الجمعة 14 شعبان 1445 هـ :: 23 فبراير 2024 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

48- ما جاء في رؤية رسول الله ﷺ في النوم


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فقد قال الإمام الترمذي -رحمه الله- في كتابه الشمائل المحمدية: باب ما جاء في رؤية رسول الله ﷺ في النوم:

عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال:  من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثّل بي [رواه البخاري: 6994، ومسلم: 2266]. وفي رواية:  من رآني في المنام فقد رآني .

"من رآني" يعني: على صفتي المعروفة، فقد رآني حقيقة، يعني هو أنا وليست صورة شيطان، هو أنا حقيقة، قال: فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبّه بي  [رواه ابن ماجه: 3901، وصححه الألباني في مختصر الشمائل: 343]، وفي رواية: لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي  [رواه مسلم: 2268].

إذن، لا يمكن أن يتمثل الشيطان في صورة النبي ﷺ في المنام، لا يمكن أن يأتيك الشيطان في منامك بصورة النبي ﷺ لا يمكن، ممكن يأتيك في صورة أخرى، صورة واحد أسود، واحد أزرق العينين ممكن، لكن ما يمكن الشيطان يأتي بصورة النبي ﷺ المعروفة في المنام لا يمكن، فالذي رآني في المنام على صورتي فقد رآني فعلاً.

وفي رواية: لا ينبغي للشيطان أن يتمثّل في صورتي ، وفي رواية: من رآني فقد رأى الحق ، وفي رواية: من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ، وهذا لمن هم في عهده، أو  لكأنما رآني في اليقظة  [رواه مسلم: 2266].

ومعنى قوله ﷺ:  فقد رآني : أن رؤياه صحيحة وليست بأضغاث ولا من تشبيهات الشيطان، ويؤيد ذلك قوله في رواية: فقد رأى الحق ، أن الرؤيا الصحيحة، وقولهم:  فإن الشيطان لا يتمثّل بي ، أي: لا يحصل له مثال صورتي ولا يتشبّه بي.

قال القاضي: "قال بعض العلماء: خصّ الله تعالى النبي ﷺ بأن رؤية الناس إياه صحيحة، وكلها صدق، ومنع الشيطان أن يتصور في خلقة النبي ﷺ لئلا يكذب على لسانه في النوم، كما خرق الله تعالى العادة للأنبياء عليهم السلام بالمعجزة، وكما استحال أن يتصور الشيطان في صورته في اليقظة" [شرح النووي على مسلم: 15/25].

فلو واحد طرح سؤالاً فقال: نحن الآن عرفنا أن الشيطان ما يتمثل بصورة النبي ﷺ في المنام، فهل يتمثّل بصورة النبي ﷺ في اليقظة؟ هل الشيطان يستطيع أن يتمثل في صورة النبي ﷺ في اليقظة؟

الجواب: كلا، وهذه من باب أولى، وفي المنام لا يتمثل، ولو وقع هذا لاشتبه الحق بالباطل، كان ممكن يأتي لواحد من الصحابة ويقول له كلام والصحابي يرى بعينه الصورة التي يعرفها عن النبي ﷺ فينقل حديثًا، لا يمكن، ولذلك حمى الله نبيه وحمى الله الوحي وحمى الله السنة والحديث من نزغات الشيطان ووسوسته وإلقائه وكيده، ما يستطيع يتصور بالنبي ﷺ بصورته الحقيقية النبوية لا حيًّا ولا ميتًا.

قال القسطلاني: "قوله: فإن الشيطان لا يتمثّل بي : كالتتميم للمعنى، والتعليل للحكم" [شرح القسطلاني لصحيح البخاري: 9/114]، أي: لا يحصل له -يعني الشيطان- مثال صورتي، ولا يتشبه بي، فكما منع الله الشيطان أن يتصور بصورته الكريمة في اليقظة كذلك منعه في المنام لئلا يشتبه الحق بالباطل؛ لأنه تخيل الآن لو أمكن لو كان ممكن أن الشيطان يأتي بصورة النبي ﷺ الحقيقية، ممكن ينتج عن ذلك إضلال الناس إضلالاً عظيمًا، والشيطان أصلاً يضل الناس من غير هذه، كيف لو كان هذا أيضًا من إمكان الشيطان.

فدلت هذه الألفاظ في الروايات على أن عدو الله الشيطان قد حيل بينه وبين أن يتمثل في صورة النبي ﷺ، فمن رأى النبي في المنام فقد رأى الحقيقة، وقد رآه ﷺ، إذا رآه في صورته المعروفة عند أهل العلم، وهو ﷺ ربعة من الرجال؛ لا طويل ولا قصير، حسن الصورة، أبيض مشرب بحمرة، ما هو أسمر شديد السمرة، ولا هو أبرص بياض القطن، لا، أبيض مشرب بالحمرة، كث اللحية، فلو واحد قال لك: أنا رأيت النبي ﷺ في المنام، فقلت له صف لي إياه، صف لي لحيته، قال: عوارض، أو قال: سكسوكة، قل: ما رأيت شيئًا اذهب، كث اللحية سوداء، فلو قال واحد: رأيت النبي ﷺ لحيته كلها بيضاء، فقل: ما رأيته، رأيت شيئًا آخر، وفي آخر حياته حصل فيها شعرات قليلة من الشيب ما تزيد عن عشرين شعرة، وكان منها في العنفقة، وصفوه بدقة، فمن رآه على صورته الحقيقية فقد رآه، فإن الشيطان لا يتمثل به ﷺ.

قال القاضي عياض: "ويُحتمل أن يكون قوله ﷺ:  فقد رآني  أو  فقد رأى الحق، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي  المراد به إذا رآه على صفته المعروفة له في حياته، فإن رآه على خلافها كانت رؤيا تأويل لا رؤيا حقيقة".

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "فيه إشارة إلى أن الله تعالى وإن أمكنه -يعني الشيطان- من التصور في أي صورة أراد؛ لأن الشيطان ممكن يأتي الإنسان في المنام في أي صورة، وممكن يأتي في اليقظة، ألا تعلمون من خبر الدجال في الحديث الصحيح أنه يأتي الأعرابي فيقول له، الدجال يقول للأعرابي: إذا بعثت لك أبويك من قبرهما أتؤمن بي؟ فيقول: نعم، فيتمثل له شيطانان على هيئة أبيه وأمه، فيقولان له: يا بني اتبعه ، [رواه ابن ماجه: 4076، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 7875]، فهذان الشيطانان من أعوان الدجال يتمثلان على صورة أبي الأعرابي وأمه؛ ويقولان له: يا بني اتبعه، والأعرابي يعرف أباه وأمه، هذه فتنة حقيقية؛ لأنه يرى أباه بصورته التي يعرفها وأمه بصورتها التي يعرفها، خرجا من القبر، وما خرجا إلا شيطانان تمثلا بصورة أبيه وأمه، ويقولان له: يا بني اتبعه فإنه على الحق، يا بني اتبعه.

إذن، الشيطان ممكن يتمثل بصورة شخص مات أو شخص حي ممكن، ورد في مقدمة مسلم أن شخصًا في مجلس يحدّث بحديث ثم يختفي، فيبحث عنه الناس فلا يجدونه، شيطان جلس في مجلس وحدثهم، إذن الشيطان ممكن يتصور بصورة شخص في اليقظة، وممكن يتصور بصورة شخص في المنام، ممكن يأتيك بصورة أبيك في المنام، صورة أبيك الميت.

فيقول ابن حجر -رحمه الله-: "فيه إشارة إلى أن الله تعالى وإن أمكنه من التصوُّر في أي صورة أراد -الشيطان- فإنه لم يمكّنه -الله لم يمكن الشيطان- من التصوُّر في صورة النبي ﷺ" وهذا إكرامًا للنبي ﷺ وصيانة للوحي، ومنعًا للشيطان من إضلال الناس.

وذكر الحافظ في الفتح عن أيوب قال: "كان محمد بن سيرين إذا قصّ عليه رجل أنه رأى النبي ﷺ قال: صف لي الذي رأيته؟ فإن وصف له صفة لا يعرفها، قال: لم تره"، قال الحافظ: سنده صحيح، ووجدتُ له ما يؤيّده، فأخرج الحاكم من طريق عاصم بن كليب، حدّثني أبي، قال: قلت لابن عباس، كليب يقول لابن عباس: "رأيت النبي ﷺ في المنام، قال: صِفه لي؟ قال ذكرتُ الحسن بن علي فشبهته به"، كليب يعرف الحسن، رأى الحسن بن علي، لكن ما رأى النبي ﷺ، قال ابن عباس لكليب صفه لي؟ قال ذكرت الحسن بن علي فشبّهته به، قال: "قد رأيته"، وسنده جيد؛ [فتح الباري لابن حجر: 12/386]؛ لأن الحسن بن علي يشبه النبي ﷺ جدًا.

إذن، هذا القول من ابن عباس من الصحابة، وابن سيرين من التابعين يدل على أنه ليس كل من رأى النبي ﷺ في المنام خيل إليه أنه رسول الله يكون قد رأى رسول الله ﷺ حقًا، فلو واحد قال لك: أنا رأيته أصلع، تقول ما رأيته، لو قال لك: أنا رأيت شعره كله أبيض، نقول: ما رأيته، فلو قال: أنا رأيته أزرق العينين أو أخضر العينين، نقول: ما رأيته؛ لأن عيناه شدة سواد في شدة البياض، لو قال لك: أنا رأيت وجهه مطاول هكذا، نقول: ما رأيته، ولو قال لك: أنا رأيت النبي ﷺ ضيق المنكبين، نقول: ما رأيته، ولو قال: رأيت شعره مجعد مثل شعر السودان، نقول: ما رأيته، ولو قال: رأيت شعره سبط مسترسل مثل شعر الفلبينيين، نقول: ما رأيته، ولو قال: رأيته متين سمين، نقول: ما رأيته، ولو قال: رأيته هزيلاً نحيلاً، نقول: ما رأيته، وهكذا، فكل صفة ضليع الفم عظيم المشاش عظام الأصابع، لو جاءت بخلافها ما رآه.

قال: وعن أبي هريرة ، قال: قال رسول اللهﷺ:  من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتصور أو قال لا يتشبّه بي  رواه أحمد، وصححه الألباني. [رواه أحمد: 9316، وصححه الألباني في مختصر الشمائل: 344].

 الشيطان لا يتصور بي  يعني: لا يأتي على صورتي أصلاً، قلنا لأنه لو كان ذلك لدخل اللبس بين الحق والباطل، ولم يوثَق بما جاء من جهة النبوة، فحمى الله النبوة من الشيطان، وحمى الله صورة نبيه من أن يتصور الشيطان بها، وجعل كيده في نحره، وحمى رؤيا المسلمين نبيهم أن يحدث فيها دخول الشيطان، وليكون ذلك للمؤمنين بشرى، وقوله: فقد رآني : حقيقة فإن الشيطان لا يتصور، لا يقدر على أن يظهر في صورة حقيقية أو لا يتشبه بي.

وقال: عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: من رآني في المنام فقد رآني  حديث صحيح، وقد سبق شرحه.

وعن عاصم بن كليب قال حدثني أبي أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثلني  قال أبي: "فحدّثت به ابن عباس؛ فقلت: قد رأيته، فذكرت الحسن بن علي فقلت شبهته به، فقال ابن عباس: "إنه كان يشبهه"، حديث صحيح. [رواه الترمذي في الشمائل: 392، وصححه الألباني في مختصر الشمائل: 346].

إذن، نلخّص ما مضى فيما يلي:

أولاً: صورة النبي ﷺ معصومة من تشبه الشيطان بها يقظة ومنامًا.

ثانيًا: إن زعم الرائي أنه رأى النبي ﷺفي المنام وأمره بأمر ننظر في هذا الأمر، فإن كان موافقًا للشريعة نستأنس بالرؤيا، ولكن الشريعة هي الأصل، وما جاء في الرؤيا مجرد تأكيد، وإذا كان الذي في الرؤيا مخالفًا للشريعة فلا يعمل بالرؤيا اتفاقًا، لا يمكن يعمل بالرؤيا، يعني لو واحد قال: رأيت النبي ﷺ يقول: اذهب إلى الساحر، نقول: لا يمكن، أو قال: رأيت النبي ﷺ في المنام يقول: اذهب إلى الكاهن، نقول: لا يمكن، هو ينهى عن إتيان الكهان في حياته وفي شريعته، ثم يقول لك في المنام: اذهب إلى الكهان، لا يمكنن ولا يجوز لك أن تعمل بهذه الرؤيا، لا يجوز.

إذن، مخالفة الشريعة الظاهرة لا يجوز إطلاقًا حتى لو قال رأيت عشرين منامًا لا يجوز، فإن قال قائل: فما هذا الذي رأيته إذن؟ نقول: لبِّس عليك، الشيطان، ولم يأت أحد، فيقول رأيت النبي ﷺ على صورته الحقيقية يقول لي كلامًا باطلاً، أين هذا؟ ولو فرضنا نتبع الشريعة أو نتبع الرؤيا، نتبع الشريعة، نقول: قال لك كلامًا لعلك ما فهمته، أنت الذي ما فهمته، نقلت خطأ، نسيت، بعض الناس ما يضبط المنام، ينسى بعض تفاصيل المنام، يخطئ في فهم المنام، يخطئ واحد في تفسير المنام له، كل الاحتمالات واردة، إلا أن نقول اعمل برؤيا تخالف الشريعة ما يمكن، وهذا شغل المبتدعة، يقولون الرؤى والشيطان يأتي لهم في المنام ويقول لهم أشياء، وأشياء تخالف الشريعة ويعتبرونها أدلة ويعملون بها.

ثالثًا: إذا رأى الرائي صورة فيها تغيير أو تشويه عن صورة النبي ﷺ، فما هذا؟ فقال العلماء: إن هذه الرؤيا باطلة لا تصح بوجه من الوجوه، وإن صورة النبي ﷺ معروفة، ولكن قد تكون مرآة لدين الرائي، فإذا رآه بصورته الحقيقية قد تكون بشارة له أو علامة على صلاحه، وإذا رآه بصورة غير طيبة ومشوهة قد يكون في إشارة إلى ضعف تدينه مثلاً، ونحو ذلك.

وعن يزيد الفارسي -وكان يكتب المصاحف- قال: "رأيت النبيﷺ في المنام زمن ابن عباس، فقلت لابن عباس: إني رأيت رسول الله ﷺ في النوم، فقال ابن عباس: إن رسول الله ﷺ كان يقول: إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبّه بي، فمن رآني في النوم فقد رآني  [رواه الترمذي في الشمائل: 393، وحسنه الألباني في مختصر الشمائل: 347]، هل تستطيع -يقول ابن عباس يقول للرجل؛ يزيد الفارسي- هل تستطيع أن تنعت هذا الرجل الذي رأيته في النوم؟ قال: نعم، أنعت لك رجلاً بين الرجلين، -يعني: لا هو طويل ولا قصير- جسمه ولحمه أسمر إلى البياض، أكحل العينين، حسن الضحك، جميل دوائر الوجه، ملأت لحيته ما بين هذه إلى هذه، قد ملأت نحره، قال عوف: ولا أدري ما كان مع هذا النعت، فقال ابن عباس: لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا".

يعني: قد رأيته فعلاً هو لدرجة يعني دقة الوصف الذي وصفه يزيد الفارسي يقول ابن عباس له: "لو رأيته في اليقظة لن تستطيع أن تصف بأبلغ من هذا الوصف الذي وصفته".

يزيد بن هرمز: من أهل البصرى، من أوسط التابعين، الفارسي، دخل ناس منهم في الإسلام، وصار منهم كتبة مصاحف، وطلبة علم، وأئمة في الدين، ومنهم من رأى النبي ﷺ.

قال: "رأيت النبي ﷺ في زمن ابن عباس فقلت لابن عباس؛ فقال: هل تستطيع أن تنعت هذا الرجل الذي رأيته في النوم"، النعت: وصف بما فيه من حُسنٍ، قال يزيد: "نعم، أنعت لك رجلاً بين الرجلين" يعني: لا طويل بائن ولا قصير، ولا كثير اللحم ولا قليله، رجلاً بين الرجلين متوسطًا، "أسمر إلى البياض" يعني: يميل إلى البياض، والحمْرة مُشْرب بها، "أكحل العينين": خِلْقة؛ يعني: بدون كحل هو مكحل خِلْقة، "حسن الضحك" يعني: إذا تبسم بسمته جميلة، "جميل دوائر الوجه" يعني: أطراف الوجه جميلة، "قد ملأت لحيته ما بين هذه إلى هذه": من الأذن إلى الأذن، إشارة إلى عرضها، "ملأت لحيته نحره" أي: عنقه، إشارة إلى طولها؛ إذن، من هذه إلى هذه عرضًا، ونحره ملأت نحره إذن، تغطي نحره طولاً.

قال عوف: "ولا أدري ما كان مع هذا النعت"، عوف هو الذي روى الحديث عن يزيد الفارسي، يعني أنه ذكر نعوتًا أخرى لكن الراوي نسيها مع الأسف نسيها، فقال ابن عباس: "لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا".

قال أبو سلمة: قال أبو قتادة: قال رسول الله ﷺ من رآني يعني في النوم فقد رأى الحق  وقد رواه البخاري ومسلم.

"رأى الحق" أي: الرؤيا الصحيحة الثابتة، وليست أضغاث أحلام، ولا خيالات باطلة، رؤيا صادقة، والرؤيا الصادقة يريها ملك للرائي، لو قال واحد الرؤيا الصادقة من أين؟ فنقول يريها ملك للرائي في المنام بأمر الله تعالى؛ بشارة، نذارة، معاتبة، تنبيهًا، تبصيرًا، توفيقًا.

وعن ثابت بن أنس أن النبي ﷺ قال: من رآني في المنام فقد رآني؛ فإن الشيطان لا يتخيل بي وقال: ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة [رواه البخاري: 6983].

 رؤيا المؤمن، الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح  في رواية البخاري  جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة ، هل الشخص الصالح، وحتى المرأة، يعني عندما تقول الرجل الصالح أيضًا المرأة الصالحة، المرأة الصالحة، هل كل رؤاها صالحة وكل رؤاه حسنة وكلها من الله وكلها ... لا، وممكن يرى الرجل الصالح رؤى أضغاث ممكن، لكن قليلاً؛ لأن الشيطان لا يتسلط عليه؛ لأنه رجل صالح يذكر الله أو امرأة صالحة تذكر الله ، فلذلك رؤاه غالبًا تكون حسنة صالحة صحيحة طيبة.

وروى ابن ماجه عن أبي سعيد: رؤيا المسلم الصالح جزء من سبعين جزءًا من النبوة  [رواه ابن ماجه: 3895، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 1992]،  وعند الطبراني: رؤيا المؤمن الصالح بشرى من الله وهي جزء من خمسين جزءًا من النبوة  [رواه الطبراني في الأوسط: 5812، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير: 3079]، الترمذي في سننه روى الحديث: رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءًا من النبوة  [رواه الترمذي: 2278، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 3456].

فاختلاف الروايات كيف نجمع بينه؟

أن المراد بالأعداد إنما هو الكثرة لا التحديد بالأجزاء المعتبرة، ويمكن أن يقال: كل ما كان الرجل أصلح أو الرائي دينه أقوى، كانت رؤياه واحد على أربعين الذي أقل منه تديّنًا واحد على خمسين، والذي أقل منه واحد على سبعين، فيُحمل اختلاف الأعداد جزء من أربعين خمسين سبعين على اختلاف درجة دين الرائي.

ثم قيل معناه: إن الرؤيا جزء من أجزاء علم النبوة، لو قال واحد ما معنى الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة؟

فنقول: النبوة ممكن تأتي بالوحي من جبريل مباشرة، ممكن تأتي بالمنام، ممكن يكون كلام من الله للنبي مباشرة كما صار في موسى ونبينا في حال المعراج، كلمه مباشرة أو بواسطة الرسول، ولها عدة حالات، أو بواسطة رؤيا في المنام، إذًا رؤيا المنام حالة من حالات النبوة، بعد موت النبي ﷺ انقطع الوحي، إذن ماذا بقي؟

يعني نحن الآن مثلاً أي خبر عن الغيب مثلاً عن شيء في المستقبل، المصادر المتوفرة: قرآن، سنة، انقطع الوحي لا يوجد، بقي شيء وهو الرؤى، هل يمكن أن تحمل الرؤى خبرًا مستقبليًا خبرًا غيبيًا؟ ممكن، لكن لا تستطيع أن تجزم بذلك أنت، إلا إذا تحققت ووقعت في الواقع مطابقة للرؤيا تقول لقد كانت الرؤيا التي رأيتها صحيحة عن المستقبل، فلم يبق بعد موت النبي -عليه الصلاة والسلام- إلا المبشرات، ولذلك الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، فهذا إذًا الاشتراك في هذه الجهة في هذه الجهة.

وهذا يبين لنا لماذا كان الكذب في المنام بهذه الدرجة من الإثم والقُبح، وأن الذي يكذب في المنام يكلّف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين ولا يمكن، لن يستطيع، فيكلّف بالمستحيل، فالكذب في المنام؛ لأن المنامات قد تدل على أشياء من الغيب الذي لا يعلم إلا بطريق النبوة، ممكن ولا نجزم، لكن معنى ذلك أن المنام له قيمة، يعني الرؤى الصالحة لها قيمة، ممكن تنبهك على شيء، ممكن تطمئنك، ممكن تثبتك، ممكن تنذرك، ممكن تبشرك، إذًا لها قيمة هذه الرؤى، فكان الكذب بها خطيرًا جدًا، لأنك تكذب الآن على يعني الذي يكذب فيها يكذب في شيء كان الوحي يأتي في هذا الحال، حال الرؤيا، ولذلك حديث: ذهبت النبوة، ولم يبق إلا المبشّرات  فسرها: الرؤيا الصالحة، هذا حديث النبي ﷺ: ذهبت النبوة، ولم يبق إلا المبشرات؛ الرؤيا الصالحة [رواه البخاري: 6990]، والتعبير بالمبشرات للغالب، وإلا فمن الرؤيا ما يكون من المنذرات.

ونظير ذلك قوله ﷺ: "السمت الحسن والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءًا من النبوة" يعني: من أخلاق النبوة، وقيل يعني: موافقة للنبوة، وقيل: من الخصال الحميدة التي للنبوة، فكان النبي ﷺ ستة وأربعون خصلة، الرؤيا الصالحة جزء منها، يؤيده حديث: "لم يبق من النبوة إلا المبشرات"، قالوا: وما المبشرات؟ قال: "الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم أو تُرى له"، رواه البخاري.

قصص كثيرة، هذه قصة الأذان واحد منها، كيف أن رؤى الصحابة بعضها حمل تشريعًا، وما صار تشريعًا إلا بإقرار النبي ﷺ، لكن بدايته كانت رؤى، رؤية من الصحابي، ولو جمعنا رؤى الصحابة، رؤى الصحابة كثيرة، الرؤى الصالحة للصحابة كثيرة، وهذا ممكن يجمع في مؤلف كتاب رؤى الصحابة.

ثم أنهى المصنف -رحمه الله- كتابه الشمائل المحمدية بأثرين:

أثر: قال عبد الله بن المبارك: "إذا ابتُليت بالقضاء فعليك بالأثر" [رواه الترمذي في الشمائل: 396، وصححه الألباني في مختصر الشمائل: 351]، إذا امتحنت إذا ابتلاك الله بأن تكون قاضيًا، ابتلاك الله بالحكومة والقضاء، ما معنى الحكومة؟ الحكم بين المتخاصمين، والقضاء: الفصل بين الناس، فعليك بالأثر يعني: باتباع الأثر، واقتفاء أثر النبي ﷺ والخلفاء من بعده، "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين".

فالأثر هو: المنقول عن النبي ﷺ والصحابة في الأحكام والأقضية، ولذلك القاضي لابد يتأمل في الأشياء التي فصل فيها النبي ﷺ وقضى فيها، والأشياء التي قضى فيها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ومن بعدهم من الصحابة والتابعين؛ لابد أن يتأمل، يقول ابن المبارك: "إذا ابتليت بالقضاء فعليك بالأثر"؛ ولما كان القضاء خلافة النبوة ناسب وصية القاضي باتباع الآثار النبوية عند الابتلاء بالقضاء، وأورد هذا الأثر في آخر كتابه، مع أنه لا يظهر له علاقة واضحة بالشمائل المحمدية؛ لأجل الاهتمام بشأن علم الحديث، والأخذ عن الثقات.

وللحديث الآتي مناسبة خفية للرؤيا؛ وهي أنه ورد عن ابن سيرين أنه قال: "اعتبر الحديث"؛ ومراده كما قال في النهاية: أنه يعبر الرؤيا على الحديث، ويجعله له اعتبارًا، كما يعتبر القرآن في تأويل الروايات، مثل: أن يعبر الغراب بالرجل الفاسق، والضلع -لو واحد رأى في المنام ضلع- يعبروه بـالمرأة، ولماذا ومن أين أخذنا إذا رأى الواحد غرابًا في المنام ممكن يكون الرجل الفاسق، الغراب في قصة قابيل وهابيل ما كان يدل على الرجل الفاسق، لكن لما قال: خمس فواسق يُقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة  [رواه مسلم: 1198]، فابن سيرين يقول -وابن سيرين من كبار مفسري المنامات، ابن سيرين من كبار معبرِّي الرؤى-، فمن وصايا ابن سيرين في تعبير الرؤى يقول: إذا جئت تفسّر الرؤيا اعتبر الحديث، فمن الأمثلة إذا رأى الغراب ممكن يدل على الرجل الفاسق، وإذا رأى ضلع ممكن يدل على امرأة، لأن النبي ﷺ سمى الغراب فاسقًا، وجعل المرأة كالضلع.

آخر أثر في هذا الكتاب المبارك: عن ابن سيرين قال: "هذا الحديث دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم" هذا علم الحديث دينن يعتقد به، ويتدين به بين الإنسان وبين ربه، "فانظروا عمن تأخذون دينكم": انظروا في الروايات، انظروا في رجال الأسانيد، انظروا من الذي يحدثكم، انظروا من الذي روى الحديث، تأكدوا من صحته: "إن هذا الحديث دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم" [رواه الترمذي: 417، وصححه الألباني في مختصر الشمائل: 352].

فهذا فيه لفت النظر إلى مراعاة الأخذ عن الثقات والعدول والمتقنين، ومناسبة هذا الأثر لباب الرؤيا أن الرؤيا من الدين، وهي جزء من أجزاء النبوة فلا ينبغي أن يعبرها إلا من يوثق بدينه وعلمه.

كما قال مالك -رحمه الله- لما قيل له في تأويل الرؤيا: هل يؤولها كل أحد؟ واحد يرى رؤيا ويقوم يعرضها على أي واحد؛ فسّر لي هذه؟ قال: "لا، أيُلعب بالنبوة؟"، يعني ما دام الرؤيا جزء من سبعين أو ستة وأربعين جزءًا من النبوة هل تترك مجالاً ليلعب بها أي أحد، لا، ولذلك جاء الأمر في الحديث أن يقصها على وادٍّ أو ناصح أو ذي علم، الرؤيا، هذا نهاية شرح هذا الكتاب المبارك، وقد تم في شهري رمضان لعام 1425 و1426.

نسأل الله أن يجعله علمًا نافعًا، وأن يجعلنا ممن حاز بركة هذا العلم الشريف ونهل منه، وأن يجعلنا من العاملين به، وأن يزيدنا علمًا، وصلى الله على نبينا محمد.