الإثنين 24 محرّم 1441 هـ :: 23 سبتمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

21- المصلحة والنص الشرعي 1


عناصر المادة
من أوجه الاستدلالات المنحرفة: الخطأ في الاستدلال بالمصالح:
المصالح هي: المنافع، والمفاسد: هي المضارُّ:
الشَّريعة كُلُّها قائمةٌ على تحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة:
المصالح التي راعتها الشَّريعة على ثلاث درجات:
ما هي الأشياء التَّحسينية:
المصالح التي قصد الشَّرع تحقيقها:
من أعظم مقاصد الشَّرعية: تزكية النُّفوس بمقامات الإيمان:
كُلَّ ما منع منه الشَّرع إمَّا مفسدته خالصةٌ أو مفسدته تربو على مصلحته:
لماذا يستاؤون من تطبيق الحدود:
الشَّرع هو المعيار في معرفة المصالح والمفاسد:
التَّكاليف الشَّرعية مشقةً وصعوبةً:
ليبس كُلُّ ما عدَّه النَّاس مصلحةً يكون مصلحةً في حقيقة الأمر:
بعض النَّاس قد يتخيَّلون أن المصالح في بعض الأشياء المحرَّمة:
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّنا محمدٍ صلَّى الله عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
من أوجه الاستدلالات المنحرفة: الخطأ في الاستدلال بالمصالح:
00:00:16
 فإنَّ من أوجه الاستدلالات المنحرفة: الخطأ في الاستدلال بالمصالح، ولا بُدَّ هنا من بيان الموقف من النُّصوص الشَّرعية والمصالح؛ لأنَّ من الموضوعات المهمَّة التي يكثر فيها لبسُ الحقِّ بالباطل: المصالح والمقاصد، وكثيرًا ما يتكئُ أصحابُ الاتجاهات المنحرفة في الاستدلالات على هذا الباب، سواءً كانوا من حزب الإسلام المدني أو المدرسة التَّنويرية أو ما يُعرف بالعقلانيين، أو مدرسة التَّيسير أو الليبراليين والليبروإسلاميين، ومن يتقاطع معهم من أهل النَّفاق والعلمنة، يلجأ هؤلاء في كثيرٍ من الأحيان إلى باب المصالح والمقاصد لتحقيق مآرابهم ومقاصدهم في مواجهة النُّصوص الصَّريحة الصَّحيحة، وإلغائها ومصادمتها، والقفز فوقها، وكُلَّما استحسنوا شيئاً بعقولهم وأهوائهم دعوا إليه، وقالوا الشَّريعة جاءت بالمصالح وهذا من مقاصد الشَّريعة ونحو ذلك؛ ليُخالفوا أحكام الله عزَّ وجلَّ، ولذلك صار من الواجب بيان ما هو الحقُّ في هذا الباب؟ ما هي قضية المصالح هذه؟ ما هي قضية المقاصد في الشَّريعة؟ فالشَّريعة جاءت بمصالح وبمقاصد ولا شكَّ، وكيف يمكن تفنيد استدلال هؤلاء بقضية المصالح والمقاصد التي يواجهون بها النُّصوص، وهذه قضيةٌ خطيرةٌ جداً، وهي بارزةٌ وواضحةٌ وخصوصاً في هذا الأوان، وسنتكلَّم بمشيئة الله تعالى عن عناية الشَّريعة بالمصالح، وما هي المصالح التي راعتها الشريعة، وما هي ضوابط المصالح المقبولة شرعاً، ونماذج من الضَّلالات والانحرافات في قضية الاحتجاج بالمصالح ضد النُّصوص، وسنعرِّض بمشيئة الله تعالى أيضاً لذكر جملةٍ من المبادئ والقواعد العامَّة الهامَّة في هذا الباب.
المصالح هي: المنافع، والمفاسد: هي المضارُّ:
00:02:33
 نقول: أولاً: المصالح هي: المنافع، والمفاسد هي المضارُّ، فالمصلحة لغة: كالمنفعة وزناً ومعنى، وضدُّها: المفسدة، وعرَّفها بعضهم بأنَّها: جلب منفعةٍ أو دفع مضرَّة، فإنَّ قيل: ما هي المصلحة؟ فالجواب: جلب منفعةٍ أو دفعُ مضرَّةٍ، وهي: كُلُّ ما فيه خيرٌ ومنفعةٌ لمجموع النَّاس وأفرادهم، فإذاً القاعدة الأولى في هذا المجلس المصالح هي: المنافع، والمفاسد هي: المضارُّ.
الشَّريعة كُلُّها قائمةٌ على تحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة:
00:03:14
 ثانياً: الشَّريعة كُلُّها قائمةٌ على تحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، وهذا لا شكَّ فيه أنَّها جاءت لمصالح العباد في المعاش والمعاد، قال ابن القيم رحمه الله: "وإذا تأمَّلت الشَّريعة التي بعث الله بها رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم حقَّ التَّأمُّل وجدتها من أوَّلها إلى آخرها شاهدةً بذلك ناطقةً به، ووجدت الحكمة والمصلحة والعدل والرَّحمة بادياً على صفحاتها، منادياً عليها، يدعو العقول والألباب إليها"[مفتاح دار السَّعادة2/ 23]. مفتاح دار السَّعادة لابن القيم. فإذاً: لا يوجد خيرٌ إلَّا ودلتنا هذه الشَّريعة عليه، ولا شرٌّ إلا وحذرتنا منه، وهذا من مقتضى الكمال الذي وصفها به ربُّنا، فقال في كتابه العزيز: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3]. فالشَّريعة إذاً كُلُّها عدلٌ ورحمةٌ ومصالحٌ وحكمةٌ، فكُلُّ مسألةٍ خرجت من العدل إلى الجور ومن الرَّحمة إلى ضدِّها ومن المصلحة إلى المفسدة، وخرجت عن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشَّريعة، وإن أُدخلت فيها، فلا تخلو أحكام الشَّريعة إذاً من أحد أمرين: إمَّا تحقيقُ مصالح النَّاس أو دفع المفاسد عنهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الشَّريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها"[مجموع الفتاوى1/ 265]. يعني: إذا ما أمكن التَّعطيل والمنع الكامل؛ فلا أقلَّ من تقليل المفاسد، فهذه قواعدٌ شرعيَّةٌ جاء بها الشَّرع، إذاً تحقيق المصالح وتكميلها وزيادتها، وجاءت الشَّريعة بقطع المفاسد ومنعها وتقليلها وتخفيفها إذا ما أمكن الإلغاء والمنع الكامل، فهذا الدِّين إنَّما جاء لسعادة البشر في الدُّنيا والآخرة، والسَّعادة لا تكون إلَّا بحصول المصالح في المعاش والمعاد، وكذلك دفع الشَّرِّ والضَّرر عن النَّاس في الدُّنيا والآخرة، وقد بيَّن الله تعالى صفة رسوله صلَّى الله عليه وسلم والغاية من بعثته، فقال ربُّنا:  الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:157]. فهو عليه الصَّلاة والسَّلام لا يأمر إلَّا بالمعروف الذي تعرفه العقول والفطر السَّليمة، ولا ينهى إلَّا عن المنكر الذي تأباه العقول والفطر السَّليمة، ولا يحلُّ إلَّا ما أحلَّه الله من الطِّيبات النَّافعات، ولا يحرِّم إلَّا ما حرَّمه الله من الخبائث الضِّارَّات والمضرَّات، ودينه هو دين الحنفية السَّمحة، قال شيخ الإسلام: "ومن استقرأ الشَّريعة في مواردها ومصادرها واشتمالها على مصالح العباد في المبدأ والمعاد؛ تبيَّن له من ذلك ما يهديه الله إليه وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [ مجموع الفتاوى21/528]. وكلام العلماء في هذا الباب كثيرٌ، ومن عباراتهم: "التَّكاليف كُلُّها راجعةٌ إلى مصالح العباد في دنياهم وأخراهم"[ قواعد الأحكام2/62]. قواعد الأحكام لابن عبد السلام. "الشَّريعة جاءت لجلب المصالح ودرء المفاسد"[الموافقات3/538]. الشاطبي. مثلاً: الشَّريعة نفعٌ ودفعٌ "الشَّريعة جاءت لجلب المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها"[شرح العقيدة الطحاوية1/718]. "الشريعة إنَّما وضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل"[الموافقات2/9]. "الشَّريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد"[ إعلام الموقعين3/3]. هذه بعض كلمات وعبارات وقواعد العلماء في كتب أصول الفقه مثلاً، كما أنَّ هنالك قواعد فقهية تُحقِّق هذا المبدأ، مثل: الأصل في المنافع الحل، والأصل في المضارِّ المنع، وقاعدة: لا ضرر ولا ضرار، وقاعدة: الضَّرر يُزال، وقاعدة: الضَّرر لا يزال بمثله، فلا ينبغي أن تزيل الضَّرر بالضَّرر فلا تتداوى بالخمر مثلاً، كذلك قاعدة: يتحمَّل الضَّرر الخاص بدفع الضَّرر العام، وقاعدة: الضَّرر الأشدُّ يزال بالضَّرر الأخف، إذا كان لا بُدَّ من ضرر ولا يمكن دفع الضَّرر الأشدّ إلا بضرر أخف نفعًا لكن لا يُدفع الضَّرر بمثله أو لا يُدفع الضَّرر بما هو أشدُّ منه، التَّصرف على الرَّعية منوطٌ بالمصلحة، فإذا كنت ربَّ أسرةٍ وزيراً أو أميراً أو إماماً أو خليفةً فماذا تفعل مع الرَّعية؟ تتصرَّف بناءً على مصلحتهم هذه من القواعد الفقهية، وكُلُّ هذا يؤيِّد عناية الشَّريعة بموضوع المصالح والاهتمام بها.
المصالح التي راعتها الشَّريعة على ثلاث درجات:
00:80:29
 ثالثاً: المصالح التي راعتها الشَّريعة على ثلاث درجات: ضرورياتٌ، وحاجياتٌ، وتحسينياتٌ، فهم يقولون: أصول الفقه في علوم الشَّرع مثل الرِّياضيات في علوم الدُّنيا؛ لأنَّ فيها تحريكُ العقل وإعمال الحسابات والموازنات.
أولاً: المصالح الضَّرورية هي: المصالح التي تعود منافعها لتحقيق خمسة أشياء: حفظ الدِّين، حفظ النَّفس، حفظ العقل، حفظ المال، حفظ النَّسب، وتُسمى هذه المنافع الخمسة عند العلماء: بالضَّروريات الخمس، فحدَّ الرِّدة والجهاد في سبيل الله لحفظ الدِّين، وحدُّ القصاص ومنع أكل السُّموم وتحريم ذلك شرعاً لحفظ النَّفس، ومنع شرب الخمر والمخدِّرات لحفظ العقل، ومنع الزِّنى لحفظ النَّسب، وتحريم نفي الإنسان لولده -حرام على الأب أن ينفي ولده- هذا لحفظ النَّسب، وحدُّ السَّرقة مثلاً لحفظ المال، هذه المنافع الخمسة عند العلماء تُسمى: بالضَّروريات الخمسة التي راعتها الشَّريعة في أحكامها، وجميع التَّكاليف الشَّرعية تدور حولها بالحفظ والصيانة مع مصالح الآخرة، وأولُ شيءٍ لحفظ النَّفس النَّجاة من النَّار، وما الفائدة أنَّ النَّفس تنتعش دنيوياً لتحترق أخروياً؟ وجميع التَّكاليف تدور على هذا؛ لأنَّها مصالحٌ أساسيةٌ لا بُدَّ منها في حياة الأفراد والأمم، ولو فُقدت لاضطرب نظام الحياة وسادت الفوضى وعمَّ الفساد، فلو قال قائلٌ: الشَّريعة الإسلامية تكفي للانتعاش الاقتصادي ولتحقيق السَّلام العالمي، والشَّريعة الإسلامية تكفي لتحقيق الرَّخاء والعدل بين النَّاس في الأرض مثلاً، نقول: بلا شكٍّ ولا ريب، ومن أجل تحقيق هذه المصالح الضَّرورية شرَّعت الشَّريعة أحكاماً كثيرةً، وهذا شيءٌ من الإضافة لما تقدم لحفظ الدِّين: شرَّعت هذه الشَّريعة الدَّعوة إلى الله، والجهاد في سبيله، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وحكم المرتد، لحفظ النَّفس: تحريم دم المسلم، والقصاص، وردِّ العدوان، وتحريم الانتحار، لحفظ العقل مثلاً: تحريم الخمر، وكُلِّ مسكرٍ، وعقوبة الجلد لشارب الخمر، لحفظ النَّسب: تحريم الزِّنى، وتحريم قذف المحصنات، وعقوبة القاذف، لحفظ المال: تحريم أكل أموال النَّاس بالباطل، وعقوبة السَّارق، وتحريم الرِّباـ ومقصود الشَّرع من الخلق: خمسةٌ أن يحفظ عليهم دينهم ونفوسهم وعقولهم ونسلهم ومالهم، فكُلُّ ما يتضمَّن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحةٌ، وكُلُّ ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدةٌ.
ثانياً: المصالح الحاجية هي: المصالح  التي لا يترتَّب على فقدها اضطرابٌ في نظام الحياة، فالأولى يكون فيها اضطرابُ واختلال نظام الحياة كاملاً فلا يمكن العيش، فالمصالح الحاجية أدنى منها حيث أنَّه لا يحصل اضطرابُ واختلالُ نظام الحياة، يعني: إذا فُقدَت، ولكن تكون الحياة بدون المراعاة للحاجيات أو الحاجات عسرة وشاقَّة وضيقة وحرجة، ما هي أمثلة هذه الحاجيَّات؟ مثلاً في العبادات: الرُّخصة أو الأحكام المخففة: كالجمع بين الصَّلاتين، وقصر الرُّباعية، والفطر في رمضان، والمسح على الخفَّين إلى آخره، لو لم تُشرع هذه الرُّخص ما ذهب أصلُ الدِّين، ولكن سيلحق المكلَّفين شقةٌ وعنتٌ وحرجٌ، وخصوصاً في أحوال الشِّدة كالمرض والسَّفر والمطر والخوف ونحو ذلك، فهذا في قضية العبادات أو ما يتعلَّق بالدِّين، وفي حفظ النَّفس والعقل أتت الشَّريعة بأمثلة على مراعاة الحاجيات: إباحة صيد البرِّ والبحر، والتَّمتُّع بالطَّيبات أكلاً وشرباً ولبساً ومسكناً ومركباً، صحيح أنَّ هذه الأشياء لو ما حصلت ما تنعدم النَّفوس وتذهب العقول؛ ولكن سيلحق مشقَّة شديدةٌ بالنَّاس وعنتٌ لو أنَّه ما أُبيح لهم إلَّا طعامٌ واحدٌ مثلاً أو ملبسٌ واحدٌ أو مركبٌ واحدٌ مثلاً، في باب المعاملات: شرع لمراعاة الحاجيات مثلاً في النَّسل: إباحة التَّعدد في النِّكاح؛ لأنَّه لو ما أُبيح النَّكاح سينعدم الجنسُ البشريُّ، وهذا اختلالٌ لكن تعدُّد الزَّوجات لمن لا تكفيه واحدة، أو يُريد كثرة النَّسل، أو يُريد الاستمتاع بالطَّيبات وتعسر عليه أو يشقُّ عليه مثلاً الواحدة، لكن لا تختل حياته لو ما أُبيح له ذلك، وإباحة الطَّلاق لا تختل الحياة؛ ولكن عنت ٌفي بعض الحالات فالطَّلاق رحمةٌ، كذلك إيجاب النَّفقة ومنع نكاح المرأة على عمَّتها والمرأة على خالتها، والجمع بين الأختين لا تختل الحياة لكن مايحصل بين هؤلاء الضَّرائر فتصبح قطيعةُ رحمٍ وأشباه ذلك، وفي باب النَّسل ممَّا لا يعود عليه بالعدم والاختلال الكامل لكن سيلحق النَّاس عسرٌ ومشقَّةٌ وعنتٌ وتعبٌ، وفي باب حفظ المال مثلاً: إباحة الإجارة والسَّلم والقرض والمضاربة، وأشباه ذلك ممَّا لا يؤدِّي فقده إلى فقد المال بالكليَّة، ولكن سيكون هناك مشقةٌ وعسرٌ وعنتٌ على النَّاس في أموالهم، هذا بالنُّسبة للأشياء الحاجية.
ما هي الأشياء التَّحسينية:
00:14:43
 ثالثاً: الأشياء التَّحسينية: وهي الأمور التي  لا يترتب على فقدها اضطرابُ نظام الحياة، ولا وقوع  النَّاس في الحرج، ولكن الحسنُ والبهاء والكمال سيفقد، ولذلك قيل فيها هي: الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنُّب الأحوال المدنِّسات التي تأنفها العقول الرَّاجحات، وقد شرع الإسلام في مختلف أبواب العبادات والمعاملات والعقوبات أحكاماً فيها قصد التَّحسين والتَّجميل، ومن ذلك في باب العبادات مثلاً وحفظ الدِّين: الطَّهارة وستر العورة وإزالة النَّجاسة ونوافل الصَّدقة والذِّكر والصَّلاة والصِّيام وأشباه ذلك، وفي باب العادات مثلاً: آداب الأكل وآداب الشُّرب وآداب اللِّبس وآداب المشي وآداب الضَّحك وآداب الكلام، كذلك تجنُّب أكل النَّجاسات والمشارب المستخبثات والإسراف والنَّدب للضِّيافة، وفي باب العلاقات: منع المرأة من إنكاح نفسها، وفرض مهر المثل، والعدل بين الزَّوجات في المبيت، في حفظ المال وأبواب: البيوع منع بيع النَّجاسات وبيع فضل الماء والكلاء وأشباه ذلك.
نحن نلاحظ أنَّ هذه الثَّلاثة ليست مرتَّبة على أبواب الحل والإباحة، بمعنى: أنَّه مثلاً كُل الضَّروريات واجبةٌ، والحاجيات مستحبَّةٌ والتَّحسينيات مباحةٌ لا، فقد يُوجد في التَّحسينيات ما هو واجبٌ وضدُّه -يعني الحرام- لكن المعنى العام للتَّحسينيات: قائمٌ على التَّكميل والتَّجميل، والمعنى العام للحاجيَّات: قائمٌ على إزالة العنت والحرج والضَّيق، والمعنى العام للضَّروريات: قائمٌ على حفظ الأصل ومنع الاختلال الشامل.
المصالح التي قصد الشَّرع تحقيقها:
00:16:43
 رابعاً: المصالح التي قصد الشَّرع تحقيقها منها ما هي مقاصدٌ دنيويةٌ وماديةٌ، ومنها ما هي مقاصدٌ أخرويةٌ كذلك معنويةٌ، وأغلب من يتكلَّم في المصالح اليوم -وهذه نقطةٌ مهمَّةٌ جداً جداً- أغلب من يتكلَّم في المصالح اليوم ويركِّز على المصالح الدَّنيوية، ولا يتكلَّمون عن المصالح الأخروية أبداً، فإذا تكلَّم في الشَّرع والدِّين يقول: جاءت الشَّريعة بمراعاة النَّظافة، وحفظ البيئة والتَّعاون والإبداع ونحو ذلك، لكن لا يتكلَّم أنَّ الشَّريعة جاءت لإنقاذ النَّفس من النَّار والنَّجاة من غضب الجبَّار ونيل جنَّات النَّعيم وتجنُّب عذاب البرزخ والنَّجاة من فتنة القبر، لا يتكلَّمون عن مصالح الآخرة أبداً! يقوم ليشرح الدَّين بالمصالح الدَّنيوية فقط، والآخرة  وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى:17]. فأين الدُّنيا من الآخرة؟ يُركَّز في شرح مصالح الشَّريعة في باب المصلحة، فهل عندك هو فقط مصلحة الدُّنيا؛ لأنَّه عندما تتعارض مصلحةٌ دنيويَّةٌ مع مصلحةٍ آخرويةٍ سيتورَّط هؤلاء ورطةً عظيمةً وتنكشف الأقنعة، فمثلاً: إذا تعارضت مصلحة الآخرة في الصِّيام مثلاً مع مصلحة الدُّنيا في زيادة الإنتاج، ففي رمضان ينزل الإنتاج، فهل ستُقدَّم مصلحة الدُّنيا أو مصلحة الآخرة؟ إذا ما أقفلنا في أوقات الصَّلوات ستزداد المبيعات؛ لأنَّ المحلَّ مفتوحٌ طيلة الوقت، فلما يذهب الموظَّفون إلى الصَّلاة كُلَّ يومٍ مثلاً: عشرين دقيقة في الظَّهر وفي العصر وفي المغرب وفي العشاء مثلاً، افرض أنَّ هذا مطعمٌ أو محلُّ بيعٍ فكم ستُدهر على صاحب المحلِّ في اليوم؟ ساعةٌ وثلثٌ، يقول لو كان بعنا فيها لربحنا وهكذا، فلو تعارضت مصلحةُ الدَّراسة في الغرب يوم الجمعة مع صلاة الجمعة فقد يستفتي أحدهم شيخاً هل نُصلِّي الجمعة يومَ الأحد؟ نعم حيث أنَّ الشَّرع جاء بمراعاة المصالح، ومراعاةً للمصلحة فلا مانعٌ من صلاة الجمعة يوم الأحد، إذاً فالقضية خطيرةٌ جداً، ولأنَّ من مبادئ العملية التي هي أنَّ الشَّرع ما جاء فقط لمصالح الدُّنيا؛ ومن قال لكم: أنَّ الشَّرع الإسلامي جاء فقط لمصالح الدُّنيا؟ بل جاء لمراعاة مصالح الآخرة، فمصالح الآخرة أعظم، وعند التَّعارض فنحن المسلمون نعرف بماذا نُضحِّى وعن أيِّ شيءٍ نتنازل، فهل أنت تتوَّقع أنَّ الشَّرع يُراعي مصالح الدُّنيا فقط؟ فأصحاب الإسلام المدني المدرسة التَّنويرية العقلانيَّة هذا شغلهم، كُلُّ شيءٍ عندهم مصببٌّ بالكلام على مصالح الدُّنيا، ولا يعرفون من الدِّين والإسلام تقريباً إلَّا هذه الأشياء: الإنتاج النَّظافة حفظ البيئة التَّعاون وهكذا، ومنهج السَّلف يهتم بمصالح الآخرة، وليس معنى ذلك أنَّه إهمال أو عدم الاعتراف بهذا لا، لكن عند التَّعارض على منهج السَّلف منهج الكتاب والسُّنَّة يُقدَّم مصلحة الآخرة، فمثلاً قوله تعالى:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ  هذه مصلحةٌ أخرويةٌ  وَذَرُوا الْبَيْعَ  هذه مصلحة دنيويةٌ  ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ  ثم قال في الآية التي بعدها: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا هذه مصلحةٌ أخرويةٌ: الجمع، انفضَّوا إلى المصلحة الدَّنيويَّة قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ [الجمعة:9-11]. إذاً قلنا: رابعاً: المصالح التي قصد الشَّرع تحقيقها منها: مقاصد دنيوية مادية، ومنها مقاصد أخروية معنوية، وأغلب من يتكلَّم في أبواب المصالح يركِّزون على المصالح الدُّنيوية ويهملون المصالح الأخروية، والصَّحيح هو طريقة السَّلف والكتاب والسُّنَّة الجمع بينهما، والقول إنَّ الشَّريعة تريد مصالح الآخرة ومصالح الدُّنيا، وكان من نتيجة هذه النَّظرة المادية للشَّريعة: أن وُجدت بعض الأقوال الغريبة، فيقولون مثلاً: المصلحة من تحريم الخمر: منع إيقاع العداوة والبغضاء بين النَّاس، فإذا أُمن هذا المحظور حيث أنَّ الشَّخص يُغلق على نفسه الباب ويشرب الخمر، وليس معه أحدٌ في البيت حتى لا يتضارب ولا يتقاتل معه، ولا يسب ولا يشتم ولا يُطلِّق ولا يجرح أحداً؛ لأنَّ المصلحة في تحريم الخمر: منع العداوة والبغضاء، إذاً لاحظ هذا القفز على النَّتائج، فاغلق نفسك الباب واشرب خمراً إلى أن تفيق ثُمَّ افتح الباب واخرج إلى المجتمع انتهت العملية، وأيضاً من تفسيرهم الباطل للمقاصد: الإسلام حرَّم الخنزير؛ لأنَّه يأكل القاذورات والمستخبثات، فإذا أكل الطَّيبات وأُعطي الخنزير أكلاً جميلاً ونظيفاً إذًا فلحمه حلالٌ، أصحاب الإسلام التَّنويري والمدرسة العقلانية هذا النَّتاج عندهم، هو الآن يعمل على نظرية المصالح ويلغي بالإضافة إلى المصالح الأخروية النَّصوص الشَّرعيَّة، ولذلك إذا تعارض تحصيل العلم كأن شخصٌ يريد يدرس علم الصَّواريخ والمركبات الفضائية، وتعارض مع صلاة الجمعة فممكن أن يؤخِّر الجمُعة إلى يوم الأحد، إذا كان المقصود الاجتماع والمصلحة في صلاة الجمعة الاجتماع وإقامة العبادة فقد حقَّقناها لك يوم الأحد، ونترك الطُّلاب يدرسون الحصص كاملةً، هذا هو المنهج وهذه هي القواعد، والمقصد الشَّرعي من تحريم المعاشرة دون زواجٍ هو حفظ النَّسب والنَّسل، فلمَّا وُجد اليوم حبوب منع الحمل حلت المشكلة، لماذا حرَّمت الشَّريعة الزِّنى؟ لأنَّ هناك أولاد حرام فمع وجود حبوب منع حمل انتهت مشكلة الحمل، وحرَّمت الشَّريعة الزِّنى؛ لأنَّه اختلاط الأنساب في DNA، فحلينا لك إيَّاها بالحمض النَّووي، فإذا قام عشرة يعاشرونها ففي الأخير سنجري له تحليلاً ونعرف هذا الولد لمن وانتهت العملية.
ما هو الخلل العظيم هنا؟ أول شيءٍ: هذه معصية لله؛ لأنَّك تُلغي نصاً، ثانياً: أنت تحكم بأنَّ المصلحة أو  المفسدة هي هذه فقط، وما أدراك أنَّها هذه فقط؟ قد يكون شيئاً تعرفه وشيئاً لا تعرفه، وقد يكون شيئاً تراه وشيئاً لا تراه، إلَّا أحكمُ الحاكمين، وشيءٌ يراه من هو أعلم منك، وشيء لا يكتشف إلَّا بعد ذلك، فيقول اكتشفنا أنَّه ضررٌ، فهذه فيها كذا وكذا، فقضايا تحريم الزِّنى فيها أضرارٌ نفسيةٌ أيضاً، وليس هو فقط التَّشتيت، ولذلك هؤلاء قالوا: المقصد الشَّرعي من تحريم المعاشرة دون الزَّواج هو حفظ النَّسب والنَّسل فقد تطورت التَّقنيات وحلينا الموضوع، وقال شيخ الإسلام رحمه الله: "وكثير من النَّاس يقصر نظره عن معرفة ما يحبُّه اللهُ ورسولُه من مصالح القلوب والنُّفوس ومفاسدها وما ينفعها من حقائق الإيمان وما يضرُّها من الغفلة والشَّهوة، فتجد كثيراً من هؤلاء في كثيرٍ من الأحكام لا يرى من المصالح والمفاسد إلَّا ما عاد لمصلحة المال والبدن، وأعرضوا عمَّا في العبادات الباطنة والظَّاهرة من أنواع المعارف بالله وملائكته وكتبه ورسله، وأحوال القلوب وأعمالها؛ كمحبة الله وخشيته وإخلاص الدِّين له، والتَّوكُّل عليه والرَّجاء لرحمته ودعائه، وغير ذلك من أنواع المصالح في الدُّنيا والآخرة، وكذلك فيما شرعه الشَّارع من الوفاء بالعهود وصلة الأرحام وحقوق المماليك والجيران، وحقوق المسلمين بعضهم على بعض، وغير ذلك من أنواع ما أمر به وما نهى عنه؛ حفظاً للأحوال السُّنِّيَّة وتهذيب الأخلاق"[مجموع الفتاوى32/233-234]. انتهى. أحياناً يكون في الحكم ابتلاءٌ في قضية أنَّه: هل أنت ستغلِّب عقلك أو تسليمك؟ فما أدراك أنَّه أحياناً إذا ظهر أنَّ هناك مصلحةٌ دنيويةٌ أو مفسدة دنيوية؛ هل فاتك أنَّ الحكم قد يكون أساسه الابتلاء للعبد؟ هل يُسلِّم لأمر الله فيأتي بالحكم كما أراد الله أم يُحكِّم عقله فيُغيِّر الحكم؟ يعني: هو ابتلاءٌ للتَّسليم، كان اتِّجاه القبلة إلى بيت الشَّام فصارت إلى الكعبة، فهل تُعطينا منفعةً جسميةً أو بدنياً لهذا  التَّوجُّه؟ هذه قبلة أنبياء وهذه قبلة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، ولذلك التَّسليم هو: أساس الحكم، لماذا صلاة المغرب ثلاثاً الفجر ركعتان؟ هل عندك فائدةٌ بدنيَّةٌ أو مالية أو نفسيةٌ أو صحية أو اجتماعية أو فائدةٌ من أيِّ نوع؟ هو امتحان تسليم العبد، فهؤلاء الدَّنيويون أصحاب الإسلام المدني الذين لا يرون إلَّا المصالح الدَّنيوية في الشَّرع فقط يخطئون فيزلون ويسقطون في أول امتحان؛ الذي هو امتحان التَّسليم للنَّص والحكم الشَّرعي، حرَّم الزَّنى انتهينا ولا نذهب نبحث ما المصالح المفاسد، الخمر حرامٌ سواءً عرفنا مفاسده أو لم نعرفها، فهذا تسليمٌ.
من أعظم مقاصد الشَّرعية: تزكية النُّفوس بمقامات الإيمان:
00:28:00
 ومن أعظم مقاصد الشَّرعية: تزكية النُّفوس بمقامات الإيمان؛ كالتَّسليم، والتَّضرُّع، والخضوع، والذُّل، والافتقار، والمناجاة، والتَّمسكن، واللُّجوء إلى الله، وامتلاء القلب بمحبته وشكره، والإخلاص له، والتَّوكُّل عليه، والتَّسليم والتَّفويض إليه، وهذه الغاية الجليلة وهي: إحياء القلب وتطهير النَّفس وتزكيتها، وجعلها متجهةً إلى علَّام الغيوب، مستسلمةً له منقادةً، هذه من أعظم المصالح، وهذا أصل المأمورات وأصل المحرَّمات، كُلُّ القضية أن تُثمر للقلب طهارةً وزكاةً وسلامةً وتسليماً، وهذا من أعظم المبتغيات الإلهية. خامساً: كُلُّ ما أمرت به الشَّريعة ففيه المصلحة، وكُلُّ ما نهت عنه ففيه المفسدة في كُلِّ الأزمنة والأمكنة، قال القرافي رحمه الله: "أوامر الشَّرع تتبع المصالح الخالصة أو الرَّاجحة"[الفروق أو أنوار البروق2/226]. يعني: قد يكون في المسألة شائبةٌ لكن الشَّرع رجَّح هذا لمصلحة راجحةٍ، مثل: الجهاد، فالجهاد فيه ذهابٌ النَّفس وترمُّل الزَّوجة وتيتُّم الأطفال، أليست هذه مفاسد؟ بلى لكن ما يترتب عليه من المصالح في حفظ الدِّين ونشره وإقامته في الأرض ليستظل العالم بظله أضعاف أضعاف المصلحة في هذا الحكم مما فيه من مفاسد، فلذلك قد يكون المأمور فيه شيءٌ من المفسدة الدُّنيوية؛ لكن فيه من المصلحة ما يربو على ذلك بكثير، ولذلك شُرع، وكذلك الشَّيء المحرَّم ممكن يكون فيه مصلحةٌ دنيوية لكن ما فيه من المفاسد يربو على هذا بكثير، مثلاً: الخمر، فالتِّجارةُ فيها مكاسبٌ وأرباحٌ، والخمر قد تُدفئ في البلاد الباردة وتعطي حرارةً، لكن ما فيه من المفاسد أضعاف أضعاف المصلحة التي فيه: وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا [البقرة:219]. ولذلك حُرِّم، فالسَّكارى في البلاد البارة لما تعطيه الخمر حرارةً ويخرج في الصَّقيع ولا يحس فيمكن يسقط الأنف أو يسقط الأذنان أو أطراف الأصابع أو يموت وهو دافئٌ، فكُلُّ ما منع منه الشَّرع فلأنَّه يؤدِّي إلى مفسدة، وكُلُّ ما أمر الله به فلأنَّه يؤدِّي إلى مصلحة، فالعبادات التي أمرت بها الشَّريعة، والمعاملات التي أقرَّتها، ومكارم الأخلاق التي دعت إليها؛ تشتمل على مصالح ولهذا شُرعت، والمحرَّمات في العبادات والمعاملات والأنكحة والعادات والمطعومات كُلُّها تشتمل على مفاسد، ولهذا مُنعت، مثل: نكاح المتعة، أليس يحلُّ مشكلةً مؤقتاً؟ بلى، لكن ما فيه من المفاسد والشّضقاء والخراب النَّفسي والأسرة والتَّشتت وإلى آخره، أضعاف ما فيه من المصلحة، فلذلك حرَّمه الله ولازم نُوقِن بهذا؛ لأنَّنا لو حكَّمنا عقولنا المجرَّدة عن الشَّرع قد يمكن شخص يقول: أنا أرى أنَّ هذا الرِّبا ليس فيه شيئٌ، أنت تاجرٌ وتريد أن تعمل مصنعاً فتأخذ قرضاً ربويَّاً وتعمل المصنع، ولما يربح المصنع وتطلع من الأرباح 7% أو 6% من الرِّبا تعطيهم وتبيع وتربح وتأخذ الباقي، فأنت استفدت والبنك استفاد، ومن الذي خسر؟ فلا يرون ماذا يترتَّب على فتح باب الرِّبا من الخراب العظيم في العالم كما نشاهده اليوم، في هذا الحدث الكبير الذي اخترق العالم الآن مثل الورطة التي لا مخرج منها، صارت ديونٌ ترليونات، والعملات في انخفاض ودول تطبع عملاتٍ على ورق بدون رصيد، يعني: والمستقبل كئيب اقتصادياً، وهناك دولٌ كثيرةٌ في العالم دولٌ تُفلِّس، وليس فقط شركات ولا مصارف فما الحل؟ تستدين وتطبع عملة؟ هذا ليس هو حلٌ؛ لأنَّ التَّضخم والبطالة والمصائب ستزيد، هذا هو الرِّبا، أنتم تقولون فيه فوائد وفيه مصلحةٌ خذه  ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان:49].
كُلَّ ما منع منه الشَّرع إمَّا مفسدته خالصةٌ أو مفسدته تربو على مصلحته:
00:33:04
 فلا بُدَّ أن نُوقِن أنَّ كُلَّ ما منع منه الشَّرع فإمَّا مفسدته خالصةٌ أو مفسدته تربو على مصلحته، وكُلُّ ما أمر به الشَّرع فإمَّا هو مصلحةٌ خالصةٌ أو مصلحته تربو على ما فيه من المفسدة، هذه لا بُدَّ أن نُؤمِن بها، فالعبادات التي أمرت بها الشَّريعة، والمعاملات التي أقرتها، ومكارم الأخلاق التي دعت إليها؛ كُلُّها تشتمل على مصالح ولهذا شُرعت، والمحرَّمات في العبادات والمعاملات والأنكحة والعادات والمطعومات كُلُّها تشتمل على مفاسد ولهذا مُنعت، قال الشَّوكاني: "كُلُّ جزئيٍّ من جزئيات الشَّريعة التي قام الدَّليل على طلبها لا بُدَّ أن يشتمل على جلب مصلحةٍ أو مصالحٍ، عرفها من عرفها وجهلها من جهلها، وكُلُّ جزئيٍّ من جزئيات الشَّرعيَّة الواردة بالنَّهي عن أمرٍ أو أمور لا بُدَّ أن يكون المنهيُّ عنه مشتملاً على مفسدةٍ أو مفاسدٍ تندفع بالنَّهي عنها". انتهى. ولهذا من أبطل الباطل أن يتصوَّر في شيءٍ أمرت به الشَّريعة مفسدةً راجحةً، أو أنَّه كُلَّه مفسدةٌ، ومن أبطل الباطل أن يتصوَّر في شيءٍ نهت عن الشَّريعة أنَّه مصلحة كُلُّه أو فيه مصلحة راجحة وتنهى عنه، فالله رحيمٌ والله كريمٌ فلماذا يحرم العبيد إذا كانت هذا مصلحة راجحة أو مصلحةٌ كاملةٌ؟ فإذا بدا لك العكس في أيِّ حكمٍ اتَّهم عقلك فالمسألة واضحةٌ.
نأخذ أمثلةً من المصائب: يقول هذا الضَّال المنحرف محمد أحمد خلف الله: هناك أشياءٌ وردت في القرآن الكريم لا نستطيع أن نعمل بها الآن؛ لأنَّ العمل بها ضارٌّ بمصلحة المسلمين -من هذه الأشياء في زعمه- حدُّ الزِّنى وحدُّ السَّرقة وحدُّ شرب الخمر، الجابري الهالك الضَّال الذي هلك قبل مُدَّةٍ يقول: إنَّ الحكم بقطع يد السَّارق لم يعد محقِّقاً  للمصلحة، ولم يعد ملائماً لهذا العصر، ولم يبق له ما يُسوِّغه، فهؤلاء يزعمون أنَّ ما أمرت به الشَّريعة من قطع يد السَّارق ليس فيه مصلحةٌ؛ بل  صار مفسدة، ما هي  المفسدة؟ يقول: صار سبَّةً علينا، وصار الغرب ينتقدنا، فحدُّ الرَّجم عندهم أسوأ بكثيرٍ، يقول: أين نجعل وجوهنا من الغرب؟ وهل أنت لا ترى ما هم فيه من الشَّقاء في الدُّنيا؟ مجرَّد الإعلان عن إقرار عقوبة قطع اليد سيؤدِّي إلى زجر عددٍ واسعٍ من السُّراق، انظر فيهم من النَّاحية الدُّنيوية والمصالح، فبعضهم عنده خللٌ في عقله، أو من الزَّندقة والانحلال والنِّفاق، يقول: إذا طبَّقنا الحدود الشَّرعية فسنقتل 10% من النَّاس؛ لأنَّه مرتدٌّ وإلى آخره، وستجد ربع المجتمع إذاً يمشون في الشَّوارع وأيديهم مقطوعةٌ، وسنجلد نصفَ المجتمع؛ لأنَّه: إمَّا شاربُ خمرٍ أو زاني أو قاذف، وسنجد 5% مقطوعةٌ أيديهم وأرجلهم من خلاف، يمشي بدون يد يمنى وبدون رجل يسار، وبالتَّالي سنتحوَّل إلى مجتمعٍ كسيحٍ مشلولٍ مقطَّع الأوصال مسكين، هذا هو من باب التَّصوير الاستهزائي لأحكام الشَّريعة، أو أنَّنا لو أُعلن تطبيق الشَّريعة ونفذَّت أوائل الحدود فكم حدّ سرقة؟ وماذا سيحدث للسُّراق؟ ارتداعٌ؛ لأنَّك لمَّا تُطبِّق الحدود، ماذا سيكون من الأمن على الأموال؟ طبِّق كم حدٍّ من القصاص وانظر ماذا يكون من الأمن على الأرواح! طبِّق كم حدٍّ من الرَّجم والجلد وانظر الأمن على الأعراض، ثُمَّ أنَّ هناك شروطٌ للحدود، فلا بُدَّ أن يسرق من الحرز، ولا بُدَّ أن يبلغ نصاباً، ولا بُدَّ تنتفي الشُّبهة، متى سيُطبَّق حدَّ الزِّنا؟ إمَّا أن يعترف الزَّاني، أو تحمل هي، أو يشهد أربعةٌ أنَّهم رأوه مثل الميل في المكحلة.
لماذا يستاؤون من تطبيق الحدود:
00:37:54
 لكن بعض النَّاس يظنُّ أنَّه إذا طُبِّقت الحدود على سيصير كُلُّ المجتمع أصحاب عاهات، وكذلك فإنَّك سترى أنَّ عين المصلحة ما سيحدث من الأمن للنَّاس من العدوان والخوف، وسيكون هنالك توفيرٌ في الميزانيات، وكُلُّ ما يتذكَّر السَّارق يداً معلقةً أو مقطوعةً سيتردَّد ألف مرَّة في السَّرقة، أما مجرَّد السَّجن فقد ثبت أنَّه لا يكاد يردع، وإذا كان قطع بعض الأيدي  يُسبب تعطيلاً جزئياً لأصحابها في عملهم وإنتاجهم، فإنَّ في سجن الألوف من السُّراق لشهور وسنوات تعطيلاً أكبر لهم، فأنت لما سجنتهم ماذا سيفعل؟ لو على الأقلِّ لو قطعت يده اليمنى فسيعمل باليسار، وهذاك في السَّجن حكمت عليه عشر سنوات فلا عمل باليمين ولا باليسار، فضلاً عن ذلك فإنَّ السَّجن يُشكِّل في كثيرٍ من الحالات مدرسةً ممتازةً  لتعلم الإجرام، ولنقل الخبرات بين المجرمين، لكن العقوبات المنصوصة في الإسلام سهلةُ التَّنفيذ، لا تُكلِّف ميزانياتٍ ضخمة، ولا جهازاً بشرياً كاملاً، ولا تحتاج إلى أماكن مخصَّصة كالسُّجون هذه التي تمتلئ، علماً أن من العقوبات التَّعزيرية: السِّجن، ولكن لا يمكن أن نستبدل، كأن يقول بدلاً من حدِّ السَّرقة وحدِّ الزِّنا وحدِّ القذف وحدِّ السُّكر: السِّجن، فإذا كان السِّجن فيه خمس نجوم، وأكل وإنترنت وكرة سلَّة وطائرة، وفي الأخير صار في الغرب النَّاس الذين عندهم كالمشردين الذين ما لهم مأوى لما يجيء الشِّتاء مثلاً ولمدة أربعة أشهر، وبما أنَّهم درسوا القانون والجرائم، فينظر ما الجريمة التي عقوبتها أربعة أشهر سجن، فيروح يرتكبها في أوَّل الشِّتاء ويدخل سجناً،  ويمكث فيه آكلٌ شاربٌ نائمٌ في المأوى، ويخرج في آخر الشِّتاء، ويكون مواطناً صالحاً ثمانية أشهر وهكذا، ماذا ستتوقَّع وماذا ستكون النَّتيجة؟ والإشكال الحقيقي عند الذين لا يرون قطع يد السَّارق أنَّ العقوبة وما شابهها من العقوبات البدنية صارت مستهجنةً عند الكفَّار، وأنَّها  عند الغرب وحشيةٌ تُعتبر، وبالتَّالي نحن لا بُدَّ نساير العصر، ونكون متوافقين مع القوانين العالمية والأمم المتحدة، ونستجيب للمطالب والضُّغوط، ونتراجع أمامهم ونتوافق مع طلبات هؤلاء ونظرتهم، بدلاً من أن نتعرَّض لحملاتٍ، فسبحان الله! النَّاس كثيرٌ منهم ليس مستعداً أن يتحمل الأذى والابتلاء في سبيل تطبيق الدِّين ولو أذى لساني، ولذلك تحدث هذه التُّراجعات، فمما يُعيِّرنا به الغرب أنَّهم يقولون: تزوجون بنتاً عمرها ست عشرة سنة أيُّها المتوحشون الرَّجعيون؟ هذا الزَّواج القاصر، وهذه كأنَّها سبَّةٌ وشتيمة، انظر إلى كلامهم فزواج القاصر في سنِّ ست عشرة سنة حرامٌ أن تتزوج، لكن عندهم علاقات ما قبل الزَّواج لاباس، يقول: ويُنصح بالزَّواج في سنِّ كذا؛ لأنَّها تكون أوعى وأنضج، لكن لا تُحرِّم؛ لأنَّك إذا قنَّنت جرَّمت وإذا قنَّنت حرَّمت ما أباحه الله؛ لأنَّه ليس في الشَّريعة نصٌّ يحرِّم هذا، فكيف تجرؤ أنت على التَّحريم؟ وكيف تجرؤ على المنع؟ وذهب بعضهم إلى أنَّ ما أمرت به الشَّريعة من الصِّيام في رمضان يُسبِّب تعطيل الأعمال وضعف الإنتاج، ودعا العمَّال إلى الإفطار؛ حفاظاً على الإنتاج، فهل الصِّيام حقاً يتعارض مع مصلحة الإنتاج؟ بعضهم يقول: لازم نكون مثل المسلمين في بدر، كن واقعياً: لا شكَّ أنَّ الصِّيام يُضعف، فلا يمكن أن تُقنعني أنِّي أثناء الصِّيام أكون نشيطاً مثل ما قبل الصِّيام، إذا قلَّ الأكل ستقلُّ الطَّاقة، لا أكل ولا شرب من الفجر إلى المغرب فطبيعي أنَّ الطَّاقة تنزل، لكن السَّؤال هو: هل أنت راضي أنَّك تُضحِّي من أجل المصلحة الدُّنيوية؟ بدلاً من ثمان ساعات عملٍ تجلعها ستَّ ساعاتٍ هل ترضى أنَّ تُضحِّي بساعتين لله لمصلحة الآخرة؟ فليست القضية الآن أنَّنا نُثبت للنَّاس أنَّ نحن في رمضان نشتغل ثمان ساعاتٍ وبنشاطٍ كاملٍ وإنتاج أكثر من خارج رمضان لا، ويأتي بعض الخطباء المتحمسون ليقول: رمضان شهر الجهاد، وغزوة بدر كانت في رمضان، يا أخي هو قال لهم:  أفطروا فالفطر أقوى لكم [رواه مسلم 1120]. فهل تفتكر أنَّ المعارك التي وقعت في رمضان كان المسلمين صائمين وما أمرهم بالفطر؟ فالدِّين واقعيٌّ، فأنت لا يمكن أن تنفي أنَّ الصِّيام يُقلِّل الطَّاقة، وبالتَّالي سيكون الإنتاج أقل، ولكن لا للنَّوم الشَّامل؛ لأن هناك أناسٌ عندهم نظامُ النَّوم الشَّامل، وليس اليوم الشَّامل، فلا يعمل شيئاً أبداً، فما هو العتب على أنَّه تقلُّ الإنتاجية 20% ، لماذا يُضحِّي السلم بهذه النُّسبة من الدُّنيا لأجل الآخرة؟ وأجر الآخرة أبقى وأفضل، لكن المشكلة أنَّ بعض الكُسالي لا يُريد أن يعمل في نهار رمضان، فهل النُّسبة من الدُّنيا التي ضحَّى بها جعلها للآخرة؟ يعني: أنت ضحيت ب20% من ساعات العمل هل تقرأ مقابلها قرآناً؟ فبعض النَّاس العتب على الذي لا دنيا ولا آخرة، وهذه هي المصيبة، وعندما نُناقش أيَّ قضيةٍ من القضايا مثلاً المتعلِّقة بالصَّوم والإنتاج؛ فإنَّا ينبغي أن نطرح أيضاً بعض الأسئلة من باب العدل في النَّظرة إلى الأمور، فعندما نُوفِّر وقتين من الوجبات ماذا يمكن أن نستفيد في المقابل؟ عندما تتحسَّن الصَّحة بالحمية النَّاتجة من الصِّيام ماذا يمكن أن تكون النَّتيجة؟ في المقابل عندما يمتنع المدخِّنون عن التَّدخين في رمضان ماذا يمكن أن نجني؟ في المقابل حتى من الفوائد الدُّنيوية ثُم أخيراً ماذا سنربح من الصِّيام في الآخرة؟ وهذا لا يُقاس في شيءٍ ولا يمكن أن تُقارنه وتوازنه مع أجرٍ أخرويٍّ عظيمٍ، فغمسةٌ في الجنَّة كُلُّ نعيم الدُّنيا لا يعدلها، وكُلُّ الإنتاج الذي في الدُّنيا لا يعدلها، وكُلُّ المصانع والمحاصيل لا تعدلها، وما يحدث من إنعكاس تهذيب النَّفس بالصِّيام على أخلاقيات العمل أيضاً، أنت تقيس حتى من النَّاحية الدُّنيوية من جميع الجهات.
الشَّرع هو المعيار في معرفة المصالح والمفاسد:
00:45:38
 سادساً: الشَّرع هو المعيار في معرفة المصالح والمفاسد، وهذه قضيةٌ مهمِّة جداً؛ لأنَّ بعض النَّاس يجعل عقله أو عقول الآخرين أو بحث فلان الغربي هو معيار المصالح والمفاسد؛ معيار المصلحة والمفسدة هو الشَّرع، فما شهد له الشَّرع بالمصلحة والصَّلاح فهو مصلحةٌ، وما شهد له بالفساد فهو المفسدة، والخروج عن هذا المعيار اتِّباعاً للهوى يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص:26]. فالمصلحة الشَّرعية ليست في تحقيق الأغراض الشَّخصية والطُّموحات الماديَّة، فأهواء النَّاس متباينةٌ، ورغباتهم مختلفةٌ، وطموحاتهم متفاوتةٌ، والإنسان بدافعٍ من هواه وشهواته يسعى إلى تحصيل كُلِّ مستلذٍّ ملائمٍ، ودفع كُلِّ شاقٍّ منافرٍ، وإن كان في ضمن ذلك ضررٌ قد يلحق به أو غيره من النَّاس، أو به وبهم حالاً أو مآلاً؛ فبناءً على ماذا تُقرِّر أنت المصلحة دون الشَّرع أو يُقرِّر هو؟ سيختلفون في المصلحة، وإذا قيل لهم: هاتوا المفاسد بعقولكم فسيختلفون في تقدير المفاسد، وقد يقول بعضهم هذه مصلحةٌ وقد يقول بعضهم هذه مفسدة، ولذلك لا بُدَّ من الرُّجوع إلى الشَّرع لمعرفة: هل هذه مصلحةٌ أم لا؟ وهل هذه مفسدةٌ أم لا؟ وهل المصلحة هنا أكثر أم المفسدة؟ "فالرُّجوع إلى الوجه الذي وضعه الشَّارع رجوعٌ إلى وجه حصول المصلحة والتخفيف على الكمال بخلاف الرُّجوع إلى ما خالف الشَّرع"[الموافقات1/ 538]. كما قال الشاطبي في الموافقات. فإذاً لا يصلح الاعتماد على الخبرات العادية فقط، أو الموازين العقلية والتَّجريبية وحدها في معرفة مصالح العباد، وخاصةً فيما جاء الشَّرع بتقريره من الأحكام، ولا يجوز الاعتماد مثلاً على ما يراه علماء الاقتصاد وخبراء التِّجارة في قضية الرِّبا أن: هل هو مفسدةٌ أو مصلحةٌ؟ هذا المرجع فيه إلى الشَّرع، ولو قرَّر علماء الاقتصاد العالمي أو لم يُقرِّروا، أو قرَّر خبراء التِّجارة في تنشطيها والنُّهوض بها، ولا يصلح الاعتماد على كلام علماء النَّفس والاجتماع في تقرير أن: هل اختلاط الجنسين فيه تهذيبٌ للغريزة أو فيه العكس؟ ولا يجوز اتِّباع كلام الأطباء فقط في تقرير: هل لحم الخنزير ضارٌّ أو مفيدٌ؟ ولو صحَّ ذلك لصارت الشَّريعة عرضةً للمختبرات وأهواء البشر وتجاربهم الشَّخصية وأذهانهم، فلا بُدَّ من عرض ذلك على نصوص الشَّرع، وإذا حصل تباينٌ بين ما جاء به الشَّرع وبين مصلحةٍ رآها فلانٌ أو علانٌ وجب إهمال تلك المصلحة؛ لأنَّنا سنعرف أنَّها مصلحةٌ ملغاةٌ أو وهميةٌ، هذه قاعدةٌ: كُلُّ مصلحةٍ تخالف النَّص الشَّرعي قاعدة إمَّا ملغاةٌ أو وهميةٌ، فأنت تستطيع قولها وأنت مغمضُ العينن، وقد يكون في مقابلها من المفاسد ما يربو عليها بكثيرٍ، ولو تُركِت تقدير المصالح لأهواءِ النَّاس لفسدت الأمور، فالبعض يرى أنَّ المصلحة في كسب المال ويكون بأيِّ طريقٍ، سواءً ربا أو رشوةً أو ميسراً، أو يقول قائلٌ: النَّصيب الخيري حيث كُلُّ واحدٍ يدفع ريالاً، وفي الأخير سيأخذها واحدٌ والواحد سيفرح، والنَّاس ماذا خسروا؟ وقد يبدو هذا كلاماً مستساغاً، لكن هذا ميسرٌ، والميسر حرامٌ، فنشر الفكرة بين النَّاس وما سيؤدِّي إليه الوضع من اليانصيبات بعد ذلك، وتعويد النَّاس على قضية الرُّكون للمليون الذي سيأخذه بالميسر، فأيضاً هناك أضرارٌ منهجيةٌ على النَّفس، وأضرارٌ على الأخلاق، وأضرارٌ على طريقة التَّفكير في الكسب سيكون لهذا أشياءٌ وخيمةٌ، سواءً عرفناها أو لم نعرفناها، أو أدركناها أو لم ندركناها، فالميسر حرامٌ وضرره وبيلٌ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:91].
التَّكاليف الشَّرعية مشقةً وصعوبةً:
00:49:54
 والبعض قد يرى في بعض التَّكاليف الشَّرعية مشقةً وصعوبةً، ولذلك يقول: المصلحة في تركها؛ لأنَّه لا يُدرك بعقله القاصر عواقبها الحميدة ونتائجها الحسنة، ولذلك قال الله:  كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [البقرة:216]. هذا المقياس: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ  هذا المعيار: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ  العقوبات الشَّرعيَّة مؤلمةٌ لمن أُقيمت عليه، ولكنَّها تعود بالخير العميم على المعاقب بتكفير سيئاته؛ لأنَّ الحدَّ كفارةٌ وتطهيرٌ، والرَّدع لمن يريد أن يسلك مسلكه، فيكون هناك صلاحٌ عظيمٌ في المجتمع، حتى المجلود المحدود يستفيد منها، فإذاً المصلحة الشَّرعية: المحافظة على مقاصد الشَّرع وأحكامه ونصوصه، ولو خالفت ما يراه النَّاس من المصالح والمفاسد، فأهل الجاهلية مثلاً رأوا أنَّ البنت ضعيفةٌ وعارٌ ومسكينةٌ ولا تكسب، والغارات التي بينهم والحروب تصبح اليد التي توجع، فقرَّروا التَّخلص من البنات، قالوا: لماذا الأنثى ترث وهي لا تُحارب ولا تدافع ولا تذهب للكسب ولا الصَّيد؟ هي ضعيفةٌ فليس لها ميراثٌ، وكانوا يرون بالتَّبني إلحاق الولد بغير أبيه والنَّسب ينسبه إلى من يريد، وكانوا يرون بنكاح الاستبضاع ويرون بنكاح زوجة الأب، وكانوا يرون الخمر والميسر إلى آخره، واليوم بعض الدُّول الغربية مثلاً ترى أنَّ المصلحة في إطلاق الحرِّيات تماماً، فلو أراد إنساناً أن يُوصي لكلبٍ أو قطٍّ بكُلِّ ثروته فلا يمنع، أليس هذا هو القانون الأمريكي أو الأوروبي؟ يمنع كذلك عندهم قضية مثلاً يُوصي لخليلته إذا كان عنده زوجةٌ وخليلة ويريد أن يُوصي للخليلة، وما يُريد أن يُوصي للزَّوجة فهو حُرٌّ، والشَّرع فيه قضية الورثة ومن هم الورثة الذين يرثون والأنصبة وقوانين عجيبة في المواريث، وبعض الدُّول ترى إقرار الشُّذوذ الجنسي، يقول: هذا هو مَيله النَّفسي للشَّبيه والنَّظير، ليس له ميلٌ للبنات، وبعض المسلمين الذين يقلِّدون الغرب، ويقول: الله خلقه هكذا، ليس هناك فطرة، ويلتمسون الأعذار للشَّاذين، هذه مدرسةٌ كاملةٌ الآن قائمةٌ في العالم، وهناك كنائسٌ وقوانينٌ للشَّاذين ودعمٌ قانونيٌّ، وتكوين أُسرٍ من الشَّاذين حقوق أسرة وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:71]. فالإنسان مهما أُوتي من العلم ومن العقل ومن الفهم فإنَّه عاجزٌ بطبيعته عن الإحاطة بالمصالح الحقيقية، وكيفيَّة الوصول إليها في الدُّنيا والآخرة، وهو -وإن أدرك بعضها- فإنَّه عاجزٌ عن إدراك الجميع، ولا يمكن للإنسان أن يهتدي إلى كُلِّ تفاصيل الأحكام، ولذلك سيبقى للاستسلام دورٌ كبيرٌ، فلا يممكنني أن أرى أين المصلحة في الحكم الفلاني تماماً، ولا أرى أين المفسدة في النَّهي أو التَّحريم الفلاني بشكلٍ واضحٍ، ولكن سأعوِّل على التَّسليم للنَّص في معالجة هذه القضية فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة:26].
وأقول أيُّها الإخوة: الآن الفتنة في الغرب بلغت مبلغاً عظيماً، فبعض النَّاس سلَّموا قيادهم للغرب، وسلَّموا الجمل بما حمل، يريد أن يجعل قوانينه موافقةً للغرب، يُقلِّد ويمشي حذو القذة بالقذة للغرب لو دخلوا جحر ضبا دخله، فهذه هي قضية إرضاء الغرب واستجابةً لضغوطهم، الغرب الآن صار إلهاً يُعبَد عند كثيرٍ من أهل الأرض، لكنني أقول -وأنا واثقٌ إن شاء الله مما أقول- أنَّ هذا الغرب سيسقط يوماً، ورُبَّما يكون سقوطه مدوياً، فسيسقط اقتصادياً، ويسقط عسكرياً، ويسقط اجتماعياً؛ لأنَّ هذه الحضارة الغربية بُنيت على شفا جرفٍ هار، وليس على تقوى من الله ورضوانٍ، وما بُني على شفا جرفٍ هارٍ لا بُدَّ أن ينهار، فسينهار الغرب عاجلاً أم آجلاً، ولن يبقى الغرب ولن تبقى حضارتهم هذه، ولا اقتصادهم ولا أسلحتهم ولا تنظيماتهم، وسيعلم المؤمنون حينئذٍ أنَّ الذي كان يُفتنهم عن دينهم وهو الغرب أنَّه كان سراباً، هذا الكلام سيُناقش فيه كثيرون، ويقولون لا فوكوياما يقول: نهاية التَّاريخ أمريكا هذا القمة في البشرية، وكُلُّ البشر إذا ارتقوا إلى آخر شيءٍ سيصلون إلى ما وصل إليه، فلو سقط ذلك النَّظام الرَّأسمالي وكان السُّقوط مدوياً ماذا سيحدث؟ النَّاس سيقولون ويكأن الله يبسط الرِّزق لمن يشاء من عباده، ويكأنَّه لا يفلح الظالمون ولا يفلح الكافرون، وإنِّني أرى -والعلم عند الله- أن نذر السُّقوط ظهرت، فهناك فشلٌ عسكريٌّ واضحٌ جداً، ما أغنت عنهم أسلحتهم وجيوشهم، وهناك فشلٌ اقتصاديٌّ ضخمٌ جداً ديون بالتِّرليونات، وإفلاسُ دولٍ ونزول عملات، وهناك إفلاسٌ أخلاقيٌّ واجتماعيٌّ كبيرٌ،  سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت:53]. لكن عمَّا قليلٍ ليُصبحنَّ نادمين، لكن إنَّ يوماً عند ربِّك كألف سنة مما تعدون، فالمسألة لا تأخذ وقتاً للفتنة والمحنة والابتلاء، ليعلم الله الذين صدقوا وليعلم الذين نافقوا هذا هو، فالوقت الذي يعيشه الآن الغرب هذا هو شيءٌ مؤقتٌ، كُلُّ الحضارة هذه كم صار لها من يوم أن طلعت؟ الكهرباء صار لها مائة وخمسين سنة، فماذا هي في عمر البشرية؟ وقد تسقط هذه الحضارة كما ظهرت فجأةً، يعني: ظهرت بسرعةٍ وتسقط بسرعةٍ.
ليبس كُلُّ ما عدَّه النَّاس مصلحةً يكون مصلحةً في حقيقة الأمر:
00:56:57
 سابعاً: ليبس كُلُّ ما عدَّه النَّاس مصلحةً يكون مصلحةً في حقيقة الأمر، فليس كُلُّ ما يُسمَّى منفعة أو مصلحة في اللُّغة أو في العُرف أو يراه النَّاس أو طوائفٌ منهم مصلحة، يمكن أن يكون مصلحةً مقصودةً للشَّارع تُشرع لتحصيلها الأحكام، ويُؤمر بها المكلَّفون، ولذلك كثيرٌ من الأمور قد يبدو لبعض النَّاس في ظاهرها أنَّها مصلحةٌ، ولكنَّها في حقيقتها ليست كذلك، ولأجل هذا لم يعتبرها الشَّرع بل ألغاها، وهو ما يُسمَّى عند علماء الأصول بالمصلحة الملغاة، وهي: المصلحة التي يراها العبد بنظره القاصر مصلحةً ولكن الشَّرع ألغاها وأهدرها ولم يلتفت إليها، بل جاء بمنعها والنَّهي عنها في الكتاب والسُّنَّة، أو في الإجماع والقياس، وإلغاء الشَّرع لهذه المصالح إمَّا لأنَّه يُتوهَّم أنَّها مصلحةٌ والحقيقة أنَّها ليست مصلحة، أو لأنَّها تُفوِّت مصلحةً أرجح منها، أو لأنَّها تُعارضها مفسدةٌ أعظم منها، ومن أمثلة ذلك: الفرار من الزَّحف لحفظ النَّفس؛ هل يبدو مصلحةً لحفظ النَّفس؟ نعم يبدو مصلحة، لكن الشَّرع ألغاها وحرَّم الفرار من الزَّحف وجعله من الكبائر، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ [الأنفال:15-16]. إذاً لماذا ألغها؟ لأنَّ هناك مصلحةٌ أكبر منها، وهي حفظ الدِّين؛ لأنَّه لو ولُّوا الأدبار لحفظ أنفسهم ضاع الدِّين وانهزم الإسلام، مثال آخر: قتل المريض الميؤوس من شفائه؛ هل يظهر أنَّه مصلحةٌ؟ ممكن أولاً: من جهة إراحته من آلام السَّرطان المتفشي في الجسم، ثانياً: توفير نفقات العلاج الكثيرة وفواتير العلاج الضَّخمة التي تُدفع مقابل معالجته، ثالثاً: إراحة أهله من معاناة نقله من المستشفى إلى البيت والسَّهر عليه ونحو ذلك من أمور القيام على الأمراض، القتل الرَّحيم أفضل أعطوه حقنةً ويتخلَّص من المعاناة، هذا قد يبدو مصلحةً، فقد كان بعض ساسة أُوروبا يرى قتل المعاقين، ويقول: لماذا يعيش هؤلاء؟ يعني: هؤلاء عبئ على الدُّول وعلى المجتمع، وضياع للوقت والأموال، لكن القضية أنَّه ممكن الواحد ينظر أنَّ وجود المعاق هو تذكيرٌ بنعمة الله بالصِّحَّة للسَّليم، وعندما يرى المبتلى فيقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلَّني على كثيرٍ ، فيُؤجر على هذا، فيفضِّل الآخرة على الدُّنيا، فصبر المبتلى على البلاء يؤجر عليه وكذا صبر أهل المبتلى مأجورون في الآخرة، فلذلك تكلَّمنا على قضية مصالح الآخرة وليست مصالح الدُّنيا فقط في نظرية المصلحة شرعاً يجب النَّظر في مصالح الآخرة، وليس هؤلاء أرحم من الذي خلق المبتلى، ولذلك أمره يُترك إلى الله فإن شاء أحياه وإن شاء أماته، ولأهله أجرٌ، والرِّبا أيضاً حيث أن بعضهم ينظر على أن فيه مصلحة للمقترض وللبنك ولتشغيل النَّاس مشاريعهم، ويقولون هذه قروضٌ ربويَّةٌ، أنشأت مصانع ضخمة وكم شغلَّت من أناس؟ وكم وفَّرت من إنتاج؟ لكن الشَّرع ألغا المصالح هذه كُلَّها؛ لأنَّها في حقيقة الأمر ليست مصالح بالنَّظر إلى المفاسد التي تكون في مقابلها، وإنَّما يراها بعض النَّاس مصالح خالصة بأنظارهم القاصرة  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ [البقرة:278-279]. وهم والآن يكتشفونأضراره، فقالوا اجعلوا الرِّبا نصف في المائة، وبعض الدُّول بلغ فيها صفراً في المائة انتهى الرِّبا، فاكتشفوا أنَّ حلَّ المشكلة هو إنهاء الرِّبا، ويقولون: أن بعض الاقتصاديين العالميين الكبار درسوا أن إذا كانت بالحسابات حلّ المشكلات فسنجعل الرِّبا صفراً في المائة، والضَّرائب اثنين ونصف في المائة، فنحن عندنا الزَّكاة اثنين ونصف في المائة والرِّبا صفر في المائة، هم ما قالوا: اثنين ونصف بل قالوا: بين اثنين وثلاثة، وهذا البحث الذي نُشر عمله بعض الاقتصاديين الكفَّار.
بعض النَّاس قد يتخيَّلون أن المصالح في بعض الأشياء المحرَّمة:
01:02:16
 على أيَّة حال: أنَّ بعض النَّاس قد يتخيَّلون مصالح في بعض الأشياء المحرَّمة، ولكن في الحقيقة فيها مفاسد، وقد يُدرك بعض عقلاء الكفَّار غرباً وشرقاً هذه المفاسد، يقول الألماني شاخت -على سبيل المثال- وهو مديرٌ سابقٌ لأحد البنوك الألمانية: إنَّه بعملية رياضية غير متناهية يتضح أنَّ جميع المال في الأرض سيصبح في يد عددٍ قليلٍ جداً من المرابين في النَّهاية؛ لأنَّ الدَّائن المرابي يربح دائماً في كُلِّ عملية، بينما المدين معرَّضٌ للربح والخسارة، يأخذون قروضاً ربوية فينشئون أبراجاً ومشاريع سياحية ضخمة وجزراً اصطناعية ومباني، ثُمَّ يحدث هبوطٌ اقتصاديٌّ فيعجزون عن السَّداد، فتُعاد جدولة الدُّيون مرة أخرى فيزيد الرِّبا، فتصبح الأحوال الاقتصادية صعبةً والعائد قليلاً فلا يمكن التَّسديد أبداً، فيستولي المرابي في النَّهاية -وهو المصرف العالمي- على كُلِّ المنشئات، وهناك حركةٌ يهوديَّةٌ ي كبيرةٌ في الأرض، تقول هذه الحراكت: أعط النَّاس قروضاً ربويَّةً بنسبٍ متدنيةٍ تشجيعاً على الربا والاقتراض، واتركهم يزرعون ويصنعون ويبنون أبراجاً، وينشؤون مزارعاً ومصانعاً، ونحن سنكتفي بأخذ الفوائد القليلة في البداية، ثُمَّ نرفع الفوائد؛ لأنَّه يوجد انتعاشٌ، والنَّاس يقترضون ثُمَّ تأتي الدَّورة الاقتصادية ويصير هبوطٌ اقتصاديٌّ فيعجزون عن التَّسديد، فنُعيدُ جدولة الدُّيون فتتراكم عليهم الفوائد أكثر، فتنتهي القضية إلى وضع اليد على الممتلكات، سنُقوِّم المزرعة والمصنع والبُرج، وسنأخذ الذي لنا، وتبقوا أنتم مطالبين، حسبكم أن تنجوا من السِّجن، فالعملية واضحةٌ، فالذي صار في جنوب شرق آسيا والذي صار في بعض دول الخليج هو مرابون يستولون في النِّهاية على شقاء وتعب هؤلاء، فتصير المزارع والمصانع والأبراج بأيديهم، ويُدخِلون العالم في قروضٍ جديدةٍ، وعالم تشتغل وتتعب ثُمَّ في النِّهاية تعجز عن التَّسديد ليتم الاستيلاء وهكذا، فاليهود يتركون النَّاس تزدهر وبعدها يستولون عليه، وهكذا تدوير العملية وهذا خرابُ العالم  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:278-279]. وبيع الخمر قد يكون فيه مصلحةٌ يظهر لبعض النَّاس كما قلنا، وتشجيع السِّياحة والاقتصاد وتجارة وبيع وشراء، ولكن  يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا [البقرة:219]. وتسوية الذَّكر بالأنثى في الميراث، قد يتصوَّر بعض النَّاس أنَّ فيه مصلحةٌ؛ لكنَّه مصلحةٌ وهميةٌ، ولذلك الشَّرع ما اعتبرها، بل اعتبر للذَّكر مثل حظِّ الأنثيين؛ لأنَّ هناك احتياجاتٌ وطرفٌ ينفِق وطرف ينفَق عليه، والشَّرع أعلم وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [البقرة:216]. هذه القاعدة، ولذلك لما أعطاه الميراث هذا وفي الشَّهادة وفي الدِّية إلى آخره، فهو يعلم سبحانه وتعالى الدَّعوة إلى دفع مالٍ بدلاً من الهدي؛ بحجة صعوبة الذَّبح وتنظيم الذَّبح، قد يرد عند بعض النَّاس أنَّ هذه مصلحةٌ والمال أنفع للفقراء، ولكن هذه ملغاةٌ، قال الله:  فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196]. ومصلحة اللَّحم والذَّبح لله عبادة تدلُّ على التَّوحيد، والذَّبح لله مصلحته أعلى من مصلحة أن تفسد بعض اللُّحوم، علماً أنَّ هنالك حلولاً لقضية فساد اللُّحوم، يعني: هناك براداتٌ ومشاريع تصريف وشحن جوي مُبرَّد، فلو أرادوا أن يعالجوا ما ينشأ من مفاسد فممكن، تجمع ما بين تحقيق الذَّبح وتوزيع اللُّحوم ممكن، وهناك نماذجٌ على هذا في الواقع لا يرى أهل المصالح الدُّنيوية أبداً المصلحة الموجودة في قوله تعالى  لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ [الحج:37]. كما قلنا: قد تظهر مصلحةٌ من نقل صلاة الجمعة -في الغرب- من الجمعة إلى الأحد حتى لا يتعطَّل المسلمون عن الدِّراسة والعمل، ولكن بركة يوم الجمعة وما جعل الله في هذا الوقت تحديداً، وقضية التَّسليم لله بجعل الجمعة في هذا اليوم تحديداً، وقضية الاجتماع في هذا اليوم، وقضية عدم مشابهة الكفَّار في الاجتماع في السبت والأحد، فالسَّبت اليهود والأحد النَّصارى، أيضاً هذه فيها مصالح عظيمةٌ، فأنت لما تنقل تقول أنا فيه مصلحة نقل يوم صلاة الجمعة ليوم الأحد، حتى مصلحة الطّلاب ومصلحة الموظَّفين المسلمين في الغرب، ماذا يعني ذلك من المفاسد؟ وقد يرى بعض النَّاس أنَّ خروج الخطيب أو الخاطب مع خطيبته مصلحة، وبعض النَّاس قد يرى مصلحة إقامة علاقة قبل الزَّواج للتَّجربة، يقول: نعمل تجربةً قبل الزَّواج فإذا نجحت كمَّلنا، وإذا ما نجحت بطَّلنا، فما الفرق: إذا تزوَّجت وما نجحت طلق وإذا نجحت كمِّل، لكن مشكلتك في قضية صكِّ الطَّلاق، ونحن نقول لك: إذا فشلت ستُطلق فما الفرق إذاً؟ فأنت عشت معها بشرع الله، وفي الحالة الأولى عشت معها بالحرام، فهذه التَّجربة التي يجعلونها قبل الزَّواج ينشأ عليها من الحرام ما ينشأ، من العيشة بالحرام، وغضب الجبَّار، ومخالفة الدِّين والأحكام، ومن الفساد الذي ينشأ عنها أضعاف أضعاف، فماهي المصلحة عندك؟ يقول حتى إذا فشلت نفترق بسلامٍ، نقول: لو فشلت فالله يقول فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229]. إذاً: كُلُّ مصلحةٍ قد تخطر في بالنا لشيءٍ حرَّمه الشَّرع فهي مصلحةٌ إمَّا ملغية أو متوهمة، وكُلُّ مفسدةٍ تخطر في بالنا في شيءٍ أتى به الشَّرع فإمَّا هي مفسدةٌ وهميةٌ أو مصلحة أكبر منها بكثير، نقف عند هذا الحدِّ، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا وإياكم في دينه، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد.