الأحد 18 ربيع الآخر 1441 هـ :: 15 ديسمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

من هم أولياء الله ؟


عناصر المادة
مقدمة
حفظ الله لأوليائه من الفتن
درجة السابقين المقرّبين من أولياء الله تعالى
كيف نحبب الناس إلى الله
أعظم ما يعين العبد إلى الوصول إلى ولاية الله
دفاع الله تعالى عن أوليائه
المحاضرة الثانية
جوانب الولاية
مذاهب أهل السنة في الكرامة
ضوابط الكرامة عند أهل السنة والجماعة
الكرامات التي وقعت لمن قبلنا من الأمم
الكرامة لمريم -عليها السلام-
 الكرامة التي حصلت لأصحاب الغار
الكرامة للعابد الزاهد جريج
الكرامة التي وقعت لصاحب الخشبة
الكرامات التي حصلت في العهد النبوي للصحابة
كرامات لبعض السلف في إجابة دعواتهم
الكرامة التي وقعت لسفينة مولى رسول الله
بعض الكتب المهمة في موضوع الكرامات
الإجابة عن الأسئلة
أقسام المدفونين في الأضرحة والقبور
مقدمة
00:00:13
أيها الإخوة إن الله -سبحانه وتعالى- يقول:أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ[يونس: 62-63]. وهذا إخبار من الله -سبحانه وتعالى- عن تعريف أوليائه من هم؟
قال سبحانه في تعريفهم:الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ.
وقد ورد حديث جليل عظيم القدر شريف المنزلة، قال العلماء: إنه أجلّ حديث في الأولياء، قالوا: إنه أشرف حديث روي في ذكر الأولياء؛ وهو حديث رواه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله ﷺ: إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه رواه البخاري رحمه الله تعالى. [رواه البخاري: 6502].
وفي رواية: وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته [رواه البخاري: 6502]. هذا الحديث العظيم يقول النبي ﷺ فيه عن ربه -عز وجل-:من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب [رواه البخاري: 6502]. ومعنى آذنته بالحرب يعني: أعلمته أني محارب له؛ لأنه يحارب أوليائي فأنا أحاربه، وأنا خصمه، وويل لمن كان الله تعالى خصمه، ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله تعالى بالمحاربة، والله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يدعوا، لهوانهم على الناس، ولم يُعرفوا؛ لأنهم ليسوا بأصحاب سمعة ولا شهرة، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كل غبراء مظلمة أنقياء أتقياء؛ لأن قلوبهم منيرة بذكر الله تعالى، فإذا دخلوا في الفتن خرجوا منها أحسن من الذهب الأحمر، أرأيت الخام إذا أريد استخلاص الذهب منه فإنه يُدخل في الفرن ويُحمى عليه، وينفخ لتتطاير هذه الشوائب وما غطاه من الخلائط، ثم يصبح ذهباً أحمر نقياً لا شيء فيه.
حفظ الله لأوليائه من الفتن
00:03:47
فكذلك أولياء الله، إذا فُتنوا خرجوا من الفتنة وهم أقوياء أنقياء، فأولياء الله -عز وجل- تجب موالاتهم وتحرم معاداتهم، كما أنه يجب معاداة أعداء الله وتحرم موالاة أعداء الله، فكذلك تجب موالاة أولياء الله، قال الله تعالى:لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ[الممتحنة: 1]. وقال -عز وجل-: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ[المائدة: 55-56]. هم الغالبون باللسان والبيان والحجة، وهم الغالبون بالسيف والسنان ولو بعد حين، والله تعالى وصف أحباءه الذين يحبهم ويحبونه، بأنهم أذلة على المؤمنين، هذا من أوصاف أولياء الله أيضاً.
إذا قال قائل من هم أولياء الله؟ نقول: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس: 62]، من هم أولياء الله؟ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ من هم أولياء الله؟  أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ  [المائدة: 54].
هؤلاء أولياء الله تعالى، هؤلاء الذين من أهانهم أو أخافهم فقد بارز الله بالمحاربة، وبدأه بالمحاربة، وعرض نفسه لسخط الرب وانتقامه، والله يسرع إلى نصرة أوليائه، الله أسرع شيء إلى نصرة أوليائه، أفيظن الذي يحارب الله أن يقوم له ويقاومه؟ أو يظن الذي يحارب أولياء الله أن يعجز الله تعالى؟ أو يظن الذي يبارز الله أن يسبقه ويفوته؟ كيف والله يثأر لهم في الدنيا والآخرة، ولذلك لا يكل الله نصرة أوليائه إلى غيره، بل هو الذي ينصرهم عز وجل، ولنعلم -أيها الإخوة- أن جميع المعاصي محاربة لله تعالى.
ولذلك قال الحسن البصري -رحمه الله-: "ابن آدم هل لك بمحاربة الله من طاقة؟ فإن من عصى الله فقد حاربه". [حلية الأولياء: 2/134]. لكن كلما كان الذنب أقبح كان أشد محاربة لله، ولهذا سمى الله تعالى أكلة الربا وقطاع الطريق محاربين لله ولرسوله؛ لعظيم ظلمهم للعباد، وسعيهم بالفساد في البلاد، وكذلك معاداة أولياء الله تعالى، قيل: إن آكل الربا يعطى يوم القيامة سيفاً أو رمحاً ويقال له: حارب ودافع، حارب، والله تعالى يحاربه، فكيف وأنى تكون له الغلبة؟ ولذلك قال الله في أكلة الربا: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا  يعني إن لم تتركوا أكل الربا، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: 279]. حرب الله عليهم ما يصيبهم به من الآفات وأنواع الانتقام.
ولذلك قال النبي ﷺ: إن الربا وإن كثر فإن عاقبته إلى قُلِّ [رواه ابن أبي شيبة: 305، وصححه الألباني في صحيح والترغيب: 1863]. يعني: يصبح في النهاية قليلاً منزوع البركة، تذهب الأموال من حيث لا يدري صاحبها، وآكل الربا لا يبارك له في ماله، فسرعان ما يذهب ويضمحل، والحرب من رسول الله ﷺ في الدنيا بما يقام عليه من التعزير والتنكيل، ومن خلفاء النبي ﷺ في الدنيا وأهل الصلاح من الحكام الذين يحاربون أكلة الربا، فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: 279]. والذي يعادي الله تعالى يحاربه الله أيضاً، ولذلك فإن أشد الناس محاربة من الله هم الذين يقعون في أصحاب النبي ﷺ، وذلك لأن أصحاب النبي ﷺ هم رأس الأولياء، هم قمة الأولياء، فهم أشد خلق الله بعد الأنبياء ولاءً لله تعالى، والله تعالى يحبهم، ولذلك يقول النبي ﷺ في الذي يؤذي أصحابه: أن عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
وقالﷺ: الله الله في أصحابي [رواه أحمد: 20549،والترمذي: 3862، وابن حان في صحيحه: 7256، وقال الترمذي: هذا حديث غريب]. حذّرنا من الوقوع فيهم.
وقال: إذا ذكر أصحابي فأمسكوا [رواه الطبراني في الكبير: 1427، والأصبهاني في الحلية: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء 4/ 108، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته: 545]. لا تتكلموا فيهم، لا تتخذوهم غرضاً  من يؤذيهم يؤذي رسول الله ﷺ، والذي يؤذيهم يوشك أن يأخذه الله.
قال ﷺ في الحديث الصحيح: من سبّ أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين [رواه الطبراني في الكبير: 12709، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 6285].
ولذلك فإن من أعظم الناس جرماً الذين يقعون في أصحاب النبي ﷺ، فيقولون: ارتدوا، ويقولون: إنهم سفكوا الدماء بالباطل، وإنهم غصبوا علياً حقه، وإنهم كفروا بعد النبي ﷺ، وإنهم ظلمة وفسقة، ونحو ذلك من الألفاظ البذيئة، والشتائم العجيبة التي يلحقونها بالصحابة، فلا شك أن الذي يسب الصحابة أول واحد ينطبق عليه هذا الحديث وهو قوله تعالى:  من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب 
[رواه البخاري: 6502].
ولذلك ترى الذين يحاربون الصحابة يحاربهم الله في الدنيا بأن يوقع بأسهم بينهم، وأن يجعل أمورهم فتنة واختلاطاً، وأن يجعل فيهم القتل والحرب، فلا يزال أمرهم في اضطراب، ونظامهم في اختلال، وأمرهم إلى زوال، فلا تقوم لهم قائمة، ولذلك لا يستقر لهم حال أبداً؛ لأنهم سبّوا أولياء الله تعالى، وهم صحابة النبي ﷺ.
وقوله تعالى: وما تقرّب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه 
[رواه البخاري: 6502].
لما ذكر الله تعالى أن معاداة أوليائه هي معاداة ومحاربة له، ذكر صفات هؤلاء الأولياء الذين تحرم معاداتهم، وتجب موالاتهم، والموالاة هي النصرة والقرب، الولاية هي النصرة والقيام بالحق والدفاع والذب، فأولياء الله -عز وجل- هؤلاء على قسمين: منهم من تقرب إليه بأداء الفرائض، وهذا يشمل فعل الواجبات وترك المحرمات، ومنهم من تقرب إليه بعد الفرائض بالنوافل، فلذلك ارتقى منزلة أخرى بعد منزلته الأولى بأداء الفرائض، ثم صار في هذه المنزلة العظيمة، فإذن، هم على درجتين:
 الأولى: المتقربون إلى الله بأداء الفرائض، وهذه درجة المقتصدين أصحاب اليمين، ولا شك أن أداء الفرائض أفضل الأعمال عند الله كما قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "أفضل الأعمال أداء ما افترض الله، والورع عما حرّم الله، وصدق النية فيما عند الله -عز وجل-".
وقال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: "أفضل العبادة أداء الفرائض، واجتناب المحارم، وذلك لأن الله -عز وجل- إنما افترض على عباده هذه الفرائض ليقربهم منه، ويوجب لهم رضوانه ورحمته" [حلية الأولياء: 5/296].
ولا شك أن هذه الفرائض أنواع، فمنها بدني كالصلاة: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق: 19]. و أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد [رواه مسلم: 482].  إن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت [رواه الترمذي: 2863، والحاكم في المستدرك: 863، وقال: والحديث على شرط الأئمة صحيح محفوظ].
وكذلك عدل الراعي في الرعية، سواء كانت رعية عامة أو خاصة، ومن الرعية الخاصة عدل آحاد الناس في أهله وولده، كما قال النبي ﷺ: كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته [رواه البخاري: 893، ومسلم: 1829]. والعدل بين الأولاد، وكان السلف يحرصون عليه حتى في القُبل، إذا قبّل هذا الولد يقبّل الآخر.
يقول النبي ﷺ: إن المقسطين عند الله على منابر من نور على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين سبحانه وتعالى [رواه مسلم: 1827].      
فأيدي البشر تتفاوت في القوة والعطاء، وتجد أن كثيراً من الناس يمينهم أقوى من شمالهم، وبعضهم شماله أقوى من يمينه، ويعطي بيمينه، والله تعالى كلتا يديه في القوة سواء، وهما سواء في العطاء، والخير كله في يديه، سحاء الليل والنهار، السحاء هو المهطال الذي يهطل ويتواصل في النزول والانصباب، يعطي -سبحانه وتعالى- والخير في يديه، ومنذ أن خلق السموات والأرض وهو ينفق على عباده، منذ أن خلق العباد ينفق عليهم، ومع ذلك لم ينفد مما عنده شيء؛ لأن خزائن السموات والأرض بيديه، وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [البقرة: 117].
وهؤلاء المقسطون عند الله على منابر من نور على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولُوا أي من أنواع الولايات سواء كان في وظيفة، أو كان في أسرة، أو كان في تجارة، فإنه إذا تولى ولاية صار هناك أناس تحته يعدل بينهم، اتصف بصفة من أولياء الله تعالى.
درجة السابقين المقرّبين من أولياء الله تعالى
00:15:31
 والدرجة الثانية من أولياء الله، وهي درجة السابقين المقربين الذين تقربوا إلى الله بعد الفرائض بالاجتهاد في نوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق المكروهات من خلال الورع الذي يحجبهم عن الشبهات، ولا يظنن الظان أن القيام بالواجبات والامتناع عن المحرمات أمر سهل، فمن هو الذي يفعل هذا الآن؟ من الذي لا يرتكب محرماً من المحرمات؟ ولذلك فإنه لا يمكن الوصول إلى رتبة الأولياء إلا بالإكثار من التوبة بحيث لو أن الإنسان عمل معصية يسرع إلى التوبة منها، وهذا أمر في غاية الأهمية.
ثم إن من صفاتهم كما تقدم أنهم أذلة للمؤمنين، يعاملون المؤمنين بالذلّة واللين وخفض الجناح، ويعاملون الكفرة بالغلظة والشدة والعزة، وذلك لأن أولئك المؤمنين يحبون الله، فهم يحبونهم لأجله، لا يحبون الشخص لشخصه، ولا لشكله، وإنما يحبونه لأجل محبته لله.
ولذلك ذكر شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- قاعدة مهمة في الجمال في كتاب "الاستقامة" لعلنا سنأتي على تفصيلها إن شاء الله، قال ما معناه: لو أن الشخص يحب لجماله لكان يوسف أفضل من كل الأنبياء، ولكن لا يحب الشخص لشكله ولا لجماله ولا لماله، ولكن الأمر كما قال النبي ﷺ: إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم [رواه مسلم: 2564]. فمن صفات هؤلاء الأولياء الذين يدافع الله عنهم، وينصرهم وينتصر لهم، من صفاتهم أنهم أذلة على المؤمنين أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين، ولذلك فإن هؤلاء لا يغلظون للمؤمنين، ومن الصفات السيئة أن تجد الشخص يقع في أهل الإيمان والتوحيد، يقع في أعراض الدعاة إلى الله، يقع في أعراض أهل العلم، يسب ويشتم، ويرمي بسائر أنواع السباب والمعايب أهل التوحيد والدين، والذين قاموا بواجب الدعوة والأمر والنهي، فهذا لا يمكن أن يكون من أولياء الله بحال، بل سرعان ما يخبو أمره، وينطفئ نوره، ويحدث انتقام الله منه، ويُرى ذلك بأم العين في الدنيا قبل الآخرة، والمتأمّل في الواقع يعرف أن هذا أمر حاصل؛ لأن سنة الله تعالى في الحياة ماضية، وقد تكفل الله بالدفاع عن أوليائه، ولذلك فإنك لا تكاد ترى من يقع في أهل الإيمان والدين ونصرة الشريعة إلا والله منتقم منه ولو بعد حين، قال الله -عز وجل- في صفات الأولياء: وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ [المائدة: 54]. لا يخافون لومة لائم، ما داموا قد أحبوا حبيبهم وهو الله -عز وجل-، فلا يخافون في سبيله شيئاً، فيعملون بمرضاته، رضي من رضي وسخط من سخط، رضي من رضي وسخط من سخط، ولذلك فمن الأمور المهمة أن الإنسان يحب أولياء الله، ولذلك قال النبي ﷺ: أتاني ربي عز وجل  يعني: في المنام  فقال لي: يا محمد قل: اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، والعمل الذي يبلغني حبك  هذا الحديث رواه الإمام أحمد -رحمه الله- والترمذي وقال: حسن صحيح.
‏‏وقال: "سألتُ محمد بن إسماعيل -يعني البخاري- عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث حسن صحيح.اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، والعمل الذي يبلغني حبك[رواه أحمد: 22109، والترمذي: 3235، وقال: هذا حديث حسن صحيح]. 
إذن، إذا كان الإنسان عنده إيمان ويقين ودين، ويريد أن يتصف بصفات الولاية، فعليه أن يسأل الله محبة أوليائه، وكان من دعائه ﷺ: اللهم ارزقني حبك وحب من ينفعني حبه عندك لأن هناك ناس محبتهم تضر عند الله، وهناك ناس محبتهم تنفع عند الله، ولذلك يقول:اللهم ارزقني حبك، وحب من ينفعني حبه عندك اللهم ما رزقتني مما أحبُ فاجعله قوة لي فيما تحب، الإنسان يحب المال، ويحب الزوجة، يحب الشهوات، اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب أنت، اللهم ما زويتَ عني مما أحب، ما حرمتني من نعم، فاجعله فراغاً لي فيما تحب  وهذا الحديث رواه ابن المبارك -رحمه الله- في كتابه الزهد، وسنده صحيح، وحسّنه الترمذي رحمه الله تعالى. [رواه بن المبارك في كتاب الزهد: 430، والترمذي: 3491، وقال: هذا حديث حسن غريب].
وهذه الدرجة التي ليس لأصحابها همّ إلا ما يقربهم من محبوبات الله تعالى، ومن الأشخاص الذين يحبهم الله -عز وجل-، قال بعض السلف: "العمل على المخافة قد يغيره الرجاء، والعمل على المحبة لا يدخله الفتور".
[جامع العلوم والحكم: 2/341].
وهذه عبارة بالغة بليغة، العمل على المخافة، إذا عملت من أجل الخوف فقط، فقد يعتريك الفتور إذا حصل لك رجاء، الإنسان الذي يعمل فقط خوف من العذاب، هذا إذا تأمل يوم من الأيام فحصل له شيء من الرجاء أو مر به شيء مما فيه ذكر رجاء الله تعالى وثوابه حصل له شيء من الفتور؛ لأن الدافع للعمل هو الخوف، فإذا حصل شيء من الرجاء فإن الخوف يخف، فإذا كان الدافع للعمل هو الخوف الذي خف، فيخف العمل أيضاً، لكن إذا كان الدافع للعمل هو المحبة، إذا كان الدافع للعمل هو محبة الله، فلا شيء يخففها.
ولذلك كان الدافع للعمل إذا صار من محبة أقوى منه إذا صار من الخوف، ولذلك المحبة هي الرأس والخوف والرجاء الجناحان، وإذا قطع الرأس لا يطير الطائر أصلاً ولا يمشي ولا يتحرك، ولذلك من الناس من يعبد الله خوفاً منه، ومن الناس من يعبد الله رجاء فيه، ومن الناس من يعبد الله محبة له، والمؤمن ينبغي أن تجتمع فيه الأشياء الثلاثة بدون أن ينتفي منها، لو انتفى شيء منها معنى ذلك أنه قد وقع في خطر عظيم، فإذا صار الدافع للعمل محبة الله -هذه عبارة بليغة-، إذا صار الدافع للعمل محبة الله فلا تخف، فيستمر العمل، إذا كان الدافع هو الخوف، يمكن أن يخف إذا عرض عارض رجاء في الفكر أو السماع، أو قراءة شيء مما فيه سعة الرحمة والتوبة، حصل للخوف نقص، ففتر العمل. وكذلك قال بعضهم: إذا سئم البطالون من بطالتهم فلن يسأم محبوك من مناجاتك وذكرك.
البطالون هؤلاء الذين يسعون في الدنيا والبطالة يسأمون ولا بد، فإما أن يحصل عندهم شيء من الملل من كثرة ما يفعلون ومن تشابه ما يفعلون؛ لأن هذه الأشياء التي في الدنيا من الملهيات والألعاب والنعيم، لا بد فيها من آفات، فالأكل إذا أكثر منه مرض، والشهوة إذا أكثر الوقوع فيها مرض واضمحلت قوته، وهذه الألعاب الموجودة لو أكثر منها أصابه من الملل، ولكن مناجاة الله تعالى وذكره لا يحصل فيها ذلك إذا كانت موافقة للسنة، ولذلك قال: فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن أحب الله لم يكن عنده شيء آثر من هواه، ومن أحب الدنيا لم يكن عنده شيء آثر من هوى نفسه، والمحب لله تعالى أمير مؤمر على الأمراء، زمرته أول الزمر يوم القيامة، ومجلسه أقرب المجالس فيما هنالك، والمحبة منتهى القربة والاجتهاد، ولم يسأم المحبون من طول اجتهادهم لله -عز وجل- يحبونه ويحبون ذكره ويحببونه إلى خلقه  هذه صفة مهمة جداً؛ التحبيب إلى الخلق، ليست المسألة فقط أن الإنسان يحب الله، وإنما أيضاً إتقان الصنعة وإتقان العبادة وإتقان الولاية أن يحبب الخلق إلى الله، قد يسهل على الإنسان أن يحب الله، إذا تأمل في نعمه مثلاً، إذا تأمل في نعم الله أحب الله، لكن أن يحبب الخلق إلى الله، هذه مسألة لا يقوم بها إلا الدعاة إلى الله، وليس كل الدعاة إلى الله، بعض الدعاة إلى الله الذين ينجحون في تحبيب الناس إلى الرب، تحبيب الناس إلى الخالق، ولذلك الداعية إلى الله -عز وجل- يمارس هذه الوظيفة، فيعمل جاهداً لأجل تحبيب الناس إلى الله، تحبيب الخلق إلى الخالق، فإنك إذا أوصلتهم إلى محبة الخالق اتركهم وهم يكملون الطريق.
فإذن، التحبيب إلى الخلق بالمشي بالنصائح بين العباد، كما قال بعض السلف: يحببونه إلى خلقه، يمشون بين عباده بالنصائح، ويخافون عليهم من أعمالهم يوم تبدو الفضائح، أولئك أولياء الله وأحباؤه وأهل صفوته، أولئك الذين لا راحة لهم دون لقائه، لا يرتاحون إلا إذا لقوا الله تعالى، وقبل ذلك فهم في تعب ونصب في مرضاة الله، فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح: 7-8].
كيف نحبب الناس إلى الله
00:27:31
 وكيف نحبب الناس إلى الله؟ بأشياء كثيرة منها: شرح أسمائه وصفاته وربط ذلك بالواقع، ومنها: تعداد نعم الله تعالى وذكر آلائه، فإن الناس قد جبلوا على محبة من أحسن إليهم، وإذا توالت النعم وتفطن الإنسان لها؛ لأن النعم متوالية لكن التفطن للنعم هذا الذي يغيب عن البال، إذا تفطن الإنسان أن نعم الله عليه متوالية فإنه يحبه، أرأيت لو أن شخصاً أعطاك اليوم مائة، وأعطاك غداً ألف، وأعطاك بعده عشرة آلاف، وأعطاك بعده مائة ألف، وأعطاك بعده سيارة، وأعطاك بعده بيتاً، وأعطاك وظيفة، أي شعور يكون له في قلبك وقد ازداد إحسانه إليك وازداد معروفه لك، ولا تزال أياديه متوالية في مصلحتك، لا شك أن محبته تعظم، إن الناس إذا أُحسن إليهم ولو بشربة ماء أحبوا من أحسن إليهم، ولو بشربة ماء، فكيف إذا تفطّن العبد لنعم الله المتوالية؟ الصحة نعمة متوالية حتى يمرض، المال، نعمة متوالية حتى يفتقر، الشباب نعمة متوالية حتى يشيخ ويهرم، وهكذا نعمه متوالية، وحتى لو حرم من نعمة تأتي بدلاً منها نعمة أخرى، فلو حرم من نعمة الصحة فإن نعمة الابتلاء في تكفير السيئات ورفع الدرجات حاصلة.
ولذلك فالعبد لا يزال يتقلب في أطباق نعمة الرب عليه، ولكن قليل هم المتفطنون لذلك.
المحب لا يجد مع حب الله -عز وجل- للدنيا لذة، ولا يغفل عن ذكر الله طرفة عين؛ لأن غاية مناه أن يجد لذة العبادة، غاية ما يرجو أن يحس بحلاوة الاتصال، ولذلك قال ﷺ:  أرحنا بالصلاة يا بلال 
[رواه أبو داود: 4985، وصححه الألباني في المشكاة: 1253].
وقال: وجُعلت قرة عيني في الصلاة [رواه أحمد: 14037، وقال محققه الأرنؤوط: إسناده حسن].
قرة العين وراحة البال وهدوء النفس جعلت في الصلاة؛ لأنها كانت صلة بينه وبين ربه ﷺ، فكان يقوم ويناجيه، وكلما أحس العبد باللذة ازداد في العبادة وازداد في القيام، وازداد في الركوع والسجود، وازداد في الصيام، وهكذا.
وقال بعض السلف: "ما يكاد يمل القرب إلى الله تعالى محب لله -عز وجل-، وما يكاد يسأم من ذلك"
وقال بعضهم: "المحب لله طائر القلب، كثير الذكر، متسبب إلى رضوانه بكل سبيل يقدر عليها من الوسائل والنوافل، دوباً دوباً -دائماً دائماً-، وشوقاً شوقاً".
أعظم ما يعين العبد إلى الوصول إلى ولاية الله
00:30:50
 ومن أعظم ما يتقرب به إلى الله تعالى لمن يريد الوصول إلى مرتبة الولاية: كثرة تلاوة كلامه، وسماعه بتفكر وتدبر وتفهم، قال خباب -رضي الله عنه- لرجل: "تقرب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء هو أحب إليه من كلامه، ألا ترى أن الرجل إذا وصله خطاب ممن يحبه حباً جماً قرأه مرات كثيرة، واحتفظ به، ولا يزال يخرجه بين آونة وأخرى يقرأ فيه؛ لأنه كلام الحبيب، ولذلك فهو إليه باشتياق مستمر، فكيف بكلام الرب إذا كان الإنسان محباً له؟ فإنه لا يزال يقرأ كلام الرب، ويتصفحه، ويطالع فيه، ويسمعه ويعرف معناه، وهكذا يبقى القرآن كلام الله تعالى يبقى القرآن هو لذة قلوب العارفين، وهو محرك ألسنتهم بالتلاوة.
ولذلك كان بعض السلف ينعى على من لم يحفظ القرآن، ويقول لصاحب له: أتحفظ القرآن؟ قال: لا
فقال: واغوثاه بالله، مريد لا يحفظ القرآن فبم يتنعّم؟" يعني: الذي يريد الله تعالى لا يحفظ كلامه فبم يترنّم؟ فبم يناجي ربه -عز وجل-؟ وإذا واطأ اللسان القلب كان ذلك أفضل الأعمال؛ لأن موافقة اللسان للقلب هي حقيقة التدبر والتفكر، قال الله تعالى: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل: 6].
قيل: أشد مواطأة من القلب للسان.
وإذا ذكر العبد الله تعالى ولو بغير القرآن، فإنه أيضاً مما يوصله ذلك إلى الولاية، لذلك يقول الله -عز وجل-: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه [رواه البخاري: 7405، ومسلم: 2675].
وقال الله -عز وجل- أيضاً:  أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه  رواه الإمام أحمد، وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي. هذا معنى قول الله -عز وجل-: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة: 152].
دفاع الله تعالى عن أوليائه
00:33:23
 وهذه الولاية -ولاية الله- المنزلة العظيمة التي يدافع الله عن أصحابها، هذه لا شك لها مقتضيات، فمن مقتضيات الولاية كما قلنا: محبة أولياء الله وأحباء الله، والذي يعاديهم ليس من أولياء الله قطعاً.
وقد قال بعض السلف: "إن الذين يتحابون في الله تعالى يجتمعون على غير أرحام بينهم، ولا على أموال يتعاطونها فيما بينهم، وإنما يجتمعون على طاعة الله".
ولذلك ربما يلتقي الواحد بالآخر في مكان في الحرم عند الكعبة أو في المسجد أو في غيره، فيحس بانجذاب خاص لهذا الشخص، ذلك لأن الصلة بالله تقرّب بينهم، ولذلك سرعان ما يتداخلون، الأرواح جنود مجنّدة [رواه البخاري: 3336، ومسلم: 2638]. وتجد الشخص إذا أراد أن يتداخل مع آخر ربما يحتاج إلى وقت طويل، من حصول سلام وكلام وموعد ولقاء واستئناس ودعوة على طعام ومشاركة وسفر حتى تحصل الخلطة المؤدية إلى المحبة، أما إذا كانوا من أولياء الله فبمجرد أن يرى الواحد الآخر ما هي إلا كلمات ومجالسة حتى يحس أنه صاحب له منذ زمن بعيد، وهؤلاء لا شك أنهم يكونون يوم القيامة في مجالس عن يمين الرحمن يغبطهم من يغبطهم بقربهم من الرب -عز وجل-، ومن ثمرات الولاية أن الله -عز وجل- يسدد الولي يسدده للحق والصواب، وهذا معنى قوله في الحديث: فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها  [رواه البخاري: 6502].
لا شك أنه إذا وصل إلى هذه المرتبة أن الله تعالى يسدده في جميع حواسه، فلا ينظر إلا إلى ما يحب الله، ولا يستمع إلا إلى ما يحب الله، ولا يمشي إلا إلى ما يحبه الله، من جلسة ذكر، أو حلقة علم، أو مكان وعظ، أو صلة رحم، أو حج أو عمرة، ونحو ذلك من أنواع المماشي التي هي في طاعة الله -عز وجل-.
وكذلك لا يبطش إلا في مرضاة الله، من جهاد، أو إزالة منكر، أو نصرة مظلوم ونحو ذلك.
وكذلك يستمع إلى ما يحب الله من كتابه وذكره، وسنة رسوله، وعلم شريعته ونحو ذلك، والنظر في المصحف من العبادات، وكذلك النظر في الأمانات لتمييزها لأصحابها، والنظر في كتب العلم والفقه ونحو ذلك من أنواع النظر الذي هو من العبادات، ولا شك أيضاً أن من أعظم ما تؤدي إليه الولاية أن يستجيب الله دعاء الولي، وهذا ما سنخصص له الدرس القادم إن شاء الله تعالى، وهو إجابة دعوة الأولياء وكرامات الأولياء عند رب العالمين، ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يسلك بنا سبيل الولاية وأن ينعم علينا بهذه الرتبة الشريفة، وأن يجعلنا ممن دافع عنهم وناصرهم، وأن يجعلنا من المتحابين فيه، والذين يلتقون ويجتمعون على نصرة شريعته.
المحاضرة الثانية
00:37:44
 وبعد، فولاية الله -سبحانه وتعالى- مرتبة في الدين عظيمة، لا يبلغها إلا من قام بالدين ظاهراً وباطناً.
جوانب الولاية
00:37:57
 ولهذه الولاية جانبان: جانب يتعلق بالعبد وهو القيام بالأوامر واجتناب النواهي، ثم التدرج في مراقي العبودية بالنوافل، وجانب يتعلق بالرب سبحانه وتعالى وهو محبة هذا العبد ونصرته وتثبيته على الاستقامة، وأما ما يظهر على يدي هذا العبد من عجائب الأمور، فهذا شيء إضافي وليس من شروط الولاية، ولذلك يسأل بعض الناس فيقول: هل يشترط أن يظهر على يدي الولي كرامات؟ فالجواب: أنه لا يشترط، فقد يكون ولياً من أولياء الله تعالى ومع ذلك لا يظهر على يديه شيء من الكرامات.
ولذلك فإن القرآن قد اشتمل على تعريف الولي من هو في قول الله -عز وجل-: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ... لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [يونس: 62 - 64].
هذا من جانب الرب، فالعبد الذي آمن بالله -عز وجل- وصدّق به وبما جاء من عنده، والتزم بالشرع باطناً وظاهراً، وداوم على ذلك، هذا هو ولي الله -عز وجل- الذي يحبه وينصره ويبشره برضوانه، وعند فراقه للدنيا، يرتفع عنه الخوف والحزن، والعبد عليه أن يحفظ الله -عز وجل- بحفظ حقوقه والقيام بأوامره، واجتناب نواهيه، والرب -سبحانه وتعالى- يحبه على ذلك وينصره ويؤيده ويرعاه، والله -سبحانه وتعالى- يتولى من تولاه، ولا يتخلى عز وجل عمن نصره ووالاه، والآية تقول: إن لأولياء الله بشرى: أولئك لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فما هي هذه البشرى؟
أولاً: البشرى في الحياة الدنيا تكون بأشياء، منها:
أولاً: إعلام الولي بأن الله معه بنصره وتأييده، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل: 128]. وقال تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: 51].
ثانياً: إعلام الولي بما أعده الله -عز وجل- له في الآخرة من النعيم والرضوان، كما قال تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [البقرة: 25].
ثالثاً: رعاية الله -عز وجل- لوليه بتوفيقه وحفظ جوارحه عن المعاصي كما جاء في الحديث: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، الحديث.
رابعاً: تبشير الملائكة له عند النزع الأخير وخروج الروح، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ  [فصلت: 30].
خامساً: من البشارات للولي في الدنيا ما يراه المؤمن في النوم، أو يرى له من الخير، فقد قال الرسول ﷺ:  لم يبق من النبوة إلا المبشرات قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة [رواه البخاري: 6990].
وقال ﷺ في تفسير البشرى: الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له  هذا تفسير البشرى، ورواه الترمذي وهو حديث حسن. [رواه الترمذي: 2273، وقال: هذا حديث حسن].
سادساً: مما أعد الله للولي في الدنيا استجابة الدعوة، وهذا الذي تضمنه الحديث الذي سبق شرحه: ولئن سألني لأعطينه.
سابعاً: ما يجريه الله -عز وجل- على يدي الولي من العجائب مما هو فوق قدرة البشر، كما وقع لمريم -عليها السلام-، وأصحاب الكهف، والغلام مع الساحر، والصبي الذي خاطب أمه في أصحاب الأخدود في قصة الأخدود إلى غير ذلك، وكما قلنا هذا الأخير لا يشترط للولي، بمعنى إذا لم يقع لا يكون ولياً، فقد يقع وقد لا يقع.
والبشرى للولي في الدنيا بتبشير الملائكة له عند خروج نفسه برحمة الله تعالى قد وردت به آيات، فهذا من معنى قول الله تعالى: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [يونس: 64].
مذاهب أهل السنة في الكرامة
00:43:19
 وبالنسبة لهذه الكرامات التي قد تقع لبعض أولياء الله تعالى في الدنيا، فإنه لا بد من الحديث عنها؛ لأن بعض الناس لا يستطيع أن يفرق بينما يقع من الخوارق على يد الساحر والكاهن والدجال، وبينما يقع من هذه الخوارق على يدي أولياء الله تعالى.
والكرامة يعرفها أهل السنة بأنها أمر خارق للعادة، يظهره الله -عز وجل- على أيدي أوليائه، أمر خارق للعادة يظهره الله -عز وجل- على أيدي أوليائه، ليست مقرونة بدعوى النبوة، وهي ولا شك خارقة للعادة، وقد ذهب فيها الناس إلى ثلاثة مذاهب: فمنهم من أجاز وقوعها بدون حد، حتى قال قائلهم: كل ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي، وهذا مذهب الأشاعرة وغيرهم، وهذا مذهب باطل، إذ كيف تستوي معجزات الأنبياء مع كرامات الأولياء، ومعلوم أن الأنبياء أفضل وأعلى وأزكى وأرفع عند الله تعالى، ثم إن النبي يحتاج للمعجزة لأجل إظهار الحق وإثباته للكفرة والمعاندين، ومن الناس من ذهب إلى إنكار الكرامات بالكلية، وهذا مذهب المعتزلة وآخرين وافقوهم، ولا شك أن هؤلاء الذين احتكموا إلى عقولهم وأنكروا الكرامات، لا شك أنهم من المصادمين لمذهب أهل السنة، وهو القول الثالث الوسط، وهو إثبات وقوع الكرامات للصالحين، وجواز وقوعها، لكنها لا تصل إلى درجة معجزات الأنبياء، قال ابن تيمية -رحمه الله-: "ومع هذا فالأولياء دون الأنبياء والمرسلين، فلا تبلغ كرامات أحد قط إلى مثل معجزات المرسلين، كما أنهم لا يبلغون في الفضيلة والثواب إلى درجاتهم" [النبوات لابن تيمية: 1/142].
وقال -رحمه الله-: "فإن آيات الأنبياء التي دلّت على نبوتهم هي أعلى مما يشتركون فيه هم وأتباعهم، مثل الإتيان بالقرآن، ومثل إخراج ناقة من الأرض، ومثل قلب العصا حية، وشق البحر، إلى آخر ما قال -رحمه الله تعالى-. فالخلاصة: إثبات كرامات الأولياء وجواز وقوعها، ولكنها لا تصل إلى درجة معجزات الأنبياء، ولا يعني إثبات الكرامات المبالغة في قبولها، والأخذ بها من أي طريق أتت، أو إثباتها للفسقة والمجرمين.
ولذلك فلا بد أن نعرف من هم الأشخاص الذين تظهر على أيديهم الخوارق، ومتى تسمى كرامات ومتى لا تسمى، فلا بد من ملاحظة عدة أمور بالنسبة لكرامات الأولياء؛ لأنه ليس كل من ظهر على يديه فعل عجيب يدل على أنه ولي.
فإذن، الأولياء الذين قد يجري الله على أيديهم بعض الكرامات، هم أناس صالحون ملتزمون بالشريعة ظاهراً وباطناً، آمنوا بالله -عز وجل- وبما أمرهم أن يؤمنوا به وعملوا، ولا يدّعون لأنفسهم مكانة زائدة على أفراد الأمة، ولا يزكون أنفسهم، فلا يقولون: نحن أفضل الناس، ونحو ذلك، وهؤلاء يخفون الكرامات ولا يظهرونها ولا يقولون للناس: حصلت على أيدينا كذا، حصل على أيدينا كذا وكذا، ولا يتفاخرون بها، ومن الناس من يظهر على أيديهم أشياء من العجائب، لكنهم قوم فسقة استخدموا الشياطين واستخدمتهم الشياطين، إما عن طريق السحر أو غير ذلك، ولذلك فإن الله -عز وجل- عندما وصف الله أولياءه المؤمنين بقوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس: 63].
ولا شك أن هؤلاء لا يدخل فيهم السحرة، ولا الكهنة، ولا الكفرة، ولا المشعوذون ولا المشركون، لا يدخلون في المؤمنين ولا في الولاية، ولذلك فإن أهل العلم بينوا أنه ليس كل من طار في الهواء أو مشى على الماء يكون ولياً من أولياء الله تعالى، وبعض الصوفية كما تقدم ادعوا الكرامات، وألصقوا بأنفسهم أشياء كثيرة من هذا المقام، وكان بعضهم يقول: إن طائراً يحملني في كل ليلة على ظهره إلى الجنة، من الصوفية من كان يقول: إن طائراً يحملني في كل ليلة ويدخلني الجنة، ومنهم من يدّعي علم الغيب، ومنهم من يدّعي أنه يذهب ويطوف بالكعبة ويرجع في ليلته، ومنهم من يدعي أنه سقطت عنه التكاليف، ومنهم من يأتي المزابل والنجاسات ويتمرغ بها، ويدعي أشياء من الأحكام الخاصة لنفسه، وقد زعموا للخضر أشياء كثيرة في مقابلاتهم له، وفي عصرنا بالغ بعض الناس الذين لا يحسنون معرفة الأسانيد ولا نقل الأخبار الصحيحة بالغوا في إثبات قصص في بعض ميادين الجهاد للشهداء ليست بصحيحة بسبب اندفاعهم العاطفي، وعدم معرفتهم لمبدأ التثبُّت ونقل الأخبار، والتصديق بالشائعات والزيادة عليها، ولا ينكر أن لبعض الشهداء كرامات عند الله ولا شك، وأن بعض الشهداء من أولياء الله تعالى، ولكن فرق بين إمكان حصول الشيء وبين وقوعه فعلاً.
ضوابط الكرامة عند أهل السنة والجماعة
00:51:27
 وكذلك فإنه لا بد أن يعاد القول في ضوابط الكرامة:
أولاً: أن يكون صاحبها مؤمناً وتقياً.
وثانياً: ألا يدعي صاحبها الولاية، لا يقول: أنا ولي، يدعي الولاية، وكذلك أن يكون عالماً بالدين وبأحكام الشريعة، عارفاً بالله تعالى وليس بجاهل، وأن يلازمه الخوف على نفسه، وألا يترك واجبات، ولا يفعل محرمات، وألا تكون الكرامة مخالفة لأمر من أمور الدين، فلو رأى في المنام شخصاً في صورة نبي أو ملك يقول له: قد أبحت لك الخمر، أو أسقطت عنك التكاليف ونحو ذلك فليعلم أنه شيطان.
وكذلك فإن منهم من يقول: إنني رأيت النبي ﷺ في الحقيقة، وصافحته وأخرج يده لي من القبر، ونحو ذلك، فلا شك أن مثل هذا مخرّف من المخرفين.
ووقعت حكايات لبعض السلف والعلماء تدل على وعيهم وفقههم، وعدم انطلاء حيلة الشيطان عليهم.
فحكى عياض عن الفقيه أبي ميسرة المالكي أنه كان ليلة بمحرابه يصلي ويدعو ويتضرّع، وقد وجد رقة فإذا المحراب قد انشق وخرج منه نور عظيم، ثم بدا له وجه كالقمر يقول له: تملأ من وجهي يا أبا ميسرة، فأنا ربك الأعلى، فبصق فيه، وقال له: اذهب يا لعين، عليك لعنة الله" لأنه يعلم أن الله لا يُرى في الدنيا، وأن هذا لا بد أن يكون شيطاناً من الشياطين، وكذلك ما يحكى عن عبد القادر الجيلاني -رحمه الله- أنه عطش عطشاً شديداً، فإذا سحابة قد أقبلت وأمطرت ونودي: يا فلان أنا ربك أحللتُ لك المحرمات، فقال: اذهب يا لعين، فاضمحلت السحابة.
فقيل له: بم عرفتَ أنه إبليس؟ قال: بقوله قد أحللت لك ُالمحرمات.
فبذلك يُعلم أن الكرامة التي تدعى وتكون مصادمة للشريعة ليست بكرامة.
الكرامات التي وقعت لمن قبلنا من الأمم
00:54:16
 لكن هل وقعت كرامات صحيحة في الكتاب والسنة وأخبار الصالحين؟
الجواب: نعم.
فمن ذلك ما أخبر الله تعالى عنه في القرآن الكريم، في سارة زوجة إبراهيم الخليل، قال الله -عز وجل-: وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ [هود: 71-73]. فهذه المرأة -سارة- لا شك أنها من أولياء الله، قد أكرمها الله تعالى بكرامة، وهي أنها حاضت وهي عجوز وولدت، مع أن بعلها شيخ كبير.
وكذلك الذي عنده علم من الكتاب في قصة سليمان -عليه السلام-، و قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ 
وكان رجلاً مسلماً من الصالحين، رجل عالم: قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي  [النمل: 40]. قيل: إنه كاتب لسليمان كان عابداً عالماً من أولياء الله تعالى، قيل أنه كان يعلم اسم الله الأعظم، سأل الله به، فبصلاحه وبسؤاله أعطاه الله مطلوبه، ونقل ذلك العرش من اليمن إلى الشام في طرفة عين.
الكرامة لمريم -عليها السلام-
00:55:55
 وكذلك من الكرامات التي وقعت ما جاء عن مريم -عليها السلام- كما قال قتادة في قوله تعالى: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا [آل عمران: 37]. قال: حُدّثنا أنه كان تؤتى بفاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، فعجب من ذلك زكريا، وكان عندها رزق في المحراب، وجود الرزق في المحراب  أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران: 37]. هذه كرامة بحد ذاتها ولا شك.
 الكرامة التي حصلت لأصحاب الغار
00:56:37
 كذلك ما حصل للثلاثة أصحاب الغار، لما دعوا الله تعالى بأعمال، فخرجت الصخرة من موضعها التي انطبقت عليهم فهي كذلك من كراماتهم، وقصة الرجل الذي سمع صوتاً في سحابة، يقول: اسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حرة، فالرجل تتبع السحاب، ونظر أين نزل الماء المطر في بستان، فجاء إلى صاحب البستان وسأله عن اسمه؟ فأخبره باسمه، فتطابق عنده الاسم الذي سمعه منه مع الاسم الذي سمعه من السحاب، فسأله عن قصته، فأخبره بأن هذه الأرض يأخذ ثلث ما يخرج منها فيتصدق به، ويأكل هو وعياله الثلث، ويرد فيها الثلث زرعاً وإصلاحاً وبذراً ونحو ذلك.
الكرامة للعابد الزاهد جريج
00:57:40
 كذلك من الكرامات الثابتة في السنة الكرامة لجريج العابد الزاهد الذي كان يعبد الله في صومعة، فتسلطت عليه زانية فلما أبى أن يستجيب لها أتت راعياً فأمكنته من نفسها، فلما حملت ووضعت اتهمت جريجاً أنه الذي فجر بها، فجاء بنو إسرائيل في عهده فكسروا صومعته بالفؤوس والمساحي، ثم لما رأى ذلك مسح رأس الصبي وقال: من أبوك؟
فقال: أبي راعي الضأن، فبُهتوا عند ذلك وأرادوا أن يبنوها له ذهباً أو فضة، فقال: أعيدوها طيناً كما كانت".
وكذلك سارة -زوجة إبراهيم الخليل- حصل لها موقف آخر، لما أخذها الجبار، وأرد أن يؤذيها ويأخذها بالحرام، فأصابه الله بالشلل، فقال: سلي الله أن يطلق يدي ولا أضركِ، ففعلت، فانطلقت يده، فعاد فقُبضت يده، ثلاث مرات، حتى قال لمن معه: إنما أتيتني بشيطان ولم تأتني بإنسان، وأعطاها هاجر خادم لها، وخلّى سبيلها".
[كرامات الأولياء للالكائي: 9/91].
الكرامة التي وقعت لصاحب الخشبة
00:59:19
 وكذلك ما حصل من الرجل صاحب الخشبة الذي لما أعيته الأمور في الرجوع إلى صاحبه لرد الدَّين في الوقت المحدد، أخذ خشبة نقرها فجعل فيها المال، وألقاها في الماء، ثم جاء إلى صاحبه بعد ذلك، فقال له صاحبه: "إن الله قد أدّى عنك الذي بعثتَ به في الخشبة، فانصرف بمالك راشداً" [رواه البخاري: 2291]. هذا بعض ما حصل لمن قبلنا.
الكرامات التي حصلت في العهد النبوي للصحابة
00:59:59
 أما ما حصل في عهد النبي ﷺ ولأصحابه، فقد كان لأصحابه كرامات، فمثل أُسيد بن حضير وعبّاد بن بشر كانا عند رسول الله ﷺ في ليلة ظلماء حندس -يعني شديدة الظلمة-، فلما خرجا أضاءت عصا أحدهما فجعلا يمشيان بضوئها، فلما تفرقا أضاءت عصا الآخر، وهذا الحديث صحيح. [رواه أحمد: 12980، والنسائي في الكبرى: 8188، وابن حبان: 2032،وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان: 2030].  
وكذلك جاء عن أنس أن أُسيد بن حضير الأنصاري ورجل آخر من الأنصار تحدثا عند النبي ﷺ في حاجة لهما، حتى ذهب من الليل ساعة، وليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا من عند رسول الله ﷺ ينقلبان، يعني يرجعان إلى البيت وبيد كل واحد منهما عصية، فأضاءت عصا أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها، حتى إذا افترقت لهما الطريق -كل واحد إلى بيته- أضاءت للآخر عصاه، فمشى كل واحد منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أهله". وفي رواية عن أنس: أن رجلين خرجا من عند النبي ﷺ في ليلة مظلمة، فإذا نور بين أيديهما حتى تفرّقا، فتفرق النور معهما" [رواه البخاري: 3805].
فهذه الأحاديث الصحيحة في كرامة بعض صحابة النبي ﷺ.
وأُسيد بن حضير نفسه هو صاحب كرامة نزول الملائكة لما كان يقرأ سورة البقرة وفرس له مربوطة في زاوية البيت، ويحيى مضطجع ولده مضطجع بجانبها، فجالت الفرس جولة حتى خشي على ولده يحيى، فأمسك عن القراءة، ثم قرأ فجالت الفرس فرفع رأسه فإذا بشيء كهيئة الظلة فيها مصابيح، تقبل من السماء فهالني فسكت، قال أسيد: فلما أصبحت غدوت على رسول الل هﷺ فأخبرته فقال: اقرأ أبا يحيى  ، وهكذا في ثلاث مرات
ثم قال ﷺ: تلك الملائكة دنوا لصوتك، ولو قرأتَ حتى تصبح لأصبح الناس ينظرون إليهم [رواه البخاري: 5018].
وكذلك خبيب بن عدي لما أسروه بمكة، رأت امرأة من المشركين بين يديه قِطْفاً من عنب وما بمكة ثمرة، وإنه لموثق في الحديد، وهذا الحديث أخرجه البخاري -رحمه الله-، [رواه البخاري: 3989].
فمن كرامات خُبيب بن عدي أن الله -عز وجل- رزقه بهذا الرزق -عنب- وهو موثق اليدين مأسور سجين في مكة ليقتلوه ولا يوجد في مكة ثمار.
وكذلك معروف قصة أويس القرني وما كان من كرامته في إجابة دعوته.
كرامات لبعض السلف في إجابة دعواتهم
01:03:04
 وكذلك كان لبعض السلف -رحمهم الله تعالى- كرامات من جهة إجابة دعواتهم، وكان أمير المؤمنين عمر -رضي الله تعالى عنه- كان له كرامات في فراسته وصدق ظنه.
ومن الكرامات المشهورة لعمر -رضي الله عنه-، أن عمرو بن العاص لما فتح مصر أتى أهلها إلى عمرو بن العاص حين دخل شهر من أشهر العجم، قالوا: أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها، قال: وما ذاك؟ قالوا: إذا كان اثنتا عشرة ليلة خلون من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر من أبويها، فأرضينا أبويها، يعني أعطيناهم مالاً وأرضيناهم وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال لهم عمرو: إن هذا مما لا يكون في الإسلام، إن الإسلام يهدم ما قبله، فأقاموا بئونة وأبيب ومسرى، وهي أشهر كانت عندهم، والنيل لا يجري قليلاً ولا كثيراً، حتى همّوا بالجلاء والذهاب من هذه الأرض، فلما رأى ذلك عمرو كتب بذلك إلى عمر بن الخطاب، فكتب عمر جواباً إلى عمرو بن العاص يقول: "إنك قد أصبتَ بالذي فعلت، وإن الإسلام يهدم ما قبله، وإني قد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي هذا، فألقها في النيل، فلما قدم كتاب عمر إلى عمرو، أخذ البطاقة ففتحها، فإذا فيها: "من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد، فإن كنت إنما تجري من قِبَلك فلا تجرِ، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك، قال: فألقى البطاقة في النيل، فلما ألقى البطاقة أصبحوا يوم السبت وقد أجراه الله تعالى ستة عشر ذراعاً في ليلة واحدة، وقطع الله تعالى تلك السُّنة عن أهل مصر إلى اليوم، ما عادوا يلقون الجواري فيه".
[أوردها اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، وابن كثير في مسند الفاروق: 1/224].
وهذه القصة سندها رجاله ثقات، وقد ذكرها الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة.
ومن كرامات عثمان -رضي الله عنه- الخليفة المظلوم المقتول ظلماً أن جهجاه الغفاري أخذ عصا عثمان التي يتخصر بها فكسرها على ركبته، فوقعت في ركبته الأكلة -الأكلة مثل الدود والآفة أكلت ركبته محل الموضع الذي كسر عصا عثمان عليه، وهذا سنده رجاله ثقات أيضاً" [البداية والنهاية: 10/282].
وكذلك سعد -رضي الله عنه-، فإنه كان مجاب الدعوة، ولذلك لما اتهمه رجل قال: إنه لا يعدل في الرعية، ولا يقسم بالسوية، ولا يغزو في السرية، يعني: لا يخرج للجهاد، ولا يعدل في الرعية ولا يظهر إليهم!
قال سعد: "اللهم إن كان كاذباً فأعم بصره، وعجل فقره، وأطل عمره، وعرّضه للفتن" [رواه الطبراني في الكبير: 308، كرامات الأولياء للالكائي: 9/ 137، وأبو يعلى الموصلي: 2/ 54، وقال: إسناده صحيح]. قال الراوي: "فما مات حتى عمي، قال: فكان يلتمس الجدران، وافتقر حتى سأل الناس، وأدرك فتنة المختار الكذاب فقُتل فيها". والقصة وردت في الصحيح. [رواه البخاري: 1/151]. وكيف أنه كان يغمز الجواري في الطرقات، يتعرّض للنساء في الشوارع، ويقول: مفتون أصابتني دعوة سعد.
وكذلك لما ظلمته امرأة في ادعاء أرض دعا عليها أن الله يعمي بصرها ويقتلها في أرضها، فأعمى الله بصرها ووقعت في بئر في أرضها فماتت" [رواه مسلم: 1610].
وأما خالد بن الوليد -رضي الله عنه-، فإن من كراماته أنه لما كان بالحيرة، أتي بسُم فقال: ما هذا؟ قالوا: سُمُّ ساعة، يعني تأخذه من هنا وتموت من ساعتك، قال: "باسم الله ثم ازدرده". وسنده حسن. [كرامات الأولياء للالكائي: 9/152].
وهذه القصة قيل إنها وردت في تحدّ حصل بين خالد وأحد الكفار النصارى، وأن خالداً قد شربه توكلاً على الله تعالى لإظهار اليقين لهم، فلم يضره ذلك" [رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده: 7186، وأحمد في فضائل الصحابة: 2/815].
وجاء في الأحاديث الصحيحة: "أن الملائكة كانت تسلّم على عمران بن حُصين "[رواه مسلم: 1226].
وأما حجر بن عدي فإنه عبر مع جماعة من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- نهر دجلة بلا سفينة بعد فتح القادسية حتى أن الفُرس لما رأوهم يعبرون النهر من غير سفينة قالوا: دبوان، دبوان، يعني شياطين، شياطين، قالوا: هؤلاء شياطين وهربوا، قال: فدخلنا عسكرهم، فوجدنا من الصفراء والبيضاء يعني من الذهب والفضة، وأصبنا أمثال الجبال من الكافور، وأصبنا بقراً فذبحناها فجعلناها في القدور، وأخذنا من ذلك الكافور ونحن نحسب أنه ملح، وطرحناه في اللحم، فلما أكلنا وجدناه مُرّاً، فقلنا: ما أمر ملح الأعاجم، فلم يدروا أنه كان كافوراً لما رأوا هذه الكمية الكبيرة الهائلة لم يتوقعوا ذلك.
الكرامة التي وقعت لسفينة مولى رسول الله
01:09:38
 ومن كرامات أصحاب محمد ﷺ الثابتة قصة سفينة مولى النبي ﷺ، لما ركب في البحر، وهو كان يسمى سفينة؛ لأنه كان يحمل الأمتعة في الأسفار، فركب مرة في البحر فانكسرت، سفينة ركب سفينة في البحر، اسمه سفينة وركب سفينة، فانكسرت فركب لوحاً منها فطرحه في أجمة فيها أسد ألقاه في أرض غابة فيها أسد، فقلت: يا أبا الحارث، يقول سفينة -رضي الله عنه-: "يا أبا الحارث -وهي كنية الأسد عند العرب- يا أبا الحارث، أنا سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: "فطأطأ رأسه وجعل يدفعني بجنبه أو بكتفه حتى وضعني على الطريق، فلما وضعني على الطريق، همهم فظننت أنه يودعني". رجاله ثقات.
وممن أثبته الحافظ الذهبي -رحمه الله تعالى- [سير أعلام النبلاء: 3/173].
وكذلك فإن زينب بنت جحش -رضي الله تعالى- عنها لما جيء لها بمال، أمرت أن يصب ويطرح عليه ثوب، ثم قالت للجارية: أدخلي يديك فاقبضي منه قبضة فادفعي بها إلى فلان، وإلى فلان، من أبنائها وذوي رحمها، فقسمته حتى بقيت منه بقية، فقالت لها برزة: غفر الله لك، والله لقد كان لنا في هذا حظ، يعني لو تركت لنا شيئاً، قالت: "ولكم ما تحت الثوب".
قالت: "فرفعنا الثوب فوجدنا تحته خمسة وثمانين درهماً، وهذا مع أن المال كان أقل مما أنفقت لما طُرح في البداية" [كرامات الأولياء للالكائي: 9/178].
وكذلك فإن السلف -رحمهم الله تعالى- كانت لهم كرامات، هذا أبو مسلم الخولاني -رحمه الله-، كان إذا استسقى سقي، كان معروفاً بإجابة الدعاء في الاستسقاء، ولذلك فإنهم كانوا يخرجون به فيستسقي لهم، فيسقون، وذكر كذلك من كرامات بعض جيوش المسلمين التي غزت القسطنطينية، كسرت بعض مراكبهم وألقاهم الموج على خشبة في البحر، وكانوا خمسة أو ستة، قال: فأنبت الله لنا بعددنا ورقة لكل رجل منها، فكنا نمصها فتشبعنا وتروينا، فإذا أفنينا أنبت الله لنا مكانها أخرى حتى مر بنا مركب فحملنا" [تهذيب التهذيب: 7/6].
ولا شك أن هذه الكرامات تدل على أن هناك من أولياء الله تعالى من يكرمه الله -عز وجل- بأن يخرق العادة له، ويكون في هذا كرامة له في الدنيا قبل الآخرة، وإلا فلا شك أن ما عند الله أبقى وأعلى.
وقد ساق ابن رجب -رحمه الله تعالى- جزءاً من أخبار الكرامات التي حصلت لبعض السلف مما يدل على إثبات عقيدة أهل السنة والجماعة في الكرامات وأنها ثابتة، ومنها أن أبا مسلم الخولاني -رحمه الله- مر به صبيان يطردون ظبياً، فقالوا: ادع الله لنا يحبس علينا هذا الظبي، فيدعو الله فيحبسه حتى يأخذوه بأيديهم".
ودعا على امرأة أفسدت عليه عشرة امرأة بذهاب بصرها فذهب بصرها في الحال، فجاءته فجعلت تناشده الله وتطلب إليه، فرحمها ودعا الله فرد عليها بصرها"[جامع العلوم والحكم: 2/351].
وكذلك وقع رجل في أبي هريرة -رضي الله عنه-، فنزلت حية من السقف تطرد وراءه.
وهذه القصة التي قالها الحافظ الذهبي -رحمه الله- إسنادها كالشمس [تاريخ الإسلام: 2/565].
يعني: كرامة لأبي هريرة بعد وفاته -رضي الله عنه- لما وقع فيه هذا الرجل السوء.
وهذه القصص الكثيرة والكثيرة جداً يؤخذ منها: أن الله تعالى يبشر أولياءه في الدنيا قبل الآخرة، والمهم أن الإنسان يسلك سبيل الولاية، والصراط المستقيم.
بعض الكتب المهمة في موضوع الكرامات
01:15:10
 ومن الكتب المهمة في هذا الموضوع كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، الذي كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وهو موجود في المجلد الحادي عشر من مجموع الفتاوى، وأيضاً هو مطبوع مستقلاً، ونسأل الله -عز وجل- أن يجعلنا من أهل طاعته، وأن يرزقنا التمسك بسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ظاهراً وباطناً.
والله تعالى أعلم.
الإجابة عن الأسئلة
01:15:41
 يقول: الجهل يملأ قريتنا بسبب تغلغل الصوفية فيها لدرجة أنه في خلال ثلاث سنوات تم إنشاء أربعة أضرحة لمشايخهم كما يزعمون، وعندما ننصح أهل البلد يكون الرد لا تحاربوا أولياء الله، ويحتجوا بالآية، وعندما نقف لهم بالمرصاد يهددوننا، فما هو الحل مع هؤلاء المبتدعة؟
هؤلاء الصوفية درجات، أما نسبتهم فقيل إلى لبس الصوف؛ لأنه كان شعار المتزهدين في ذلك الوقت، وقيل: إنه نسبة إلى الصفاء، كما قال ذلك الشاعر: فتى تصافى فصوفي حتى سمي الصوفي، وقيل غير ذلك، ومهما كان الأمر فإن هذه الطريقة طريقة بدعية، فلم يكن النبي ﷺ صوفياً ولا أبو بكر ولا عمر ولا الخلفاء الأربعة ولا الصحابة ما كانوا متصوفة ولا صوفية، ولا كان عند الصحابة طريقة قادرية، ولا جيلانية، ولا طريقة عيدروسية، ولا طريقة بدوية ولا رفاعية ولا شاذلية، وكل هذه الطرق التي ابتدعها هؤلاء المبتدعة، والصوفية درجات في الانحراف، فمنهم الذين يكون حدود بدعتهم في الأذكار، كأن يقيدوا أذكاراً بعدد معين ما ورد في الشريعة، أو بمكان معين أو بكيفية معينة ما وردت في الشريعة، فبدعتهم تقف عند حدود الأذكار، مثل صيغ بعض الصلوات، يقول: هذه الصلاة النارية، ويبتدعون صلوات، أو في الصلاة على النبي ﷺ يبتدعون كيفيات معينة، في الأذكار يبتدعون أذكاراً معينة يواصلون عليها، وهذه الصمدية وهذه ونحو ذلك مما يسمونه، أو مثلاً يذكرون الله بالاسم المفرد كأن يقولون: الله، الله، الله، أو حي، حي، حي، حي، حي أو هو، هو، هو، يقول لا إله إلا هو صار هو عندهم طلعوه من الأسماء الحسنى، فهؤلاء قوم لا يعقلون، ولذلك الذكر بالاسم المفرد بدعة من البدع، لا يوجد شيء اسمه ذكر بالاسم المفرد، وما عمل النبي ﷺ ما قال: الله، الله، الله، الله، يذكر الله هكذا، ويقول كما يقول بعضهم: حتى المسجد يقول: الله، والجدار يقول: الله، وكل شيء يقول: الله، وكل شيء والأشجار تقول: الله، يقول: ماذا ترى بعينك، يقول: الأشجار تقول: الله، والسماء والأرض تقول: الله، وكل يسمع كل شيء، وربما يكون الشيطان فعلاً يسمعهم من هذا حتى يصدق فعلاً أن هذه الطريقة، وربما يكون إيحاء نفسياً، وبعضهم يقول: جرب هذا الذكر، جرب هذا الذكر ويكتب له: يا لطيف أربعة آلاف وأربعمائة وأربعة وأربعين مرة، ويقول: اذكر هذا، ، وكان بعض أهل الدعوة والعلم في عصرنا وهو الشيخ محمد أمين المصري -رحمه الله- قد سمع بأن أحد الصوفية يزعم أنه يوصل من يريد إلى الله -عز وجل- مباشرة، يجعله يتصل بالله، فذهب إليه، فقال: أنا سمعت أنك توصل من يريد بالله -عز وجل-، قال: هذا أكيد، قال: وما هو المطلوب؟ قال: لا بد أن تجلس عندي أربعين يوماً، قال: أنا مستعجل وعلى سفر ولا يمكن، أنا أكثر شيء أستطيع أن أجلس عندك ثلاثة أيام، فالمهم في الأخير حتى ما يكون هذا ما عنده علاج، قال: طيب، وافق له على ثلاثة أيام، ثم أعطاه أشياء معينة، أذكاراً معينة، كتب له كتابات معينة فيها البدعي وغير البدعي، وقال: هذه في الثلاثة أيام تواظب عليها في الأوقات الفلانية، وفي الظلمة وفي كذا، وتحت السلم لازم تحت السلم، فقال: اكتب لي توقيعك عليها؛ حتى لا يعارضني أحد في أن هذه الأذكار هي من عندك أنت شخصياً، فكتب له توقيعاً عليها، ثم جاءه بعد ثلاثة أيام فقال: ما حصل لي شيء، ما وصلت ولا أحد كلمني، فقال: أنت يمكن عندك قسوة قلب، أو أنك ما طبقت الوصفة كما ينبغي ونحو ذلك.
فقال: أشهد بالله العظيم أنك كذاب، وكان المقصود إثبات عجز هذا الرجل وغيره من الذين يقولون أنا نوصل بالله تعالى مباشرة، ندعك تكلم الله مباشرة، نعطيك أوصافاً وأوراداً، وبعضهم كان يدعي الكرامات، وواحد منهم كان يلقب بـالحارون كان يزعم أنه يتصل بالله، بذكر يرفع السماعة ويكلم فيه، وبعضهم يقول: أن الشيخ الفلاني ضرب الشيخ الفلاني من دمشق إلى بغداد بالحذاء، بينهم ثأر فضربه من هناك، وبعضهم يزعم أنه من أهل الخطوة، وأنه ينتقل من بلد إلى بلد بالمسافات الشاسعة، لكن فعلاً قد ثبت لدى شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره أن بعض هؤلاء فعلاً يذهبون إلى مكة بالاستعانة بالجن، يذهبون في ليلة من بلد بعيد ويرجعون، وربما قالوا: رأينا كذا ورأينا كذا.
ولذلك قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "ومن منكراتهم أنهم يمرون بالميقات لا يحرمون منه" [الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان: 171]. لأن الجني لن ينزله في الميقات يحرم، فيأخذه مباشرة، فهؤلاء بعضهم كما قلنا بدعهم في الأذكار، وتصل بدع بعضهم إلى الشرك وادعاء الكرامات والكفر، ووحدة الوجود، وكان بعضهم يقول: أن كل ما ترى بعينك فهو الله، ليس في الجبة إلا الله، فرعون كان محقاً لما قال: أنا ربكم الأعلى، لكن موسى ما فطن لها؛ لأن كل شيء في هذه الدنيا جزء من الله تعالى الله عن قولهم، المهم هؤلاء الذين يعملون قضية الأضرحة، هؤلاء يؤلهون أصحاب الأضرحة، ويؤلهون أصحاب الأضرحة، يصرفون لهم أشياء من التوحيد التي لا تجوز إلا لله من صفات الألوهية، مثل: طلب شفاء المريض، مثل: طلب الرزق، طلب نزول المطر، إذا قحطوا قالوا: عليكم بقبر البدوي، قبر أبي العباس المرسي الترياق المجرب يعني: مجرب ونافع، وقبر فلان لكذا، وهذا  عندما تحمل إذا جاءت عنده.
أقسام المدفونين في الأضرحة والقبور
01:23:30
 وبعض هؤلاء المشركين كانت لهم بدع قبيحة، وبعض هؤلاء المدفونين في الأضرحة على ثلاثة أقسام: إما ناس من أهل التوحيد الذين لا يرضون هذا المنكر أبداً كما عبدت النصارى المسيح والمسيح منهم براء، ومن الصوفية، ومن الطرق، ومن هؤلاء الشيخ عبد القادر الجيلاني -رحمه الله تعالى-، وهذا من أئمة أهل السنة، وهذا الرجل الذي له كتاب الغنية وغيره، وذكر فضله شيخ الإسلام -رحمه الله- وأثنى عليه، عبد القادر الجيلاني من أئمة أهل السنة، لكن الناس غلوا فيه حتى جعلوه إلهاً بعد موته يطلبون منه شفاء المرض، ويطلبون منه المغفرة، ويطلبون منه التوسط عند الله، وغير ذلك.
وكما فعل الغلاة بالحسين، وكما فعلوا بزينب، وكما فعلوا بكذا، وحتى ما يفعله كثير من المشركين عند قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومنهم من المقبورين من يكون من المشركين الكفار، ولكنهم ألهوهم وجعلوهم أولياء، مثل البدوي الذي كان تاركاً للصلاة، متعاطياً للخمور متعاطياً للمحرمات، وكان أيضاً والغاً في النجاسات؛ لأن بعض رؤوس هؤلاء لطرق كانوا لا يتنزهون من النجاسات، وربما لا يغتسلون، وفيها اتصال برهبنة النصارى، مسألة الصوفية اتصال بين الصوفية والنصارى موجودة، والصلة بين التصوف والتشيع كذلك قائمة وحقيقية.
فبعض هؤلاء كانوا لا يصلون كالبدوي، وربما فعل الأشياء السخيفة كما حدث أنه مرة وقف على جدار فبال على الناس وهم يمشون في الطريق، فهموا به وأخذوه، قال: أنا مالكي، ونحن المالكية نقول: أن بول كل ما أُكل لحمه فهو طاهر.
ونحن أيضاً نقول: بول كل ما أكل لحمه فهو طاهر، قال: الناس يغتابوني، يعني يأكلون لحمي، إذن بولي طاهر.
ولذلك فإن مثل هذا الرجل الذي يطاف عند قبره في السنة بالملايين يأتون، وربما يذبحون، ويحلقون الشعر ويطوفون بالقبر ويذبحون الذبيحة، ويأتون من القرية ببقرة يذبحونها عنده.
فهؤلاء الذين ذكرهم ويبنون المساجد وعلى هذه الأضرحة ويجعلون لها سدنة.
النوع الثالث من الذين في القبور من الدواب، حمار أو كلب أو تيس، يدفنونه مثلما يفعل بعضهم في فتح باب رزق بالنسبة له، كما حصل من أحدهم دفن حماراً ثم ذهب إلى القرية يقول: الولي مات أوصاني بقبره ودفنته، وجاءوا وبنوا عليه وجعلوه هو المسئول عن هذا القبر وما يأتي إليه من الأموال.
إذن، هؤلاء الناس ماذا يفعل الإنسان بهم؟
إن كان له سلطة أنكر المنكر بيده، وإن لم يكن له فليس إلا المناصحة وإقامة الحجة والبيان، فإن لم يستطع أنكر بقلبه، وشكى أمره إلى الله تعالى، وحاول أن يدعو الناس الذين يرجى فيهم التقبُّل؛ لأن بعضهم الناس لو دعاهم كادوه وضيقوا عليه، يدعو من يرجو فيهم التقبّل، حتى إذا زادوا كان هناك تياراً يحارب هذه الشركيات.
يقول: ما حكم احتساب ما يدفعه للمكوس على أنه من الزكاة؟
هذا لا يجوز، لا يجوز، وليس بصحيح أنه يدفعه؛ لأنه لم يدفعه إلى أحد من الأصناف الثمانية، فإن الله قال: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ حصر أسلوب الحصر: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [التوبة: 60]. فإذا جعلت في المكس لا يكون قد أدى الزكاة إلى أهلها، وكذلك لا يجوز أن يستفيد من الربا في دفع المكس أو الضريبة؛ لأن الربا لا يجوز الاستفادة منه ولو في دفع الشر عن نفسه.
له دين على رجل فقير ولا يستطيع أن يرده عليه، فهل يجوز اعتبار ذلك من الزكاة، ويضعه عنه؟
الجواب: لا يجوز إسقاط الدين بالزكاة، واحتساب الزكاة من الدين المعدوم؛ لأن هذا مال رديء لا يرجى عودته، فيفتدي نفسه وماله بالزكاة ويقول: أسقطه عنك مقابل الزكاة، لا يجوز مال رديء، قال الله: وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ [البقرة: 267]. ما تأخذ تمراً رديئاً، تمراً فيه سوس إلا على كراهية وعلى إغماض منك إذا أخذته، فكيف تجعل هذا المال الرديء المفقود الشبه المعدوم الذي لا يعود تجعله زكاة؟ ثم أنت حين أعطيته المال أعطيته بنية قرض، فكيف تجعلها الآن زكاة؟ ولا بد للزكاة من نية عند الإعطاء، ثم إن الله قال: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة: 103].
وقال النبي ﷺ: تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم [رواه مسلم: 19].
فالزكاة أخذ وعطاء، وهذا لم يحدث فيه لا أخذ ولا إعطاء هذا إسقاط.