الإثنين 1 ربيع الأوّل 1444 هـ :: 26 سبتمبر 2022 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

خمسة حفاظ بين يديك


عناصر المادة
أسباب الحديث عن الحفاظ
ترجمة شعبة بن الحجاج
ترجمة أبي حاتم الرازي
ترجمة الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم
ترجمة الحافظ الخطيب البغدادي
ترجمة الحافظ يحيى بن معين

أيها الإخوة: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

وبعد:

نسأل الله أن يجعل مجلسنا مجلس خير وذكر وعبادة وقربة إليه سبحانه، وأن يجعله مجلساً تغشاه السكينة وتتنزل عليه الرحمة وتحفه الملائكة.

أيها الإخوة: موضوعنا بعنوان: "خمسة حفاظ بين يديك".

وقبل أن يحتار أحدكم في معنى هذا العنوان، فإنني أقول: إن المقصود به التعريف بخمسة حفاظ من حفاظ الحديث الذين حفظوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سنته، وساهموا في إبلاغها إلينا، ونشروا ذلك العلم.

أسباب الحديث عن الحفاظ

00:00:00

والمقصود من الكلام عن هؤلاء الحفاظ عدة أمور:

أولاً: التحميس في طلب العلم، فإن كثيراً من الشباب في هذه الأيام قد برد حماسهم، أو قل: لا حماس لديهم في طلب العلم والقراءة والبحث.

ومن أعظم الأسباب الدافعة إلى تحصيل العلم والقراءة والاطلاع: الاطلاع على سير الحفاظ والعلماء الذين جمعوا هذا العلم، كيف اشتغلوا في جمعه، وأفنوا أعمارهم فيه، وبذلوا الغالي والرخيص، ورحلوا وركبوا المشاق والأهوال، وربما تعرضوا للموت والهلاك من أجل جمع العلم.

وأحدنا اليوم يقعد على أريكته لا يصله قليل ولا كثير من التعب والمشقة، وهذه المجلدات المطبوعة في الأوراق الفاخرة والحروف الحسنة الواضحة، والأكل موجود، والشرب حاضر، والجو مكيف، والراحة كاملة، ومع ذلك فالهمم في طلب العلم وتحصيله قاصرة قصوراً عجيباً أمام الإمكانات المتاحة التي توفرت لنا في هذه الأيام.

وهم مع شدة حالهم، وقلة معيشتهم، ووسائل النقل البدائية التي كانت موجودة في عهدهم؛ جمعوا علماً عظيماً غزيراً لا يمكن مقارنة علم الآخِرين منا بعلمهم هم أبداً.

فلا أقل من أن تكون ذكراهم وقصصهم حافزاً لنا للطلب، وأن نخجل من أنفسنا، ونستحي من توافر الإمكانات مع قصور هممنا وكسلنا وتقاعسنا.

ثانياً: إحياء سنة الحفظ الذي كان موجوداً في العهد القديم بدرجة كبيرة جداً.

الحفظ من أهم الأشياء في طلب العلم، بل هو السبيل للتحصيل، وعرض الحفاظ وحياة الحفاظ، حتى كأنك تراهم ماثلين أمامك من كلام العلماء الذين سطروا لنا حياتهم، لا شك أنه يدفع إلى الحفظ.

ومهما قال القائلون في أسباب الحفظ فلا يمكن أن تأتي بطريقة أحسن ولا أجود ولا أمكن من كثرة الترداد.

مهما حاول الأولون والآخرون اختراع طرق في الحفظ فلا يمكن أن تأتي بأحسن من هذه الطريقة، وهي: كثرة القراءة والترداد.

كلما قرأته وسمعته ورددته كان في ذهنك أحفظ، وفي عقلك أثبت، وفي ذاكرتك أمكن وأرسخ.

ثالثاً: إن هؤلاء الحفاظ لهم حق علينا؛ لأنهم جزء من هذه الأمة، هم أفراد ورجال مروا في تاريخها، ولا أقل من أن نتعرف على سيرهم، وأن نقرأ في حياتهم، وأن نتمعن في تلك الساعات والسنين التي قضوها في طاعة الله .

فالتعرف على سيرهم من حقهم علينا خصوصاً أن كثيراً منهم مجهولون تمام الجهل لكثير من المتأخرين من هؤلاء الذين يعيشون في هذا الزمان.

وكثير من شباب الصحوة يعرفون زيداً وعبيداً، ولا يعرفون عدداً كبيراً ممن يجب عليهم معرفته من حفاظ الحديث وحفاظ العلم والفقهاء والعلماء.

فهذه بعض الأسباب الدافعة لاستعراض بعض الشخصيات.

والذي سنستعرضه مجرد أمثلة لا حصر، ولا المقصود أن هؤلاء أجود من مر في تاريخ المسلمين.

ولكن المقصود التعريف ببعض الشخصيات التي قد تكون مجهولة لدى بعض الناس.

ولعلنا نتمكن من استعراض تاريخ خمسة من الحفاظ، وهم: شعبة بن الحجاج، وأبو حاتم الرازي، وابنه عبد الرحمن، والخطيب البغدادي، ويحيى بن معين -رحمهم الله تعالى-.

ترجمة شعبة بن الحجاج

00:00:00

أما أولهم وليس المقصود الترتيب الزمني، فهو: شعبة بن الحجاج بن الورد الأزدي، وكان من الموالي.

ولد بقرية نهر بستان قرب واسط سنة ثلاث وثمانين للهجرة.

وانتقل من واسط إلى البصرة.

وعاش في جو متواضع.

وكانت له أم تشجعه على طلب العلم، قال شعبة: قالت لي أمي: هاهنا امرأة تحدث عن عائشة فاذهب فاسمع منها، فذهبت فسمعت منها، ثم قلت لها: قد سمعت منها، قالت: سلمك الله [ينظر: الطبقات الكبرى: 7/207].

ثم ماتت أمه وعزاه فيها شيخاه: سليمان بن طرخان التميمي، وعبد الله بن عون البصري.

ورزق شعبة -رحمه الله- بابن واحد أسماه: سعداً.

وكان شعبة ألثغاً، ربما كان يقول: ابن التلب، بدل ابن الثلب [معجم الصحابة للبغوي: 1/385].

وكان عابداً أخذ نفسه بكثرة الصيام والقيام، وترويض نفسه على العبادة، قال أبو بحر: ما رأيت أعبد لله من شعبة، لقد عبد الله حتى جف جلده على ظهره ليس بينهما لحم [سير السلف الصالحين، لإسماعيل بن محمد الأصبهاني، ص: 1013].

وقال مسلم بن إبراهيم: ما دخلت على شعبة في وقت صلاة إلا رأيته قائماً يصلي [تهذيب التهذيب: 4/344].

وقال أبو قطن: ما رأيت شعبة ركع قط إلا ظننت أنه نسي، ولا قعد بين السجدتين إلا ظننت أنه نسي [سير أعلام النبلاء: 7/207].

وهذه هي السنة: إطالة الجلسة بين السجدتين والرفع من الركوع.

وهذان الركنان مما تصرف فيهما بعض الناس فقصروهما دون السنة.

والسنة أن يكون مقدار الجلسة بين السجدتين مثل مقدار السجود في الطول، ومقدار الرفع من الركوع مثل مقدار الركوع والسجود.

فهذه الأركان متقاربة في الطول: الركوع، والرفع منه، والسجود، والجلسة بين السجدتين.

وكثير من الأئمة والمصلين يقصرون في هذا.

ومن زهده -رحمه الله-: ما ذكره سليمان بن حرب قال: خرج شعبة يوماً فقوموا ثيابه وحماره بثمانية عشر درهماً، وعند وفاته قومت بستة عشر درهماً، لا شك أن ثمنها قد نقص.

وقال قراد أبي نوح: رأى علي شعبة قميصاً، فقال: بكم أخذت هذا؟ قلت: بثمانية دراهم، قال: ويحك أما تتقي الله؟ تلبس قميصاً بثمانية؟ ألا اشتريت قميصاً بأربعة وتصدقت بأربعة؟ [سير أعلام النبلاء: 7/208].

ونحن اليوم نشتري كثيراً من الكماليات والأشياء لو تبرعنا بنصف القيمة في سبيل الله لعاد ذلك بنفع كثير على المسلمين من الجياع والمستضعفين في الأرض.

لكن نحن نسرف ونرمي، ونبعثر الأموال، ونصرف في المأكولات والمشروبات والملبوسات أشياء كثيرة، وغيرنا من إخواننا المسلمين في حاجة إليها!

وكان -رحمه الله- كثير الصدقة، حتى سمي: أبا الفقراء.

وكان صبيان الحي ينادونه: بابا! بابا! من كثرة ما كان يعطي الصبيان.

وكان يقول: والله لولا الفقراء ما جلست إليكم" [ينظر: تهذيب الكمال: 12/492]؛ لأنهم كانوا يجلسون إلى المحدثين ليستمعون الحديث، فكان شعبة يقول لتلامذته للناس الذين يريدون أن يستمعوا الحديث منه: "والله لولا الفقراء ما جلست إليكم، فإني أحدث ليعطوا"؛ لأن شعبة كان إذا جلس للتحديث وجاء مسكين، سائل يسأل توقف عن التحديث، ولا يحدث حتى يعطى المسكين، ولا يتكلم حتى تقضى حاجة المسكين، وقال لهم: "لولا حوائج لنا ما حدثتكم".

قال عفان: "وكانت حوائجه أنه يسأل لنسوة ضعاف"[سير السلف الصالحين، لإسماعيل بن محمد الأصبهاني، ص: 1012] يعني يجمع لهم الأموال.

وكان إذا قام في مجلسه سائل لا يحدث حتى يعطى السائل، قام في مجلسه يوماً من الأيام سائل، قام ثم جلس مباشرة، فقال: ما شأنه؟ قالوا: ضمن عبد الرحمن بن مهدي أن يعطيه درهما [تهذيب الكمال : 12/492].

واحد من التلامذة "عبد الرحمن بن مهدي" كان شيخاً عظيماً بعد ذلك، قالوا: هذا السائل جلس مباشرة؛ لأن عبد الرحمن بن مهدي ضمنه، تكفل بأن يعطيه درهماً.

وكان يستدين ليعطي المساكين.

وكان كريماً سخي النفس، إذا ركب مع قوم في زورق دفع أجرة الزورق عن الجميع.

وتوفي -رحمه الله- سنة مائة وستين للهجرة في شهر رجب، وله من العمر سبع وسبعون سنة.

قال ابن المبارك: كنت عند سفيان، فلما جاءه موت شعبة وصل الخبر، قال سفيان: مات الحديث![سير أعلام النبلاء: 7/226].

وكان ليس له عمل معين، وإنما إخوته يكفونه، وكان في المقابل ينفعهم نفعاً كبيراً، وربما مشى في قضاء ديونهم.

وكان شعبة يقول لأصحاب الحديث: "ويلكم الزموا السوق" يعني اشتغلوا، تاجروا، اكسبوا، "فإنما أنا عيال على أخوي"، قال: "وما أكل شعبة من كسبه درهماً قط [سير أعلام النبلاء: 7/207].

فإنما كان متفرغاً لطلب العلم، وكان إخوته يكفونه مؤنة طلب الرزق.

وفي المقابل هو ينفعهم كذلك.

وكان في أول حياته مشتغلاً بالنحو واللغة والشعر، وكان يحفظ من الشعر شيئاً عجيباً، لكنه بعد ذلك التفت إلى جمع العلم والحديث.

قال شعبة: "كان قتادة يسألني عن الشعر، فقلت له: أنشدك بيتاً، وتحدثني حديثاً؟ [تذكرة الحفاظ، للذهبي: 1/146].

وكان قتادة يحبه، وقد عانى شعبة حتى وصل إلى منزلة في قلب قتادة -رحمهم الله تعالى-، فكان يحدثه الحديثين، ثم يقول: أزيدك؟ فيقول: لا، حتى أحفظهما وأتقنهما" [سير أعلام النبلاء: 7/226]، لا بد أن أحفظ وأتقن قبل أن تزيد علي.

قال الذهبي -رحمه الله-: كان إماماً ثبتاً حجة، وكانت كنيته أبو بسطام، ناقداً جهبذاً صالحاً زاهداً قانعاً بالقوت، رأساً في العلم والعمل، منقطع القرين، وهو أول من جرح وعدل  [سير أعلام النبلاء: 7/206].

أول من اشتغل بالجرح والتعديل ونقد الرجال ومعرفة أحوالهم: شعبة بن الحجاج.

ثم أخذ عنه هذا الفن يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وطائفة.

وكان سفيان الثوري يخضع له ويجله، ويقول: "شعبة أمير المؤمنين في الحديث".

وقال الشافعي: لولا شعبة لما عرف الحديث بالعراق [سير أعلام النبلاء: 7/206].

وشعبة تميز من أهم ما تميز التشديد في قبول الحديث، فكان لا يأخذ الحديث ولا يعتمده إلا إذا كان عن ثقة، إلا إذا كان صحيحاً تمام الصحة، ولذلك قال العلماء: إذا جاءك الحديث عن شعبة فحسبك به.

كان شعبة يكره التدليس جداً.

والتدليس أن يخبىء الراوي أمر الذي روى عنه، أو يسقط ضعيفاً بين ثقتين فيرويه معنعناً من الأول إلى الثالث مباشرة.

فكان شعبة من تخصصه: أنه يكشف التدليس.

وكان يقول: لئن أخر من السماء إلى الأرض أهون علي من أن أدلس.

وكان يقول أيضاً: "لأن أزني أحب إلي من أن أدلس" [الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم: 1/173]؛ لأن التدليس كان يترتب عليه في بعض الحالات الكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقبول روايات ظاهر السند الصحة، والحقيقة أنها لم تصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

فكان شعبة يكشفهم.

ولذلك فإن شعبة قد كفانا تدليس أبي إسحاق السبيعي وقتادة والحسن.

كفانا تدليس عدد من المدلسين، كان يسمع لقتادة، فإذا قال قتادة: حدثني، سمعت، حفظه، وإذا قال قتادة: عن فلان، قيل، روي، قال فلان، لم يعتمده عنده.

ولذلك كان -رحمه الله- في غاية التثبت.

وقال شعبة: كل شيء ليس في الحديث سمعت فهو خل وبقل" [طبقات الحنابلة: 1/300] يعني لا قيمة له ولا يساوي شيئاً.

وقال وكيع: "إني لأرجو أن يرفع الله لشعبة درجات في الجنة بذبه عن رسول الله ﷺ" [سير أعلام النبلاء: 7/219].

وعن حماد بن زيد: أنه كان إذا حدث عن شعبة قال: حدثنا الضخم عن الضخام شعبة الخير أبو بسطام [سير أعلام النبلاء: 7/219].

وقال بعضهم لما مات شعبة: أريته بعد سبعة أيام وهو آخذ بيد مسعر، مسعر راوي آخر من رواة الحديث وعليهما قميصا نور، فقلت: يا أبا بسطام ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قلت: بماذا؟ قال: بصدقي في رواية الحديث ونشري له وأدائي الأمانة فيه [سير أعلام النبلاء: 7/220].

وكان له ألفاظ في بعض الرواة، ألفاظ قد تبدو مضحكة، لكن لها معان عنده، سئل شعبة عن ابن عون، ابن عون معروف، قال: سمن وعسل، قيل: فما تقول في هشام بن حسان؟ وهو أدنى، قال: خل وزيت، قيل: فما تقول في أبي بكر الهذلي؟ قال: دعني لا أقيء به [سير أعلام النبلاء ط الرسالة 7/ 220]

اسكت لا يذرعني القيء، يعني في الرتبة المنحطة.

فكان يعرف الرواة ويميزهم، ويعرف من صح حديثه ممن لم يصح.

وكان يحفظ التلاميذ.

وكان يجمع طرق الحديث حتى يجمع طرقاً كثيرة.

ويسمع الحديث أكثر من عشرين مرة بتعدد طرقه من عدة رواة من عدة مصادر، ويسافر في طلب الحديث، وقال أبو الوليد: سألت شعبة عن حديث، فقال: والله لا حدثتك به، قلت: ولم؟ قال: لأني لم أسمعه إلا مرة [سير أعلام النبلاء: 7/221].

وكان ربما رحل شهراً في طلب حديث واحد، لكي يسمعه كما فعل في حديث رحل إلى أربعة أمصار ليعرف أصل الحديث هذا من أين جاء، يأتي إلى الشيخ يقول: الحديث الفلاني من حدثك به؟ فيقول: فلان في البصرة! فيسافر إلى البصرة يسأل عن فلان أين هو؟ من حدثك به؟ فيقول: فلان بالمدينة، فيذهب إلى المدينة، من حدثك به؟ فلان بالكوفة، فيذهب ويرجع حتى ذهب في حديث واحد سافر ربما شهراً إلى أربعة أمصار حتى كشفت له علة في الحديث، وهو أن هناك ضعيف كان متوارياً مخفياً في السند، فاكتشفه، وقال: لقد دمر علي هذا، هذا دمر علي رحلتي، لو هذا الحديث صح لكان أحب إلي من سفرتي كلها.

وكان -رحمه الله- يعتني بالقرآن، وكان ينبه أصحابه أن الاشتغال بالحديث ربما يشغل عن القرآن، فلا ينشغل بالحديث عن القرآن؛ لأن القرآن أيضاً مهم.

قال سلام بن قتيبة: "ربما سمعت شعبة يقول لأصحاب الحديث: يا قومي إنكم كلما تقدمتم في الحديث تأخرتم في القرآن" يعني ينبغي أن تأخذوا من هذا وهذا.

وكان -رحمه الله- أول من تكلم في الرجال، وأول من ابتدأ مشوار هذا الفن، وهو الجرح والتعديل.

وكان ينقد الرجال، ويقول للنضر بن شميل: تعالوا نغتاب في الله ساعة، يريد الكلام في الرواة الضعفاء.

وهذا من المواطن التي تجوز فيها الغيبة.

وكان له نظر ثاقب في طلابه وأصحاب الحلقة، فهو إذا دخل المسجد فرأى جمعاً غفيراً ينتظرون التحديث لا يغتر بهم، قال أبو داود: "كنت يوماً بباب شعبة، وكان المسجد مليء، فخرج شعبة فاتكأ علي ،وقال: يا سليمان ترى هؤلاء كلهم يخرجون محدثين؟ قلت: لا، قال: صدقت ولا خمسة، يكتب أحدهم في صغره، ثم إذا كبر تركه، أو يشتغل بالفساد، قال: ثم نظرت بعد ذلك فما خرج منهم خمسة.

وهذا يدل على شيء مهم جداً وهو: أن الكثرة قد تغر بعض الناس، فيتوهم الإنسان أن المجموعة الكبيرة إذا حضرت مجلس فقه أنهم سيخرجون فقهاء، وإذا حضروا مجلس حديث أنهم سيخرجون محدثين، بينما الواقع في الحقيقة لو نظرت إليهم في جديتهم، ومن الذي منهم يمكن أن يكون يوما من الأيام عالما أو طالب علم جيد، لعددتهم على الأصابع.

ولذلك فمن القواعد: عدم الاغترار بالكثرة.

ومن القواعد أيضاً: ما أشار إليه شعبة -رحمه الله- قال: "ترى أحدهم في الصغر يكتب فإذا كبر انشغل"، فلا يجوز للإنسان المسلم أنه يتحمس لطلب العلم في البداية ثم يتركه بعد ذلك، فينسى محفوظاته وينسى علمه، وينسى المسائل التي تعلمها، أو يشتغل بالفساد.

وهذا موجود عند الطلاب، إذا كانوا في المراحل الدراسية المبكرة كانوا يحفظون ويقرؤون ويكتبون، وبالذات العلوم الشرعية، فإذا كبروا وتخرجوا وتزوجوا وتوظفوا ذهبوا في متاع الدنيا، وذهبوا في الفساد، وذهبوا في التلهي بالمباحات، وتركوا العلم.

وهذه قضية ينبغي أن ينتبه لها طلاب العلم أو الذين يريدون الاشتغال بالعلم ألا تكون المسألة فترة حماس مبدئية ثم تنتهي، ونترحم على أيام زمان.

وإنما ينبغي أن يكون الطريق متواصلاً، ولا نترك.

وقد يقول الإنسان: أنا عمري أربعون سنة أنا عمري خمسون سنة أنا ماذا أفهم؟ وماذا أحفظ؟ فاتني المشوار.

نقول: لا، هناك عدد من العلماء طلبوا العلم في مرحلة متأخرة من العمر، فبعضهم طلب العلم وهو عمره أربعون سنة وصار عالماً.

وبعضهم طلب من خمسين وصار عالماً.

فإذاً، لا يحتقر الإنسان نفسه.

رحمة الله -تعالى- على شعبة.

ترجمة أبي حاتم الرازي

00:00:00

الشخصية الثانية: أبو حاتم الرازي -رحمه الله تعالى-:

واسمه محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران، الإمام الحافظ الناقد، شيخ المحدثين، الغطفاني.

كان من بحور العلم، وطوف البلاد، وبرع في المتن والإسناد، وجمع وصنف، وجرح وعدل، وصحح وعلل، هكذا قال الذهبي -رحمه الله-.

مولده سنة خمس وتسعين ومائة.

وأول كتابه للحديث كان في سنة تسع ومائتين.

وهو من نظراء البخاري وطبقة البخاري، لكنه عاش بعد البخاري عشرين سنة.

ويتعذر استقصاء مشايخه، حتى قال الخليلي: "قال لي أبو حاتم اللبان: قد جمعت من روى عنه أبو حاتم الرازي فبلغوا قريباً من ثلاثة آلاف" [سير أعلام النبلاء: 13/248] شيوخه ثلاثة آلاف شيخ.

وقد حدث في رحلاته بأماكن وارتحل بابنه، كان مهتماً بتربية ولده.

وحقيقة هذا الرجل هو عالم وابنه عالم.

والفضل بعد الله في تنشئة الولد للأب الذي أخرج عالماً بحق، أبو حاتم ابنه ابن أبي حاتم كلاهما من العلماء من العلماء الأفذاذ.

وكان يصحب ولده لاستماع الحديث، والولد في سن مبكرة.

وكان عالماً باختلاف الصحابة وفقه التابعين ومن بعدهم.

وقال الحسن بن الحسين الدارستيني: "سمعت أبا حاتم يقول: قال لي أبو زرعة: ما رأيت أحرص على طلب الحديث منه".

أبو زرعة الرازي، وأبو حاتم الرازي، قرينان وصاحبان وقريبان، قال لي أبو زرعة: "ما رأيت أحرص على طلب الحديث منه، فقلت له: إن عبد الرحمن ابني لحريص" يعني ربما يكون ولدي أحسن مني، فقال: "من أشبه أباه فما ظلم" [سير السلف الصالحين، لإسماعيل بن محمد الأصبهاني، ص: 1235].

وسأل بعضهم ولد أبي حاتم واسمه عبد الرحمن بن أبي حاتم العالم الثاني، العالم الابن اسمه عبد الرحمن، سأل عبد الرحمن عن اتفاق كثرة السماع له وسؤالاته لأبيه، فقال: ربما كان أبي يأكل وأقرأ عليه ويمشي وأقرأ عليه ويدخل الخلاء وأقرأ عليه ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه [سير أعلام النبلاء: 13/ 251]

وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي قال لي هشام بن عمار: أي شيء تحفظ من الأذواء الذين وردوا في الأحاديث؟ ذو.. ذو.. ذو، قال: "ذو الأصابع، وذو الجوشن، وذو الزوائد، وذو اليدين، وذو اللحية الكلابي" وعددت له ستة، فضحك وقال: حفظنا نحن ثلاثة، وزدت أنت ثلاثة [سير أعلام النبلاء: 13/ 252].

وقال اللالكائي -رحمه الله-: كان أبو حاتم إماماً حافظاً متثبتاً، وهو في شيوخ الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-[سير أعلام النبلاء: 13/ 252].

وقد حدث بينه وبين أبي زرعة وكان كلاهما من العلماء -كما أشرنا- يوماً تمييز الحديث ومعرفته، فكان يتناقشان في الأحاديث، فجعل يذكر أحاديث وعللها: وكذلك كنت أذكر أحاديث خطأ وعللها وخطأ الشيوخ، فقال لي: يا أبا حاتم قل من يفهم هذا ما أعز هذا، إذا رفعت هذا من واحد واثنين فما أقل من تجد من يحسن هذا، وربما أشك في شيء أو يتخالجني حديث فإلى أن ألتقي معك لا أجد من يشفيني منه، قال أبي: وكذلك كان أمري [سير أعلام النبلاء: 13/252].

فمسألة تلاقي أهل العلم والتباحث بينهم يحيي العلم ويزكيه ويرفعه وينقحه.

وكان له مناقشات تدل على فضله، قال أبو حاتم: "قال لي أبو زرعة ترفع يديك في القنوت؟ قلت: لا، فترفع أنت؟ قال أبو زرعة: نعم، قال أبو حاتم: فما حجتك؟ قال: حديث ابن مسعود، قلت: رواه ليث بن أبي سليم" هذا ضعيف، قال: فحديث أبي هريرة، قلت: رواه ابن لهيعة، وهذا ضعيف، قال: حديث ابن عباس، قلت: رواه عوف يعني هذه معلولة، فسكت أبو زرعة، ثم قال لأبي حاتم: ما حجتك في تركه؟ قلت: حديث أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا بالاستسقاء، فسكت [سير أعلام النبلاء: 13/ 253].

أما مسألة رفع اليدين في الدعاء فهي ثابتة في أكثر من مائة حديث.

أما حديث أنس: أن النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء، فيرفع على شيء مخصوص مثل رفع اليدين في خطبة الجمعة، فإن من المعلوم أن الخطيب في خطبة الجمعة لا يسن له أن يرفع يديه في الخطبة، ولا يسن للمأمومين في المسجد الجامع أن يرفعوا أيديهم في دعاء الإمام، ليس من السنة، وهذا خطأ عند العامة كثير جداً، تجدهم في المسجد الجامع أثناء الخطبة إذا دعا الخطيب رفعوا أيديهم، وهذا غير صحيح، أثناء خطبة الجمعة لا الخطيب يرفع يديه في الدعاء ولا المأمومون، إلا في حالة واحدة في دعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة، إذا استسقى الخطيب وطلب الاستسقاء في خطبة الجمعة يرفع يديه، ويقول: "اللهم أسقنا الغيث" إلى آخره.

وإذا رفع الخطيب يديه رفع المأمومون أيديهم، إذا صار استسقاء في خطبة الجمعة.

أما بقية الخطبة وبقية الأدعية ما فيها رفع يدين.

ولعله يحمل حديث أنس على هذا.

وبلغ من دقة ابن أبي حاتم -رحمه الله- في معرفته للأحاديث ما حدث في القصة التالية: قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: جاءني رجل من جلة أصحاب الرأي من أهل الفهم منهم ومعه دفتر فعرضه علي" دفتر فيه أحاديث، "فقلت في بعضه: هذا حديث خطأ، وهذا باطل، وهذا منكر، وسائر ذلك صحاح، فقال لي: من أين علمت أن ذاك خطأ؟ وذاك باطل؟ وذاك كذب؟ أأخبرك راوي هذا الكتاب بأني غلطت؟ أو بأني كذبت في حديث كذا؟ قلت: لا، ما أدري هذا الجزء من راويه، غير أني أعلم أن هذا الحديث خطأ، وأن هذا باطل، فقال: "تدعي الغيب؟ قلت: ما هذا ادعاء غيب، قال: فما الدليل على ما قلت؟ قلت: سل عما قلت من يحسن مثلما أحسن.

اذهب إلى عالم آخر في الحديث واسأله عن هذه الأحاديث، فإن اتفقنا في الإجابة نفس الجواب علمت أنا لم نجازف، ولم نقل إلا بفهم.

قال ويقول أبو زرعة: كقولك؟ يعني أجرب أبا زرعة أذهب إلى أبي زرعة عالم آخر؟ قلت: نعم، قال: هذا عجب، فكتب في كاغد، ورق، ألفاظي في تلك الأحاديث ماذا قلت في كل حديث، ثم رجع إلي وقد كتب ألفاظ ما تكلم به أبو زرعة، ذهب إلى أبي زرعة ويسأله عن نفس الأحاديث، وكتب إجابات أبي زرعة في تلك الأحاديث، ثم قال لي أبو حاتم يقول، الرجل صاحب الأوراق قال لي: ما قلت إنه كذب، قال أبو زرعة: هو باطل، قلت: الكذب والباطل واحد، نفس المعنى، قال: وما قلت: إنه منكر، قال أبو زرعة: منكر، كما قلت أنت، وما قلت: إنه صحيح، قال أبو زرعة: هو صحيح أيضاً، ثم قال: ما أعجب هذا؟ تتفقان من غير مواطأة فيما بينكما؟ قلت: فعند ذلك علمت أنا لم نجازف وأنا قلنا بعلم ومعرفة قد أوتيناه.

والدليل على صحة ما نقوله: أن ديناراً بهرجاً، لو جبت ديناراً مزيفاً يقول له: لو أتيت بدينار مزيف يحمل إلى الناقد خبير الفلوس خبير التزييف، فيقول الناقد في الدينار بمجرد النظر واللمس والطرق، هذا بهرج، فإن قيل له من أين قلت إن هذا بهرج؟ يعني مزيف، هل كنت حاضراً حين بهرج هذا الدينار، عندما زيف كنت موجوداً؟ قال: لا، وإن قيل أخبرك الذي بهرجه، مزيف الفلوس قال لك: هذا مزيف، سيقول: لا، فإن قيل له: فمن أين قلت؟ قال: علماً رزقته، خبرة، وكذلك نحن رزقنا معرفة ذلك.

وكذلك يقول له مقرباً إذا حمل إلى جوهري فص ياقوت وفص زجاج يعرف ذا من ذا، الياقوت من الزجاج ويقول كذلك، وكذلك نحن رزقنا علماً لا يتهيأ له أن نخبرك كيف علمنا بأن هذا كذب أو هذا منكر، فنعلم صحة الحديث بعدالة ناقليه [سير أعلام النبلاء: 13/ 253- 254].

هذا أول شيء عدالة الرواة، وأن يكون كلاماً يصلح أن يكون كلام النبوة، وأن يكون الحديث يصلح أن يكون كلام ينطق به النبي ﷺ.

أما إذا جاءك حديث: ((الهريسة تشد الظهر))، ((صلاة بعمامة خير من سبعين صلاة بغير عمامة))، ((لا تطعموا الباذنجان أبناءكم فإنه يجلب الخبل لهم)) فأنت تعرف أن هذا كلام لا يمكن أن يقوله النبي ﷺ؛ لأن هذا كلام هراء، لا يمكن أن يخرج من مشكاة النبوة أشياء مثل هذا، فيقول: "نعرف الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلاماً يصلح أن يكون كلام النبوة ونعرف سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته" إذا تفرد وخالف الثقة عرفنا أنه منكر، وإذا كان الناقلين عدول عرفنا أنه صحيح، وإذا كان مخالفاً لكلام النبوة لا يمكن يخرج، منكر أو باطل، أو فيه إسناده رجل متهم بالكذب عرفنا أنه كذاب، فهذا العلم كيف يتكون في النفس؟

بكثرة الممارسة، هؤلاء اشتغلوا وجمعوا الأحاديث ورحلوا وتمعنوا ودرسوا وسهروا الليالي الطويلة يدونون الحديث على ضوء القمر وضوء السراج، حتى ربما تضررت أعينهم، كيف لا تتكون عندهم هذه الخبرة؟

وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: أول سنة خرجت في طلب الحديث أقمت سبع سنين أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ، قلت -يقول الذهبي-: مسافة ذلك نحو أربعة أشهر سير الجادة، قال: ثم تركت العدد بعد ذلك، تركت العد، وخرجت من البحرين إلى مصر ماشياً، ثم إلى الرملة ماشياً، ثم إلى دمشق، ثم أنطاكيا، وطرسوس، ثم رجعت إلى حمص، ثم إلى الرقة، ثم ركبت إلى العراق.

كل هذا في سفري الأول وأنا ابن عشرين سنة [سير أعلام النبلاء: 13/ 255].

والآن نحن أكثرنا فوق عشرين سنة، لكن كم الذين حصلوا ربع عشر ما حصله أبو حاتم الرازي -رحمه الله-؟

قال: "خرجت من الري، فدخلت الكوفة في رمضان سنة ثلاث عشرة، وجاءني نعي أحد المشايخ وأنا بالكوفة، ثم رحلت ثانياً سنة اثنتين وأربعين، ثم رجعت إلى الري سنة خمس وأربعين، وحججت رابع حجة في سنة خمس وخمسين، وحج فيها عبد الرحمن ابنه" [سير أعلام النبلاء: 13/ 255] فكان رحالة في طلب الحديث.

وكانوا يرحلون، وكانت الرحلة فيها تعرض للهلاك، ومشقة عظيمة، ومن ضمن ما حدث لأبي حاتم في رحلاته هذه القصة: قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: خرجنا من المدينة من عند داود الجعفري وصرنا إلى الجار، يعني عند ساحل البحر وركبنا البحر، فكانت الريح في وجوهنا، فبقينا في البحر ثلاثة أشهر؛ لأن الريح ما كانت تسير بالمركب في الاتجاه المقصود، أوقفته في البحر، وضاقت صدورنا، وفني ما كان معنا من الزاد، وخرجنا إلى البر نمشي أياماً، حتى فني ما تبقى معنا من الزاد والماء، فمشينا يوماً لم نأكل ولم نشرب، ويوم الثاني كمثل، ويوم الثالث لا أكل ولا شرب، فلما كان المساء صلينا، وكنا نلقي بأنفسنا حيث كنا، فلما أصبحنا في اليوم الثالث جعلنا نمشي على قدر طاقتنا، وكنا ثلاثة أنفس: شيخ نيسابوري، وأبو زهير المروروذي، فسقط الشيخ مغشياً عليه، فجئنا نحركه وهو لا يعقل، فتركناه ومشينا قدر فرسخ، فضعفت وسقطت مغشياً علي، ومضى صاحبي الثالث يمشي، فبصر من بعد قوماً قربوا سفينتهم من البر، ونزلوا على بئر موسى، فلما عاينهم لوح بثوبه إليهم، فجاؤوه معهم ماء في إداوة، المطهرة الصغيرة إناء يحمل الماء، فسقوه وأخذوا بيده، فقال لهم: الحقوا رفيقيني، فما شعرت إلا برجل يصب الماء على وجهي، ففتحت عيني، فقلت: اسقني، فصب من الماء في مشربة قليلاً، فشربت ورجعت إلي نفسي، ثم سقاني قليلاً، وهكذا الظامئ ظمأ شديد لا يسقى دفعة واحدة قد يموت، وأخذ بيدي، فقلت: ورائي شيخ ملقى؟ فذهب جماعة إليه، وأخذ بيدي وأنا أمشي وأجر رجلي، حتى إذا بلغت إلى عند سفينتهم وأتوا بالشيخ وأحسنوا إلينا، فبقينا أياماً حتى رجعت إلينا أنفسنا، ثم كتبوا لنا كتاباً إلى صاحب لهم في مدينة، وزودونا من الكعك والسويق والماء، فلم نزل نمشي حتى نفذ ما كان معنا من الماء والقوت الذي أعطانا أصحاب السفينة، فجعلنا نمشي جياعاً على شط البحر، حتى دفعنا إلى سلحفاة مثل الترس، فعمدنا إلى حجر كبير، فضربنا على ظهرها فانفلق، فإذا فيه مثل صفرة البيض، فتحسيناه حتى سكن عنا الجوع، ثم وصلنا إلى مدينة الراية [سير أعلام النبلاء: 13/ 258] وهكذا...

فكم كانوا يتحملون من المشاق؟ وكم كانوا يتعرضون للمهالك من أجل جمع حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-؟

جمعوه وسطروه في الكتب وأوصلوه إلينا.

وهذه الأحاديث موجودة مطبوعة، لكن أين القراء؟ كم تعبوا في جمعها؟ وكم ضيعنا وأهملنا في قراءتها وحفظها ومعرفة معانيها؟

وكان أبو حاتم -رحمه الله- ممن يفتش وينقب، قال: كان بواسط رجل يروي عن أنس بن مالك أحرفاً، ثم قيل: إنه أخرج كتاباً عن أنس فأتيناه [سير أعلام النبلاء: 13/ 259].

-طبعاً- كتاب عن أنس بن مالك صحابي، يعني كتاب هذا له قيمة عظيمة يرحل إليه فجئناه، فقلنا له: هل عندك من شيء من تلك الأحرف ترويه عن أنس؟ يعني هذا إسناد عالٍ جداً، فقال: نعم عندي كتاب عن أنس، فقلنا: أخرجه، فأخرجه فنظرنا فإذا هي أحاديث شريك بن عبد الله، وشريك فيه ضعف، يخطئ كثيراً شريك بن عبد الله، قلنا: هذه ما هي أحاديث أنس بن مالك هذه أحاديث شريك، فجعل يقول: حدثنا أنس، يقرأ من الكتاب يقول: حدثنا أنس، فقلنا: هذه أحاديث شريك.

-طبعاً- شريك بعد الصحابة لا شك، فقال الرجل: صدقتم، حدثنا أنس بن مالك عن شريك قال: قال فأفسد علينا تلك الأحرف التي سمعناها منه، وقمنا عنه [سير أعلام النبلاء: 13/ 259].

فقد يرحل ويتكبد المشاق والمصاعب ثم يفاجئ بأن الرجل كذاب، وأن الورقة مزورة، وأن إنساناً مغفل يحدث، ولكن مع ذلك رغم كثرة المشاق كانوا يرحلون.

مات أبو حاتم الرازي -رحمه الله- في شعبان سنة سبع وسبعين ومائتين.

وعاش ثلاثاً وثمانين سنة -رحمه الله- [سير أعلام النبلاء: 13/ 262].

ترجمة الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم

00:00:00

أما الحافظ الثالث فهو: ابنه عبد الرحمن، العلامة، كنيته أبو محمد.

ولد سنة مائتين وأربعين للهجرة.

قد كساه الله نوراً وبهاء، يسر من نظر إليه، هذا ابن أبي حاتم يقول: "رحل بي أبي سنة خمس وخمسين ومائتين وما احتلمت بعد، فلما بلغنا ذا الحليفة الميقات احتلمت" احتلمت في ذي الحليفة "فسر أبي" لماذا؟ لأن الحجة هذه ستصبح حجة الإسلام الفريضة، والسفر من أول سفر شاق جداً، "فسر أبي حيث أدركت حجة الإسلام، فسمعت في هذه السنة من محمد بن أبي عبد الرحمن المقرئ"[سير أعلام النبلاء: 13/ 263]، وغيره، سمع من مشايخ كثيرين جداً، ورحل إلى الحجاز والعراق والعجم ومصر والشام والجزيرة والجبال.

وكان بحراً لا تكدره الدلاء.

وكان بحراً في العلوم ومعرفة الرجال.

وصنف في الفقه وفي اختلاف الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار.

وكان زاهداً.

ابن أبي حاتم عبد الرحمن اشتهر بالتأليف، وكان تأليفه بحق من أجود المؤلفات، ولا تزال مراجع وعلى رأسها: كتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، هذا كتاب نفيس جداً.

وكذلك له تفسير بالأسانيد، ويعتمد عليه ابن كثير كثيراً في تفسيره، فابن كثير يعتمد على ابن جرير وعلى ابن أبي حاتم، أكثر ما يعتمد في تفسيره، وتفسير ابن أبي حاتم ربما يلي تفسير ابن جرير من ناحية الجمع والأسانيد والقوة والمكانة العظيمة، فإن تفسير ابن جرير لا شك هو أعظم التفاسير، لأن كل التفاسير بأسانيد ابن جرير.

وكذلك ابن أبي حاتم هذا تفسيره في عدة مجلدات من أحسن التفاسير.

وهذا عبد الرحمن بن أبي حاتم -رحمه الله- قال: لم يدعني أبي أشتغل في الحديث حتى قرأت القرآن على الفضل بن شاذان الرازي، ثم كتبت الحديث" 

كان عندهم منهجية، ما كان يبدأ بالحديث وهو يجهل القرآن، كان يبدأ بالقرآن، ويقرأ القرآن قراءة صحيحة كاملة، وربما حفظه وحفظ أجزاء كبيرة منه، ثم يشتغل بالحديث.

وبعض الناس اليوم يريدون أن يصعد السلم بالمقلوب، فيأخذ الحديث وهو ما أتقن قراءة القرآن قراءة صحيحة، وربما لا يحفظ منه أشياء كثيرة كما ينبغي أن يحفظ؛ لأن كتاب الله مقدم، واجتهد هذا الولد في طلب العلم حتى صار عالماً مثل أبيه.

وكان من اجتهاده في طلب العلم وحرصه على الطلب هذه القصة: قال علي بن أحمد الخوارزمي: سمعت عبد الرحمن بن أبي حاتم يقول: كنا بمصر سبعة أشهر لم نأكل فيها مرقة، كل نهارنا مقسم لمجالس الشيوخ، وبالليل النسخ والمقابلة، قال: فأتينا يوماً أنا ورفيق لي شيخاً فقالوا: هو عليل، الشيخ مريض، فرأينا في طريقنا سمكة أعجبتنا فاشتريناه، فلما صرنا إلى البيت، لما وصلنا البيت ومعنا السمكة حضر وقت مجلس، صار وقت الدرس الذي بعده، لولا أن الشيخ مريض في الدرس الذي قبله ما كان عندهم وقت يشترون السمكة، لكن كان الشيخ مريضاً فاشتروا السمكة وصلوا إلى البيت فإذا وقت مجلس الشيخ الذي بعده، قال: فلم يمكنا طبخ السمكة، ومضينا إلى المجلس، فلم نزل حتى أتى عليه ثلاثة أيام وكاد أن يتغير السمك، فأكلناه نيئاً، لم يكن لنا فراغ أن نعطيه من يشويه، ثم قال: "لا يستطاع العلم براحة الجسد" [سير أعلام النبلاء: 13/ 266].

ونحن اليوم يمكن نذهب المطعم الأول مقفل، المطعم الثاني ما عنده الطلبية، المطعم الثالث مخلص المطعم، الرابع...، وهكذا.. يعني ندور على المطاعم، ما عندنا مانع في ذلك.

وهذا ما كان يجد وقتاً لأن يشوي سمكة، ولأن يعطيها من يشويها له، "فدخلت على عبد الرحمن بن أبي حاتم وهو يقرأ على الناس كتاب "الجرح والتعديل" فحدثته بهذا فبكى، وارتعدت يداه حتى سقط الكتاب وجعل يبكي، ويستعيدني الحكاية" [سير أعلام النبلاء: 13/ 268].

كان عنده ورع، قد يتكلم في أشخاص بغير الحق، وهؤلاء الرواة فيهم عبادة وتقوى وورع، لكن في حفظهم شيء مثلاً فيضطر للكلام، وهذا لا بأس به فإنه من النصح في دين الله، والذب عن السنة.

فمن الناس من تستسقي به لصلاحه، لكنه لا يحفظ الحديث، فربما تحرج العالم أن يتكلم في الشيخ يقول: كان يخطئ وكان كثير الغلط، وكان سيئ الحفظ، والشيخ عابد زاهد ورع، لكن في الحفظ ما ينفع، فكانوا يتحرجون.

توفي ابن أبي حاتم -رحمه الله- في محرم سنة سبع وعشرين وثلاثمائة بالري.

وله بضع وثمانون سنة.

فرحم الله الأب، ورحم الابن رحمة واسعة.

ترجمة الحافظ الخطيب البغدادي

00:00:00

أما الحافظ الرابع فهو: الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى-:

أما الخطيب البغدادي فاسمه أحمد بن علي بن ثابت.

اشتهر بالخطيب البغدادي.

وكان في أسرة غير مشهورة.

وولد في قرية قرب بغداد سنة ثلاثمائة واثنين وتسعين للهجرة.

ونشأ في رعاية والده فعلمه القرآن، ثم دفعه إلى مؤدب ليعلمه القراءة والكتابة.

ولما بلغ الحادي عشر من عمره بدأ بسماع الحديث، ثم درس الفقه.

ولما بلغ العشرين عزم على الرحلة، فرحل إلى البصرة في سماع الحديث ومر بالكوفة ثم رجع إلى بغداد.

ولما بلغ الثالثة والعشرين رحل إلى نيسابور وأصبهان وهمذان والجبال والدينور، ثم رجع إلى بغداد، وقد صار محدثاً وراوية كبيراً.

ومكث في بغداد إلى أن بلغ اثنتين وخمسين سنة، وعندها خرج للحج ودخل دمشق وصور ليسمع من محدثيهما.

ثم بعد الحج عاد إلى بغداد، حتى إذا بلغ تسعاً وخمسين سنة خرج إلى دمشق مهاجراً، لما استولى البساسيري الرافضي على بغداد، فاستقر في دمشق حتى بلغ سبعاً وستين سنة، حيث أخرج منها، فقصد صور فبقي فيها، وكان يتردد إلى بيت المقدس ليصلي في مسجد بيت المقدس.

نسأل الله أن يفك أسرى اليهود عنه.

وعندما بلغ سبعين سنة، أي قبل وفاته بسنة، عزم على الرجوع إلى بلده بغداد، فرجع إليها ماراً بطرابلس وحلب، ومكث بقية عمره فيها إلى أن توفي ببغداد، وله من العمر إحدى وسبعون سنة -رحمه الله تعالى-.

كان أحد حفاظ القرآن، وكان أبوه خطيباً، وربما كان هو يخطب الجمعة، فلذلك لقب بالخطيب البغدادي.

ولا شك أن تنشئة أبيه له ودفعه إلى مؤدب، وكان من الاهتمام بتعليم الأولاد أنهم يدفعون الولد إلى مؤدب خاص يؤدبه ويعلمه ويحفظه القرآن والآداب الشرعية، ويأخذه بالسنة، حتى ينشأ الولد نشأة صالحة.

ولعل أباه -رحمه الله- أراد أن يخرجه محدثاً فبكر في إرساله وعمره إحدى عشرة سنة لكي يسمع الحديث إلى جامع بغداد ليسمع فيها، وجلس عند أبي الرزقويه المحدث يسمع منه، ثم بدا له أن يتجه للفقه، فترك الحديث واتجه للفقه، وجلس عند أبي حامد الأسفراييني -رحمه الله-.

وكان يدرس الفقه على مذهب الشافعي.

وكان يحضر درسه سبعمائة متفقه، فحضر عنده في مسجد ابن المبارك، ثم صار يتناوب بين الحديث والفقه.

ثم حبب إليه الحديث فتخصص فيه، وغلب عليه الحديث والتاريخ.

فبعد أن تمكن من القرآن والفقه اتجه إلى الحديث وتخصص فيه وصار له المعرفة، وعرف أن الحديث سيهجر بسببه الأهل والأولاد، ويترك الأحباب والوطن، ولكنه مع ذلك لم يتوان، فلم تأت سنة ثنتي عشرة وأربعمائة حتى رحل إلى البصرة وكان عمره عشرون سنة.

ثم توجه في هذه الرحلات الطويلة، وكان يذهب إلى البلدة فيسمع من مشايخها، وربما أخذ توصية من شيخ إلى شيخ في بلد آخر.

كما أخذ توصية من شيخه البرقاني إلى محدث أصبهان أبي نعيم، كتب له توصية قال في التوصية: قد نفذ إلى ما عندك عمداً متعمداً أخونا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت أيده الله وسلمه ليقتبس من علومك ويستفيد من حديثك وهو بحمد الله من له في هذا الشأن سابقة حسنة، وقدم ثابتة، وفهم حسن، وقد رحل فيه وفي طلبه، وقد حصل له منه ما لم يحصل لكثير من أمثاله الطالبين له" يعني حصل الحديث "وسيظهر لك منه عند الاجتماع به من ذلك مع التورع والتحفظ وصحة التحصيل ما يحسن لديك موقعه ويجمل عندك منزلته وأنا أرجو إن صحت منه لديك هذه الصفة أن تلين له جانبك، وأن تتوفر له، وتحتمل منه ما عساه يورده من تثقيل في الاستكثار"  عندما يقول: هات وأسمعني وزدني، وهكذا...

وكان حريصاً على السماع.

ومرة من المرات جاء شيخ من أهل نيسابور، قدم بغداد حاجاً في سنة أربعمائة وثلاثة وعشرين، والشيخ هذا معه كتبه؛ لأنه كان ينوي البقاء في مكة والمجاورة في مكة، ويحدث من كتبه في مكة، وكان من بين الكتب صحيح البخاري، وعنده سند عالٍ في صحيح البخاري، لكن القافلة التي كان فيها الشيخ لم تستطع مواصلة الطريق إلى مكة؛ لأن الطريق كان فاسداً، بسبب قطاع الطرق، أو بأسباب أخرى، فاضطرت القافلة للرجوع إلى نيسابور، قال الخطيب: لما أراد الشيخ أن يرجع إلى نيسابور ومعه كتاب صحيح البخاري قبل رجوعه بأيام خاطبته في قراءة كتاب الصحيح، طلبت منه أن أقرأ عليه صحيح البخاري، فأجابني إلى ذلك، فقرأت جميعه في ثلاثة مجالس، يعني صحيح البخاري الآن كم يبلغ؟ ستة مجلدات أو سبع مجلدات بدون الشرح، قرأت عليه في ثلاثة مجالس، اثنان منها في ليلتين كنت أبتدئ في القراءة وقت صلاة المغرب وأقطعها عند صلاة الفجر، من المغرب إلى الفجر، وقبل أن أقرأ المجلس الثالث عبر الشيخ إلى الجانب الشرقي مع القافلة، ونزل الجزيرة بسوق يحيى، فمضيت إليه مع طائفة من أصحابنا كانوا حضروا قراءتي عليه في الليلتين الماضيتين، وقرأت عليه في الجزيرة من ضحوة النهار إلى المغرب، ثم من المغرب إلى وقت طلوع الفجر، ففرغت من الكتاب.

ورحل الشيخ في الصباح مع القافلة عائداً إلى بلده.

وبقي الخطيب يجمع مادة تاريخه الكبير؛ لأن من أعظم مصنفات الخطيب البغدادي تاريخ بغداد الذي أنفق في جمعه عشرين سنة.

ولما وصل الخطيب مكة شرب من ماء زمزم ودعا الله بثلاث دعوات كما قال ابن عساكر سمعت الحسين بن محمد يحدث عن أبي الفضل بن خيرون: أن الخطيب ذكر أنه لما حج شرب من ماء زمزم ثلاث شربات، وسأل الله ثلاث حاجات آخذاً بحديث:  ماء زمزم لما شرب له .

فالحاجة الأولى: أن يحدث بتاريخ بغداد بها، يعني يحدث من تاريخ بغداد كتابه في بغداد.

والثانية: أن يملي الحديث على الناس بجامع المنصور.

والثالثة: أن يدفن عند بشر الحافي، وكان من العباد الزهاد، يعني كان يتمنى أن يدفن بجوار رجل صالح.

فقضى الله له ذلك، وتحققت أمانيه، فحدث بتاريخه في بغداد، وحدث الحديث في جامع المنصور، ولما مات دفن بجانب بشر الحافي -رحمهم الله-.

في عام أربعمائة وسبعة وأربعين حدثت قصة رفعت من شأنه جداً، وكان لها أثر كبير.

وهذه القصة ملخصها: أن بعض اليهود أظهروا كتاباً قالوا: هذا كتاب هذا كتاب من النبي ﷺ بوضع الجزية عنا، يعني يقولون للوالي: لا تأخذ منا الجزية، أنتم تأخذوها على أساس نحن أهل الذمة، ترى هذا الكتاب من النبي ﷺ بأن الجزية عنا موضوعة، فلا تأخذوا منا شيئاً، فاحتار أمير البلد ماذا يفعل، فعرضه على الخطيب البغدادي، فلما نظر فيه قال: هذا كتاب زور وباطل، لماذا؟ قال: هذا مكتوب على أنهم من يهود خيبر: في الشهود معاوية بن أبي سفيان، وسعد بن معاذ.

أما سعد بن معاذ فقد مات في الخندق قبل خيبر فكيف يشهد على الكتاب؟

وأما معاوية فقد أسلم سنة تسع، فكيف يشهد على شيء حصل قبلها؟ لأن خيبر في السنة الثامنة، فكيف يشهد فيها؟

فمن هذه الحادثة عرف الناس جلالته وقدره -رحمه الله تعالى- وتمييزه.

ولما مات أخرجت جنازته من حجرة عند المدرسة النظامية وتبعه الفقهاء وخلق عظيم وحملت الجنازة وعبر بها على الجسر، وحملت إلى جامع المنصور، وكان بين يدي الجنازة أناس يقولون: هذا الذي كان يذب الكذب عن النبي ﷺ.

وحضر جميع الفقهاء وأهل العلم، وتبع الجنازة خلق عظيم إلى باب حرب، ثم وري التراب -رحمه الله تعالى-.

ترجمة الحافظ يحيى بن معين

00:00:00

أما خاتمة الحفاظ فهو العجب العجاب، والسيد الجليل، ومن أمراء المؤمنين في الحديث، المجهول قدره عند كثير من الناس، وخصوصاً المتأخرين الآن، وأقصد بالمتأخرين كثير من شباب هذه الصحوة وغيرهم فضلاً عن عامة الناس، هو: يحيى بن معين بن عون بن زياد الغطفاني مولاهم.

يحيى بن معين هذا رجل عجيب.

ومع أن سيرته غير معروفة لكن ما يضره ذلك، فقد كان فهو معروف عند أهل العلم سلفاً وخلفاً.

ولد يحيى بن معين سنة مائة وثمان وخمسين للهجرة في بغداد.

وترك له أبوه ثروة كبيرة أنفقها كلها في طلب الحديث وجمع السنن حتى لم يبق له نعل يلبسه.

وكان يمكنه أن يعيش بهذه المائة وخمسين ألف عيشة الترف والنعيم، لكنه آثر أن ينفقها في طلب الحديث، وكان يحب الخير للناس، ويعطف على البائسين، قال الدوري: "سمعت يحيى وقد اشترى خبزاً، فقال: هذا لامرأة من نساء الجند" امرأة مجاهد، أمرني زوجها أن أشتري لها زوجها غائب، كان يتفقد العوائل.

ومن خشيته لله ما قاله بكر العابد قال: "سمعت الفضيل بن عياض يقول في قول الله ، الفضيل بن عياض يحدث في المجلس يعظ الناس، قال الفضيل بن عياض: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ  [الزمر: 47] هذه آية في القرآن:  وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر: 47] فقال الفضيل: أتوا بأعمال ظنوها حسنات فإذا هي سيئات وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر: 47] قال: فرأيت يحيى بن معين يبكي.

وكان ذا خلق حسن ودعابة، سأله رجل عن أبي العطوف، فضعفه، فقال له السائل: قد روى عن زيد بن هارون، قال: بارك الله لك ولزيد بن هارون به، يعني إنه على ما قلت من الضعف.

ويحيى بن معين ذهب إلى مكة حاجاً وكان يمر على المدينة، فلما كان بالمدينة قبل موسم الحج بأيام توفي رحمه الله سنة مائتين وثلاث وثلاثين للهجرة.

روي أنه خرج من المدينة إلى مكة، ثم رجع لرؤيا رآها فرجع ومات بالمدينة، وقد قال النبي ﷺ:  فمن استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليفعل ، هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة.

وصلى عليه والي المدينة، ونودي الناس لشهود جنازته، من أراد أن يشهد جنازة المأمون على حديث رسول الله ﷺ فليشهد.

وجاء في المنامات من المبشرات ما رواه الخطيب بسند رجاله ثقات عن حبيش بن المبشر قال: رأيت يحيى بن معين في النوم، فقلت: ما فعل ربك بك؟ قال: أعطاني وحباني وزوجني ثلاثمائة حوراء، ومهد لي بين الناس [سير أعلام النبلاء: 11/91]، وهذه القصة رجالها ثقات.

طلب العلم وصبر واحتمل المشاق في جمع الحديث، وحين نزل مظفر بن مدرك ببغداد وهو أحد شيوخ يحيى بن معين، كان أول من جاء إليه يحيى وأحمد.

-طبعاً- يحيى بن معين عاصر أحمد وزامله وصادقه ورحل معه، وكان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قرينين في الرحلات، يحيى وأحمد مع بعض، في الطلب يحيى وأحمد، فجلسوا عند الشيخ سنة لا يحدثهم، فلما تمت السنة جاؤوا فحدثهم، فكان بعض الشيوخ يريدون اختبار بعض الطلاب، وجدية بعض الطلاب، ورحل يحيى إلى اليمن ليسمع من هشام بن يوسف، فجلس شهراً غريباً في اليمن، حتى كادت نفقته أن تنفد، والشيخ لا يحدثه بشيء، شهراً كاملاً، ثم قال: "يا هذا" قال الشيخ ليحيى بن معين: يا هذا ما منعتك إلا لأنظر أنت من أصحاب الحديث أو لست منهم؟ هل أنت جاد في الطلب؟ جئت فعلاً تسمع؟ جلس شهراً عند الشيخ، والشيخ لا يتكلم بكلمة، فلما تأكد أن يحيى من أصحاب الحديث فعلاً حدثه، خلف له والده مائة وخمسين ألف درهم فأنفقها كلها في طلب الحديث وتدوينه والتفرغ له، حيث نفدت ولم يبق له نعل يلبسها، وحين قدم حران على أبي جعفر عبد الله بن محمد الفضيلي.

وكان معه زميله أحمد بن حنبل، أول ما وصلوا عند الشيخ وهو أبو جعفر، يحيى قام إلى الشيخ فعانقه، وهو يعانقه، -لاحظ- يحيى وهو يعانق الشيخ قال: يا أبا جعفر قرأت على معقل بن عبيد الله عن عطاء أدنى وقت الحائض اليوم؟ فقال له أبو عبد الله الإمام أحمد: لو جلست؟ يعني اصبر دعنا نعانق الشيخ ونجلس ثم تسأل، أنت في المعانقة تسأل؟ قال: أكره أن يموت أو يفارق الدنيا قبل أن أسمعه، أريد أن أسمع هذا الحديث.

وكان منهجه في طلب العلم قوله: "حكم من يطلب الحديث ألا يفارق محبرته ومقلمته.

وشيوخه أجلاء، وجلالة الشيوخ تدل على جلالة التلميذ، من شيوخه:

سفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن المبارك، وعبد الله علاء بن مسفر، ويحيى بن سعيد القطان، وهؤلاء من أجلاء العلماء.

وأخذ عن يحيى بن معين، من أقرانه أحمد بن حنبل وهناد، أخذوا عنه.

ومن تلامذة يحيى بن معين: البخاري ومسلم وأبو داود وأبو زرعة الرازي.

ورحل إلى الكوفة والبصرة وكتب عن وكيع بالكوفة، وكان يتردد على مجلسه وهو في سن الثامنة عشرة.

ورحل الحجاز واليمن والري.

وخرج مع خمسة عشر رجلاً من أصحابه ماشياً يتحملون المشاق في سبيل هذا العلم، ويرونه نوعاً من أنواع الجهاد، حتى أن أحد الخمسة عشر قال: "أرجوك توسط لي عند أمي أن أمشي معك في السفر؛ لأن أمي منعتني".

قال أحمد بن عقبة: سألت يحيى بن معين: كم كتبت من الحديث يا أبا زكريا؟ قال: كتبت بيدي هذه ستمائة ألف حديث" [سير أعلام النبلاء: 11/ 81].

وقال محمد بن نصر الطبري: "سمعت يحيى بن معين يقول: قد كتبت بيدي ألف ألف حديث [سير أعلام النبلاء: 11/ 85] يعني مليون.

ولا تضاد بين الروايتين؛ لأن هذه كانت في وقت، وتلك كانت في وقت متأخر عنه.

وقال: "كان يقول يحيى بن معين أشتهي أن أقع على شيخ عنده بيت مليء كتباً أكتب عنه وحدي"[سير أعلام النبلاء: 11/ 92].

وكان منهج يحيى: "إذا كتبت فقمش، وإذا حدثت ففتش"[سير أعلام النبلاء: 11/ 85].

إذا جئت تكتب اجمع كل شيء اكتب كل شيء ربما تحتاجه فيما بعد، وإذا جئت تحدث الناس ففتش وانتق، ولذلك كان "يحيى" يكتب كل شيء، ويقول: الذي ينتخب يندم حيث لا ينفع الندم، اكتب كل شيء، وبعد ذلك إذا جئت تحدث فتش واستخرج الصحيح.

قال أبو حاتم: قدمنا البصرة وكان يحيى بن معين قدم قبلنا بسنة، فلزم أبا سلمة التبوذكي فكتب عنه قريباً من ثلاثين أو أربعين ألف حديث عن شخص واحد، قبلنا بسنة، سنة كتب فيها ثلاثين إلى أربعين ألف حديث.

وجاء إلى موسى بن إسماعيل بالبصرة ليسمع منه كُتب حماد بن سلمة، كان المشايخ عندهم كتب من مشايخ قبلهم، فهذا شيخ اسمه: موسى بن إسماعيل، عنده كتاب فيه أحاديث حماد بن سلمة، فلما جاء يحيى بن معين يقول: حدثني من كتاب حماد بن سلمة؟ قال له الشيخ: ألم تسمع هذه الكتب من أحد؟ يعني غريب يحيى بن معين يسأل عن هذا؟ معقول ما سمعه من أحد قبلي؟ قال يحيى: سمعتها على الوجه من سبعة عشر نفساً، وأنت الثامن عشر، فقال: وما تصنع بهذا؟ أيش لك في الثمان عشرة مرة؟ فقال: إن حماد بن سلمة كان يخطئ فأردت أن أميز خطأه من خطأ غيره، فإذا رأيت أصحابه قد اجتمعوا على شيء علمت أن الخطأ من حماد نفسه، وإذا اجتمعوا على شيء عنه وقال واحد منهم بخلافهم علمت أن الخطأ منه لا من حماد، فأميز بين ما أخطأ فيه هو بنفسه وبين ما أخطئ عليه [سير أعلام النبلاء: 7/ 456]

ولنقرب ذلك بمثال: لو جاء شيخ في محاضرة، فسئل عن سؤال، فقال: لا يجوز، وكان عندنا عشرة من الطلاب، جاء تسعة منهم قالوا قال الشيخ لا يجوز، لا يجوز، لا يجوز... تسعة، وواحد من العشرة قال: قال الشيخ يجوز، من المخطئ الشيخ أو هذا التلميذ المعين؟ هذا التلميذ المعين.

لكن لو كان الشيخ يروي عن شيخ آخر، والشيخ الآخر له تلاميذ، الشيخ الكبير له تلاميذ، والشيخ هذا واحد منهم، كل التلاميذ أجمعوا على رواية واحدة من الشيخ الكبير، وهذا الشيخ خالفهم، فنعلم أن الخطأ من هذا الشيخ، وهم، يحصل.

فيحيى بن معين يسمع الحديث من ثمانية عشر طريقاً حتى يميز الخطأ، خطأ حماد بن سلمة، أو خطأ الرواة عنه.

ولذلك من الأشياء المهمة جداً للمحدث جمع الطرق ومقارنة الطرق فيظهر أخطاء المخطئين إذا خالف الراوي الرواة الذين هم أوثق منه وأكثر عدداً عرفنا الخطأ من الراوي.

وهذه أشياء ما تظهر إلا بمقارنة الطرق والروايات، فكانوا يجمعون الحديث الواحد عشرة طرق، عشرين طريقاً، يستفيد منها.

ولذلك لأنه مهما كان الراوي ثقة فهو بشر، الراوي مهما كان ثقة وحافظاً فهو بشر قد يسهو وقد يخطئ، فكيف تكتشف أخطاء الحفاظ الكبار؟

بمقارنة الطرق التي جاءت عن شيخهم عن شيوخهم وعن تلامذتهم فيعرفون الخطأ، ولهذا كان يحيى بن معين يكتب الحديث نيفاً وخمسين مرة، فيكتشف الخلل، ولذلك سئل ابن معين عن الاختلاف الذي جاء عن يحيى بن أبي كثير، هل هو منه أو من أصحابه؟ فقال: من أصحابه، قيل له: من أحب إليك ليحيى بن أبي كثير، من أحسن تلامذة يحيى بن أبي كثير؟ قال: الأوزاعي، وهشام الدستوائي، من أين عرف هذا؟ من تتبع أحاديث الشيخ، من أحسن التلاميذ الذين كانت روايتهم منضبطة عن الشيخ، دائماً يوافقون الثقات ولا يخالفون.

ودائرة يحيى بن معين شملت حتى الكذابين يكتب عنهم، رآه أحمد بن حنبل بصنعاء يحيى بن معين بصنعاء يكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس، في سند أحاديث معمر عن أبان عن أنس يتكرر في عدة أحاديث، يحيى بن معين يكتب أحاديث معمر عن أبان عن أنس، فإذا طلع عليه إنسان خبأ الصحيفة، فقال أحمد ليحيى: تكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس وتعلم أنها موضوعة؟

من هو الآفة في هذا السند؟

معمر عن أبان عن أنس، من هو الآفة في هذا السند؟

أبان هو المشكلة، ومعمر ثقة، وأنس صحابي.

فالآن أحمد يقول ليحيى: تكتب الصحيفة هذه تنسخها كلها عندك وأنت تعلم أن أبان أحاديثه موضوعة وأنت تتكلم في أبان، ثم تكتب أحاديثه؟ فقال: رحمك الله يا أبا عبد الله أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق عن معمر يعني عن أبان عن أنس على هذا الوجه، فأحفظها كلها، هذه الأحاديث الكذب، وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء إنسان بعده فيجعل بدل أبان اسم ثابت، ثابت ثقة، معمر عن ثابت عن أنس إسناد مشهور، أخاف يجيء واحد يأخذ صحيفة عبد الرزاق يمسح أبان ويضع ثابتاً، ويقدم الصحيفة للناس.

الناس يقرءون عبد الرزاق عن معمر عن ثابت عن أنس، وهذا إسناد في غاية الصحة، فأنا أحفظها حتى لو جاء واحد أخذ كتاب الشيخ ولعب فيه ومسح وغير، وحذف أبان، ووضع ثابتاً، وثابت ثابت، أعلم أنه كذب، وأنه غير والخطأ أين هو، يعني الاحتياط وتوقعات فعل الكذابين في المستقبل، يعني علماء الحديث -رحمهم الله- اشتغلوا شغلاً ما تركوا مجالاً للكذابين والوضاعين، ولذلك كان يحيى بن معين يقول: "كتبنا عن الكذابين وسجرنا بها التنور" يعني ألقيناها في الفرن، "وأخرجنا بها خبزاً نضيجاً".

وهذه كلمة معانيها عميقة جداً، "كتبنا عن الكذابين، وسجرنا بها التنور" [سير أعلام النبلاء: 11/ 83] كتبنا وحفظناها وحرقناها، وأخرجنا بها خبزاً نضيجاً.

وأكثر من جمع الحديث حتى قال عنه أحمد بن حنبل: "كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس بحديث" [سير أعلام النبلاء: 11/ 80].

وشهد له علي بن المديني، فقال: "لا نعلم أحداً من لدن آدم كتب من الحديث ما كتبه يحيى بن معين" [سير أعلام النبلاء: 11/ 81].

ونتيجة لجمع الحديث وتتبعه التقت عنده خيوط الأسانيد من الأمصار المختلفة، كيف؟

يعني الآن الصحابي يذهب إلى البصرة يحدث، فيأخذ عنه جماعة، الجماعة ينتقلون إلى بغداد ومصر والشام واليمن، ويحدثون طلابهم، والطلاب ينتشرون في الأمصار، بعد مائة سنة، مائتين سنة، طرق الحديث كثيرة جداً، فلما يأتي واحد يجمع الطرق تلتقي عنده شبكة الأسانيد، فيعرف الحديث هذا أحد سمعه من النبي ﷺ: أبو هريرة وأنس وابن مسعود، وفلان..، وكل واحد، وأبو هريرة سمع منه فلان وفلان وفلان وفلان، وفلان سمعه منه، فتخيل شجرة الشجرة تأتي بفروع كثيرة إلى ملتقى واحد، وهذه الملتقيات تلتقي في أقل منها إلى أن تصل إلى النبي ﷺ، فاجتمعت عنده أشجار الأسانيد وملتقياتها.

قال علي بن المديني: "كنت إذا قدمت إلى بغداد منذ أربعين سنة كان الذي يذاكرني أحمد بن حنبل، فربما اختلفنا في شيء، فنسأل أبا زكريا يحيى بن معين فيقوم فيخرجه من كتبه. يقول علي بن المديني: "ما كان أعرفه بموضع الحديث"[ينظر: سير أعلام النبلاء: 11/ 81] مع كثرة الكتب لكن يعرف هذا الكتاب الحديث في أي مكان.

الآن الشباب يذهبون إلى معارض الكتاب ويشترون كتباً كثيرة، لكن قل له هذه المسألة: أين توجد؟ ثم تأمل الحيرة واللخبطة التي تحصل، هو أصلاً لا يعرف اسم المؤلف ولا موضوع الكتاب، اشتراه لأن الطبعة أنيقة، وشكله جذاب، ومكتوب عليه: حققه وراجعه وأشرف عليه، فيشترون الكتب، لكن ليست القضية تجميع كتب، القضية أن تعرف الكتاب ماذا يوجد فيه وتحفظ، حتى إذا احتجت إلي المسألة ترجع إلى مكانها في الكتاب.

وكان عنده تنظيم وترتيب ويقظة بما تحتويه كتبه من الأحاديث.

وقُدرت مكتبته بعد موته بثلاثين قمطراً، وعشرين حُباً، والحب هو وعاء من الفخار كان يوضع فيه الماء، هذا كان يضع فيه كتبا، عشرين حُباً، وثلاثين قمطراً.

وقال العجلي: "ما خلق الله -تعالى- أحداً كان أعرف بالحديث من يحيى بن معين، ولقد كان يؤتى بالأحاديث قد خلطت وتلبست فيقول: هذا الحديث كذا، وهذا كذا، فيكون كما قال.

وقال عمرو الناقد: "لا أعلم بالإسناد من يحيى، ما قدر أحد أن يقلب عليه إسناده" [سير أعلام النبلاء: الرسالة 11/ 92].

ومهما لخبطوا فيه يرجعه إلى حقيقته.

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام -وهذه عبارة مهمة-: "ربانيو الحديث أربعة" يعني في وقته "ربانيو الحديث أربعة: فأعلمهم بالحلال والحرام أحمد بن حنبل" يعني أفقههم بالأحاديث بالأحكام التي فيها أحمد بن حنبل "وأحسنهم سياقاً للحديث وأدائه علي بن المديني" إذا ساق لك الحديث الطرق التفاصيل "وأحسنهم وضعاً لكتاب" يعني أحسن من يجمعها في كتاب ويصنف ابن أبي شيبة "وأعلمهم بصحيح الحديث وسقيمه يحيى بن معين" [سير أعلام النبلاء: 11/ 127].

هذه عبارة جيدة، قال: "أربعة ربانيو الحديث: أعلمهم بالحلال والحرام أحمد بن حنبل" في ذلك الوقت طبعاً "وأحسنهم سياقة للحديث علي بن المديني، وأحسنهم وضعاً في كتاب ابن أبي شيبة، وأعلمهم بصحيح الحديث وسقيمه يحيى بن معين".

وكان معاصرو يحيى بن معين يجلونه، وكان أعداء الإسلام يخافونه، قال أبو حاتم الرازي: "إذا رأيت البغدادي يبغض يحيى فاعلم أنه كذاب" [سير أعلام النبلاء: 11/ 83]، وإنما يبغضه الكذابون؛ لأنه كان يفضحهم.

فلا يوجد مثله في الحذر من الوقوع في الخطأ، قال هارون بن معروف: "قدم علينا بعض الشيوخ من الشام فكنت أول من بكر عليه".

يحيى بن معين من جلالته كان الشيوخ يهابونه، شيوخه يهابونه، قال هارون بن معروف: "قدم علينا بعض الشيوخ من الشام" جاء الشيخ طبعاً الشيخ كان يجيء من بلد يجلس يستضيفوه في مكان في مدرسة، فلما يرتاح يأتي إليه الطلاب ليكتبوا أحاديث الشيخ سمع من فلان من فلان من الصحابي من الرسول ﷺ، جاء شيخ من الشام يقال له: هارون بن معروف.

تأمل هذه القصة "فكنت أول من بكر عليه" من هو؟ هارون بن معروف هو أول من بكر عليه، فسألته أن يملي علي شيئاً، فأخذ كتابه يملي علي، فإذا بإنسان يدق الباب، فقال الشيخ: من هذا؟ قال: أحمد بن حنبل، فأذن له بالدخول والشيخ على حالته، والكتاب في يديه لا يتحرك، جلس أحمد والشيخ يملي، فإذا بآخر يدق الباب، من؟ قال: أحمد بن الدورقي، دعه يدخل، دخل والشيخ على حاله، دق الباب، من؟ عبد الله بن الرومي، ثم زهير بن حرب، كلهم يدخل والشيخ على حالته، فإذا بآخر يدق الباب، قال الشيخ: من هذا؟ قال: يحيى بن معين، قال: "فرأيت الشيخ ارتعدت يده ثم سقط الكتاب من يده" [سير أعلام النبلاء: 11/ 80].

وقال يحيى: "أتينا محمد بن عبيد الطنافسي وهو لا يجترئ على قراءة كتابه حتى نعينه عليه" الشيخ يخاف من يحيى بن معين، ولذلك يحيى يساعده ويهون عليه حتى يستجرئ الشيخ على القراءة.

ولما قدم عبد الوهاب بن عطاء أتاه يحيى بن معين وكتب عنه، فبينا هو عنده، يحيى عند الشيخ، جاء إلى الشيخ كتاب من أهله من البصرة رسالة، فقرأها الشيخ وأجابه، كتب الجواب، فكان مما كتب على ظهر الجواب، الشيخ يكتب على ظهر الرسالة إلى أهله: "قدمت بغداد وقبلني يحيى بن معين، والحمد لله رب العالمين" [سير أعلام النبلاء: 11/ 80] يعني الشيخ يقول: نعمة كبيرة يحيى قبل أن يسمع مني، جلس عندي يأخذ، شرف.

وقال ابن محرز: سمعت يحيى بن معين يقول: قال لي إسماعيل بن عُلية يوماً: كيف حديثي؟ قال: قلت أنت مستقيم الحديث، قال لي: وكيف علمتم؟ قلت: عارضنا أحاديث الناس بأحاديثك فرأيناها مستقيمة توافق الثقات دائماً، قال ابن علية: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، فلم يزل يحمد ربه حتى دخل دار بشر بن معروف وأنا معه.

وكان يحيى بن معين جريئاً في النقد يكشف الحال ويبين ولو كان الشخص قريباً منه لا يهمه؛ لأنه الحديث عن النبي ﷺ، لما قدم هارون الرشيد المدينة هاب أن يرقى منبر النبي ﷺ في قباء أسود ومنطقة، هذه نوع من الملابس، فقام أبو البختري رأى الخليفة هايباً من الموقف يطلع منبر النبي ﷺ في قباء أسود ومنطقة، وأبو البختري هذا كذاب، فقال: حدثني جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: نزل جبريل على النبي ﷺ وعليه قباء ومنطقة مخنجراً فيها بخنجر، اخترع الحديث في اللحظة والتو من أجل الخليفة يكسب حظه، قال جعفر الطيالسي عن يحيى بن معين: أنه وقف على حلقة أبي البختري فإذا هو يحدث بهذا الحديث، عن جعفر بن محمد أبيه عن جده قال: نزل جبريل على النبيﷺ وعليه قباء ومنطقة مخنجراً فيها بخنجر، فقال يحيى بن معين: كذبت يا عدو الله على رسول الله ﷺ، قال يحيى: فأخذني الشرط، الشرطة أمسكوني، قال: فقلت لهم: هذا يزعم أن رسول رب العالمين، يعني جبريل نزل على النبي ﷺ وعليه القباء! قال: فقالوا لي: هذا والله قاضٍ كذاب وأفرجوا عني، يبدو أنهم كانوا يعرفونه، لكن قبضوا عليه، فلما نصحهم قال: هذا كذاب تمسكوني أنا؟ أمسكوا الكذاب.

وكان يقول في عبيد بن إسحاق العطار: كذاب، وكان صديقاً لي.

يحيى بن معين يقول: "عبيد بن إسحاق العطار كذاب وكان صديقاً لي".

وعن عبد الخالق بن منصور عن علي بن قرين سئل عن علي بن قرين، فقال: "كذاب، فقلت له: يا أبا زكريا إنه ليذكر أنه كثير التعاهد عليكم" يعني دائماً يزوركم، قال يحيى: "صدق إنه كثير التعاهد لنا، ولكن أستحي من الله أن أقول إلا الحق".

وآخر قصة نذكرها في سيرة يحيى بن معين قصية لطيفة وجميلة وعجيبة: كان المحدثون يختبرون المشايخ، يختبرون الشيخ؛ لأن الشيخ قد يكون في غفلة، قد يكون الشيخ كذاباً، قد يكون يدعي أنه شيخ وليس بشيخ، واهم، من ضمن الاختبارات الشيخ له أحاديث معينة سمعها عن فلان عن فلان عن النبي ﷺ، فيأتي الطالب الذي يجمع الحديث يدخل في أحاديث الشيخ ما ليس منها، ويأتي ويقرأ على الشيخ، يقول: حدثكم فلان عن فلان عن النبي -عليه الصلاة والسلام- كذا؟ فيقول الشيخ: نعم صحيح، حدثكم فلان عن فلان عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كذا فيقول الشيخ: نعم، فلو كان في هذه الأحاديث حديثاً ليس من أحاديث الشيخ، والشيخ قال: نعم، عرفوا أنه كذاب، قال أهل العلم: كانوا يدخلون على الشيخ حديث غيره فإذا حدث به عرفوا أنه كذاب، وكان يحيى يعمل ذلك، كان يحيى محترفاً في اختبار المشايخ، قال أحمد بن منصور الرمادي -وكان صغيراً-: خرجت مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين خادماً لهما، أحمد بن منصور الرمادي يقول: خرجت في رحلة مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين خادماً لهما، فلما عدنا إلى الكوفة قال يحيى بن معين لأحمد بن حنبل: أريد أن أختبر أبا نعيم؟ أبو نعيم حافظ مشهور، فقال أحمد بن حنبل: لا، الرجل ثقة، فقال يحيى بن معين: لا بد، فأخذ يحيى ورقة فكتب فيها ثلاثين حديثاً من حديث أبي نعيم وجعل على رأس كل عشرة أحاديث من أحاديث أبي نعيم حديثاً ليس من حديثه، عشرة للشيخ واحد أجنبي، خارج عن أحاديث الشيخ، العشرة الثانية وعليها واحد خارجي، والعشرة الثالثة وعليها واحد خارجي، ثم جاؤوا إلى أبي نعيم فدق عليه الباب فخرج فجلس على دكان طين، دكان مثل مسطبة مرتفعة، حذاء بابه، وأخذ أحمد بن حنبل فأجلسه عن يمينه، وأخذ يحيى بن معين فأجلسه عن يساره، ثم جلست أسفل الدكان، من هو؟ أحمد بن منصور الرمادي، فأخرج يحيى بن معين الطبق الورق، فقرأ عليه عشرة أحاديث وأبو نعيم ساكت، ثم قرأ الحادي عشر فقال له أبو نعيم: ليس من حديثي فاضرب عليه، ثم قرأ العشر الثانية وأبو نعيم ساكت، فقرأ الحديث الثاني المزيف فقال أبو نعيم: ليس من حديثي فاضرب عليه، ثم قرأ العشرة الثالثة، وقرأ الحديث الثالث المركب، فتغير أبو نعيم وانقلبت عيناه، ثم أقبل على يحيى بن معين، فقال له: أما هذا وذراع أحمد بن حنبل في يده فأورع من أن يعمل مثل هذا الشيء، وأما هذا، على أحمد بن منصور الرمادي فأقل من أن يفعل مثل هذا "ولكن هذا من فعلك يا فاعل، ثم أخرج رجله فرفس يحيى بن معين فرمى به من الدكان إلى الأرض، وقام فدخل داره، فقال أحمد ليحيى: ألم أقل لك؟ ألم أمنعك من الرجل وأقل لك إنه ثبت؟ قال: "والله إن رفسته أحب إلي من سفرتي" [سير أعلام النبلاء 10/ 149].

رحمه الله رحمة واسعة.

لا شك أن أحمد بن حنبل أجل من يحيى، ولكن لتسليط الضوء على مثل حياة هؤلاء الجهابذة المجهولين مع الأسف من بني أمتهم.

لكن المسلم لابد أن يعرف ويحيط علماً ويحس فعلاً بالحماس وهو يسمع أو يستمع إلى مثل هذه السير العطرة.

والحمد لله رب العالمين.