الأربعاء 14 ربيع الآخر 1441 هـ :: 11 ديسمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

24- التعامل مع المستفتين 1


عناصر المادة
استفتاءات الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم في القرآن:
مراعاة أحوال المستفتين وبيان الأفضل لهم:
السكوت كراهية للسؤال والإجابة بالجواب الحكيم:
بيان الحكم الضروري وإن لم يذكر في السؤال:
الاستفصال من السائل:
جواب السائل بالامتثال الفوري والاختصار في الإجابة:
احتمال أسئلة الغرباء والأعراب:
التنبيه على آداب المستفتي:
الإجابة بالفعل:
يجيب عن أسئلة النساء:
الكناية عما يستفحش التصريح به:
كرهه صلى الله عليه وسلم السؤال عما لم يقع ولا فائدة فيه:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد فإن مما يعين على الفقه في الدين، ويبصر طالب العلم بمواقع الفتيا والأحكام، معرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم مع السائل والمستفتي.
وقد كان للنبي عليه الصلاة والسلام مع السائلين والمستفتين مواقف كثيرة، تتجلى فيها عظمة هذه الشريعة، ويتبين فيها حكم رب العالمين، فإن الفتوى توقيع عن الله عز وجل.
وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي هو معروف شرفه ورفعته، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات.
وكان أول من قام في هذه الأمة بهذا المنصب الشريف، وهو التوقيع عن رب العالمين، نبينا الأمين، إمام المتقين، عبد الله ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه-.
استفتاءات الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم في القرآن:
00:01:27
 وقد كثرت المواقع والوقائع التي سئل فيها عليه الصلاة والسلام واستفتي.
ونجد في كتاب الله إشارات كثيرة لأسئلة الصحابة وغيرهم، واستفتاءاتهم للنبي صلى الله عليه وسلم:  يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ  [البقرة: 215]،  يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ  [البقرة: 217]،   يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ  [البقرة: 189]،  يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ  [البقرة: 219]،  وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى  [البقرة:220]،  وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ  [البقرة:222]،  وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ  [النساء:127]،  يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ  [النساء: 176]،  يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ  [الأنفال: 1].
وسأل غير الصحابة كما قلنا من اليهود وغيرهم:  وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ  [الكهف: 83]، و يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ  [الأعراف: 187].
فكيف كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم مع السائل والمستفتي؟ كيف كان يجيب؟
مراعاة أحوال المستفتين وبيان الأفضل لهم:
00:02:19
 كان عليه الصلاة والسلام يراعي أحوال المستفتين، فيفتي كل سائل بما يناسبه.
فقد سئل في عدد من المناسبات عن: أي العمل أفضل؟
فتارة يقول:  الصلاة على ميقاتها  [رواه البخاري: 2630]، وتارة يقول:  إيمان بالله ورسوله  [رواه البخاري: 26]، وتارة يقول:  عليك بالصوم  [سنن النسائي الكبرى: 2532، وصححه الألباني صحيح الجامع الصغير: 4044].
وتارة يسأل: أي العمل أحب إلى الله؟ فيقول: أدومها وإن قل  [رواه البخاري: 6465].
ما معنى هذا؟
أنه عليه الصلاة والسلام تفاوتت إجاباته بحسب أحوال السائلين والمستفتين، وهذه الأجوبة المختلفة المتنوعة فيها أيضاً مراعاة لاختلاف الأوقات، فيكون العمل في هذا الوقت أفضل، والعمل الآخر في هذا الوقت أفضل، وهكذا.
وكان عليه الصلاة والسلام يختار للمستفتي الأفضل ويبينه له.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "مر رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بشعب فيه عيينة من ماء عذبة، فأعجبته لطيبها".
والشعب: الطريق في الجبل، وأيضاً ما انفرج بين الجبلين، ولعله هو المراد هاهنا، فقال ذلك الصحابي للنبي عليه الصلاة والسلام، وهو يمرون بهذه العيينة العذبة، قال: يا رسول الله، لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب.
فقال:  لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاماً، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة، اغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة  الفواق ما بين الحلبتين من الوقت وجبت له الجنة  [رواه الترمذي: 1650]، وهو حديث حسن [حسنه الألباني صحيح الترغيب والترهيب: 1301].
وعن عمران بن حصين أنه سأل نبي الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الرجل قاعداً. وكان الصحابي به بواسير، وصاحب البواسير يحتاج أن يعرف هذا الحكم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد  [رواه البخاري: 1116].
وحديث:  من صلى قائماً  حمله العلماء على صلاة التطوع؛ لأن الفريضة لا يجوز فيها القعود لمن قدر على القيام.
وكان عليه الصلاة والسلام يرشد المستفتي إلى ما يتناسب معه.
فعن أبي سعيد الخدري أن أعرابياً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الهجرة، نلاحظ هنا أنه أجابه بما يلائم حاله ويناسب وضعه.
هذا أعرابي يسأل عن الهجرة، والهجرة قبل فتح مكة كانت واجبة، بعد فتح مكة صارت الهجرة مستحبة.
الهجرة ترك الوطن والانتقال إلى المدينة النبوية، لتقوية شوكة المسلمين، ومؤازرة النبي الكريم، والإعانة على نشر الإسلام، والدفاع عن المسلمين، الهجرة كان فيها تعبئة طاقات المسلمين في هذا المجتمع الإسلامي، وتنظيم هذه الطاقات بحيث تؤتي ثمارها في خدمة الإسلام والمسلمين.
الهجرة فيها حرمان الكفار من الاستفادة من الطاقات الإسلامية؛ لأن المسلم لما يترك مكانه ويهاجر إلى المجتمع المدني في المدينة، فإنه سيسعى في تقويته، ولن يستفيد من جهد هذا المسلم من كان يعيش بينهم من الناس من غير المسلمين.
الهجرة كات مدد لجيوش الفتح الإسلامي في الجزيرة وما بعدها، فالهجرة لها فوائد عظيمة.
لعل هذا السائل الأعرابي سأل النبي عليه الصلاة والسلام بعد فتح مكة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال له:  ويحك إن شأن الهجرة لشديد  يعني أنت قد لا تطيقه، وإذا ما أطقته وهاجرت وتراجعت يا ويلك؛ لأن ترك الهجرة بعد القيام بها من أكبر الكبائر.
ولذلك سعد بن خولة مرت معنا قصته هاجر إلى المدينة، ولما ما تحمل الغربة رجع إلى مكة ومات بها، وفاته ما فاته من الثواب، وسماع القرآن، والتفقه في الدين، ومناصرة المسلمين، والرجوع عن العمل الصالح بعد القيام به، والتراجع عن العمل الصالح بعد البدء فيه مصيبة.
فالنبي عليه الصلاة والسلام لعله لاحظ أن هذا الأعرابي لن يطيق الهجرة، فقال:  ويحك إن شأن الهجرة لشديد، فهل لك من إبل؟  قال: نعم. قال: فهل تؤتي صدقتها؟  قال: نعم. قال:  فهل تمنح منها شيئا؟  قال: نعم.
ما هي المنيحة؟ أن يجعل الشاة أو الناقة عند صاحب أو فقير أو جار، مثلاً يوم يومين ثلاثة، فيستفيد من لبنها.
قال:  فهل تمنح منها شيئاً؟  قال: نعم. قال:  فهل تحلبها يوم وردها؟ 
ما معنى هذا؟
يعني إذا وردت الماء هل تحلبها للسائلين والمساكين؛ لأن المساكين أين كانوا ينتظرون؟ عند المياه، فإذا جاء أصحاب الغنم والإبل لتشرب إبلهم وغنمهم ماذا ينتظر المساكين؟ حلبة، شربة من الحليب.
قال:  فهل تحلبها يوم وردها؟  -يعني للمساكين- قال: نعم. قال:  فاعمل من وراء البحار، فإن الله لن يترك من عملك شيئا .
ما معنى يترك؟
لن يضيعك ولن ينقص من عملك شيئا.
وما المقصود بالبحار؟  اعمل من وراء البحار ؟.
البحار: جمع بحيرة أو بحرة، كانت العرب تسمي القرية بحيرة، ولذلك القرى والبلدات هي البحار في لغة العرب.
قال: فاعمل من وراء البحار فإن الله لن يترك من عملك شيئا  [رواه البخاري: 2633، ومسلم: 1865، وأحمد: 11120].
"وقال العلماء: المراد بالهجرة التي سأل عنها هذا الأعرابي ملازمة المدينة مع النبي صلى الله عليه وسلم وترك الأهل والوطن، فخاف النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا الأعرابي لا يقوى لذلك، ولا يقوم بالحقوق وينكص على عقبيه، فقال له: إن شأن الهجرة التي سألت عنها لشديد، ولكن اعمل بالخير في وطنك وحيثما كنت فهو ينفعك ولا ينقصك الله منه شيئا". [شرح النووي على صحيح مسلم:  13/9].
السكوت كراهية للسؤال والإجابة بالجواب الحكيم:
00:09:17
 ربما سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن أشياء فسكت كراهية لهذا السؤال، أو كراهية أن يكون في الإجابة مشقة.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه: لما نزلت: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً  [آل عمران: 97].
قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:  أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا  فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثاً ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه، ثم تكلم فقال: من هذا السائل؟
فقال الأعرابي: أنا ذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك ماذا يؤمنك أن أقول: نعم.
ما الذي يضمن لك أن أقول نعم يجب عليكم كل سنة.
 لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها، ولما استطعتم  [رواه مسلم: 1337] أن تعملوا بها، ولو تركتموه لكفرتم.
يعني لو تركتموه جحوداً ستخرجون من الملة، ولو تركتموه مع الإقرار سيكون كفراً أصغر، على أن بعض العلماء يرى أن تارك الحج مع القدرة يكفر بقوله تعالى:  وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ  [آل عمران: 97].
قال:  ولو تركتموه لكفرتم الحج مرة فمن زاد فهو تطوع .
وكان عليه الصلاة والسلام يجيب بالجواب الحكيم، فيوجه السائل إلى الأنفع له في دينه ودنياه، ويرشده إلى الأهم، وأحياناً يكون هناك ما هو أهم من سؤاله الذي يسأل عنه.
فمثلاً في قول الله:  يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ [البقرة: 189]. سألوا عن سبب كون الهلال بدراً وهلالاً في أول الشهر وأوسطه وآخره.
يعني يبدأ صغيراً، ثم يكبر فيصبح بدراً، ثم يتناقص ليعود هلالا ويختفي، فسألوا النبي عليه الصلاة والسلام: لماذا القمر هكذا لماذا؟
هل الآن من الحكمة أن يشرح لهم قضية الحجب الذي سيكون، والظل، وظل الأرض وظل القمر وظل الشمس والتناقص، والمخروط والشكل المخروطي.
ولذلك قال في الآية:  يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ  [البقرة: 189]. يعني: في تناقصها وكمالها، في كبرها ثم صغرها مرة أخرى. يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ  [البقرة: 189].
فصرف السائل إلى غير ما سأل عنه تنبيهاً له إلى الأهم، أيهما أهم: معرفة أن الأهلة مواقيت للصيام والإفطار، والحج، وعدد النساء، والمطلقات، إلى آخره، المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر قمرية وعشرا، وهكذا، ومعرفة الأشهر الحرم، ومعرفة أشهر الحج، كيف تعرف الوقت الذي يحرم فيه الحاج؟ شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. في عبادات مرتبطة بالأشهر، وهذه الأشهر هلالية قمرية.
 يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ  [البقرة: 189] في كبرها وصغرها،  قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ  [البقرة: 189]، فصرفهم عن القضية الأقل أهمية إلى القضية الأهم.
وهذا من الحكمة في الجواب، فأرشده إلى ما فيه صلاح دنياهم وأخراهم، وأن الأهلة يترتب عليها آجال المعاملات والعبادات، فلما سألوا عما هو أقل منفعة وأقل جدوى، أجابهم بما هو أكثر فائدة وأشد نفعا.
وكذلك قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ  [البقرة: 215] فعدل عن جنس المنفق ماذا ينفقون، يعني إيش ننفق من التمر ولا من النقود، من الدراهم ولا من الدنانير، من الثياب ولا من الدواب.
 يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ  [البقرة: 215]. لاحظ السؤال: ماذا ينفقون؟ ما هو الجواب؟
 قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ  [البقرة: 215]، فجاء ذكر المنفق عليهم بدلاً من ذكر جنس المنفق لأنه أهم.
وعن أنس رضي الله عنه قال: بينما أنا، والنبي صلى الله عليه وسلم خارجان من المسجد، فلقينا رجل من أهل البادية عند سدة المسجد. هذه الظلال عند باب المسجد سدة.
فقال: يا رسول الله: متى الساعة قائمة؟ قال:  ويلك ما أعددت لها  السؤال متى. قال:  ويلك ما أعددت لها  فكأن الرجل استكان، ثم قال:  ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة  يعني: نوافل، أما الفرائض مفروغ منها. فإذن جواب الرجل: ما أعددت لها من كثير صوم ولا صدقة، يعني من النوافل.
قال: ولكني أحب الله ورسوله. قال:  أنت مع من أحببت . فقلنا: ونحن كذلك؟ قال:  نعم . ففرحنا يومئذ فرحاً شديدا. قال أنس: فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل بمثل أعمالهم. [رواه البخاري: 6167، ومسلم: 2639].
فانظر كيف المحبة تبلغ أصحابها بلاداً ليسوا بغير رواحل المحبة بالغيها.
قال الطيبي رحمه الله: "سلك مع السائل طريق الأسلوب الحكيم؛ لأنه سأل عن وقت الساعة، فقيل له: فيم أنت من ذكراها، وإنما يهمك أن تهتم بأهبتها، وتعتني بما ينفعك عند إرسالها من العقائد الحقة، والأعمال الصالحة، فأجاب بقوله: ما أعددت لها ". [عمدة القاري: 32/381].
قال الكرماني رحمه الله: "سلك مع السائل أسلوب الحكيم، وهو تلقي السائل بغير ما يطلب مما يهمه أو هو أهم، مما يهمه أو هو أهم". [فتح الباري: 10/560].
وعن بريدة أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله هل في الجنة من خيل؟ هذا السؤال يطرأ كثيراً خصوصاً من الأولاد صح؟ أنت ما قلت لأبيك: الجنة فيها إيس كريم؟ إلا.
قال: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هل في الجنة من خيل؟ قال: إن الله أدخلك الجنة فلا تشاء أن تحمل فيها على فرس من ياقوتة حمراء يطير بك في الجنة حيث شئت .
وسأله رجل فقال: يا رسول الله هل في الجنة من إبل؟ فلم يقل له مثلما قال لصاحبه، قال:  إن يدخلك الله الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك  [رواه الترمذي وحسنه: 2543].
فلو سأل الطفل: هل في الجنة الأكلة الفلانية؟ واللعبة الفلانية؟ ما نقول نعم ولا لا؛ لأنا ما نتجرأ نفتي في علم الغيب ما ندري، ولذلك نقول: إذا دخلتها لك ما تشتهي نفسك، كل ما تشتهيه نفسك ستجد، كل ما تتمنى ستجد.
هذا هو الجواب لمن سأل: هل في الجنة طيارات؟ هل في الجنة سيارات؟ هل في الجنة اللعبة الفلانية؟ هل في الجنة الأكلة الفلانية؟ هل في الجنة..؟
نقول: إذا دخلت ستجد كل ما تشتهيه، كل ما تشتهيه، والله أعلم بما ستشتهي في ذلك المكان.
قال القاضي رحمه الله: "تقدير الكلام من أدخلك الجنة الله، فلا تشأ أن تحمل على فرش كذلك إلا حملت عليه. والمعنى أنه ما من شيء تشتهيه الأنفس إلا وتجده في الجنة كيف شئت حتى لو اشتهيت أن تركب فرساً من ياقوتة حمراء لوجدته وتمكنت من ذلك، وهذا الأسلوب الحكيم في الجواب عمن يسأل عن الأشياء في الجنة". [تحفة الأحوذي: 7/213].
بيان الحكم الضروري وإن لم يذكر في السؤال:
00:17:55
 وكان عليه الصلاة والسلام إذا رأى السائل بحاجة لحكم مّا بينه له ولو لم يسأل عنه.
لأن السائل قد يسأل عن شيء، وهناك شيء آخر غفل عنه السائل، أو ربما يحتاجه يتعرض له ولكن ما سأل عنه فيجيبه.
كما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر –نحن بحارة- ونحمل معنا القليل من الماء. يعني للشرب أو الطبخ.
فإن توضأنا به عطشنا.
يعني: ما يبقى للشرب ماء كافي.
أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  هو الطهور ماؤه الحل ميتته  [رواه أبو داود: 83، والترمذي 69، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة: 480].
قال الرافعي: "لما عرف صلى الله عليه وسلم اشتباه الأمر على السائل في ماء البحر، أشفق أن يشتبه عليه حكم ميتته، لما رأى أن ماء البحر اشتبه عليه خشي أن السمك يشتبه، يعني أن ميتة البحر تشتبه عليه، يعني المفترض ماء البحر ما يشتبه، يعني في العادة ماء البحر خلاص يعني ماء أليس ماء؟ خلاص إذن يجوز التطهر به، فأشفق أن يشتبه عليه حكم الميتة، وقد يبتلى بها راكب البحر". [تحفة الأحوذي: 1/287].
يعني يطفو سمك على الماء، يجوز أخذه وأكله؟ إذا ما صار في عفونة ولا ضرر نعم، يجوز أخذه وأكله.
رمى البحر بحوت لأبي عبيدة وأصحابه وأكلوا منه، ما صادوه هو أصلاً أخرجه الله لهم، وجدوه على الساحل على الشاطئ، فلذلك بين النبي صلى الله عليه وسلم بعد جواب الطهور ماؤه، جواب سؤال آخر لم يسأله السائل، جواب مسألة ما سأل عنها السائل، وأجابه بأكثر مما سأل تتميماً للفائدة، وكرماً وجوداً بالعلم، وخصوصاً عندما تكون المسألة تدعو إليها الحاجة.
وإذا لاحظ المفتي أن المستفتي عنده شيء من الغفلة يكمل له الجواب، فمن توقف في طهورية ماء البحر، فهو في التوقف في ميتته من باب أولى.
طيب، واحد ماشي على الشاطئ بس ما معه ماء، خلاص خلص الماء الذي معه إيش يسوي يتوضأ من الرمل.
طيب، إيش رأيك أنت، واحد كان معه ماء، وماشي على الشاطي، يعني خلص ماء الشرب، يتوضأ إيش يسوي؟ من ماء البحر طيب، لأنه ماشي على الشاطئ.
وربما كانت الزيادة بياناً لما أشكل على السائل فهمه.
فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان .
فقال رجل: يا رسول الله، إني أحب أن يكون ثوبي حسناً ونعلي حسنا، أفمن من الكبر ذا؟ فقال: لا،  إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس .
جحد الحق ورد الحق هذا كبر،  وغمط الناس ، وظلم الناس، وازدراء الناس، واحتقار الناس هذا الكبر. [رواه مسلم: 147].
فقد كان يكفي السائل هنا قول لا؛ لأن السؤال: إني أحب أن يكون ثوباً حسناً ونعلي حسنة أفمن الكبر ذلك؟ كان يكفي أن يقول: لا، ولكن أجابه بجواب فيه بيان تعريف الكبر ما هو، حقيقة الكبر ما هي، بين له ذلك.
وتطييب نفس السائل بتفصيل الجواب، والجمع بين فضيلة العلم، وفضيلة الفتيا هذه درجة عظيمة.
الاستفصال من السائل:
00:21:58
 وكان عليه الصلاة والسلام يستفصل من السائل ويستوضح منه كي يعطيه الجواب، ويجمع أطراف المسألة لتكون الفتوى مطابقة للحال المسؤول عنها.
فقد مر معنا في قصة النعمان بن بشير رضي الله عنه، أنه قال: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله، ثم بدا له فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيدي وأنا غلام، فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا، قال:  ألك ولد سواه؟ .
الآن ما في جواب مباشر ما حكم الهبة؟ ما قال يجوز ولا لا يجوز.
قال:  ألك ولد سواه؟  قال: نعم.
ما انتهى الاستفصال.
قال عليه الصلاة والسلام:  أكلهم وهبت لهم مثل الذي وهبت لابنك هذا؟  قال: لا. قال:  فلا تشهدني إذن فإني لا أشهد على جور [رواه مسلم: 1623، والنسائي: 6510].
وفي رواية لأبي داود:  إن لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم، كما أن لك عليهم من الحق أن يبروك  والعدل بينهم يؤدي إلى برهم.
فاستفصل:  ألك ولد سواه؟ ، ثم سأله:  أكلهم وهبت له مثل الذي وهبت لابنك؟  ثم بين الحكم:  فلا تشهدني على جور . [رواه أبو داود: 3542].
الأولاد تتفاوت حاجاتهم، يأتي العيد هذا هديته دراجة بسبعمائة ريـال، وهذا هديته لعبة فك وتركيب بمائة ريـال، وهذا هديته خشخيشة بخمسة ريـال.
فما هو العدل؟
أن تعطي كل ولد ما يحتاجه، هذا مريض يحتاج علاج، هذا أعزب يخشى على نفسه الحرام، ووصل مبلغ الزواج يحتاج إلى زواج، هذا عليه دين مطالب به، هذا تخرج من الثانوية يحتاج نفقة دراسة في الجامعة، إذن سيعطى كل ولد ما يحتاجه، فإذا استووا في الحاجة فلابد من الاستواء في العطية والإعطاء.
وكذلك فإن الأعطيات الكبيرة إذا خشي أن لا يعطي الآخر مثله، فإنه يفتح لهم حسابات في المصرف مثلاً، ويودع فيها مثلما أعطى الأول.
أعطى الأول بيت، خشي بأنه ما يتمكن من إعطاء البقية بيوت، والإناث ماذا يفعل لهن؟ فتح حسابات في المصرف، أودع فيها مثل ثمن البيت ذاك لكل ابن، ونصفه لكل بنت، ليعدل في العطية.
وقال شيخنا عبد العزيز بن باز رحمه الله، وسألته عن السيارة يريد الولد الأكبر أن تكون معه، قال: يجعلها عارية عنده، يعني لا يملكها تمليكاً تبقى باسم الأب، هذا الابن الأكبر يسوقها للحاجة، ويوصل إخوانه للمدارس، ويأتي بأغراض البيت، وهكذا.
وعن ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحر إبلاً ببوانه.
بوانه: هضبة من وراء ينبع، وقيل: موضع بين الشام وديار بكر، وقيل: أسفل مكة دون يلملم.
فهذا الرجل سأل النبي عليه الصلاة والسلام: أريد أن أنحر إبلاً ببوانه. اسم موضع.
لماذا؟ لأنه نذر، قال: إني نذرت أن أنحر إبلاً ببنوانه.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:  هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟  قال: لا.
قال:  هل كان فيها عيد من أعيادهم؟  قالوا: لا.
قال: أوف بنذرك، فإنه لا وفاء بنذر في معصية، ولا وفاء فيما لا يملك ابن آدم  [رواه أبو داود: 3315، وصححه الألباني في  السلسلة الصحيحة: 2872].
فلما نذر أن يذبح في موضع معين استفصل منه النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن المقام يقتضي الاستفصال، فقد يكون في المكان هذا عيد من أعياد المشركين؛ لأن هنالك أعياد زمانية وأعياد مكانية، هل فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد في ذلك الموضع؟ لما خلا من المحاذير أذن له بالذبح فيه.
جواب السائل بالامتثال الفوري والاختصار في الإجابة:
00:26:33
 وكان ربما أمر المستفتي بالامتثال الفوري للفعل، فيكون أمره جواباً للسؤال.
فعن ابن عباس قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يخطب، فقال: "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت -سجلت اسمي- في غزوة كذا وكذا. قال:  انطلق فحج مع امرأتك . هذا الجواب: قال: انطلق فحج مع امرأتك  [رواه مسلم: 1341].
فأمره باللحاق بزوجته على الفور؛ لأنه لا يجوز لها أن تسافر بغير محرم.
طبعاً كان يسافرون قوافل وصحابة، ومع ذلك ما أذن له أن يترك الزوجة بغير محرم، مع أنها رايحة لعبادة، قال: إني امرأتي خرجت حاجة. قال:  انطلق فحج مع امرأتك  ويترك الجهاد لأجل المحرم، لحفظ النساء.
وكان عليه الصلاة والسلام يجيب السائل، ويختصر له المسألة، ويضبطها.
ولنلاحظ هذا السؤال:
عن ابن عمر، عن النبي عليه الصلاة والسلام، أن رجلاً سأله: "ما يلبس المحرم؟ المحرم ماذا يلبس؟ منشفة.
ممكن يلبس شرشف، واحد أخذ شرشف من البيت لفه تحت، وشرشف ثاني حطه فوق، إيش المشكلة؟ ليش يعني عشان المنشفة تنشف والشرشف ما ينشف؟ ما في مشكلة.
لاحظ الآن السؤال: ما يلبس المحرم؟
فالآن السؤال ليس محصوراً، قطن، صوف، ولذلك كيف كان الجواب؟
اسمع الجواب:
قال عليه الصلاة والسلام:  لا يلبس  هو السؤال: ماذا يلبس المحرم؟
ما قال له يلبس، قال له:  لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا السراويل، ولا البرنس، ولا ثوباً مسه الورس أو الزعفران، فإن لم يجد النعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما حتى يكونا تحت الكعبين  [رواه البخاري: 134، ومسلم: 1177].
البرنس مثل لباس المغاربة، هذا ثوب متصل به من الأعلى ما يغطى به الرأس. عرفته؟ بعض ما يلبس بعد الاستحمام له غطاء رأس.
قال:  لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا السراويل، ولا البرنس .
فالسؤال ما يلبس المحرم، طيب هذا ما ينحصر إيش يعدد ويعدد ويعدد.
مثل لو قال واحد: إيش آكل. إيش حنقول له: تاكل ملوخية وبقدونس، ولحم وسمك، وخبز، وتمر، ما يجي..
لكن لا تأكل خمراً ولا خنزيراً، ولا ميتة، كلها هي بضع أشياء يعني وخلاص.
فالآن لو واحد سأل عن ما لا ينحصر فيجاب بما ينحصر، وهذا من الفقه في الجواب، هذه الحكمة النبوية في الجواب.
سأله: ما يلبس المحرم؟ قال:  لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا السراويل، ولا البرنس .
يعني لا يلبس أشياء مفصلة على قدر الجسم، أو أحد أعضائه، أو تغطي الرأس، أو تغطي الكعبين، خلصنا هذا المهم أن يعرفه المحرم، بعد ذلك يلبس ما شاء.
وفي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عما يلبس المحرم فأجاب عما لا يلبس، فإن ما لا يلبس محصور، وما يلبسه غير محصور.
قال النووي رحمه الله: "هذا من بديع الكلام وجزله؛ لأن ما لا يلبس منحصر فحصل التصريح به، وأما الملبوس الجائز فغير منحصر، فقال لا يلبس كذا. أي: ويلبس ما سواه". [شرح النووي على مسلم: 8/73].
وقال البيضاوي: "وإنما عدل عن الجواب؛ لأنه أخصر وأحصر". [شرح السيوطي لسنن النسائي: 5/130].
جاوبه بهذه الطريقة؛ لأنها أخصر وأحصر.
وكان عليه الصلاة والسلام يجيب جواباً جامعاً، ويعرض عن التفصيلات التي ليس لها حاجة، أو التفصيلات الكثيرة التي يمكن الاستغناء عنها.
فعن أبي موسى الأشعري، أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر. -أي للشهرة- ، والرجل يقاتل ليرى مكانه"  رياء شوفوني أنا الشجاع .
وفي رواية: يقاتل غضباً ويقاتل حمية فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله   [رواه البخاري: 2810، ومسلم: 1904].
وهذا من جوامع كلم النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أجاب بلفظ جامع لمعنى السؤال مع الزيادة عليه، ففي إجابته بما ذكر غاية البلاغة والإيجاز؛ لأنه لو أجاب وقال: كل هذه ما هي في سبيل الله، طيب يمكن في أشياء أخرى ما ذكرها السائل أيضاً ما هي في سبيل الله، ولذلك عدل إلى لفظ جامع دل الجواب عليه، دل على حال المقاتل، دل على الشيء الذي هو حقاً في سبيل الله، وعدل عن لفظ جواب السائل؛ لأن الغضب والحمية يمكن أن تكون لله صح ولا لا؟
لو قال واحد: الرجل يقاتل حمية إيش؟ سيقال: إن كانت الحمية لله فهو صحيح، وإن كانت الحمية للقبيلة لا، ولذلك أعطاه الجواب المختصر:  من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله .
احتمال أسئلة الغرباء والأعراب:
00:32:44
 وكان عليه الصلاة والسلام يحتمل أسئلة الغرباء والأعراب، يحتمل منها ما لا يكون في غيرهم.
ليه؟ لأنهم معذورون بالبعد عن مكان العلم، وجاي من بعيد، ومشقة الطريق، وتعب، ونية معرفة الجواب، غير الذي في البلد ويسأل أسئلة أحياناً لا داعي لها، ويسأل عما لا يعنيه.
عن أنس بن مالك قال: "نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء -يعني سؤالاً لا ضرورة إليه-، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية -يعني من المعذورين هؤلاء، وأهل البادية الأعراب، لكن العاقل حتى يكون لسؤاله معنى وطعم- فيسأله ونحن نسمع.
"بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، دخل عليه رجل من أهل البادية" وهذا ضمام بن ثعلبة رضي الله عنه رجل عاقل الحقيقة، لكن على طريقة أهل البادية، على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟"
هذا يدل على تواضع النبي عليه الصلاة والسلام، يعني ليس له مجلس مميز، وله ناس يحيطون واقفون على رأسه، لا ما في، ولذلك ما عرف أي واحد فيهم مثله مثلهم، نفس الجلوس ما في تميز .
قال: أيكم محمد؟ والنبي عليه الصلاة والسلام متكئ بين ظهرانيهم.
فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ. فقال له الرجل: يا ابن عبد المطلب. ف
قال له عليه الصلاة والسلام:  قد أجبتك   أسمعتك.
فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: "إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد عليّ في نفسك".
سأسألك مسائل فيها شدة طريقة السؤال فاصبر اصبر، "فلا تجد عليّ في نفسك". فقال:  سل عمّا بدا لك  فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك.
قال:  صدق .
قال: فمن خلق السماء؟
قال:  الله .
قال: فمن خلق الأرض؟
قال:  الله  .
قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟
قال:  الله .
قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟
قال: نعم .
قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟
قال:  صدق . قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟
قال:  نعم .
قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا.
قال:  صدق .
قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟
قال: نعم .
قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا.
قال:  صدق .
قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال:  نعم .
قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا.
قال:  صدق . ثم ولى وقال: والذي بعثك بالحق، لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:  لئن صدق ليدخلن الجنة  [رواه مسلم: 12].
هذا من حسن سؤال الرجل وملاحة سياقته، فإنه سأل أولاً عن صانع المخلوقات: من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ من خلق الجبال؟ ثم لما أجيب: الله. أقسم عليه بأن يصدقه في كونه رسولاً لصانع المخلوقات، ولما وقف على رسالته وعلمها، أقسم بحق المرسل: أنشدك بالله، وهذا يفتقر إلى، يعني هذا معناه خرج من عقل رصين.
وقال القاضي عياض: "الظاهر أن هذا الرجل لم يأت إلا بعد إسلامه، جاء مستثبتاً ومشافها". [إكمال المعلم: 1/167]. يعني قبل الحق لما جاء لكن أراد أن يتأكد.
التنبيه على آداب المستفتي:
00:36:54
 وكان عليه الصلاة والسلام يعرض أحياناً عن السائل والمستفتي تنبيهاً له على الأدب.
كما مر معنا عن أبي هريرة: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى النبي صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال. وقال بعضهم: بل لم يسمع. فلما قضى حديثه قال:  أين أراه السائل عن الساعة؟  قال: ها أنا يا رسول الله. قال:  فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة  [رواه البخاري: 59].
البخاري عنون عليه في صحيحه: "باب من سئل عالماً وهو مشتغل في حديثه، فأتم حديثه ثم أجاب السائل" [صحيح البخاري: 1/31].
فهو لم يزجر السائل، لكن أعرض عنه تأديباً له لماذا قاطع، لكن مع ذلك ما حرمه الجواب.
ولذلك ينبغي للمتعلم أن لا يسأل العالم وهو مشتغل بغيره، لأن بعض الناس يجي على مجلس العالم، ما يرى ولا يفكر إلا في سؤاله، إيش يقول العالم، وأين هو العالم في الكلام، يقتحم، وربما أتى العالم من خلفه وقاطعه بالكلام.
كما حصل للشيخ بن عثيمين رحمه الله، فقال: علام تسورت المحراب؟ للسائل يعني.
أما إذا كان السائل به ضرورة فتقدم إجابته.
فعن أبي رفاعة قال: "انتهيت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو يخطب، فقلت: يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه.
فأقبل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك خطبته حتى انتهى إليّ، فأتيّ بكرسي حسبت قوائمه حديداً، فقعد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها". [رواه مسلم: 876].
فإذن هذا لما دعت الحاجة إلى البيان له، فإنه عليه الصلاة والسلام قطع خطبته من أجله، ثم رجع وأتمها، وهذا ذكر، وهذا ذكر، وهذا يفيد، وهذا يفيد، والحمد لله.
الإجابة بالفعل:
00:38:54
لاوربما أجاب النبي عليه الصلاة والسلام بفعله ليعاين السائل الجواب بنفسه.
فجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن وقت صلاة الصبح، فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان من الغد صلى الصبح حين طلع الفجر، ثم صلى الصبح من الغد بعد أن أسفر، ثم قال:  أين السائل عن وقت الصلاة؟  قال: ها أنا ذا يا رسول الله. قال:  ما بين هذين الوقتين  [رواه أبو داود: 393، وصححه الألباني صحيح أبي داود:377].
فكان الجواب عملياً .
كما لو سأله عن حكم شيء هذا حلال أم لا وهو حلال، فأخذه العالم فأكل منه أمام السائل، جواب عملي.
يجيب عن أسئلة النساء:
00:39:44
 وكان عليه الصلاة والسلام يجيب عن أسئلة النساء حتى في الأمور التي يستحيا منها عادة، ويؤنب من أنكر ذلك، لأن الحاجة تدعو إليها.
بعض الناس يقول: لا حياء في الدين.
وهذه عبارة خاطئة، كيف لا حياء في الدين، الدين كله حياء، لكن: إن الله لا يستحيي من الحق: ما حكم كذا وكذا.
عن أم سلمة قالت: جاءت أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق.
يعني لا يأمر بالحياء في الحق، وقدمت أم سليم هذه المقدمة لتبين عذرها فيما ستذكره، مما يستحيا من ذكره بحضرة الرجال.
«قالت: فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقالت عائشة: يا أم سليم فضحت النساء تربت يمينك.
تربت: يعني افتقرت وصارت اليد ملصقة بالتراب لكن العرب تقولها ولا تريد ظاهرها.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة:  بل أنت فتربت يمينك .
أنت الأحق أن يقال لها تربت يمينك، أنت ينكر عليك وليس هي.
 نعم، فلتغتسل يا أم سليم إذا رأت الماء  [رواه مسلم:310]. فغطت أم سلمة وجهها، وقالت: يا رسول الله أو تحتلم المرأة؟
يعني هذا يدل على قلة وقوعه من النساء ولكن يحصل.
وقال السيوطي: "إن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام لا يحصل منهن ذلك".
لأنه معروف عند النساء.
على أيه حال: المسألة إذا مرأة احتلمت ما هو الحكم؟ قال:  نعم تربت يمينك  هل تحتلم المرأة؟ قال:  نعم تربت يمينك، فبم يشبهها ولدها  [رواه مسلم: 311] يعني أليس لها ماء؟ كيف يشبهها ولدها إذا كان ما لها ماء أي المني.
فالحياء إذن لا يمنع من طلب الحقائق، والحياء المانع من طلب العلم مذموم.
ومع إجابته عليه الصلاة والسلام عن أسئلة النساء، إلا أنه كان يستحي، لكن ما يمنعه الحياء من بيان الحق.
فعن عائشة أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض، فأمرها كيف تغتسل، قال:  خذي فرصة من مسك فتطهري بها .
الفرصة: قطعة من صوف أو من جلد. ممسكة: يعني غمست بالمسك.
فالمرأة سألت سؤالاً أعمق كان يكفي.
قالت: كيف تتطهر من المحيض؟ قال:  خذي فرصة ممسكة فتطهري بها . قالت: كيف أتطهر؟ قال:  تطهري بها  -تنظفي يعني امسحي بها- قالت: كيف؟ قال:  تطهري بها سبحان الله واستتر .
يعني استتر النبي عليه الصلاة والسلام حياءً من أن يواجهها بذكر محل الدم.
فقالت أم المؤمنين -الراوية. من هي؟ عائشة رضي الله عنها: فاجتذبتها إليّ -تعالي، وعرفت ما أراد النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: تتبعي بها أثر الدم. يعني من المخرج. [رواه البخاري: 314].
قال ابن حجر: "في هذا الحديث التسبيح عند التعجب، ومعناه هنا كيف يخفى هذا الظاهر الذي لا يحتاج في فهمه إلى فكر". [فتح الباري: 1/416].
يعني: سبحان الله كيف يخفى عليك، خلاص ما يحتاج أكثر من هذا.
الكناية عما يستفحش التصريح به:
00:43:16
 والكنايات فيما يتعلق بالعورات، هذه طريقة نبوية؛ لأن الشرع فيه حياء.
وشوف لاحظ الآن الآيات مثلاً يعني:  وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ  [النساء: 16] ، و: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة: 187]،  نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة: 223]. أتى ويأتي وإذا أتى أهله، ما.  لامَسْتُمْ النِّسَاءَ  [النساء: 43].
يعني: ألفاظ الشرع في التعبير عن هذه الأمور التي يستحيا من ذكرها صراحة، يعني في كلمات عربية فيها، لكن ما ذكرها.
جاء الشرع في التعبير: يأتيها، وأتاها، وإتيانها، وإتيان المرء،  إذا أتى أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان  [البخاري:3271].
إذن العفة في الدين، العفة في النصوص الشرعية واضحة جداً، ولكن لابد من تفهيم السائل، وسؤال المرأة العالم عن أحوالها، نعم، ولكن إذا رأى أنه لا يزيد على الجواب، وهي التي تفكر وتنظر ما معناه.
استعمال الحجج العقلية لإقناع السائل:
وكان عليه الصلاة والسلام يستعمل الحجج العقلية في إقناع السائل.
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رجلاً قال: يا نبي الله، كيف يحشر الكافر على وجه؟ قال:  أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟ . قال قتادة: بلى وعزة ربنا. [رواه البخاري: 4760]، ومسلم: 2806].
لماذا يحشر الكافر على وجهه؟
يعاقب على عدم السجود لله في الدنيا، لما أبى أن يضع الوجه على الأرض لله في الدنيا سحب عليه يوم القيامة، وأظهر هوانه مكان الرجلين التي تقي المؤذيات، فصار الآن وجهه مكان الرجلين.
كرهه صلى الله عليه وسلم السؤال عما لم يقع ولا فائدة فيه:
00:45:22
 وكان عليه الصلاة والسلام يكره السؤال عما لم يقع ولا فائدة فيه، والتنطع في السؤال.
فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء كرهها، مثل السؤال عن الساعة، وسألوه عن أشياء حتى أحفوه بالمسألة، ألحوا عليه، فلما أكثر عليه غضب.
ثم قال للناس:  سلوني عما شئتم، لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم . فقال رجل: من أبي؟
هذا إنسان كان يعني ينسب إلى غير أبيه الحقيقي، في الخصومة يطعنون في نسبه، فأراد أن يسأل النبي عليه الصلاة والسلام أمام الناس حتى يكون إثبات نسبه من الشرع.
قال:  أبوك حذافة .
خلاص ما عاد يستطيع أحد أن يطعن في نسبه؛ لأنه جاء الجواب الآن بالوحي، الكل اللي شككوا في نسبه، الآن الجواب:  أبوك حذافة  جواب قاطع.
فقال آخر: من أبي يا رسول الله؟ قال:  أبوك سالم مولى شيبة . قال أنس: فجعلت ألتفت يميناً وشمالاً فلا أرى كل رجل إلا قد دس رأسه في ثوبه يبكي، فلما رأى عمر ما في وجهه، قال: يا رسول الله إنا نتوب إلى الله -عز وجل-. يعني من أي شيء يغضبك. رواه البخاري ومسلم.
فبرك عمر على ركبتيه في رواية وقال:  رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً  فسكت. [رواه البخاري: 93، ومسلم: 2359].
وكان قتادة يذكر هذا الحديث عند هذه الآية:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ  [المائدة:101].
ومعنى الحديث: النهي عن كثرة السؤال، والسؤال فيما لا يعني، والأغلوطات، والتوليدات.
بعض الناس يؤلف أسئلة، يجيك: رجل كان يمشي في الطريق، فرأى دجاجة ميتة، فوطئها برجله فخرجت بيضة، يجوز أكل البيضة؟ متى إن شاء الله ستجد يعني...
لكن في ناس فنانين في التأليف، تأليف الأسئلة يعني، ولذلك من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، ونهى عن السؤال عن الأغلوطات .
هذا المقصود به التكلف والتقعر في السؤال، أشياء يعني ما، إذا بنينا مدينة في المريخ، اتجاه القب