ يعلمون وجهه لفكرهم السديد وآرائهم الحكيمة، وعلومهم الرشيدة.

الله كره لنا قيل وقال، ونقل الأخبار بدون تثبت  كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع [رواه مسلم: 4].

انظر إلى الشرع في ضبط النفس، مخالطة الناس  المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجراً من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم [رواه ابن ماجه: 4032 وأحمد: 5022، وقال محققو المسند: "إسناده صحيح"].

قصص في ضبط النفس

00:33:24

النبي ﷺ كان سيداً، كان يعلمنا ضبط النفس، من صفاته في التوراة: "ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب" يعني لا صياح في الأسواق، "ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر" [رواه البخاري: 2125].

ومعروفة قصته مع الأعرابي في البرد النجراني.

ومعروفة قصته مع جد الخوارج الأكبر ذو الخويصرة الذي قال: "يا محمد اعدل"[رواه البخاري: 3610].

والنبي ﷺ لم يتسرع بقتله، ولم ينتقم ممن أراد أن يقتله لما سل عليه السيف، قال: من يمنعك؟ ولما سقط سيفه قال ﷺ: والآن من يمنعك ؟ [رواه البخاري: 4135 ومسلم: 843] قال: كن خير آخذ.

لما أخرجوه من مكة وذهب إلى الطائف، وطردوه من الطائف واستقبله ملك الجبال في هذا الغم ماذا كان يمكن أن يقول لملك الجبال وهو يستأذنه أن يطبق عليهم الأخشبين؟

ضبط النفس.

والنبي ﷺ علمنا في ضبط النفس موقفاً عجيباً من أجل رعاية مكانة أخيه سليمان والقصة في البخاري، قصة عجيبة قال: إن عفريتاً من الجن تفلت  يعني تعرض لي فجأة، البارحة ليقطع علي صلاتي شيطان هجم عليه في الصلاة، فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان: رَبِّ َهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ، فرددته خاسئاً  [رواه البخاري: 461 ومسلم: 541].

فترك ﷺ الانتقام بربط هذا الشيطان في السارية رعاية لمكانة أخيه سليمان.

والدعوة التي دعا بها الصحابة هموا أن يوقعوا بالأعراب لما بال في المسجد النبي ﷺ أمرهم أن يضبطوا أنفسهم، وأن يراعوا المفاسد المفسدة الأعظم، لا يفعلوا ما يؤدي إليها.

وهكذا فإنه ﷺ نجده في قصة الإفك لما حصل ما حصل، ما استعجل في عائشة، ذهب يشاور علياً وأسامة بن زيد والجارية بريرة التي كانت عند عائشة، ولم يفارق أهله، لم يستعجل، وذهب وفاتحها، وقال: يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه  [رواه البخاري: 4141 ومسلم: 2770]، وذهب خطيباً وتشهد وحمد الله، وقال: أما بعد أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي  اتهموهم  وأيم الله ما علمت على أهلي من سوء [رواه البخاري: 4757 ومسلم: 2770].

النبي ﷺ لما جاء شاب يستأذن منه في الزنا، المفتي قد يثور، بعض المستفتيين فعلاً يرفع الضغط لكن النبي ﷺ لما قال له الشاب: ائذن لي بالزنا؟ ما ثار عليه، مع أن السؤال يثور، لكن سأله: ((ادن)) فدنا، اجلس جلس  أتحبه لأمك؟ أتحبه لأختك؟ أتحبه لخالتك؟ [رواه أحمد: 22211، وقال محققو المسند: "إسناده صحيح"] طبعاً النتيجة أن الشاب عف لم يلتف بعدها إلى شيء من الشهوات المحرمة.

ضبط النفس في قصة حاطب، عجيب، يرسل رسالة تفشل المعركة كاملة، يعني رسالة يمكن لو وصلت إلى الكفار تفشل فتح مكة: ما حملك على ما صنعت؟  [رواه البخاري: 3983].

 هذه  ما حملك على ما صنعت؟ كم مرة قالها؟

ضبط كله، ضبط للنفس، ما في استعجال بالعقوبة، حتى مع النساء لما كسرت واحدة صحفة الأخرى أمامه ماذا فعل لها؟ غارت أمكم [رواه البخاري: 5225]، وجمع فلق الصحفة وأرسل واحدة سليمة لصاحبة الصحفة المكسورة من بيت الكاسرة، وراعى غيرة التي كسرت.

حتى اليهود لما وضعوا السم له، قال على طول اعملوا فيهم السيف؟ قال: ما حملكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذباً نستريح، وإن كنت نبياً لم يضرك [رواه البخاري: 5777].

طبعاً هذا كلام سيئ في غاية السوء: "إن كنت كاذباً ارتحنا منك".

ضبط الصحابة لأنفسهم

00:38:56

الصحابة ساروا على هذا المنوال، كان السلف لما قيل لواحد منهم: لأسبنك سباً يدخل معك قبرك؟ قال: يدخل معك لا معي.

أبو بكر كان له موقف مع عمر في قضية ضبط النفس في الحديبية، قال: أيها الرجل إنه لرسول الله ﷺ وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق" [رواه البخاري: 2731] "استمسك بغرزه" منتهى ضبط النفس.

عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- لما خطب ذلك الخطيب، وقال الخليفة: من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر؟" يعني في الأحقية بالخلافة "فليطلع لنا قرنه، فلنحن أحق به منه ومن أبيه؟ فقيل لابن عمر: هلا أجبته؟" يعني يوجد من هو أفضل منه أو أولى منه هلا أجبته؟ قال عبد الله بن عمر: فحللت حبوتي وهممت أن أقول أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام، فخشيت أن أقول كلمة تفرق بيت الجمع، وتسفك الدم، ويحمل عني غير ذلك" [رواه البخاري: 4108] يعني يساء فهمي ولا يفهم كلامي على الوجه الذي أريده.

لاحظوا -يا إخوان- الرجل الحكيم الذي ينظر في عواقب الأمور قبل ما يتكلم، فيه عبارات مستفزة، لكن ابن عمر ماذا قال؟ حللت حبوتي، وهممت أن أقول، ولكن فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع، يعني خلاص أمر المسلمين اجتمع ولو على شخص ليس هو الأفضل، لكن اجتمعت الكلمة "فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع، وتسفك الدم، ويحمل عني غير ذلك، فذكرت ما أعد الله في الجنان" [رواه البخاري: 4108].

هذا شاهد عظيم في القصة في الموضوع ما الذي منع ابن عمر من الكلام ؟

منعه أمران: التأمل في المفاسد. والثاني: أجر كظم الغيظ ما أعد الله في الجنان.

الوسائل المعينة على ضبط النفس

00:41:45

النبي ﷺ لما أرسل حذيفة بن اليمان قال له في معركة الأحزاب: اذهب فائتني بخبر القوم، ولا تذعرهم علي  لا تحركهم، لا تستفزهم، لا تثرهم، ادخل وهات الخبر وتعال فقط، لا تعمل عملاً يؤدي إلى استفزاز القوم، يكون على وشك الرحيل فتنقلب الأمور بتصرف منك، لا تثرهم، لا تذعرهم علي، حذيفة ذهب ودخل في عسكر الأحزاب، ووصل إلى قرب القائد، قائد المشركين كان أبا سفيان، فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار، كان برد شتاء وأبو سفيان يصلي ظهره بالنار، فوضع سهماً في كبد القوس، يقول حذيفة: فأردت أن أرميه ولو رميته لأصبته، يعني أنا أقتل قائد المشركين، فذكرت قول رسول الله ﷺ:  ولا تذعرهم علي  [رواه البخاري: 1788] ضبط نفسه.

تذكر النص الشرعي

00:43:05

من أعظم ما يعين على ضبط النفس: تذكر النص الشرعي في تلك اللحظة؛ يعني مثلاً تذكر: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ  [آل عمران: 134].

تذكر النص في اللحظة الحرجة هو الذي يجعل الإنسان يكف، جاء رجل ووقع في ابن عباس انتظر ابن عباس حتى فرغ الرجل فقال ابن عباس لغلامه: يا عكرمة هل للرجل حاجة فنقضيها؟ فنكس الرجل رأسه واستحيا، خلاص المقصود حصل يعني الرجل تأدب وارعوى واتعظ.

قال رجل لعمرو بن العاص: "والله لأتفرغن لك؟" قال: هنالك وقعت في الشغل" يعني ما هو تفرغ ذاك هو الشغل، قال: كأنك تهددني، والله لئن قلت لي كلمة لأقولن لك عشراً؟" يعني من الشتائم، قال: "وأنت والله لو قلت لي عشرة ما قلت لك واحدة".

سب رجل علي بن الحسين فرمى علي بخميصة كانت عليه خلعها ورماها عليه وأمر له بألف درهم.

جمع له خمس خصال: الحلم، وإسقاط الأذى، وتخليص الرجل مما يبعده عن الله، وحمله على الندم والتوبة، ورجوعه إلى المدح بعد الذم، اشترى كل ذلك بشيء من الدنيا.

زينب بنت جحش -رضي الله عنها- لما صارت حادثة الإفك مع عائشة قالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري والله ما علمت عليها إلا خيراً؟ مع أنها كانت فرصة تتشفى من ضرتها، وأن تسقط ضرتها، وتوقع بضرتها، وتتكلم وتحطم سمعتها، وتفعل..، لكن مع كل ما يكون بين الضرائر زينب ورعة -رضي الله عنها- قالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري والله ما علمت عليها إلا خيراً، قالت عائشة: "فعصمها الله بالورع" مع أن زينب كانت هي رقم اثنين على طول بعد عائشة مباشرة في زوجاته الأحياء في ذلك الوقت؛ لأن عائشة تقول: وهي التي كانت تساميني، يعني تعادلني في المنزلة عند النبي ﷺ، قالت عائشة: ولم أر امرأة قط في الدين من زينب وأتقى لله، وأصدق حديثاً، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي تصدق به، وتقرب به إلى الله -تعالى-" [رواه البخاري: 2442].

وأسمع رجل معاوية مرة كلاماً شديداً فقيل له: لو سطوت عليه وجعلته نكالاً؟ يعني عبرة لغيره، قال: إني لأستحيي أن يضيق حلمي عن ذنب أحد من رعيتي.

والأحنف بن قيس هذا كان مشهوراً بالحلم جداً، لكن ليس ما اشتهر به من فراغ، الرجل فيه مواقف، يعني ما صار من السادة في الحلم إلا مواقف عظيمة مرت به؛ فمن ذلك: أنه كان يوماً قاعداً بفنائه محتبياً بكسائه، لف الكساء على ركبتيه، إذ أتته جماعة فيهم مقتول ومكتوف، قالوا: هذا ابنك المقتول قتله ابن أخيك المكتوف ربطناه، يعني هذا الموقف ماذا يمكن أن يفعل بالناس العاديين؟ قالوا: فوالله ما حل حوبته، ما غير الجلسة، ثم التفت إلى ابن له في المجلس، ابن آخر، قال: قم أطلق ابن أخيك المكتوف، هذا حل إساره، ووارِ أخاك، التغسيل والتكفين والصلاة والدفن، واحمل إلى أمه، إلى أم القتيل، مائة من الإبل فإنها غريبة" يعني أنا تزوجتها من ناس ما هم عندها غريبة قطعت عن أهلها، واحمل إلى أمه مائة من الإبل" هذه مواساة فإنها غريبة، ثم نظر إلى القاتل فقال له: "نقصت عددك، وقطعت رحمك، وأغضبت ربك، وأطعت شيطانك" يعني موعظة لا بد من وقفة، ولذلك يقال: "أحلم من أحنف".

وجاء رجل إلى وهب -رحمه الله- قال: إني مررت بفلان يشتمك؟ قال: وما وجد الشيطان رسولاً غيرك يرسله إلي، فلما جاء الشاتم سلم عليه وهب ورحب به ومد يده وصافحه، وأجلسه إلى جانبه.

يقول عبد الله بن محمد الوراق: كنا في مجلس أحمد بن حنبل فقال: من أين أقبلتم؟ قلنا: من مجلس أبي كريب، قال: اكتبوا عنه فإنه شيخ صالح، قلنا: إنه يطعن عليك، قال: فأي شيء حيلتي شيخ صالح قد بلي بي.

عمر بن عبد العزيز لما دخل المسجد وعثر برجل بالليل لا ضوء، فقال الرجل: أمجنون أنت؟ فقال عمر: لا، فهم به الحرس، قال لهم عمر: مه إنما سألني أمجنون أنت؟ فقلت: لا.

وصلاح الدين الأيوبي في مجلس طلب من الخدم ماء فلم يحضروه فعاود الطلب خمس مرات فلم يحضروه، حتى قال: يا أصحابنا والله قد قتلني العطش فأحضر له الماء.

قارن بينه وبين ما يفعله الواحد بخادمه في هذه الأيام؟

كيف كان ضبط شيخ الإسلام نفسه مع المخالفين؟ سبوه وشتموه وحاكموه وسجنوه وآذوه واتهموه، حكموا عليه بالكفر بالضلالة، ومع ذلك لما سمع بموت أحدهم راح عزاء أهله، وقال: أنا لكم مكانه.

ومن الأكابر المعروفين بالحلم ممن مضى من علمائنا -رحمهم الله- شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمه الله- فإن له عدة مواقف كان يظهر فيها حلمه؛ فمن ذلك: أنه جيء إليه فقيل له: فلان شتمك، قال: الله يهديه، قالوا: كفرك، قال: الله يهديه، قال: إنه يلعنك، قال: الله يهديه.

لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب ولا ينال العلا من طبعه الغضب

 من مواطن ضبط النفس وكان الشيخ فيها آية: ضبط النفس أمام إلحاح الملحين أصحاب الطلبات هذه كان الشيخ فيها آية؛ لأن الذين يأتونه إما يطلبون فتاوى أو يطلبون شفاعات، أو يطلبون أموالاً مساعدات طلبات كثيرة من كل الأنواع، حتى جاءه رجل قال: اكتب لي شفاعة، اكتب لي الآن شفاعة، اكتب لي في الزواج أنا أريد أن أتزوج، قال: أنت من أي بلد؟ من كذا، اذهب إلى فلان قاضٍ في البلد أو شيخ يكتب تعريفاً عنك يعرفك، قال: أنا صاحب حاجة وأنا قد بلغت خمسين متى أتزوج وأنا قد بلغت خمسين؟ والشيخ يطلب يقول له: تتزوج إن شاء الله، وتبلغ تسعين ومع ذلك لم يتركه الشيخ ينصرف حتى يتغدى عنده، قال: لكن أنا عندي موعد، قال: هذا الهاتف اعتذر من صاحب الموعد.

طبعاً هذا شيء يؤتيه الله من خلقه من يشاء، لكن أيضاً فيه مران ومجاهدة كبيرة، يعني ينال بالمجاهدة "إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم" ينال بالتحلم، يعني مراغمة النفس على الشيء مكتسب أيضاً.

مجاهدة النفس على ضبط النفس

00:52:47

من المواطن العظيمة في ضبط النفس: قضية الشهوات، هذا الزمن يحتاج فيه الآن في ضبط النفس أمام الشهوات حاجة عظيمة جداً، نظرا لكثرة ما يثير الغرائز في هذا الزمان، مناظر، مشاهد، مقاطع، صور، أفلام، تبرج سفور النساء، شيء في الواقع شيء عظيم، والإنسان فيه طبع مركب، فيه غريزة، فيه شهوة، فيه ميل:  وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا  [النساء: 27].

فضبط النفس هنا الواحد فعلاً يتذكر به مثلاً يوسف فإنه كان شاباً، والشاب داعي الزنا عنده أقوى من الصغير والشيخ الكبير، وكان عزباً وداعي الشهوة عند الأعزب أكثر من المتزوج الذي عنده ما يغنيه، وكان غريباً والغريب لا يستحي مما يستحي منه ابن البلد، ولا يخشى ما يخشى من الفضيحة مثله، وكانت المرأة جميلة والداعي للوقوع أعظم من القبيحة أو المتوسطة، وهي صاحبة سلطان تخشى، وهي سيدته لها عليه الأمر والنهي وقد دعته، وقالت: هيت لك، والعادة أن الرجل طالب والمرأة مطلوبة، فإذا صارت المرأة طالبة والرجل مطلوب انهارت الحواجز النفسية، وغلقت الأبواب وغاب الرقيب، وزوج المرأة ثبت أنه ليس من أصحاب الغيرة إذ لو كان كذلك لفصل بينهما مباشرة، لكن كل ما فعل:  يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ  [يوسف: 29].

وخلاهما في البيت وقالت: اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ [يوسف: 31].

وابتلي يوسف بكيد النسوة، اجتماع كيد النسوة عليه ، وما أجاب، وضبط نفسه.

ثم هدد بالسجن:  وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ  [يوسف: 32] وما أجاب.

كم سبب اجتمعت بيوسف  لفعل الفاحشة؟ كم إغراء؟ كم ضغط؟ كم قوة ضغط؟ كم عامل إغراء؟ وكم قوة ضغط؟ كم عامل إغراء اجتمع ليوسف ؟ وكم قوة ضغط حصلت عليه لفعل الفاحشة؟ يعني رغباً ورهباً، يعني ما هو فقط أنها كانت أشياء ترغيبية حتى ترهيبية، يعني اجتمع له إغراءات وعقوبات، ومع ذلك أبى، ولجأ إلى الله، وقال: مَعَاذَ اللَّهِ [يوسف: 23]، واستعاذ بالله، أعوذ بالله، معاذ الله، أتحصن وألتجيء إليه من هؤلاء ومن الحرام يدعو ربه  وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ  [يوسف: 33، 34]، لكن جاهد نفسه.

إذاً، الله يعين أصحاب المجاهدات، الله يعين أصحاب المجاهدات، أما واحد لا عزيمة ولا عنده همة ولا عنده قوة ولا عنده صمود ولا ضبط نفس أمام الحرام، ويقول: صار الشيء أمامي؟ نقول: اذكر يوسف تجري خلفه المرأة تعدو خلفه حتى قدت قميصه من دبر.

إذاً، هذا مثال عظيم في ضبط النفس أمام الحرام، هذا من أعظم المجالات.

النظر في العواقب

00:57:29

ومما يعين على ضبط النفس: النظر في العواقب؛ لأن من تأمل العواقب الجميلة لضبط النفس والوخيمة لعدم ذلك كان هذا كفيلاً بأن يصبر وبضبط نفسه، ومن تأمل حتى العواقب الدنيوية، إذا قلت طبياً ضغط الدم وحصول أشياء إذا صار واحد ينفعل ويجري مع انفعالاته، وما يضبط نفسه، أو من الفضيحة لو ذهب في الحرام، ما ضبط نفسه ماذا يترتب عليه؟ حتى في الدنيا من الفضيحة طبعاً غير الآخرة، والآخرة هذا الأساس في الصمود أمام هذه الفتن، واللجوء إلى الله بالدعاء: اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت  [رواه مسلم: 771].

ضبط النفس لأصحاب المناصب

00:58:39

ومن الأشياء التي يحتاج الإنسان لضبط نفسه: إذا كان له منصب وقوة؛ لأنه إذا ما ضبط نفسه يبطش، فالزوج مع الزوجة، والأب مع الأولاد، وصاحب البيت مع السائق أو الخادم، والمدير مع الموظفين، والتاجر مع عماله وموظفيه؛ هذا الفارق في المستوى والعلو في الرتبة في الدنيا يؤدي إلى الرغبة في الانتقام والبطش لوجود المعين على ذلك من القوة الدنيوية، وهنا يكون ضبط النفس في عدم البطش، وعمر لما تولى الخلافة دعا بدعوات، والحديث في مصنف أبي شيبة قال: "اللهم إني ضعيف فقوني، وإني شديد فليني، وإني بخيل فسخني" [مصنف ابن أبي شيبة: 6/65] مع أنه من الكرماء ، لكن انظر إلى قوله: "وإني شديد فليني"؛ لأنه لما صار على الرعية احتاج الآن إلى زيادة لين معهم.

ولذلك كان في عمر رحمة عجيبة، كما في قصته مع المرأة وأولادها وهم جياع في الخيمة في الليل، وكيف حمل لهم الطعام، ورجع إلى بيت المال، وحمل لهم من بيت المال كيس الدقيق.

وكذلك لما كان يعس خارج المدينة فرأى خيمة وفيها رجل وامرأة وسأله قال: زوجتي ضربها المخاض، الآن ستلد وذهب من يولدها، ولا أستطيع أن أدخل بها المدينة فذهب عمر قال لأهله قال: هل لك في الأجر؟ امرأة على الولادة قومي قالت: فأخذت خرق ماء مسخناً وما يلزم، وذهبت وولدتها، وعمر مع الرجل، والرجل لا يدري أن هذا هو الخليفة ويشكره كأنه أحد المارة العابرين، ما درى أن هذا خليفة المسلمين أتى له بأهله يولدون أهل الرجل.

سبحان الله!

نسأل الله   أن يجعلنا من أهل الصبر، وأن يرزقنا الحلم، وأن يخلقنا بالعفة، وأن يرزقنا التقوى، وأن يجنبنا العسرى.