الجمعة 12 ربيع الأوّل 1444 هـ :: 7 أكتوبر 2022 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

أخبار عيسى في أحاديث محمد ﷺ


عناصر المادة
دعوة امرأة عمران لابنتها مريم عليها السلام
عصمةُ الله لعيسى عليه السلام من الشيطان
وصف عيسى عليه السلام وشكْله ولونه
فضل عيسى - عليه السلام -
موقفه -عليه السلام- من قومه يوم القيامة
أحوال الناس عند نزول عيسى عليه السلام
نزوله عليه السلام عند المنارة البيضاء
أعمال عيسى عليه السلام بعد نزوله

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

لقد كان في القرآن الكريم ذكر كثير لهذا النبي في عدد من السور وفي عدد من المناسبات، وكذلك في سنة النبي ﷺ، وسنتعرض إن شاء الله في هذه الليلة طائفة من أخبار هذا النبي الكريم من أخبار عيسى في أحاديث محمد عليهما الصلاة والسلام.

دعوة امرأة عمران لابنتها مريم عليها السلام

00:00:42

لقد كانت بداية عيسى قديمة لما كانت جدته أُم مريم -امرأة عمران- تدعو الله ﷺ لمن في بطنها ولذريته أن يقيهم الله من الشيطان الرجيم، فلما حملت امرأة عمران توجّهت إلى الله بالدعاء قائلة: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران: 35، 36]. فكانت دعوة الجدة لحفيدها سارية من ذلك الجيل إلى الجيل الذي بعده، وظهرت آثارها في مريم وفي ولدها عيسى وصلاح الأجداد له علاقة بالأولاد، وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا [الكهف: 82]. ولصلاح الأب حفظ الله مال ذريته.

وكذلك بصلاح امرأة عمران حفظ الله بنتها وابن بنتها، فقال ﷺ: ما من بني آدم مولود إلا يمسّه الشيطان حين يُولد فيستهلّ صارخاً من مسّ الشيطان غير مريم وابنها، ثم يقول أبو هريرة:  وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [رواه البخاري: 3431].

لقد كانت تلك الدعوة الصالحة التي وقعت من تلك المرأة الكريمة، فأثّرت تأثيراً بالغاً فما من بني آدم مولود إلا يمسّه الشيطان حين يولَد، غير مريم وابنها لم يستطع الشيطان أن يمسّهما، ومريم بنت عمران -عليهما رضوان الله- خطّ رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوط كان أحد الخطوط يشير إليها فقال لأصحابه: أتدرون ما هذا؟  قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله ﷺ: أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسيا بنت مزاحم امرأة فرعون [رواه أحمد: 2668، والترمذي: 2668، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 1508]. 

هذه الأم الطيبة وتلك الجدة الطيبة ؛ تلك الجدة جدة عيسى لم تكن أُخت هارون أي شقيقة هارون أخو موسى، وقد حصل عند بعض الصحابة شيء حول هذا، فأزال النبي ﷺ عنه اللبس، فجاء في حديث المغيرة بن شُعْبة قال: "بعثني رسول الله ﷺ إلى نجران والحديث في صحيح مسلم، فقالوا: - وأهل نجران كانوا نصارى - المغيرة ذهب ينقل إليهم رسالة من النبي ﷺ نزلت في أهل نجران آيات طويلة من سورة آل عمران، فيها محاجّة أهل الكتاب ومناقشة أهل الكتاب نصارى نجران، فقالوا - أي للمغيرة -: "أرأيتَ ما تقرؤون يا أخت هارون، وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟

قال النصارى في نجران للمغيرة بن شعبة أنتم تقرؤون في قرآنكم في كتابكم: يا أخت هارون، وأُخت هارون وهي مريم عليها السلام يا أخت هارون هذه المرأة مريم عليها السلام أخت هارون يقول نصارى نجارى مستشكلين: كيف تقولون عن مريم أخت هارون وبين مريم وموسى وهارون كذا وكذا آلاف السنين؟

قال: فرحتُ فذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ فقال: ألا أخبرتَهم أنهم كانوا يسمّون بالأنبياء والصالحين قبلهم  [رواه أحمد: 18201، وقال محققه الأرنؤوط: إسناده حسن].

يعني هذا كما يقول العامة عندنا اسم على اسم، وليس من شبّهوها به أو من نسبوه بالأخوة إليه ليس هو أخو موسى، يا أخت هارون، كان بنو إسرائيل يسمّون على أسماء الأنبياء تيمنّاً بالأنبياء، فيسمّون موسى كثيراً، من بعد موسى سمُّوا موسى كثيراً، وسمُّوا هارون كثيراً، فلما وصلت المسألة إلى جيل مريم، مريم أخوها هارون ليس أخو موسى هارون آخر اسمه على اسم هارون النبي تيمناً به وليس أنه هارون أخو موسى فهذا هو زوال الإشكال فمريم لما جاءت لقومها تحمل عيسى قالوا: يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [مريم: 28].

أمها امرأة صالحة وهي زوجة عمران فلما وضعت مريم ودعت لها ومريم بعد ذلك أنجبت عيسى ، كانت مريم بنت عمران امرأة كاملة كما قال ﷺ: كمُل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسيا امرأة فرعون ومريم بنت عمران وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام [رواه البخاري: 3411، ومسلم: 2431].

من امرأة عمران من مريم خرج عيسى أم صالحة وجدة صالحة، إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما بطني محرراً، فمريم بنت عمران أنجبت عيسى بدون أب، ولأن عيسى مخلوق بكلمة الله كن فسمي عيسى بكلمة الله ولذلك قال ﷺ: من شهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل  [رواه البخاري: 3435]. فإذن، عيسى خلق من كلمة كن فكان ولذلك يسمى عيسى بكلمة الله، ولماذا يسمى روح الله ؟ الإضافة هنا إضافة تشريف إضافة مخلوق إلى الخالق كما نقول: ناقة الله، بيت الله في الكعبة، روح الله؛ لأن عيسى روح خلقها الله  نفسٌ منفوسة خلقها الله خلقها من كلمة: "كن" فكان، ولذلك عيسى كلمة الله وروح الله، وقد جاء في الحديث عن عيسى: روح الله  ومعنى: وروح منه  : أن عيسى روح من الله، "من" هنا يعني: من أين أتى عيسى؟ خلقه الله، فإذن، لما خلق الله السماوات والأرض منه، يعني لا من غيره هو الموجد، وكذلك عيسى روح من الله، روح منه، يعني هو موجدها، مصدر الإيجاد الله ، عيسى من أين خُلِق؟ مصدر خلقه ممن؟ من الله ، ولذلك يسمى عيسى كلمة الله وروح الله وروح من الله، وليست من هنا للتبعيض، يعني أن عيسى جزء من الله؟ أبداً، تعالى عن ذلك والنصارى يمكن يتكلمون ويحاجُّون في هذه، كما حصل في مجلس بعض الخلفاء أن أحد النصارى جاء وقال له الخليفة: لماذا لا تسْلِم؟ قال: أنا مقتنع بالإسلام والقرآن لكن هناك آية أشكلت عليّ ولذلك أنا لا أسلم؛ لأن فيها ما يؤيد عقيدتنا نحن النصارى قالوا: ما هي قال: مكتوب في القرآن: وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء: 171]. فهو من الله، يعني: جزء من الله، وهذا الذي نحن نقوله؛ هو ابن الله، يعني: منه!، فالتفت الخليفة إلى من عنده من العلماء فقال أحدهم: يا أمير المؤمنين إن الله يعلم أن هذا الرجل سيستشهد بهذه الآية ويأتي بهذه الآية ليستشكل، والأمر كما قال الله تعالى في الآية الأخرى  وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ  [الجاثية: 13]. فهل الأرض جزء من الله؟ من للتبعيض، الأرض جزء منه؟ وإلا من مصدر خلقها، مصدر الخلق من الله كذلك عيسى مصدر خلقه من الله خلقه الله  وكلمته؛ لأنه مخلوق من كلمة؛ ولأنه حُجّة الله على عباده؛ ولأنه خلقه من غير أب حجة، عيسى آية من آيات الله، فإن الله خلق بني آدم على أربعة أنواع؛ فمنهم من خلقه من أب وأم كسائر البشر، ومنهم من خلقه بلا أب ولا أم آدم، ومنهم من خلقه من أم بغير أب، عيسى، ومنهم من خلقه من ذكر بلا أنثى حواء، فإذاً عيسى كان نموذج فريد كان شيئاً فريداً في البشرية أن يُخلق بغير أب، وليس المقصود بغير أب يعني بغير زوج، لا، أو بغير زواج شرعي، أو لا يعرف من أبوه، لا، لم يذكر في الموضوع أصلاً، لم يطأها ذكر، قالت مريم: وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ [مريم: 20]. لا بالحلال ولا بالحرام لم يمسسني بشر فجاء جبريل فتمثل لها وكانت قد انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً، قيل: أصابها الحيض فخرجت عن المسجد حتى لا تقذر المسجد، والحائض لا تقرب المسجد فانتبذت مكاناً شرقياً شرقي المسجد فجاء جبريل على هيئة بشر، وامرأة عفيفة لما رأت أمامها رجل فزعت واستعاذت بالله، وقالت: أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا [مريم: 18]. إن كنت تخاف الله ابعد عني، أنا استعذت بالله منك، ابعد عني، قال: إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا [مريم: 19]. قالت: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا [مريم: 20]. لستُ بغياً، ولا ذات زوج، فكيف؟ من أين يأتي الولد؟ قال: كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ [مريم: 21]. فماذا فعل جبريل؟ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا [التحريم: 12]. وجبريل الروح هو الروح فالنفخة خرجت من جبريل، نفخ في جيب درعها، فتحة الفستان أو القميص من الرقبة، فولجت النفخة من هاهنا إلى الأسفل فولجت الرحم بقدرة الله، فحملت، وهذا على الله يسير، إن ذلك على الله يسير، الذي خلق كل هذا الخلق والكون لا يعجزه أن يخلق إنساناً بغير أب بغير ذكر، هكذا خلقه من أنثى بلا ذكر، وأرسل جبريل لينفخ وولجت النفخة في مريم وحملت بإذن الله تعالى فهذا هو عيسى ، لما استدعى النجاشي المسلمين الذين جاؤوا إليه وسألهم ماذا تقولون في عيسى؟ فماذا قالوا له؟ قال له جعفر بن أبي طالب: "نقول فيه الذي جاء به نبينا هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، قال: فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عوداً، ثم قال: ماعدا عيسى ابن مريم ما قلتَ هذا العود" هذا من إيمان النجاشي، قال: "ما وصفته عن عيسى هو الحق، ما تعديت الحق فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم والله، هذا النجاشي -رحمه الله-.

[تاريخ الإسلام للذهبي: 1/189].

عصمةُ الله لعيسى عليه السلام من الشيطان

00:15:42

لقد ولد عيسى مبرّأً بعيداً عن مسّ إبليس لم يستطع أن يصل إليه بسوء، فقال النبي ﷺ: كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها عيسى -عليهما السلام  [رواه مسلم: 2366].

وفي رواية: ما من بني آدم مولود إلا ويمسّه الشيطان حين يولد فيستهلّ صارخاً من مس الشيطان، غير مريم وابنها  ثم يقول أبو هريرة: "إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم".

وفي حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بأصبعه حين يولد غير عيسى ابن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب  [رواه البخاري: 3286].

ما معنى هذا الحديث؟ الشيطان له أصبع ثابت في الحديث كما أن له قرن أو قرنان، والشمس تطلع بين قرني شيطان، وإبليس له لسان، والدليل: "وجد برد لعابه على يده ﷺ، كان مخنوقاً، خنقه النبي ﷺ في الصلاة كل مولود يولد يتعرض له إبليس بالأذى؛ نكاية في بني آدم عداوة، فيطعن في خاصرة كل مولود بإصبعه فيصرخ الولد، هذا عند نزول الولد من بطن أمه يصرخ، لماذا يصرخ؟ ماذا يقول الأطباء؟ لماذا يصرخ المولود؟ إذا لم يوجد جواب في الطب فهناك جواب في السنة؛ يقول النبي ﷺ: ما من بني آدم مولود إلا ويمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً  فإذن، إذا طعن بأصبعه إبليس يصرخ المولود من مس الشيطان الاستثناء حصل على مريم وولدها؛ لأن الأم الصالحة قالت في الدعاء: وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران: 36] فأعاذ الله مريم وولدها من الشيطان الرجيم وما طعن لا مريم ولا ولدها عيسى ما استطاع ماذا فعل الشيطان؟ ماذا حصل؟ قال: ذهب يطعن فطعن في الحجاب . ذهب إبليس يطعن فطعن في الحجاب، قال ابن حجر في فتح الباري: "أي في المشيمة التي ولد فيها الولد". جاءت في المشيمة ما جاءت في الولد، قال القرطبي -رحمه الله-: "هذا الطعن من الشيطان هو ابتداء التسليط، فحفظ الله مريم وابنها منها ببركة دعوة أمها حيث قالت: وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران: 36]. ولم يكن لمريم ذرية غير عيسى"[فتح الباري لابن حجر: 6/470].

مريم ما أنجبت أحداً إلا عيسى، فإذن استهلال الولد صارخاً من نخسة الشيطان، فسبب صراخ الصبي أول ما يولد الألم من مسّ الشيطان إياه، والاستهلال هو الصياح؟

وجعل الله تعالى دون الطعنة حجاباً، فأصاب الحجاب، أصاب إبليس الحجاب ((ولم يصبهما)) لم يستطيع أن يصيب مريم وابنها هذه البداية، ولِد عيسى مبرأً محفوظا من الشيطان لم يستطع أن يتسلّط عليه كما يتسلّط على أطفال بني آدم، وحدثت المعجزة من ولادته من غير أب، ثم حدثت المعجزة التالية عندما تكلم عيسى في المهد وكان رضيعاً، فقال النبي ﷺ: لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة؛ عيسى  [رواه البخاري: 3436، ومسلم: 2550]. أول واحد ذكره عيسى، فجاءت به أمه أتت به تحمله واستنكر قومها ذلك عليها من أين أتت بولد وليست ذات زوج وأسرتها أسرة طيبة، كيف خرجت هذه المرأة هكذا؟  فَأَشَارَتْ إِلَيْه [مريم: 29]. فاستغربوا! فتكلم عيسى، فقال:  إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ [مريم: 30-31].

وصف عيسى عليه السلام وشكْله ولونه

00:20:33

ما هي صفة عيسى وما هو شكله؟ ما هو وصفه؟ لقد جاء وصف  عيسى في الأحاديث الصحيحة، فقال النبي ﷺ: رأيت ليلة أُسري بي لقيتُ عيسى، فنعته النبي ﷺ فقال: رَبعةٌ أحمر كأنما خرج من ديماس [رواه البخاري: 3394، ومسلم: 168].

وكذلك عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، قال النبي ﷺ: رأيت عيسى وموسى وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر [رواه البخاري: 3438].

وقال النبي ﷺ: وأُراني الليلة عند الكعبة في المنام فإذا رجل آدم كأحسن ما يُرى من أدم الرجال تضرب لمّته بين منكبيه رجل الشعر يقطر رأسه ماءً واضعاً يديه على منكبي رجلين يطوف بالبيت فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا المسيح ابن مريم [رواه البخاري: 3440].

وفي رواية: فإذا رجل آدم قال بينما أنا أطوف بالكعبة فإذا رجل آدم سبِطُ الشعر يهادى بين رجلين ينطف رأسه ماء، أو يهراق رأسه ماء فقلت: من هذا؟ قالوا: ابن مريم [رواه البخاري: 3441، ومسلم: 171].

هذا وصف عيسى ، فما معنى هذه الأوصاف، أما بالنسبة لقوله ﷺ عن عيسى: "إنه رجل أحمر"، فإن معناه أنه أبيض مشْرب بحمرة.

وكذلك فإنه ﷺ لما قال: ((ربعة)) يعني: مربوع ليس بطويل جداً، ولا قصير جداً.

وقوله: كأنه خرج من ديماس  الديماس يعني الحمام الذي يغتسل فيه، والمراد بذلك وصف عيسى بصفاء اللون كيف يخرج الواحد من الحمام صافي نقي نظيف وصفه بنقاء اللون وصفائه ونضارة الجسم وكثرة ماء الوجه حتى كأنه كان في موضع حمام فخرج منه وهو عرقان ينطف رأسه ماء يقطر رأسه ماء مزيد نضارة في الوجه وكذلك فإن قوله ﷺ في وصف عيسى إنه: ((رجل سبط)) يعني: ليس بجعد الشعر، وهذا نعت لشعر رأسه والرواية الأخرى أن عيسى جعد، والجعودة عكس السبوطة فكيف يكون؟ فقالوا: هذه الجعودة في الجسم وليست في الشعر، الشعر؛ سبط الشعر، ولكن الجعودة في جسمه يعني الجسم مجتمع مكتنز.

ومعنى أن ((لمته تضرب منكبيه)) الّلمة: شعر الرأس جاوزت المنكبين، فهي جاوزت شحمة الأذنين، وألمّت بالمنكبين  ورجل الشعر قد سرّحه ودهنه له لمّة تقطر ماءً، هذه صفة عيسى ﷺ، رآه النبي ﷺ في المنام يطوف بالكعبة فهذه صفته عليه السلام.

متى أُنزل الإنجيل على عيسى؟ قال ﷺ: أُنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، وأُنزلت التوراة لست مضت من رمضان، وأُنزل الإنجيل لثلاث عشرة مضت من رمضان، وأُنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان، وأُنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان [رواه أحمد: 16984، والطبراني في الكبير: 185، والبيهقي في الشعب: 2053، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته: 1497].   

كان عيسى حريصاً على تبليغ الدعوة؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح: أن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن وأن عيسى بن مريم قال له: إن الله أمرك بخمس كلمات تعمل بهن وتأمر بهن بني إسرائيل، يعملون بهن فإما أن تأمرهم وإما أن آمرهم، قال: إنك إن تسبقني بهن خشيتُ أن أُعذب أو يُخسف بي [رواه ابن حبان: 6233، والحاكم: 1534، وابن خزيمة: 1895، والطبراني في الكبير: 3430، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 877]. فإذن، عيسى كان حريصاً على التبليغ، فقال ليحيى-معنى ذلك أنه معاصر ليحيى-: إذا أنت لا تريد أن تبلّغ أنا سأبلّغ، إما أن تأمرهم وإما أن آمرهم، فقال يحيى: أخشى أني إذا لم أبلّغ أن أُعذّب، فجمع بني إسرائيل ووعظهم حتى امتلأ  المسجد والشرفات، إلى آخر القصة، وهي قصة صحيحة.

كان عيسى معظّما لله شديد الإيمان، فقال ﷺ: رأى عيسى بن مريم رجلاً يسرق، فقال له: أسرقت؟ قال: كلا والذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنتُ بالله وكذّبت عيني [رواه البخاري: 3444]. رضيت بالذي حلفتَ به وكذبتُ عيني.

عيسى رُفع إلى السماء ما مات، روحه ما قبضت، ملك الموت ما جاء عيسى بعدُ، رفع بجسده وروحه من الأرض إلى السماء، أين مكانه؟ قال ﷺ في حديث الإسراء والمعراج: فأتينا السماء الثانية فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ، قال: أُرسل إليك؟ قال: نعم، قال: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء، فأتيتُ على عيسى ويحيى، فقالا: مرحباً بك من أخ ونبي [رواه البخاري: 3207].

فإذن، عيسى في السماء الثانية.

فضل عيسى - عليه السلام -

00:27:12

وأما فضلُ عيسى فإن النبي ﷺ قال: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، إلا ابني الخالة، عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا  [رواه ابن حبان: 6959، والحاكم: 4778، وصححه الألباني في التعليقات الحسان: 6920] .

موقفه -عليه السلام- من قومه يوم القيامة

00:27:12

أما موقف عيسى من قومه يوم القيامة فإنه سيتبرأ من المشركين والكفار ويقول: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ [المائدة: 117].

وأما بالنسبة لعلم عيسى بأمر الساعة فإن عيسى لا يعلم عن قيام الساعة؛ لأن علم الساعة من الغيب الذي اختصّ الله به، ولكن عيسى  سيكون في آخر الساعة شرط من أشراطها، وَإِنَّهُ لَعلَمٌ لِلسَّاعَةِ [الزخرف: 61]. وفي قراءة معروفة مشهورة: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ  عيسى علَم للساعة أو علْم للساعة، فلذلك كانت نزول عيسى ابن مريم شرطاً من أشراط الساعة الكبرى، عيسى -عليه السلام- بشّر بنبينا ﷺ  وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ  [الصف: 6].

وقال ﷺ:  وسأنبئكم بأول ذلك دعوة إبراهيم وبشارة عيسى بي [رواه البيهقي في الشعب: 1322، وصححه الألباني في المشكاة: 5759]. نزول عيسى بن مريم سيكون في آخر الزمان ونحن في آخر الزمان والعهد قريب بيننا وبين عيسى لم يبق شيء كثير.

أحوال الناس عند نزول عيسى عليه السلام

00:28:40

وأما أحوال الناس لما ينزل عيسى فقد وصفها النبي ﷺ فقال: لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابون، آخرهم الأعور الدجال ممسوح العين اليسرى ، ثم قال: وإنه سيظهر على الأرض كلها غير الحرم وبيت المقْدس، وإنه يسوق الناس إلى بيت المقْدس، فيُحصرون حصراً شديداً  إلى أن قال: فيصبح فيهم عيسى بن مريم فيقتله وجنودَه، حتى إن الحجر أو جذم الحائط - أصل الحائط - لينادي: يا مسلم أو يا مؤمن هذا كافر مستتر بي فتعال فاقتله  [رواه أحمد: 20178، والحاكم: 1230، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه].

فإذن، عيسى نزوله من أشراط الساعة الكبرى.

ونزول عيسى أيضاً سيكون موافقاً لخروج المهدي الذي يبعثه الله، وسيكون نزول عيسى بعد قتال المسلمين للنصارى، فقال ﷺ:  لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق 

قال ياقوت الحموي في معجم البلدان: "الأعماق، المراد به العَمْق؛ وهي ناحية كَوْرة ناحية". كَوْرة قرب دابق بين حلب وأنطاكية، أنطاكية في تركيا، وحلب في سوريا، قال: حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق  ودابق مكان معروف الآن وقرية قُرب حلب من أعمال عزاز، بينها وبين حلب أربعة فراسخ، الروم سينزلون في ذلك المكان، قُرب مدينة حلب في سوريا الآن، فإذا تصافّوا قالت الروم: خلّوا بيننا وبين الذين سَبَوا منا نقاتلهم  ناس كانوا مع الروم فأسلموا والتحقوا بالمسلمين، أو أُخذوا من الروم وأسلموا عند المسلمين، فالروم يقولون للمسلمين: أعطونا الذين أخذوا منا نقاتلهم، نصفّي بني جلدتنا أولاً، فيقول المسلمون: لا والله لا نُخلّي بينكم وبين إخواننا  هؤلاء كان أصلهم من الروم، لكن أسلموا صاروا إخواننا، كيف نتركهم إليكم ونسلّمهم إليكم والنبي ﷺ قال: المسلم أخو المسلم لا يُسْلمه [رواه البخاري: 2442، ومسلم: 2564]. يعني: ما يتخلى عنه ويتركه للأعداء، قال: فيقول المسلمون: لا والله لا نخلّي بينكم وبين إخوانكم، فيقاتلونهم فينهزم  يعني: من المسلمين  ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً، ويُقتل ثلث هم أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث، لا يُفتنون أبداُ  ثلث جيش المسلمين يكتب الفتح على أيديهم مبرئين من الفتنة إذا حصلت هذه الموقعة عند مرج دابق بين حلب وأنطاكية في المكان المعروف، سيتوجه المسلمون بعد كسر جيش النصارى سيتوجهون إلى القسطنطينية، قال: فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علّقوا سيوفهم بالزيتون  معنى ذلك: أنه سيكون القتال بالسيوف، علّقوها بأشجار الزيتون للراحة، إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم  والمسيح المقصود به هنا: مسيح الضلالة، المسيح الدجال، فيخرجون،  وذلك باطل  النبي ﷺ يقول ((وذلك باطل)) الشيطان كذاب، ما كان خرج الدجال بعدُ، ولكن الشيطان لا يريد أن يفرح المسلمون بالنصر  يريد أن ينغّص عليهم، يقول: خرج الدجال، فيأخذ المسلمون السلاح ويستنفرون ويذهبون بسرعة للقاء الدجّال وحربه، قال: فإذا جاءوا الشام خرج  إذا وصلوا من مرج دابق والقسطنطينية، إذا وصلوا من تركيا إلى الشام فعلاً يخرج الدجال حقيقة وصدْقاً، فبينما هم يعدُّون للقتال، يسوون الصفوف استعداداً للمعركة الفاصلة مع  الدجال؛ لأنه تم الآن القضاء على النصارى عسكرياً وبقي القضاء على اليهود وقائدهم الدجال، والمسلمون يستعدون للقتال والقتال تسوية صفوف وبالسيوف، فبينما هم يعدّون للقتال يسوون الصفوف إذا أقيمت الصلاة  حضرت الصلاة  فينزل عيسى ابن مريم فأمّهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لذاب حتى يهلك ولكن يقتله الله بيده فيريهم دمه في حربته  [رواه مسلم: 2897]. فيكون إذن قتل المسيح الدجال على يد المسيح ابن مريم، وينهي مسيح الهداية مسيح الضلالة ويقضي عليه.

وجاء تفصيلٌ أيضاً في حديث آخر قال ﷺ في القتال الشديد الذي سيكون في آخر الزمان بين المسلمين، ومعهم فوارس قال النبي ﷺ: إني لأعلم ألوان خيولهم  معهم خيولهم ومعهم سيوف، فقال النبي ﷺ: لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً ثم يخرج رجل من أهل بيتي فيملأها قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وعُدواناً   هذا المهدي سيكون رفيقاً للمسيح ابن مريم فالدجال عنده خبر بأن عيسى سينزل ولذلك لما تقابل مع تميم الداري في الجزيرة التي في البحر، [رواه ابو داود: 4325، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود: 4325]. أخبرهم عن أشياء يعلمها المسيح الدجال، أخبرهم عن أشياء؛ وكيف سيخرج في الأرض، فإذا خرج الدجال ومعه الفتن انبعث له عيسى ابن مريم والمؤمنون، وهذا الانبعاث قد وصفه النبي ﷺ فقال لما ذكر خروج الدجال قالت أم شُريك: "يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال:  العرب يومئذ قليل  فإذن، العرب سيقلّون في آخر الزمان ولا تقوم الساعة حتى يكون الروم أكثر الناس، إمامهم رجل صالح؛ وهو المهدي من نسل النبي ﷺ، قال: فبينما إمامهم قد تقدّم يصلّي بهم الصبح  هذه الصلاة المفسّرة لما أُجمل، فالصلاة هي صلاة الصبح، فالمسلمون الآن في حال استنفار وتجميع وتسوية صفوف مع المهدي وهو أمير الجيش وقائده، فيستعدون لقتال الدجال، لما يجتمعون لصلاة الصبح ينزل عيسى ابن مريم في صلاة الصبح عند المنارة البيضاء شرقي دمشق موضع معروف شرقي دمشق، فرجع ذلك الإمام ينكص ويمشي القهقرى، وعندما يرى المهدي أن عيسى نازل يرجع إلى الخلف خطوات ليدخل في الصف على أساس أن يكون عيسى هو الإمام؛ ليقدِّم عيسى يصلي،  فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له: قدّم فصلّ فإنها لك أُقيمت، فيصلي بهم إمامهم  كرامة الله لهذه الأمة أن واحداً من أمة محمد ﷺ يصلي إماماً وعيسى وراءه وعيسى نبي وهذا ليس بنبي، تكرمة الله لهذه الأمة قال: فإذا انصرف قال عيسى : افتحوا الباب  يفتحون على البلد الذي فيه الدجال واليهود معه  فيُفتح ووراءه الدجال ومعه سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلّى وساج فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء  يعني هذا الدجال الذي معه جنة ونار وبستان ونهر خبز ونهر لحم، وأنه يبعث الأرض وفيها الحياة، ويأمر السماء أن تمطر فتمطر ويأمر كنوز الأرض تتبعه فتتبعه، هذا هيّن على الله، ولذلك أول ما يرى عيسى يذوب، كل هذا الكلام يذهب، والدجال نفسه يذوب كما يذوب الملح في الماء، ينماع كما ينماع الملح في الماء  فيدركه عيسى قبل أن يذوب وينطلق هارباً فيدركه عند باب اللُّد الشرقي فيقتله  المعين مكان قتل الدجال بالضبط: عند الباب الشرقي لمدينة اللُّد في أرض فلسطين المعروفة الموجودة الآن، فيهزم الله اليهود فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء وقال النبي ﷺ أيضاً في عيسى ابن مريم بعد هذا:  فيكون عيسى ابن مريم في أمتي حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً يدق الصليب ويذبح الخنزير ويضع الجزية ويترك الصدقة فلا يُسعى على شاة ولا بعير  لا توجد زكاة ولا أحد يجلب السعي، وعيسى لا يرسل أحداً يجلب الزكاة، بل تُترك الصدقة والمتصدق الذي يجمع الزكاة لا يسعى على شاة ولا على بعير ولا على شيء وتُرفع؛ لأنه لا توجد حاجة أصلاً ما في أحد يأخذ الزكاة تجمع لأي شيء وتُرفع الشحناء والتباغض  وتنزع حمة كل ذات حمة  يعني كل ذات سم ينزع سمها حتى يدخل الوليد أي الطفل الصغير يده في الحية في فمهما فلا تضره، وتضرُّ الوليدة الأسد فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السَّلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة فلا يُعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها، وتكون الأرض كفاثور الفضة، تنبت نباتها بعهد الله، حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمان فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال وتكون الفرس بدريهمات  [رواه ابن ماجه: 4077، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته: 7875].

هذا هو نهاية الدجال وهذا هو عيسى وهو يقتل الدجال.

نزوله عليه السلام عند المنارة البيضاء

00:40:16

نزوله علم للساعة قبل يوم القيامة عند المنارة البيضاء في دمشق قال ﷺ مشتاقاً للقيا عيسى وموصياً أمته من بعده ونحن منهم، يقول: إني لأرجو إن طال عمر أن ألقى عيسى بن مريم، فإن عجِل بي موت فمن لقيه منكم فليقرئه مني السلام  يعني: أي واحد منا يدرك زمن عيسى يبلّغ عيسى السلام من النبي ﷺ؛ لأنه قال في هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد، قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح" فإن عجِل بي موت فمن لقيه منكم فليقرئه مني السلام  [رواه أحمد: 7970، وقال محققه الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرطهما].

أعمال عيسى عليه السلام بعد نزوله

00:40:25

هذا عيسى ابن مريم ينزل ويعيش في الأرض بعد قتل الدجال ما هي أعماله ؟ قال ليهبطن عيسى ابن مريم حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً، الإنجازات التي تتحقق بنزول عيسى عديدة مجملة فيما يلي:

 أولاً: كسر الصليب واستئصال عبادة النصرانية القضاء على دين النصارى قضاء مبرماً يكسر الصليب وينتهي شيء اسمه دين النصرانية، ليس فقط هزيمة عسكرية، حتى الدين نفسه -دين النصارى- يزول.

ثانياً: يقتل الخنزير فيستأصل الخنازير.

ثالثاً: يقاتل الدجال وأعوانه اليهود.

رابعاً: يقتل من بقي من اليهود حتى لا يجد أحد منهم ملاذاً يلتجئ إليه فيتم القضاء على اليهود.

خامساً: لا يقبل إلا دين الإسلام، أي واحد غير مسلم يُقتل، وتكون الكلمة واحدة ولا يُعبد إلا الله، يعني: ما يبقى كافر في الأرض إطلاقاً، لا يبقى دين كافر إطلاقاً، فقط الإسلام والإسلام فقط.

 من الإنجازات التي يقوم بها عيسى مقاتلة يأجوج ومأجوج أو مواجهة يأجوج ومأجوج بعد ذلك وانتهاء حكم الجهاد في عصره؛ لأنه لا يوجد كفر ولا كفار فلا يوجد جهاد في عصر عيسى بعدما تنتهي العمليات الجهادية وتضع الحرب أوزارها والإسلام في الأرض ما في جهاد، ثم إنه يؤم المسلمين بعد أن يصلي وراء إمام المسلمين ويحجُّ من فج الروحاء سيحج عيسى من فج الروحاء متجها إلى مكة وسيدعو إلى القرآن والسنة سينتهي الحقد في عهده يفيض المال حتى لا يقبله أحد وتكون البركة في الثمار وتزول العداوة حتى بين الإنسان والحيوانات وينتشر السِّلم في الأرض، فالسلام الذي يسمونه السلام العالمي لن يتحقق إلا في عهد عيسى ولن يوجد فقير واحد، وستُترك الزكاة؛ لأنه لا يوجد أحد يأخذ الزكاة أصلاً، والنبي ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى ابن مريم حَكَماً مقْسطاً وإماما عدلاً [رواه ابن ماجه: 4078، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته: 7077].

وقال: والذي نفسي بيده ليهلنّ ابن مريم بفجِّ الروحاء حاجاً أو معتمراً، أو ليثنينهما [رواه مسلم: 1252].

فقوله ﷺ: ((ليهلنّ)) يعني: يرفع صوته بالتلبية قائلاً: لبيك اللهم لبيك محرماً بحج أو عمرة، أو ليجمعنّ بين الحج والعمرة معاً، وفج الروحاء مكان في الطريق بين المدينة إلى بدْر على بعد ستة أميال منها.

وكذلك يصبح هو إمام الصلاة مع قيامه بأعباء الإمامة العظمى للمسلمين فبعد المهدي يموت المهدي يموت يمكث سبع سنوات، ثم يموت ويصلي عليه عيسى والمسلمون، ثم يكون عيسى في هذه الأمة هو الإمام هو الذي يقودها، إمام الصلاة وإمام المسلمين، وقال النبي ﷺ: ويُهلك الله في زمانه المسيح الدجال الكذاب  وقال ﷺ: أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم؛ لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع إلى الحمْرة والبياض، سبط كأنه رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل بين مخصرتين فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويعطل الملل، حتى تهلك في زمانه كلها غير الإسلام قال: ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال الكذاب وتقع الأمِنة في الأرض حتى ترتع الإبل مع الأُسد جميعاً، والنمور مع البقر والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان والغلمان بالحيّات لا يضر بعضهم بضعاً، فيمكث ما شاء الله أن يمكث، ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه فإذن، ستكون النهاية بوفاة عيسى ويصلّي عليه المسلمون ويدفنونه، كم سنة يمكث؟ قال النبي ﷺ: فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يُتوفى فيصلي عليه المسلمون [رواه أحمد: 9270، وأبو داود: 4324، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته: 5389].

وكذلك أخبر النبي ﷺ أن عيسى سيكن له إنجاز آخر في قيادة المسلمين ضد يأجوج ومأجوج، فقال ﷺ في حديث النواس بن سمعان الطويل في حديث الدجال الطويل: فبينما هم كذلك  يعني: المسلمون  إذا بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين، واضعاً كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جُمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه  فلما ينزل عيسى أي واحد كافر على مرمى بصر عيسى يموت فوراً، يستنشق نفس عيسى ويموت، كل كافر على مدى بصر عيسى يُقتل في مكانه، قال: فلا يحل لكافر يجد نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، ثم يأتي عيسى قوم قد عصمهم الله من الدجال، فيمسح عن وجوههم ويحدِّثهم بدرجاتهم في الجنة ، وهذا من علم الغيب، الله يوحي لعيسى يخبر فلان وفلان وفلان وفلان من المسلمين الذين كانوا هربوا من الدجال ونجوا من فتنة الدجال، فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة انتهت قضية الدجال قال فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم لا قدرة ولا استطاعة ولا قوة لأحد من البشر بقتال هؤلاء، وهم يأجوج ومأجوج، ما هي الأوامر الإلهية لعيسى؟ الاتجاه إلى أين؟ قال: فحرِّز عبادي إلى الطور  خذ المسلمين معك إلى الطور، إلى جبل الطور وتحصنّوا هناك،  ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية، فيشربون ما فيها ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرةً ماء  ويُحصر نبي الله عيسى وأصحابه؛ لأن كثرة يأجوج ومأجوج ولا قدرة على قتالهم، سيبقى عيسى محاصر مع المسلمين في جبل الطور، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خير من مائة دينار لأحدكم اليوم، ويصبح في شدة وجوع، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله تعالى فيرسل الله عليهم  يعني: على يأجوج ومأجوج  النغف، مثل الدود التي تكون في أنوف النغم في رقابهم  فيصبحون فرسى  يعني: هلكى كموت نفس واحدة، موت شامل جماعي وقت واحد، كموت نفس واحدة، ثم إن أحد المسلمين يقول له إخوانه: من يعرف لنا الخب؟ لأنهم محاصرون في الطور لا يعرفون ما الخبر، فيوطِّن واحداً من المسلمين نفسه على أنه ميّت، فيقول المسلمون: ألا رجل يشري لنا نفسه فينظر ما فعل هؤلاء العدو؟ يعني يضحي بنفسه فيتجرّد رجل منهم لذلك محتسباً لنفسه على أنه مقتول، فيخرج ليتحرى الخبر فيجدهم موتى  يعني يأجوج ومأجوج ((بعضهم على بعض)) جثث مكدسة فينادي: يا معشر المسلمين ألا أبشروا فإن الله قد كفاكم عدوكم فيخرجون عن مدائنهم وحصونهم فيكون هناك إذن حصون أو مستعمرات أو مدائن فيها المسلمون مع عيسى متحصنّين عند جبل الطور فيخرجون عن مدائنهم وحصونهم ويسرحون مواشيهم، فيقول النبي ﷺ: ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم الرائحة السيئة ليأجوج ومأجوج والجثث متعفنّة، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله  يعني بالدعاء لتخليصه من الكرب الموجود  فيرسل الله طيراً كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله 

طيور عظيمة يرسلها الله تأخذ جثث يأجوج ومأجوج وترميها في البحر، ثم تبقى في الأرض أوساخ؟ قال: ثم يرسل الله مطراً لا يكُنُّ منه بيت مدر ولا وبر مطر  هذا سيخترق جميع السقوف، ما في عوازل مائية تصمد أمامه، لا يكُنُّ منه بيت مدر ولا وبر  الوبر سيخترق كل شيء فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة مثل المرآة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردي بركتك فالآن انتهوا النصارى وانتهوا اليهود وانتهوا الكفار، وانتهوا يأجوج، لا وجود لكافر على الأرض، إذن، لماذا تمنع البركة؟  فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها [رواه مسلم: 2937]. فالرمانة الواحدة يأكلها جماعة من الناس من بركة التوحيد في الأرض تُجعل في الثمار، فتكون عظيمة وكبيرة جداً جداً.

عندما يكون عيسى في الأرض أربعين سنة عند ذلك لا يعبد إلا الله، العصابة التي تكون معه من المسلمين يحرزها الله من النار يحرمون على النار فلذلك قال ﷺ: عصابتان من أمتي أحرزهما الله تعالى من النار، عصابة تغزو الهند، وعصابة تكون مع عيسى ابن مريم عليه السلام [رواه أحمد: 22396، والنسائي في الصغرى: 3175، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته: 4012]. ويكون العيش في غاية الطيب؛ حتى قال ﷺ: طوبى لعيش بعد المسيح، يؤذن للسماء في القطر ويؤذن للأرض في النبات، حتى لو بذرت حبّك على الصفا لنبت  لو رميت الحب على الصخور الصماء نبت، وحتى يمر الرجل على الأسد، فلا ضرّه ويطأ على الحية فلا تضره ولا تشاح ولا تحاسد ولا تباغض  [رواه أبو الأنباري في حديثه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 1926].

هذه ستكون النهاية بالنسبة لقصة عيسى ويموت حقيقة موتاً حقيقياً ويصلي عليه المسلمون، وبعد ذلك يرسل الله ريحاً تقبض أرواح المؤمنين، وتخرج أجيال بعد ذلك لا تعرف معروفاً ولا تنكر منكراً ويعم الكفر الأرض وتقوم الساعة على شرار الناس.