الأحد 18 ربيع الآخر 1441 هـ :: 15 ديسمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

28- أهوال يوم القيامة


عناصر المادة
تغيرات العالم العلوي:
تفاوت الناس في العرق:
حال المؤمنين في يوم القيامة:
تغيرات العالم السفلي:
تمييز أهل النار من أهل الجنة:
السماوات والأرض يوم القيامة:
مجيئ الله -سبحانه وتعالى- لفصل القضاء:
أنواع من العذاب في أرض المحشر:
خصائص أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- يوم القيامة:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد سبق الحديث عن المحشر، واليوم عن أهوال العظام تكون في ذلك المقام.
تغيرات العالم العلوي:
00:00:24
 إن للقيامة شأناً عظيماً، فهذا الكون يتغير، ولو لم يكن يوم القيامة من الأهوال إلا تغير، هذا العالم العلوي والسفلي من الأرض والسموات لكان ذلك كافياً، فكيف بالعرض والحساب والبعث والصراط والميزان والحوض، كيف بالأهوال في النار، إن هذه التغيرات الهائلة التي تكون يوم القيامة تشمل هذا الكون فالسماء تنشق وتتفطر: إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ  [الانفطار: 5]، إذا انشقت السماء وانفطرت وأنت العامل لهذه الأعمال وتلاقي الله بعملك، هذه السماء القوية التي هي مسيرة خمسمائة سنة، هذه السبع الشداد البنيان المحكم الذي سمكها رب العالمين وبناها متينة لا صدع فيها ولا فطور، تتشقق يوم القيامة  فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ  * وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ  [الحاقة: 18]، انصدعت السماء فكانت ضعيفة مسترخية لا تماسك فيها ولا صلابة، والملائكة على جوانبها وأطرافها، يُعرض الناس للحساب هذه السماء تتحول إلى أبواب:  وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا [النبأ: 19]، يعني: طرقاً ومسالك لنزول الملائكة، يقول عليه الصلاة والسلام:  من سره أن ينظر إلى القيامة كأنه رأي عين فليقرأ:  إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير: 1]، و إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ  [الانفطار: 1]، و إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ  [الانشقاق: 1] رواه الترمذي [3333] وهو حديث صحيح [صححه الألباني صحيح الجامع الصغير: 6293].
قال القرطبي -رحمه الله-: "وإنما كانت هذه السور أخص بالقيامة لما فيها من انشقاق السماء وانفطارها، وتكور شمسها وانكدار نجومها، وتناثر كواكبها إلى غير ذلك من الفزع والأهوال". [التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة ص: 538].
وكما تشققت السماء فإنه يتغير لونها، إذاً السماء يحدث لها عدة أمور، فيحدث لها تصدع فطور وتشقق، ويحدث لها كذلك رقة، وتصبح هشة، سمك مسيرة خمسمائة سنة، تصبح هشة، وكذلك يتغير لونها فتصبح إلى الاحمرار فكانت وردة كالدهان، قال عز وجل:  فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ  [الرحمن:  37].
يعني: حمراء كلون الورد، وكالزيت المغلي والرصاص المُذاب، من شدة الأمر وهول القيامة، وقيل: إنها إذا طويت تكور شمسها وقمرها وسائر نجومها وتصير تارة كالمهل، وتارة كالدهان.
وأخرج البيهقي عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "السماء تكون ألوان كالمهل وكالدهان وواهية وتشقق فتكون حالاً بعد حال". [فتح الباري: 11/376].
إذاً هناك تغير تعتري السماء في الألوان، وفي البُنية، وجمع بعضهم بأنها تنشق أولاً فتصير كالوردة وكالدهان، وواهية وكالمهل، وتكور الشمس والقمر وسائر النجوم، ثم تطوى السماوات يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ  [الأنبياء: 104]، كما يطوي القاضي السجلات.
ونقل القرطبي في تذكرته عن أبي الحسن بن حيدرة صاحب الإفصاح أنه جمع بين هذه الأخبار بأن تبديل السموات والأرض يقع مرتين، إحداهما: تبدل صفاتهما فقط، وذلك عند النفخة الأولى، فتنثر الكواكب، وتخسف الشمس والقمر، وتصير السماء كالمهل، وتكشف عن الرؤوس، وتسير الجبال، وتموج الأرض وتنشق، إلى أن تصير الهيئة غير الهيئة، ثم بين النفختين تطوى السماء، والأرض وتبدل السماء والأرض، إلى آخر كلامه والعلم عند الله -تعالى-. [التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة ص: 506].
لكن لا شك أن هذه التغيرات تكون بعد قيام الساعة، هذه التغيرات تكون إذا قامت الساعة، وبعد النفخة الأولى تغيرات إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وتستقر الأمور، لكن ما بين ذلك تغيرات متوالية، وأشياء هائلة، الشمس والقمر يوم القيامة مع عظمهما ونورهما ضوء الشمس وضوء القمر يعتريهما من التغيرات العظيمة، قال تعالى: فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ  [القيامة: 10].
فإذا كانت القيامة برقت الأبصار من الهول وشخصت، فلا تطرف كما قال تعالى:  وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ  [إبراهيم: 43]، من الخوف والفزع، وَخَسَفَ الْقَمَرُ [القيامة: 8]، يعني ذهب نوره وسلطانه،  وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [القيامة: 9]، لأنهما لم يجتمعا منذ خلقهما الله، فإن الله خلقهما خلق الشمس والقمر وكل واحد منهما في فلك يسبح فيه، فلم يلتقيا، كل في فلك.
الآن جمع الشمس والقمر، كانت الشمس في النهار والقمر في الليل، جُمع الشمس والقمر، ويخسف القمر، وتكور الشمس، ثم يقذفان في النار؛ ليرى عباد الكواكب أنهما مسخران، فيكون في ذلك تبكيتاً لهم، و  يَقُولُ الْإِنْسَانُ  حين يرى هذه القلاقل المزعجة:  أَيْنَ الْمَفَرُّ  [القيامة: 10]، والخلاص والنجاة والفكاك مما أصابنا وطرقنا،  كَلَّا لَا وَزَرَ [القيامة: 11]، فلا ملجأ لأحد دون الله:  إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ [القيامة: 12].
وقال عز وجل:  إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ  [التكوير: 1 - 14].
فلفت الشمس، وذهب ضوؤها، كورت لفت وذهب ضوؤها، والنجوم تناثرت فذهب نورها، والجبال سيرت عن وجه الأرض، فصارت هباءً منبثاً، والنوق الحوامل تركت وأهملت، والحيوانات الوحشية جمعت واختلطت ليقتص لبعضها من بعض، والبحار أوقدت فصارت ناراً.
والعجيب أن الماء يطفئ النار، لكن هذه المرة الماء نفسه يشتعل؛ لأن البحار فجرت وسجرت، فهما تفجير وإيقاد، فهي تتوقد وتشتعل ناراً، فجرت وسجرت، وهكذا السماء قلعت وأزيلت من مكانها كشطت، والنار أوقدت، والجنة أعدت وقربت.
عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:  الشمس والقمر مكوران يوم القيامة  [رواه البخاري: 3200]، فهذا التكوير الذي أشار إليه ربنا سبحانه وتعالى بقوله: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ .
وقد أخرج الطيالسي وأبو يعلى من حديث أنس رضي الله عنه:  إن الشمس والقمر ثوران عقيران في النار  [مسند الطيالسي: 2103، ومسند أبي يعلى: 4116]، وصححه الألباني [صحيح الجامع: 1643].
 عقيران : مقعوران، وأصل العقر ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف فيهوي، ثم استعمل توسعاً في القتل أو الهلاك، فالشمس والقمر يكونان كهيئة الثور  ثوران عقيران  الذي قطعت قوائمه ليهوي، فإذاً هكذا تهوي الشمس والقمر، يجمعان ويذهب ضوؤهما، ويكوران ويرمى بهما في النار.
هل عقوبة للشمس والقمر؟ الجواب: لا؛ لأن الشمس والقمر ليس بمكلفين حتى يعاقبان، لكن هذا تبكيت وخزي لعباد الكواكب، الذين كانوا يعبدون الشمس والقمر في النار يجمع بينهم، وبين المعبود، فأي خزي أعظم من ذلك، عندما يرى عابد الشمس، وعابد القمر، وعباد الكواكب والنجوم، أن المعبودات التي كانوا يعبدونها في الدنيا ويعظمونها، وإذا أشرقت الشمس سجدوا لها، وإذا غربت الشمس سجدوا لها، عندما يرون أن هذه معهم في النار تهوي  ثوران عقيران  مكوران.
وأخرج أبو يعلى من حديث أنس -رضي الله عنه- رفعه من حديث أنس وفيه:  ليراهما من عبدهما ، مثل ما قال الله -تعالى- في عباده:  إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ  [الأنبياء: 98].
وأخرج ابن وهب في كتاب الأهوال عن عطاء بن يسار في قوله تعالى:  وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ  [القيامة: 9]، قال: يجمعانا يوم القيامة، ثم يقذفان في النار، قال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال أبو سلمه: أحدثك في الرواية قال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال أبو سلمه: أحدثك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتقول: وما ذنبهما! [ذيل طبقات الحنابلة: 1/75].
قال الشيخ عبد الرحمن المعلمي -رحمه الله-: أبو سلمه هو ابن عبد الرحمن بن عوف من كبار أئمة التابعين، مُكثر الرواية عن الصحابة، وقول الحسن لأبي سلمه: وما ذنبهما يمثل حال أهل العراق في استعجال النظر فيما يُشكل عليهم، فجواب أبي سلمه يمثل حال علماء الحجاز في التزام ما يقضي به كمال الإيمان من المسارعة إلى القبول والتسليم، ثم يكون النظر بعد. [الأنوار الكاشفة: 1/192].
قال الخطابي -رحمه الله-: "ليس المراد بكونهما في النار تعذيبهما بذلك، ولكنه تبكيت لمن كان يعبدهما في الدنيا، ليعلموا أن عبادتهم لهما كانت باطلاً"، وقيل: "إنهما خلقا من النار فأُعيدا إليها". [فتح الباري: 6/300].
وقال الإسماعيلي: "لا يلزم من جعلهما في النار تعذيبهما، فإن لله في النار ملائكة وحجارة وغيرها، لتكون لأهل النار عذاباً، وآلة من آلات العذاب، وما شاء الله من ذلك فلا تكون هي معذبة". [فتح الباري: 6/300].
وقال المناوي: "فسقط قول المشككين على الأصول الإسلامية، ما ذنبهما حتى يعذبان؟ وقال -يعني عن كلام المعترضين-: لماذا الشمس والقمر في النار؟ وماذا عملا حتى يدخلا النار؟ قال: وما هذا إلا كرجل قال في قوله تعالى:  فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ  [البقرة: 24]، ما ذنب الحجارة؟ فنقول: إذاً هذا زيادة عذاب في النار لمن كان يعبدهما من دون الله، قوم إبراهيم كانوا يعبدون الشمس والقمر والكواكب، ولذلك إبراهيم -عليه السلام- لما ناظرهم عندما رأى الشمس بازغة ورأى القمر ورأى كوكباً من باب أن يبين لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ  [الأنعام: 76]، كيف يكون إلهاً ثم يغيب [فيض القدر لزيد المناوي: 6/132].
يوم القيامة يوم طويل خمسون ألف سنة فيه مواقف ومشاهد، حتى الشمس هذه التي نتكلم عنها، والسموات إلى آخره تمر بمواقف في تغيرات، فمثلاً الشمس تدنو من رؤوس الخلائق، والشمس تُجعل في النار عذاباً لعابديها، هذه أشياء تحدث على مراحل، فالناس يقومون يوم القيامة ويجمعون في أرض المحشر، وسبق الكلام في أرض المحشر، وهل التغير في هذه الأرض التي نحن عليها تغير ذات أو تغير صفات، وهل أرض المحشر هي أرض أخرى تختلف تماماً عن هذه الأرض، أو أن أرضنا هذه وقد غيرت، وبُسطت، وصارت صقيلة، ومستوية، وأرض لم يُعمل عليها شر قط، يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ  [إبراهيم: 48] أيضاً تبدل.
تفاوت الناس في العرق:
00:15:38
 يجمع الناس في الموقع في المحشر في الكروبات، وتدن الشمس قال عليه الصلاة والسلام: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: 6] قال: يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه)) [رواه البخاري: 4938، ومسلم: 2862]، والرشح: هو العرق سُمي بذلك؛ لأنه يخرج من البدن شيئاً بعد شيئا، كما يرشح الإناء المتحلل الأجزاء.
وجاء في رواية سعيد بن داود: حتى إن العرق يلجم أحدهم إلى أنصاف أذنيه .
قال ابن حجر -رحمه الله-: "وهذا ظاهر في أن العرق يحصل لكل شخص من نفسه"، لأنه هناك بحث هل العرق الذي يغطي مستويات مختلفة من الناس هو عرق كل واحد وحده أو يشترك معه عرق الباقيين، ويسيح بعضه على بعض، قال ابن حجر -رحمه الله-: "وهذا ظاهر في أن العرق يحصل لكل شخص من نفسه" [فتح الباري: 11/393].
وقال القاضي عياض -رحمه الله-: "يحتمل أن يريد عرق الإنسان نفسه بقدر خوفه مما يشاهده من الأهوال، ويحتمل أن يريد عرقه وعرق غيره فيشدد على بعض ويخفف على بعض"، لأنه منهم من يكون العرق إلى عقبيه، وإلى ركبتيه، وإلى حقويه، وإلى ثدييه، ويلجمه إلجاماً، ويغرق في عرقه، قال: "وهذا كله بتزاحم الناس وانضمام بعضهم إلى بعض حتى صار العرق يجري سائحاً في وجه الأرض كالماء في الوادي بعد أن شربت منه الأرض وغاص فيها سبعين ذراعاً". [فتح الباري: 11/ 393].
ويبقى هذا القيام الطويل في اليوم الثقيل مدة أربعين سنة قبل أن يأذن الله -تعالى- بفصل القضاء بين خلقه، يوم القيامة طويل طوله خمسين ألف سنة، الناس يقومون في العرق أربعين سنة، الدليل الوارد في ذلك هو حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال:  يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم، قياماً أربعين سنة شاخصة أبصارهم ينتظرون فصل القضاء وينزل الله في ظلل من الغمام ، الحديث رواه الطبراني [المعجم الكبير: 9763]، وصححه الألباني في صحيح التقريب [3591].
إذاً الآن في أربعين سنة في العرق، فإن قال قائل العرق هذا لماذا يصدر بهذه الغزارة؟ فنقول: لقد اجتمع على الناس أسباب متعددة للعرق:
منها: الزحام ليس للإنسان إلا موضع قدميه، والزحام يخرج العرق.
ثانياً: دنو الشمس من رؤوس العباد وهي حامية.
ثالثاً: تقريب جهنم وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ [الفجر: 23] ولها حرارة.
رابعاً: الخوف والفزع، فإن الإنسان إذا خاف وفزع عرق، فهذه الأسباب المجتمعة تجمع الناس عقول، وكل واحد عرقه مستواه على حسب أعماله، فمنهم من يكون إلى عقبيه، وإلى أنصاف ساقيه، وإلى ركبتيه، وإلى حقويه، وإلى ثدييه، وهكذا.
ومن عجيب ما يحدث للشمس في ذلك اليوم أنها تدنو من الخلائق حتى تكون من رؤوسهم على مقدار ميل؛ فلذلك يشتد ما بهم من العرق، غير أن من رحمة الله -تعالى- بعباده أنهم يتفاوتون بحسب أعمالهم، فروى مسلم عن المقداد بن الأسود قال: "سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:  تُدْنَى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل ، قال سُليم بن عامر: "والله ما أدري ما يعني بالميل؟ أمسافة الأرض، أم الميل الذي تكتحل به العين"، فهذا الميل الذي يدخل في المكحلة لتكحيل العين، ميل قصير، فهل أراد به هذا الميل، أو أراد به مسافة الميل المعروفة، طبعاً الميل على ما كانت تقيس به العرب، وهو قريب من الميل هذا المعروف في المسافة، لكن بينهما اختلاف في الطول، طبعاً حتى الميل الشمس الآن ثلاثة وتسعين مليون المسافة، فكيف إذا صارت على مقدار ميل؟
قال:  فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً  قال: فأشار النبي -صلى الله عليه وسلم- بيده إلى فيه فإذاً يغطيه" [رواه مسلم: 2864]، يلجمه يصبح كاللجام يغطيه.
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث أحمد عن عقبة بن عامر:  تدنو الشمس من الأرض، فيعرق الناس فمن الناس من يبلغ عرقه عقبيه، ومنهم من يبلغ إلى نصف الساق، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ العجز، ومنهم من يبلغ الخاصرة، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ عنقه، ومنهم من يبلغ وسط فيه  وأشار بيده فألجمها فاه" -غطى بها الفم- "رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يشير هكذا، ومنهم من يغطيه عرقه تغطية تامة  وضرب بيده إشارة" [رواه أحمد: 17475]، وصححه الألباني في الترغيب [3588].
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "الأولى أن تكون الإشارة بمن يصل الماء إلى أذنيه إلى غاية ما يصل الماء، ولا ينفي أن يصل الماء لبعضهم إلى دون ذلك". [فتح الباري: 11/146].
واستشهد بالحديث السابق، وأيده أبي المقداد قال: فإنه ظاهر في أنهم يستوون في وصول العرق إليهم، ويتفاوتون في حصوله فيه، إذاً: كل واحد يصل إليه العرق، لكن كل واحد يختلف مستوى العرق بالنسبة إليه على حسب عمله.
حال المؤمنين في يوم القيامة:
00:22:35
 غير أن الله -تعالى يلطف- بعباده المؤمنين في ذلك اليوم، ولذلك هناك أناس في ظل العرش، وهناك أناس تضلل عليهم قراءتهم للبقرة وآل عمران؛ لأنه قال:  تأتيان كغمامتان، أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف، فتضللان على صاحبهما  [رواه مسلم: 804].
القراءة التلاوة هذه تأتي كالغمامة تضلل على صاحبها، فالناس يحتاجون جداً إلى ظل من هذا الكرب، من هذا العرق، هذا اليوم الطويل خمسون ألف سنة فيه هذه المواقف العظيمة، ومشاهد الحساب، وتطاير الصحف.
هذا اليوم كم طوله على المؤمنين؟ هل هم فعلاً يكونون فيه كخمسين ألف سنة، أو أنه يختلف في الطول على حسب الإيمان والعمل الصالح؟
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:  يوم يقوم الناس لرب العالمين، قال: مقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة، فيهون ذلك على المؤمن كتدلي الشمس إلى أن تغرب ، [رواه ابن حبان:  7333 ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب: 3589].
تدلي الشمس يعني ميلانها إلى الغروب إلى أن تغرب، وهذا زمن يسير، في رواية أخرى روى الحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:  يوم القيامة على المؤمنين كقدر ما بين الظهر والعصر  [رواه الحاكم في المستدرك: 284، وصححه الألباني صحيح الجامع: 8193].
تغيرات العالم السفلي:
00:24:28
 ومن الأهوال التي تكون أيضاً يوم القيامة دك الأرض، فإذا تشققت السماء، وتفطرت، ومارت، أي: دارت واضطربت، فلا عجب أن تضطرب أحوال الأرض وتتغير، فالأرض ثابتة وراسية بالجبال،  وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا [النازعات: 32] ، فهي أوتاد تثبت الأرض، فإذا زالت الجبال فماذا سيحدث للأرض؟ قال تعالى:  إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا [الزلزلة: 1]،  كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا  [الفجر: 21]، والدك الكسر والدق، والزلزلة الحركة العظيمة التي تكسر كل شيء على ظهر الأرض، فدكت جبالها، وهضباتها، ومرتفعاتها حتى استوت، ودكت استوت في الانفراش فذهبت دورها وقصورها وجبالها وسائر أبنيتها، وسميت الدكان دكاناً لاستوائه في الانفراش، وهذا معنى قول ابن مسعود -رضي الله عنه-: "تمد الأرض مد الأديم". [تفسير القرطبي: 20/54].
 كالبساط، وقد نص القرآن الكريم على أن الأرض بجبالها ستدك مرة واحدة، قال عز وجل:  فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ  [الحاقة: 13 - 15].
قال الشيخ السعدي -رحمه الله-: "أول ذلك أن ينفخ إسرافيل في الصور إذا تكاملت الأجساد نابتة نفخة واحدة، فخرجت الأرواح، فتدخل كل روح في جسدها". [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: 1/883].
فإذاً بين النفختين كما ذكرنا في درس سابق ينزل الله من السماء ماء كالطل، أو مطراً كالرش الخفيف، فينزل على الأرض وفيها عجب الذنب من كل إنسان موجود باق منه يركب الخلق فينبت كل جسد من هذا العظم الصغير المستدق، فإذا تكاملت الأجساد بين النفختين أمر الله إسرافيل بالنفخة الثانية، فتطير الأرواح وتدخل في الأجساد، وعند ذلك يقومون من قبورهم، قال: "فخرجت الأرواح فتدخل كل روح في جسدها فإذا الناس قياماً لرب العالمين". [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: 1/883].
 وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ، أي: فتتت الجبال بالأرض، ونسفت عليها فكان الجميع  قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا  [طه: 106-107].
وقد بينت الآيات التحولات التي ستكون للجبال، قال عز وجل: يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا  [المزمل: 14]، أي: تصبح ككثبان الرمل بعد أن كانت صلبة صماء، والرمل المهيل: هو الرمل إذا أخذت منه شيئاً تبعك ما بعده، الرمل إذا أخذت منه شيئاً انحدر ما بعده، هذا الرمل المهيل.
فلله كم شدة الأهوال في ذلك اليوم! وما أعظم ما يقع فيه من الأمور الثقال! فهذه الجبال الراسيات العظيمة التي يُضرب بعظمها وثباتها الأمثال قد صارت في ذلك اليوم مهيلاً، وصارت أيضاً مثل العهن وهو الصوف  يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ  [المعارج: 9]، فتغير كل شيء عن ما كان الناس يعرفونه، فلا الناس بالناس الذين تعرفهم، ولا الأرض بالأرض التي كنت تعرفها،  يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ  [القارعة: 5].
فيصبح الناس في تلك الأهوال كالفراش المنتشر، والجراد الذي يموج بعضه في بعض، ويا لضيعة هذا الفراش أين يذهب؟!، فإنه يرمي نفسه هاهنا وهاهنا، فإذا كان هذا حال الناس أهل العقول، فكيف بغيرهم؟
فهذه الجبال الصم الصلاب تكون كالعهن المنفوش، يعني: كالصوف المنفوش الذي بقي ضعيفاً جداً يتطاير من الرياح، ثم ينسفها الله فتكون هباءً منثوراً، وتضمحل لا يبقى منها شيء، ويبقى مكان هذه الجبال خاوياً خالياً قاعداً مستوياً وتصبح الأرض سطحاً واحداً ليس فيه ارتفاع، ولا انخفاض، فحينئذ تنصب الموازين، وينقسم الناس قسمين: سعداء وأشقياء،  وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا  ، فإذاً نسف مهيل، وكالعهن المنفوش، فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا * يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا * وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا  [طه: 105-111].
والبحار تتفجر وتشتعل ناراً، قال ابن عباس -رضي الله عنه-: "فجر الله بعضها في بعض"، وقال الحسن: "فجر الله بعضها في بعض فذهب مائها"، وقال قتادة: "اختلط عذبها بمالحها". [تفسير ابن كثير: 8/341].
وهذا التفجير للبحار الهائلة الذي تسجر وتشتعل على إثره، وتنقلب جحيماً مضطرباً، وتزلزل  الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا  [الزلزلة: 1] ، ولذلك يكون يوم الزلزلة، إنها ليست زلزلة بلدة، ولا قرية، ولا ناحية، ولا موضع، زلزلت الأرض جميعاً.
 وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا  [الزلزلة: 2]، فترجف وترتج حتى يسقط كل ما عليها، وأخرجت ما في بطنها من الأموات والكنوز،  وَقَالَ الْإِنْسَانُ  إذا رأى ذلك مستعظماً مما هاله  مَا لَهَا  أي: شيء عرض لها،  يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا  فتشهد بما عمل عليها العاملون من خير أو شر، ويأمرها ربها أن تتكلم وتخبر بما حصل عليها فلا تعصي أمره،  يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا [الزلزلة: 3 - 5] ، ف يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ  [الزلزلة: 6] ويكون أهل السعادة أصحاب الموازين الثقيلة، وأهل الشقاوة الذي خفت موازينهم، ويكون الحساب والوزن دقيقاً حتى الذرة، لا يأخذ أحد شيئاً من الكنوز التي في الأرض.
يقول النبي -عليه الصلاة والسلام-:  تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الْأُسْطُوَانِ من الذهب والفضة..  [رواه مسلم: 1013].
ما معنى الْأُسْطُوَانِ ؟ الْأُسْطُوَانِ القطع المدفونة فيها، الاسطوانة هي السارية أو العمود، شبه الكنوز التي في الأرض بالأسطوان لكثرته وعظمه،  تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الْأُسْطُوَانِ من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت ، قطع ماذا؟ قطع رحمه، هذه رواية مسلم.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً [رواه مسلم: 1013].
إذاً: المال سبب الاختلاف والقتل والسرقة والاعتداء وقطع الرحم، فالأرض تقيء ما فيها تخرج كل ما فيها من الكنوز، كل الذهب والفضة أمثال الأسطوان، أسطوانات كالأعمدة تخرجها، كالسارية والعمود، وتشهد بما عُمل عليها.
تمييز أهل النار من أهل الجنة:
00:34:42
 قال الله تعالى:  يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ   [الحج: 1]، روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  يقول الله -عز وجل-: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، قال: يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين ، ما هو أول نداء يوم القيامة؟ أول نداء من الله إلى آدم -عليه السلام- جاء بيانه في الحديث: روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  يقول الله -عز وجل-: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، قال: يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين ، لما يقول هذه الكلمة، لما يقول الله لآدم أخرج بعث النار، قال:  فذاك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد ، قال: فاشتد عليهم" -يعني: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين في النار، إذاً من بقي، من الذي سينجو" "فاشتد عليهم، قالوا: يا رسول الله، أينا ذلك الرجل؟ فقال: أبشروا، فإن من يأجوج ومأجوج ألفاً ومنكم رجل ، ثم قال:  والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا ربع أهل الجنة ، يعني هؤلاء منهم؟ أهل الإجابة من أمته؛ لأنه من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- كفرة وملاحدة ومرتدون ومجرمون، ومنهم من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- ناس استجابوا هؤلاء كم نسبتهم في أهل الجنة بالنسبة لبقية الأمم؛ لأن من بقية الأمم ناس استجابوا، فكم نسبة المستجيبين من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى بقية الأمم في الجنة؟
 والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا ربع أهل الجنة  فحمدنا الله وكبرنا، ثم قال:  والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة  فحمدنا وكبرنا، ثم قال:   والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة، إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود  [رواه البخاري: 3348، ومسلم: 222].
إذاً: الأمة هذه فيها ميزات وتتميز عن غيرها بأشياء.
وفي صحيح مسلم في حديث الدجال وأشراط الساعة في آخره  ثم يقال: يا أيها الناس! هلم إلى ربكم  وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ  [الصافات: 24]، ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال: من كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال: فذاك يوم يجعل الولدان شيبا، وذاك يوم يُكشف عن ساق [رواه مسلم: 2940].
فهذا النداء من الله -تعالى- لآدم أول ما ينادي الله يوم القيامة أحداً من الناس، والدليل على ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:  أول من يدعى يوم القيامة آدم فتراءى ذريته، فيقال: هذا أبوكم آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: أخرج بعث جهنم من ذريتك، فيقول: يا ربي كم أخرج؟ فيقول: أخرج من كل مائة تسعة وتسعين ، فقالوا: يا رسول الله، إذا أُخذ منا من كل مائة تسعة وتسعون فماذا يبقى منا؟ فقال:  إن أمتي في الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود  [رواه البخاري: 6529].
ومعنى  تتراءى : وتراءى الشخصان تقابلا بحيث صار كل منهم يتمكن من رؤية الآخر.
وقوله:  لبيك وسعديك والخير في يديك : لا يعني أن الشر ليس بتقديره تعالى، بل من تقديره أيضاً، ولكن أدباً مع الله، اقتصر على ذكر الخير.
وقوله:  أخرج بعث النار : البعث المبعوث، ومعناه ميز أهل النار من غيرهم، فلماذا خُص آدم بذلك؛ لأنه والد الجميع، ولكونه قد عرف أهل السعادة من أهل الشقاء؛ لأن آدم لما خلقه الله استخرج ذريته من ظهره وألقى على بعضهم نوراً بقي الآخرون في الظلمة، ورآه النبي -عليه الصلاة والسلام- يوم الإسراء والمعراج ليلة المعراج ينظر إلى مجموعة أيمن منه أسوده ويضحك، وإلى ناس شمالاً أيسر منه فيبكي، فلما سأل عن ذلك أجاب، عن يمنيه أَسْوِدَةٌ وعن شماله أَسْوِدَةٌ [رواه البخاري: 3342]،  قال: وما بعث النار : ما مقدار مبعوث النار.
وفتح الله -سبحانه وتعالى- على هذه الأمة بأن جعل يأجوج ومأجوج يكثرون النسبة، فإنهم كفار وسيدخلون النار، وعددهم رهيب جداً، ما هو الجمع بين رواية  من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين ،  ومن كل مائة تسعة وتسعين ؟
ذكر العلماء أجوبة من ذلك قالوا: نسبة الكفار الذين يدخلون النار بالنسبة للمؤمنين تسعمائة وتسعة وتسعين إلى واحد، ونسبة الناجين من النار من أهل الطاعة إلى العصاة واحد إلى تسعة وتسعين، فنسبة المؤمنين إلى الكفار واحدة إلى تسعة وتسعين، فالعصاة إذا دخلوا النار دخولاً مؤقت، والكفار إذا دخلوا النار دخولاً أبدي، لما يقول:  يا آدم، أخرج بعث النار يقول: كم أخرج، فيقول له:  من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين ، قال عليه الصلاة والسلام:  فذاك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها.. ، الحديث.
فالإشكال هو الآن إن ذلك الوقت ليس بوقت وضع، ولا شيء فكيف يكون هذا؟ فقال بعض العلماء: لو كان هنالك حوامل لوضعت.
وقال ابن حجر: "يحتمل أن يُحمل على حقيقته"، طيب كيف يحمل على حقيقته، وهل سيكون يوم القيامة هناك حوامل وهناك أطفال؟ قال: فإن كل أحد يُبعث على ما مات عليه، "فتبعث الحامل حاملاً، والمرضع مرضعة، والطفل طفلاً فإذا وقعت زلزلة الساعة، وقيل ذلك لآدم، ورأى الناس آدم، وسمعوا ما قيل له وقع بهم من الوجل ما يسقط معه الحمل، ويشيب له الطفل، وتذهل به المرضعة" [فتح الباري: 11/390].
ما في ناس ماتوا أطفالاً، ما في نساء متن وفي بطونهن حمل، يُبعثون على ما هم عليه في حامل وفي مرضع وفي أطفال، فإذا سمع الناس هذه الكلمة:  يا آدم، أخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين ، الناس كلهم يصيبهم الهول والفزع، فالحامل منهم تُسقط، والطفل يشيب  فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا  [المزمل: 17]، فيوم القيامة طويل يطلق على ما بعد نفخة البعث من أهوال وزلزلة إلى استقرار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار.
وقد جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو في أشراط الساعة أنه ذكر النفخ في الصور إلى أن قال:  ثم نفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون، يقال: أخرجوا بعث النار ، فذكره قال: فذاك يوم يُجعل الولدان شيباً  [رواه مسلم: 2940].
وذكر الحليمي -رحمه الله- واستحسنه القرطبي أنه يحتمل أن يحيي الله حينئذ كل حمل كان قد تم خلقه، ونفخت فيه الروح فتذهل الأم حينئذ عنه، بعد أربعة أشهر ينفخ الروح في الحمل ففي أجنة سقطت بعد نفخ الروح. [فتح الباري: 11/391].
وفي أجنة ماتت عند الولادة، في أطفال أو رُضع ماتوا بعد الولادة هؤلاء كلهم كل واحد نفخ فيه الروح سيُبعث، فأمه تذهل عنه مع أنها قد حملته بعض المدة، أو كل المدة، أو كانت ترضعه فتذهل عنه؛ لأنها لا تقدر على إرضاعه من الهول ثم لا غذاء ولا لبن، وأما الحمل الذي يسقط قبل نفخ الروح فلا يُبعث؛ لأنه لا يُبعث إلا من كان فيه حياة فيه روح هذه الروح التي قُبضت تُعاد، لكن إذا ما في روح أصلاً، فهذا جواب من قال: الأجنة التي سقطت ما مصيرها؟ يوم البعث والنشور؟ فنقول: الأجنة التي سقطت بعد أربعة أشهر هذه تكون موجودة يبعثها الله، ولكن الأمهات تذهل عنها من الهول، وقوله في الحديث: "فاشتد ذلك عليهم"، وفي رواية ابن عباس: "فشق ذلك على القوم ووقعت عليهم الكآبة والحزن" [المستدرك: 8697]، على الصحابة لما سمعوا هذا، "قالوا: وأينا ذلك الرجل"، يعني: من الذي سينجو فهذا من خوفهم من الله، واستعظامهم للأمر، واستشعارهم للخوف، "فقال عليه الصلاة والسلام:  أبشروا ، وفي رواية: "فقالوا" يا رسول الله، إذا أخذ منا من كل مائة تسعة وتسعون فماذا يبقى". [رواه البخاري: 6529].
وفي رواية: "فبكى أصحابه" [رواه أحمد: 27529]، وفي رواية:  اعملوا وأبشروا  [رواه الترمذي: 3169] قال:  فإن من يأجوج ومأجوج ألفاً، ومنكم رجل ، فيه إشارة إلى أن يأجوج ومأجوج داخلون في العدد، وداخلون في الوعيد المذكور، وكذلك أهل الشرك، "قال:  ومنكم رجل  فإن المخرج منكم رجل.
والإشارة بقوله: منكم ، إلى المسلمين من جميع الأمم؛ لأن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة.
السماوات والأرض يوم القيامة:
00:48:15
 وقد جاء في الكتاب العزيز أن  الْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ  [الزمر: 67].
وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: "جاء حبر" يعني: من اليهود، وهؤلاء كان عندهم بقايا من علم صحيح وخلطوا وحرفوا وكذبوا وبدلوا، لكن بقي عندهم بقايا من علم صحيح من التوراة من نبوة موسى عليه السلام، "جاء حبر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا محمد! أو يا أبا القاسم! إن الله -تعالى- يُمسك السموات يوم القيامة على إصبع، والأرضين على أصبع، والجبال والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، أنا الملك، فضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تعجباً مما قال الحبر وتصديقاً له، ثم قرأ:   وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ  [الزمر: 67] [رواه مسلم: 2786].
قال ابن القيم -رحمه الله-: "فكان هذا رداً على المشركين والمعطلين الجاحدين لتوحيده وصفاته". [الصواعق المرسلة: 4/1363].
إذاً نؤمن بما جاء عن الله على مراد الله، وبما جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على مراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، اليهود علموا أشياء من الحق، ومنها هذا كما قال الله:  تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا   [الأنعام: 91].
وهذا الحديث يُبين أن لله -تعالى- صفة الأصابع على ما يليق بجلاله وعظمته، ليست كأصابع البشر، لكن له اليد والوجه والأصابع، وغير ذلك من الصفات، كالسمع والبصر حقاً على الحقيقة، كما يليق به -عز وجل- وأن الحق يُقبل حتى لو جاء به يهودي، إذا قال كلاماً وافق ما عندنا في الكتاب والسنة أقررنا به، وليس لأنه قال فلان رددناهـ ولأنه قال فلان قبلناه، لا، إذا وافق الكتاب والسنة قبلناه،  وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ  [المائدة: 48] ، بأشياء بقيت إلى عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- وجاء القرآن على النبي -عليه الصلاة والسلام- نزل مصدقاً لما بين يديه ورأى بعض ذلك، يوم القيامة يظهر لك أحد أن الله -تعالى- هو الملك حقاً، وزالت الأنداد والشركاء وذهب الملك والسلطان إلا ملك الله،  هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة: 29]،  يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ  [غافر: 16]، تتجلى عظمة الله -تعالى- وبين الأهوال والشدائد الثقال يطوي الكبير المتعال السماء بيمينه قال تعالى:  يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء: 104].
فأخبر في هذه الآية أنه عز وجل يوم القيامة يطوي السموات على عظمها واتساعها كما تطوى الصحيفة على ما كُتب فيها، ويكور شمسها وقمرها، ويزيلها عن أماكنها  كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ  [الأنبياء: 104]، وقال عليه الصلاة والسلام:  يقبض الله -تبارك وتعالى- الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض  [رواه البخاري: 4812، ومسلم: 2787].
وإذا أفنى الله الخلق قبل يوم القيامة قال بعض العلماء: "أنه تعالى ينادي في السموات والأرضين، وقد مات الناس كل من عليها فان،  أنا الملك أين ملوك الأرض ، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه بنفسه تعالى"، والمنادي ينادي بعد حشر الخلق على أرض بيضاء مثل الفضة، هذا القول الآخر لم يُعصى الله عليها على ما يأتي لمن الملك اليوم فيجيبه العباد لله الواحد القهار، جاء هذا القول عن ابن مسعود -رضي الله عنه- وهو صحيح عنه، ولا يؤخذ بالقياس فلا بد أن يكون قد أخذه من النبي -صلى الله عليه وسلم-.
إذاً قيل أنه يقول بعدما ينفي الخلق لمن الملك اليوم فيجيب نفسه بنفسه؛ لأنه لا أحد يجيب لله الواحد القهار، وقيل: عندما يجمع الناس في أرض المحشر يقول لمن الملك اليوم فيجيبه الناس لله الواحد القهار.
مجيئ الله -سبحانه وتعالى- لفصل القضاء:
00:54:17
 أما مجيئه تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: 22]، فإنه شيء عظيم قال سبحانه:  هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ [البقرة: 210]، فأثبت تعالى لنفسه صفة المجيء والإتيان، أنه يأتي ويجيء، وقال مهدداً للكافرين:  هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ ، هل ينتظرون إلا ذلك اليوم الذي يأتيهم الله فيه تعالى، والملائكة تأتي كذلك، يأتيهم ربنا في ظلل من الغمام والملائكة، وكما قال في الصورة الأخرى:  وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا  [الفجر: 22].
وروى جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: "لما رجعت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مهاجرة البحر"، من هم الذين هاجروا في البحر؟ أهل الهجرة إلى الحبشة عبروا البحر إلى الحبشة، هاجروا في سبيل الله، "لما رجعوا من الحبشة وكان النبي -عليه الصلاة والسلام- في المدينة قال: ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟ قال فتية منهم: بلى يا رسول الله! بينا نحن جلوس مرت بنا عجوز من عجائز رهابينهم تحمل على رأسها قلة من ماء، فمرت بفتى منهم" -شاب طائش- "فجعل إحدى يديه بين كتفيها ثم دفعها" -عجوز تحمل قربة ماءها على رأسها فجاء هذا الفتى المؤذي فجعل إحدى يديه بين كتفيها ودفعها- "فخرت على ركبتيها فانكسرت قلتها"، إيذاء العباد، "فلما ارتفعت التفتت إليه فقالت: سوف تعلم يا غُدر إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غداً، قال: يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  صدقت صدقت ، هنا علمنا أن هذا كلام حق، لما صدق النبي -صلى الله عليه وسلم- قول الحبشية العجوز علمنا أن هذا الكلام صحيح، قال: صدقت صدقت، كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم [ابن ماجه: 4010]، وحسنه الألباني [صحيح ابن ماجة: 4000].
قال الله تعالى:  وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ  [الزمر: 70]، فإذا جاء الله -عز وجل- لفصل القضاء إلى أرض المحشر سبحانه وتعالى، ينزل كيف يشاء، ينزل لفصل القضاء بين العباد، فأضاءت الأرض بنور ربها حين يبرز الرحمن لفصل القضاء بين الخلق.
قال ابن كثير: "أضاءت إذا تجلى الحق جل وعلا للخلائق" [تفسير ابن كثير: 5/162].
عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:  يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياماً أربعين سنة شاخصة أبصارهم ينتظرون فصل القضاء، وينزل الله -عز جل- في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي، ثم ينادي مناد أيها الناس! ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً أن يولي كل أناس منكم ما كانوا يتولون ويعبدون في الدنيا؟! أليس ذلك عدلاً من ربكم؟ قالوا: بلى، فينطلق كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويتولون في الدنيا  رواه الطبراني [المعجم الكبير: 9763]، وصححه الألباني في صحيح الترغيب [3591].
طبعاً يتبع عباد الصليب الصليب، يتبع عباد الكواكب الكواكب، وهكذا، نوليه ما تولى، وعن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:  إن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية  [رواه الترمذي: 2382، وصححه الألباني صحيح الترغيب: 1335].
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في شرح حديث النزول طرق كثيرة لهذا الحديث، وجزم بأنه من الأحاديث المتواترة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في نزوله تعالى في نزول رب العزة لفصل القضاء بين العباد، ينزل لفصل القضاء بين العباد.
قال ابن القيم -رحمه الله-: "وهذا النزول إلى الأرض يوم القيامة قد تواترت به الأحاديث والآثار، ودل عليه القرآن صريحاً في قوله تعالى:  هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ  [الأنعام: 158] [زاد المعاد: 3/588].
والطريق الحق في هذا إثبات ما أثبته الله لنفسه من النزول، والإتيان، والمجيء لفصل القضاء، ونصب الكرسي، وأنه ينزل من العرش إلى الكرسي كما يليق به عز وجل،  لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ  [الشورى: 11].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في شرح حديث النزول ناقلاً عن أبي عمر الطلمنكي من أئمة السلف: "أجمعوا يعني أهل السنة والجماعة على أن الله يأتي يوم القيامة والملائكة صفاً صفاً لحساب الأمم وعرضها كما يشاء وكيف يشاء سبحانه وتعالى" [شرح حديث النزول: 2/311].
أنواع من العذاب في أرض المحشر:
01:01:30
 يوم القيامة تجيء جهنم، قال عز وجل:  وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ  [الفجر: 23]، وهذا منظر فضيع، وشأن مهول، قال عليه الصلاة والسلام:  يؤتى بجهنم يومئذ سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها [رواه مسلم: 2842]، يؤتى بها من المكان الذي خلقها الله -تعالى- فيه يؤتى  وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى  [الفجر: 23].
الزمام ما يُجعل في أنف البعير يجرونه به،  لها سبعون ألف زمام ، يؤتى بها من المكان الذي خلقها الله فيه إلى الموقف ليراها الناس ترهيباً لهم، فجهنم لم تنتظر مجيئهم إليها بل جيء بها إليهم، تجرها الملائكة الشداد، فياله من مشهد للملك والملكوت والعزة والجبروت حين يذل الله العصاة والمجرمين بجر جنهم إليهم، الملائكة سبعون ألف ملك على كل زمام أربعة آلاف وتسعمائة مليون ملك يجرون جنهم، وإذا كان المؤمنون يؤوون إلى ظل عرش الرحمن فإن المجرمين يؤوون إلى ظل النار في أرض الموقف وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا  [النساء: 57]، وظل العرش الذي يؤوون إليه يوم القيامة قبل دخول الجنة كرامة من الله لهم على أعمالهم العظيمة يقابلهم به من يقول الله لهم:  انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ * إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ  [المرسلات: 32]، الشرارة كالقصر في الحجم، الشرارة التي نحن من نار الدنيا نراها، الشرر الصغير الدقيق شرر النار يوم القيامة وجيء بها كأنها جمالة صفر ظل النار التي تتمايز في خلاله ثلاث شُعب، أي: قطع من النار تتعاوره وتتناوبه وتجتمع به، لا ظليل، ولا راحة، ولا طمأنينة فيه، ولا يغني من مكث فيه من اللهب، بل قد أحاطه،  إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ  [المرسلات: 33]، الجمال السوداء التي تضرب إلى لونه إلى الصفرة، وهذا يدل على أن النار مظلمة ولهبها وجمرها وشررها، وأنها سوداء كريهة المرأى شديدة الحرارة نسأل الله العافية.
وصف الله -تعالى- يوم القيامة في كتابه بأنه يوم عبوس قمطرير، يعني: طويلاً، قال:  تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ   [المعارج: 4].
إنه يوم ثقيل، كانوا في الدنيا يتركون يومهم مثقلاً بالمعاصي، فجاءهم اليوم الثقيل الطويل الآن مقداره خمسين ألف سنة، مانعي الزكاة الذي لم يؤدي حق الله فيها يؤتى به يوم القيامة، ويؤتى بالذهب والفضة الذي ما أدى حق الله فيه تُصفح صفائح من نار ويُحمى في نار جهنم ثم يكوى بها جنبه وجبينه وظهره، يأتيه السائل من الأمام فيصد عنه بالجنب، فيأتي أمامه فيلقيه ظهره، فلذلك يكوى بها جبينه وجنبه وظهره كلما بردت أعيدت له قال عليه الصلاة والسلام: في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، وكذلك الأبل والغنم والبقر التي ما أدى حق الله فيها زكاة السائمة، زكاة بهيمة الأنعام، زكاة عروض التجارة  بُطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيلاً واحداً، تطأه بأخفافها، وتعضه بأفواهها، وتنطحه بقرونها، وتطأها بأظلافها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة  [رواه مسلم: 987].
 بُطح لها بقاع  يعني: مستوي واسع من الأرض قرقر المستوي أيضاً، وهل يكون بطحه على وجهه؟ قال بعض العلماء ذلك، وقال بعضهم: ليس بشرط وإنما كما جاء في رواية البخاري يُخبط وجهه بأخفافها، فمعناها أنه يُبسط ويمد على هذه الأرض المستوية ويكون على وجهه وقد يكون على ظهره فتطأه وتعضه وتنطحه خمسين ألف سنة.
خصائص أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- يوم القيامة:
01:07:47
 هذه الأمة يوم القيامة لها ميزات عظيمة فهي تسبق الأمم الأخرى، قال عليه الصلاة والسلام:  نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فُرض عليهم، فاختلفوا فيه فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غداً، والنصارى بعد غد  [رواه البخاري: 876، ومسلم: 855].
فنحن لنا يوم الجمعة واليهود السبت والنصارى الأحد،  نحن الآخرون السابقون يوم القيامة  ما معنى هذا؟ الآخرون زماناً الأولون منزلة، فهذه الأمة وإن كانت آخر أمة في هذه الدنيا، آخر أمة وجدت وخُلقت  أنتم توفون سبعين أمة أنتم أكرمها على الله  [رواه أحمد: 20037، وصححه الألباني صحيح الجامع الصغير: 2301]، وإن وجدت في آخر الزمان لكن يوم القيامة تسبق كل الأمم، قال عليه الصلاة والسلام:  نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق  هذه رواية مسلم [856].
هذه الأمة سيدخل منها سبعون ألفاً الجنة بغير حساب، وبين من هم.
هذه الأمة تشهد لكل الأنبياء السابقين يوم القيامة، قال عليه الصلاة والسلام:  يُدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته  -أمة نوح الذين كذبوه وأغرقهم الله- يقال لهم يوم القيامة:  هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير ، كذبوا في الدنيا ويكذبون في الآخرة، فيقول: من يشهد لك ، يا نوح من يشهد لك أنك بلغت أمتك، من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته  ، مع أننا نحن ما وجدنا في زمن نوح ولا شهدنا لكن سنشهد لنوح أنه بلغ، وكل الأنبياء أنهم بلغوا، من أين لنا هذا العلم وما شهدنا إلا بما علمنا؟ من القرآن، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فتشهدون أنه قد بلغ ويكون الرسول عليكم شهيدا  [رواه البخاري: 4487].
فذلك قوله جل ذكره: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ [البقرة: 143]، والوسط العدل، وفي رواية لابن ماجه:  فتدعى أمة محمد فيقال: هل بلغ هذا أمته؟ فيقولون: نعم، فيقال: وما علمكم بذلك؟  وما أدراكم أنه بلغ أنتم ما كنتم في عهده وزمنه،  فيقولون: أخبرنا نبينا بذلك أن الرسل قد بلغوا فصدقناه  [رواه ابن ماجه: 4284، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة: 2448]، الحديث صححه الألباني،  لتكونوا شهداء  كيف يعني تكونوا شهداء على الناس؟ تشهدون لكل نبي أنه بلغ أمته، فنحن شهداء على قوم نوح، وعلى قوم هود، وعلى قوم صالح، وعلى قوم شعيب أن رسلهم بلغتهم وأنهم كذبوا.
يوم القيامة في أحداث كثيرة جداً وسنأتي على مزيد منها إن شاء الله، وقد عرفنا في هذا الدرس ما يكون من التغيرات في العالم العلوي وفي الأرض، وما يكون من شيء من الأهوال في ذلك الموقف كتقريب الشمس، والحر، وبعض الأحوال للناس في ذلك المقام وبعث النار، والمسلم عليه أن يتفطن لهذا الأمر وأن يعي ماذا سيحدث وأن يتفكر في هذه الأهوال حتى يستعد.
مثل لنفسك أيها المغرور *** يوم القيامة والسماء تمور
إذا كورت شمس النهار وأدنيت *** حتى على رأس العباد تسير
وإذا النجوم تساقطت وتناثرت *** وتبدلت بعد الضياء كدور
وإذا البحار تفجرت من خوفها *** ورأيتها مثل الجحيم تفور
وإذا الجبال تقلعت بأصولها *** فرأيتها مثل السحاب تسير
وإذا العشار تعطلت وتخربت *** خلت الديار فما بها معمور
وإذا الوحوش لدى القيامة احشرت *** وتقول للأملاك أين تسير
وإذا تقاة المسلمين تزوجت *** من حور عين زانهن شعور
وإذا الموؤدة سئلت عن شأنها *** وبأي ذنب قتلها ميسور
وإذا الجليل طوى السماء بيمينه *** طي السجلِّ كتابه المنشور
وإذا الصحائف نشرت فتطايرت *** وتهتكت للمؤمنين ستور
وإذا السماء تكشطت عن أهلها *** ورأيت أفلاك السماء تدور
وإذا الجحيم تسعرت نيرانها *** فلها على أهل الذنوب زفير
وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت *** لفتى على طول البلاء صبور
وإذا الجنين بأمه متعلق *** يخشى القصاص وقلبه مذعور
هذا بلا ذنب يخاف جنينه *** كيف المصر على الذنوب دهور؟!
[التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة ص: 545]
نسأل الله تعالى أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن ينجينا من كربات يوم القيامة، وأن يجعلنا فيه من الفائزين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.