الأحد 23 محرّم 1441 هـ :: 22 سبتمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

18- تعجبه ﷺ1


عناصر المادة
المقدمة:
عناية الله بنبيه صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله:
استغلال المواقف العجيبة:
كان صلى الله عليه وسلم يسأل عن الأمور التي يتعجب منها:
التعجب من أفعال الكفار:
تعجبه صلى الله عليه وسلم من قول اليهودي:
تعجبه صلى الله عليه وسلم من مخاطبة العبد ربه:
تعجبه صلى الله عليه وسلم مما يعجله الله لعباده من المثوبة والعقوبة في الدنيا:
المقدمة:
00:00:04
 أهنئكم ونفسي برمضان، ذلك الشهر شهر الله، أفضل شهور السنة، اختصه الله بهذه العبادة العظيمة، وهي الصيام من بين كل الشهور، والله يختص ما يشاء بما يشاء، كنا في شعبان شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله، فأصبحنا الآن في رمضان فيه ليلة تكتب فيها المقادير، فيرى الواحد بين الناس يمشي وهو في الأموات، تكتب في هذه الليلة الحياة والموت، والصحة والمرض، وقسم الأرزاق والولد، والعقم والإنجاب، ويكتب ما أراد الله سبحانه وتعالى، فنحن إذًا ما بين شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله قد مضى، وشهر فيه ليلة عظيمة تكتب فيها هذه المقادير، والأخلاق، والأرزاق التي قسمها الله سبحانه وتعالى بين عباده.
تعودنا وإياكم في السنوات الماضية أن نتكلم في شهر الصيام عن شيء من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نذكر أنفسنا بها، ونطيب الأسماع بسيرة الحبيب صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.
وكنا نتكلم في سلسلة أحوال المصطفى عليه الصلاة والسلام عن أمور متعددة، ومن ذلك ما تقدم من ذكر أولاده، وأحفاده، وأزواجه، وأصحابه، وجيرانه، وتعامله مع أعدائه، والسفراء، والوفود.
وكذلك تكلمنا في أحواله الاجتماعية الشريفة عليه الصلاة والسلام، وكان صحابة النبي صلى الله عليه وسلم يصفون أحواله في فرحه، وحزنه، وضحكه، وصمته، وكلامه، وغضبه، ورضاه، وعجبه، وبيان كرم معدنه، وصدق أرومته، وعظم خلقه صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن أن نتعرف على سيرته عليه الصلاة والسلام إلا إذا نظرنا إلى شخصيته من الزوايا المتنوعة التي يتبين فيها عظمة هذا النبي الكريم، وإنك لترى الرجل يذكر صاحبه فيحسن الثناء عليه بكل جميل،  ويصفه بكل كريم، ثم يقول: لكنه إذا غضب فعل كذا، نزق، أو فيه عصبية، أحيانًا يغضب، النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيه هذا الاستثناء، ليس فيه عيوب، إذا أراد واحد أن يخطب من عندك، أو تخطب من عند شخص، وتسأل عن المخطوبة، أو يسألون عن الخاطب، يقولون: فيه وفيه من المحاسن إلا أنه.
النبي عليه الصلاة والسلام لا يوجد في سيرته إلا أنه، يعني ليس فيه معايب، كلها مكارم وممادح، وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4].
وأحد الشعراء الذي كان موصوفًا بالشهامة، والشجاعة، والنجدة، والكرم، يقول:
أثني عليّ بما علمت فإنني *** سمح مخالقتي إذا لم أظلم
وإذا ظلمت فإن ظلمي باسل *** مر مذاقته كطعم العلقمي

[شرح المعلقات السبع للزوزني: 255].
لكن النبي صلى الله عليه وسلم كما تقول عائشة رضي الله عنها: "ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم النبي صلى الله عليه وسلم لله بها"، كما جاء في الحديث المتفق عليه. [رواه البخاري: 6786، ومسلم: 2328].
النبي عليه الصلاة والسلام كله ممادح، وكله مكارم عليه الصلاة والسلام، تعلم جلال قدر هذه النبوة، وشرف هذه الشخصية العظيمة، وتراه عليه الصلاة والسلام في ضحكه، وفي تعجبه، وفي غضبه، وفي رضاه، وفي سخطه، وتراه في صمته ونطقه، تراه في أحواله المتنوعة حتى في الأشياء الجبلية والخلقية، كمشيته وكلامه عليه الصلاة والسلام، كاملاً من جميع الوجوه.
ينبغي علينا أن ندرس شخصية النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه قدوتنا وأسوتنا، ومن كان مؤمنًا فإنه سيتبع محمدًا صلى الله عليه وسلم إنه ليس كأحدنا إذا غضب سب، وإذا مزح سفه، أو إذا قال ربما جهل، وإذا خاصم ربما فجر، بل إن الله سبحانه وتعالى حفظه، واعتنى به سواء في جده وهزله، في بكائه وضحكه، في فرحه وغضبه، وفي أحواله كلها، حتى قال له بعض أصحابه: إنك تداعبنا يا رسول الله! قال:  إني لا أقول إلا حقًا ، وفي لفظ:  إني وإن داعبتكم فإني لا أقول إلا حقًا  [رواه الترمذي: 1990، وصححه الألباني مختصر الشمائل: 202].
عناية الله بنبيه صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله:
00:05:49
 فهذه عناية الله سبحانه وتعالى بهذه الشخصية النبوية الكاملة، وهو أكمل البشر صلى الله عليه وسلم كان أقصى ما يعبر به عن دهشته أن يقول: سبحان الله! أو أن يتساءل متعجبًا، أو يتبسم.
وقد أثنى الله عز وجل على أدب نبيه الجم في سورة النجم، فقال:  إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى  [النجم: 16-17].
فبرغم من أن سدرة المنتهى قد غشيتها ألوان عجيبة عندما صعد صلى الله عليه وسلم لكن ذلك لم يذهب بعقله، لم يزغ بصره لم يطغ، ولم يتعد ما سمح له به،  مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى  [النجم: 17].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "ما ذهب يمينًا ولا شمالاً، ولم يجاوز ما أمر الله سبحانه وتعالى به". [تفسير ابن كثير: 7/454].
فهذه صفة عظيمة للنبي صلى الله عليه وسلم في ثباته وطاعته، وفي التزامه بأمر ربه.
وما أحسن قول الناظم:
رأى جنة المأوى وما فوقها ولو *** رأى غيره ما قد رآه لتاهًا
[تفسير ابن كثير: 4/253].
فقوله: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى  [النجم: 17]، بيان لما كان عليه الصلاة والسلام من الثبات والاطمئنان عند النظر إلى ما أذن الله له بالنظر إليه، وهكذا النفوس السوية والقلوب المطمئنة، وموضوع الدهشة والتعجب موضوع سنتكلم عنه في هذه الليلة، دهشته عليه الصلاة والسلام وتعجبه، مما كان يتعجب؟ وكيف كان يتعجب؟ وما هي الموضوعات التي تعجب منها صلى الله عليه وسلم؟ والأحوال والمواقف المتنوعة فيها؟
معروف أن الدهشة هي ذهاب العقل من الذهل والوله، وقيل: من الفزع ونحوه؛ كما قال صاحب لسان العرب: والعجب الذي منه التعجب روعة تعتري الإنسان عند استعظام الشيء، كما قال صاحب شرح الأحاديث في كتاب مراعاة المفاتيح: هذا يتفاوت بحسب حال الإنسان، ومحل الحدث من نفسه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في أكمل الأحوال وأعدلها فإنه كان عقله لا يذهب مهما كان أو مهما رأى أمرًا مدهشًا، وهو صلى الله عليه وسلم  في تعجبه في غاية الاتزان، وإنك لترى العجب العجاب في أحواله الشريفة في ذلك، الواحد منا الآن لو رأى مركبًا فارهًا، أو قصرًا منيفًا، أو لباسًا لينًا يكاد يذهب عقله أحيانًا من فرط الدهشة افتتانًا بشيء من الدنيا، ألوان مثلاً أخاذه، تصميم جميل، ونحو ذلك، لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان لو رأى شيئًا من هذه الأشياء يمتلك نفسه تمام الامتلاك، الواحد منا الآن لو رأى شيئًا مدهشًا يمكن يطير عقله، يقول: هذا شيء يأخذ العقل.
استغلال المواقف العجيبة:
00:09:16
 النبي عليه الصلاة والسلام لما كان يرى شيئًا عجيبًا ماذا كان حاله؟ اسمع هذا الحديث الذي يرويه البراء رضي الله عنه قال: أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم حلة حرير، فجعل أصحابه يمسونها، ويعجبون من لينها، فقال عليه الصلاة والسلام:  أتعجبون من لين هذا لمناديل سعد بن معاذ خير منها أو ألين  [رواه البخاري: 3802، ومسلم: 2468].
سعد بن معاذ شهيد من شهداء الله، مضى إلى ربه بعد أن حكم بحكم الله من فوق سبع أرقعة في يهود بني قريظة، ثم كانت الموقعة التي قتل فيها هؤلاء بحكم سعد الموافق لحكم الله بعدما قاتل سعد رضي الله عنه في غزوة الخندق، فختم حياته بحكم عظيم، حكم به في أوليائه السابقين من اليهود الذين كانوا متحالفين معه أو مع قومه في الجاهلية، وليس سهل على الإنسان أن يحكم في حلفائه، حكم فيهم سعد بن معاذ أن تقتل مقاتلتهم، وأن تسبى نساؤهم وذراريهم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:  حكمت فيهم بحكم الملك  [رواه البخاري: 3043، ومسلم:1768].
انفجر جرح سعد بن معاذ الذي كان قد أصيب به في معركة الخندق، وسال دمه، وخرجت روحه، وفاضت إلى بارئها رضي الله عنه،  مناديل سعد بن معاذ في الجنة  له مناديل، في الجنة مناديل من حرير، قال: أتعجبون من لين هذه، لمناديل سعد بن معاذ خير منها وألين  وهذا هو السبيل للمؤمن أمام أي شيء من نعيم الدنيا، لا يطيش عقله ويذهب لبه، ولكن يذكر من حوله بأن الجنة فيها ما هو خير من هذا مهما أعجبه، لو الآن أعجبتك سيارة تأخذ بالألباب في وظائفها، وأزرارها، وما فيها من أنواع التحكم البديع، وسر الصنعة؛ ذكر نفسك بأن ما في الجنة خير منها وأعلى،  وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى  [القصص: 60]،  وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى  [الضحى: 4 ].
ربى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على هذا، إذا رأوا شيئًا من نعيم الدنيا هذا أن لا تذهب العقول وتطيش، ولذلك ربعي بن عامر رضي الله عنه مثلاً لما دخل على رستم قائد الفرس، وقد زينوا مجالسهم بالنمارق المذهبة، والزرابي، والحرير، وأظهر اليواقيت واللآلئ، وعلى عرشه وسرير ملكه الذي نصب واستوى عليه وفيه الزينة العظيمة، وهذه الأمتعة الثمينة التي تدهش الصحابي القادم عليه بكل هذه الأشياء من النعيم الدنيوي، ولكن هذا الصحابي الذي تربى على يد النبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذه التعجب بهذا فيطيش لبه أبدًا، وإنما داس على طرف البساط، وربط خيله بالوسائد الموجودة، وجعل يتكئ على رمحه، ويخرق النمارق، ويمشي حتى يصل إلى رستم، وقد خرق أغلب البسط التي بسطت، وجلس على سرير رستم بجانبه حتى نخر هؤلاء المجوس الفرس، كيف يجلس على سرير ملكهم وبجانبه؟! ولكن هو رضي الله عنه تربية محمد صلى الله عليه وسلم. [البداية والنهاية: 7/40].
النبي عليه الصلاة والسلام لماذا ما كان يطيش لبه لما يرى هذه الأشياء الفارهة من نعيم الدنيا التي تأخذ بالألباب؟ لأنه تربية رب العالمين، فمثلاً قال الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام:  فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ  [التوبة: 55]،  وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: 85] ، في آية ثالثة  وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه: 131].
المنافقون بعضهم كانت له صور جميلة، وأشكال، وأجسام، فقال الله لنبيه -يعني: لا يأبه بالشكل الشكل ليس كل شيء-:  وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ [المنافقون: 4].
وقال الله سبحانه وتعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ  [البقرة: 204]، فهناك من الناس من يعجبك جسمه، وهناك من الناس من يعجبك منطقه، لا تغتر بالشكل ولا باللفظ، انظر ماذا وراء ذلك من الحقائق، فقال تعالى:  وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ  [البقرة: 204-205].
وجه الله نبيه ألا تأخذه الدهشة من المعجزات التي أتاها لأنبيائه؛ لأن من علم أن الله على كل شيء قدير لم يندهش، يعني: اندهاش الذي يصدق أو لا يصدق أو يشك،  أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا  [الكهف: 9] هذا الاستفهام بمعنى النفي أو النهي، يعني لا تحسبن: لا تظن أن قصة أصحاب الكهف وما جرى لهم غريبة على آيات الله، وبديعة في حكمه، أو أنه لا نظير لها، أو لا مجانس، بل لله آيات كثيرة عجيبة، أشياء كثيرة يتعجب منها.
فإذًا ربك على كل شيء قدير، فما يذهبن العقل إذا نظر إلى هذه العجائب؛ لأنها من الآيات الدالة على قدرته، فقف معها مقام الذاكر لربه، الموحد له، الشاهد بقدرته عز وجل.
والله سبحانه وتعالى خلق السموات والأرض، وخلق فيهما عجائب، وهناك ما هو أعجب من أصحاب الكهف والرقيم.
وهذا الطبع في نفس النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك في حديث البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم لما صلى صلاة الصبح ثم أقبل على الناس فقال:  بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها  هل البقر تستعمل للركوب؟ لا، تستعمل للحرث،  فقالت  البقرة لهذا الذي ركبها وضربها:  إنا لم نخلق لهذا  البقرة تتكلم الحديث متفق عليه رواه البخاري ومسلم، ما في شك في صحته،  إنا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحرث ، فقال الناس الذين يسمعون في المسجد: "سبحان الله بقرة تتكلم"، سبحان الله كلمة تقال للتعجب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:  فإني أؤمن بهذا أنا وأبو بكر وعمر ، وما هما ثم، ما كانا حاضرين رضي الله عنهما لكن النبي عليه الصلاة والسلام شهد لهما بأنها يؤمنان بهذا لو سمعاه، ولو رأياه لآمنا به، وليس ذلك على الله بعزيز، ومن كان مؤمنًا بالله لا يستنكر شيئًا من ذلك.
قال عليه الصلاة والسلام مواصلاً حديثه:  وبينما رجل في غنمه إذا عدى الذئب فذهب منها بشاة ، هجم عليه، وخطف منها شاة،   فطلبه  الراعي جرى وراء الذئب  حتى كأنه استنقذها منه ، فقال:  له الذئب ، وفي رواية: فأقعى الذئب على ذنبه  جلس يكلم الراعي فقال:  استنقذتها مني فمن لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري ، معناه من لها يوم يطرقها الأسد فتفر أنت منه، فيأخذ منها حاجته، وأتخلف أنا لا راعي لها حينئذ غيري أرعى ما يفضل لي منها.
وقيل: إنما ذلك يكون عند اشتغال الناس عن أموالهم بالفتن، أن يأتي على الناس زمان في آخر هذه الدنيا تأتي فتن عظيمة، الواحد ما يقوم على حلاله ولا ماله، مشغول ذهب عقله ذهب لبه من الفتن مما حوله، فلا هو يقوم على غنم، ولا على زرع، ولا على شيء، فيقول له: أنت الآن أخذت مني رزقاً ساقه الله إليّ، فاستلبته مني سيأتي يوم لا راعي لها غيري؛ لأنكم كلكم يا رعاة الأغنام في ذلك الوقت ويا أصحاب المواشي مشغولون عنها بالفتن، ما هناك رعاة لها إلا نحن معاشر الذئاب.
فقال الناس الحاضرون في المسجد الذين يسمعون حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله ذئب يتكلم! قال: فإني أؤمن بهذا أنا وأبو بكر وعمر  وما هما ثم" [رواه البخاري: 3471، ومسلم: 2388]، لم يكونا هناك.
إذًا هذا الحديث الصحيح فيه تصريح بنطق البقرة ونطق الذئب بكلام معقول من كلام العقلاء على غير العادة؛ مما جعل الناس يتعجبون ويسبحون، والنبي صلى الله عليه وسلم دفع هذا التعجب بإعلانه إيمانه وتصديقه بذلك، وضم معه أبا بكر وعمر وكانا غائبين شهادة منه صلى الله عليه وسلم لهما بكمال إيمانهما، إنما قال ذلك ثقة بهما لعلمه بصدق إيمانهما وقوة يقينهما.
وفي هذا الحديث جواز التعجب من خوارق العادات، وتفاوت الناس في المعارف، فمن كان إيمانه أكمل كان أثبت عند رؤية العجائب، ولذلك الدجال لما يطلع على الناس معه جنة ونار، وتتبعه كنوز الأرض، ويحيي الأموات بإذن الله، ويتمثل شيطانان لأبوي أعرابي يقولان: يا بني إنه على الحق اتبعه، هذا الدجال معه عجائب من الطعام تتبعه كنوز الأرض كياعسيب النحل، فبعض الناس ما يستطيع أن يقاوم نفسه من هذه العجائب، فيتبع الدجال، ويؤمن بالدجال، ولكن الذي عنده إيمان يقرأ عليه فواتح سورة الكهف، وفواتح سورة الكهف، فيها تذكير بعجائب الله، ومن ذلك قصة أصحاب الكهف:  أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا  [الكهف: 9]، فالذين أنامهم ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا  [الكهف: 25] قادر أن يبعث هذا الدجال، ومعه هذه العجائب، ولكنه كافر، فالمهم الإيمان.
من كمال إيمان النبي صلى الله عليه وسلم، وقوة يقينه لما يحصل في ملكوت الله تعالى، وهو الذي قال:  إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  [النحل: 40]، ما حصل في هذه القصص التي ذكرها لنا ربنا سبحانه مثل قصة إبراهيم:  أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى  [البقرة:260]، وما حصل من هذه الطيور التي ذبحت، وقطعت، وفرقت، ووزعت على الجبال، ثم دعيت فجاءت،  يَأْتِينَكَ سَعْيًا   [البقرة: 260]، وقصة عزير  مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ  [يس: 78]، الله سبحانه وتعالى لما ذكر لنبيه صلى الله عليه وسلم عجائب في القرآن من إحيائه للأموات الدالة على قدرته على البعث والنشور،  مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ  [يس: 78] يقولها الكفار، قال الله تعالى: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ  [الرعد: 5].
فالنبي صلى الله عليه وسلم في الأحوال وفي الأحداث المختلفة كان مؤمنًا بقدرة الله تعالى.
كان صلى الله عليه وسلم يسأل عن الأمور التي يتعجب منها:
00:23:24
 فأحيانًا يطلب من أصحابه أن يحدثوه عما رأوا من العجائب، فعن جابر رضي الله عنه قال: لما رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرة البحر يعني الذين ذهبوا إلى الحبشة، قال لهم عليه الصلاة والسلام:  ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟ 
قال فتية -منهم يعني من شباب الصحابة-: بلى يا رسول الله بينا نحن جلوس" يعني في الحبشة لما كنا مهاجرين في الحبشة "مرت بنا عجوز من عجائز رهابينهم"، يعني عندها دين متدينة، "تحمل على رأسها قلة من ماء، فمرت بفتى منهم" شاب طائش "فجعل إحدى يديه بين كتفيها، ثم دفعها، فخرت على ركبتيها، فانكسرت قلتها، فلما ارتفعت العجوز" قامت من تلك السقطة، "التفت إليه" إلى هذا الشاب "فقالت: سوف تعلم يا غدر" يا غادر يا مجرم، "إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدًا" قالت العجوز وكان عندها بقية من الدين الذي كانوا عليه، وكان قد وصل إليهم أشياء لم تحرف، قالت: "سوف تعلم يا غدر إذا وضع الله الكرسي" يعني" نصبه للفصل بين الخلائق يوم القيامة، "وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلق على القصة لما سمعها:  صدقت صدقت، كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم  [رواه ابن ماجه: 4010، وحسنه الألباني في مختصر العلو: 59].
النبي صلى الله عليه وسلم كان يحث على التحديث بالأعاجيب التي تزيد الإيمان حتى لو كان حصلت في أمم سبقتنا، وقال:  حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، فإنه كانت فيهم أعاجيب  [رواه أحمد في كتاب الزهد: 88، وهو حديث صحيح صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: 2926].
ليست الأعاجيب المخالفة للقرآن والسنة، وإنما ما جاء في هذه الأعاجيب التي فيها اتعاظ وزيادة إيمان.
وفي هذا الحديث السابق صرف لشبابنا عن الافتتان بقوتهم، ووعظ لهم من التعدي على الضعفاء، فإن لله يومًا ينتقم فيه من الظلمة.
وتغر الشباب أحيانًا مبتكرات، ومخترعات، وأجهزة تأخذ بالألباب، مدهشة، أمر عجيب، وتقنيات، وفنيات، وآيباد، وآيفون، وآي وآي، وكادوا يفتحوا مجلس عزاء على البي بي، الافتتان بهذه التكنولوجيا الحقيقة أنه فعل أفاعيل سلبية في نفوس كثير من الشباب، ليس فقط في قضية إيقاعهم في المعاصي، أو استخدام هذه التقنية في المعصية، لكن أيضًا قضية الانسياق، الواحد إذا صار لبه مأخوذًا لهذا يصير ما عنده ممانعات من تقبل الأشياء، ينساق وراءها بما فيها من الغث والسمين، يدخل في هذه المواقع، مثلاً مواقع التواصل الاجتماعي، وهو مفتون مسلوب اللب، كذا انفتاح على الدنيا، انفتاح على أشخاص، انفتاح على مواقع، انفتاح على ناس، ثورة الاتصالات يدخل من هنا إلى هنا وهنا وهناك، ومن يناديه يكتب له، وصورة وصوت، وملتميديا، وأشياء فتنت الشباب في الحقيقة، فإذا ينبغي أن الواحد يملك نفسه.
هذه الأجهزة الحديثة تنقلب وينقلب معك، وتقلبه كذا وينقلب كذا، لو هذا في أجدادنا يمكن حسبوا فيه جنًا، أليس كذلك؟
الآن لو نجرب أحيانًا تأتي بجهاز جديد يقول لك: هذا لزلوشن، هذه الدقة العالية، ترى انبهار بعض الناس في الأشياء يؤدي إلى أخذها، الاستسلام لها، الاستسلام بما فيها من حلوها ومرها، وهذا الذي نريد أن نذكر به أنفسنا،  وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ  [طه: 131].
هناك ناس مفتونين فعلاً بالتقنية، ما عندهم فرامل، فالقضية هذه قضية الإعجاب مهم جداً، أن يكون فيها للمؤمن وقفة، يهيمن يسيطر فيها على الأمر، صحيح أستعمل تقنية، لكن ليس معناه أن أستسلم لما في التنقية، ولذلك المشكلة الحقيقية اليوم في قضية تطبيقات الجوال أن الذي سبق بصنعة الجهاز هو الذي سيضع فيه البرمجيات التي يريدها، ونحن مستهلكون للتنقية، نطالع في هذه الأشياء في الأجهزة مسلوبة ألبابنا بما.
من خلق الجهاز؟ الله،  وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ  [الصافات: 96]، من الذي خلق صانع الجهاز؟ الله، من الذي خلق عقل صانع الجهاز؟ الله، من الذي يفني الأجهزة كلها؟ الله. كلها كل شيء يعود إلى الله عز وجل  كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ  [الرحمن: 26].
التعجب من أفعال الكفار:
00:31:07
 التعجب يكون من كفر الكفار شرك المشركين، الله سبحانه وتعالى قال لنبيه: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ [الصافات: 12].
قرأ حمزة والكسائي بضم التاء عجبتُ، وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس، والعجب من الله تعالى يليق بجلاله وعظمته، والقراءة الأخرى بل عجبت يا محمدًا صلى الله عليه وسلم من تكذيب المشركين بالقرآن مع عظمة القرآن، ومن تكذيبهم بالبعث مع الأدلة القوية الكاملة الدالة على قدرته سبحانه وتعالى على هذا البعث، فإذًا إذا أردنا أن نتعجب نتعجب من أفعال الله تعظيمًا له، ومن أفعال المخلوقين التي فيها تكذيب كيف كذبوا؟ وكل هذه الأدلة الدالة على الإيمان به تعالى وقدرته موجودة في هذا الكون، النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً تعجب من رحمة الله، ومن فضله عليه، ومن دفاعه عنه.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذممًا، ويلعنون مذممًا، وأنا محمد  [رواه البخاري: 3533].
يعني: الكفار صعب عليهم أن يقولوا: محمد، فسموه مذممًا، فكأنهم اختلقوا شخصية وهمية اسمه مذمم، لأنه لا يوجد مذمم، هو اسمه محمد، صنعوا هذه الشخصية الوهمية، وجعلوا يشتمونه، فانصرف السب عن محمد إلى مذمم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه يومًا:  ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم يشتمون مذممًا، ويلعنون مذممًا وأنا محمد  رواه البخاري.
فهذا مما يتعجب له مما حماه الله به حفظه من سجود الأصنام، وعباده الأوثان، ومعاقرة الخمور، ومصاحبة السفهاء قبل البعثة، وبعد البعثة حفظه سبحانه وتعالى من أعدائه، ولما أراد أبو جهل ليقتله، فحال الله بين أبي جهل ونبيه ماذا؟ تراجع أبو جهل فجأة، تراجع للوراء، قال كفار قريش لأبي جهل: مالك؟
قال: إني أرى خندقًا وأهوالاً وأجنحة"، ما استطاع يصل إليه.
وأعمى الله عن نبينا بصر أم جميل زوجة أبي لهب، فما رأته جاءت تبحث أين مذمم؟ ما رأيته، كادوا له ليقتلوه، ولكن الله سبحانه وتعالى جعل  مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ [يس: 9]، وكذلك عند السب والشتم يشتمون شخصية هم صنعوها اسمه مذمم.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: كان الكفار من قريش لشدة كراهتهم للنبي صلى الله عليه وسلم لا يسمونه باسمه الدال على المدح، فيعدلون إلى ضده، فيقولون: مذمما"، وإذا ذكروه بسوء قالوا: فعل الله بذمم، يعني: دعاء عليه، "ومذمم ليس هو اسمه، ولا يعرف به، فكان الذي يقع منه في ذلك مصروفًا إلى غيره" [فتح الباري:6/ 558].
هذا الذي يتعجب منه فعلاً. النبي صلى الله عليه وسلم يتعجب منه، وكذلك ينبه أصحابه للتعجب من هذا.
تعجبه صلى الله عليه وسلم من دقة الحساب:
ومن تعجبه صلى الله عليه وسلم من أفعال الله تعجبه من دقة الحساب، وكمال العدل يوم القيامة، كما جاء في حديث أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسًا وشاتان تقترنان، فنطحت إحداهما الأخرى، فأجهضتها، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: ما يضحكك يا رسول الله؟
فقال:  عجبت لها، والذي نفسي بيده ليقادن لها يوم القيامة  رواه أحمد بسند فيه ضعف [21511]، وله شواهد [سلسلة الأحاديث الصحيحة: 1967].
فهذا إسناد في الشواهد والمتابعات يصلح، ورجاله ثقات غير ليث بن أبي سليم، توبع، وهو قد اختلط، ولكنه توبع معناه أن الله يوم القيامة يقتص لهذه من الأخرى، والله سريع الحساب، مع أن البهائم ليست مكلفة لكن من كمال عدل الله أن يقتص لبعضهم من بعض،  ثم يقال لها: كوني ترابًا  [المستدرك: 3231، وسلسلة الأحاديث الصحيحة:1967].
تعجبه صلى الله عليه وسلم من أحوال العالم الآخر حين رأى الجنة والنار:
من تعجبه عليه الصلاة والسلام من أفعال الله تعجبه من أحوال العالم الآخر حين رأى الجنة والنار.
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى لنا يومًا الصلاة ثم رقي المنبر، فأشار بيده قبل قبلة المسجد، فقال:  قد أريت الآن منذ صليت لكم الصلاة الجنة والنار ممثلتين في قبل هذا الجدار، فلم أر كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيرًا ، فما أتى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا هو أشد منه، غطوا رؤوسهم ولهم خنين". [رواه البخاري: 7294، ومسلم: 2359 واللفظ له].
يعني صورت له الجنة والنار في الجدار، والله على كل شيء قدير، قال:  فلم أر كاليوم في الخير والشر ، يعني: لم أر خيرًا أكثر مما رأيت اليوم في الجنة، ولا شرًا أكثر مما رأيت اليوم في النار، ولو رأيتم ما رأيت، وعلمتم ما علمت لأشفقتم إشفاقًا بليغًا، ولقل ضحككم، وكثر بكاؤكم.
تعجبه صلى الله عليه وسلم من قول اليهودي:
00:36:53
 وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم تعجب من قول اليهودي مرة من المرات أيضًا عن أفعال الله وصفاته.
فعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، يكفأها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر  لمن هذه الخبزة؟ قال: نزلاً لأهل الجنة  النزل: ما يعد للضيف عند نزوله، فالله سبحانه وتعالى يجعل هذه الخبزة يأكلها أهل الجنة من أهل الموقف قبل دخول الجنة.
لو قال قائل: الناس محبوسون يوم القيامة لا يوجد أكل؟
فالجواب: إن الله سبحانه وتعالى يجعل الأرض كالخبزة يأكلوا منها نزلاً قبل دخول الجنة، ما يعجل للضيف قبل الدخول، هذا شيء عجيب، المؤمنون لا يعاقبون بالجوع في طول الموقف؛ لأن الله يجعل لهم الأرض كالخبزة، "فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟" إذا دخلوا أول ما يقدم لهم، أنت الآن حدثت أصحابك عن ماذا يكون لهم قبل الدخول؟ أول ما يدخلون ماذا يقدم لهم؟
متى جاء اليهودي؟ بعدما تكلم النبي صلى الله عليه وسلم اليهودي ما كان موجودًا في الكلام السابق، أتى بعدما انقضى الكلام السابق، فاليهودي جاء كأنه يستعرض معلوماته.
قال: بارك الرحمن عليك أبا القاسم ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟
قال  بلى .
قال: تكون الأرض خبزة واحدة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ساق الله اليهود ليقول نفس الكلام.
قال: فنظر إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ضحك حتى بدت نواجذه"، هذا الذي يكون لهم قبل الدخول، ماذا يكون لهم بعد الدخول؟
قال اليهودي: ألا أخبرك بإدامهم؟" إدام أهل الجنة.
قال:  بلى .
قال: إدامهم بلام ونون النون" هو الحوت، فإذا هنا مأكولات بحرية في الجنة.
ما معنى بالام؟ كلمة عبرانية تعني الثور. قالوا: وما هذا؟ قال: ثور ونون، النون الحوت، يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفًا". [رواه البخاري: 6520، ومسلم: 2792].
إذًا أول ما يدخل أهل الجنة الجنة ما الذي يذبح لهم؟ لأن الكريم لما يضيف ضيوفًا. أول ما يجوا يذبح لهم، فأول طعام يأكله أهل الجنة بالام ونون، الثور هذا ثور الجنة الذي يأكل من أطرافها، ينحر أول ما يدخلون، وزيادة كبد الحوت؛ لأن الكبد له قطعتان: قطعة صغيرة، وقطعة كبيرة، القطعة الصغيرة ألذ وأطيب، فهذا إذًا الذي يكون لهم يوم القيامة، أول ما يدخلون الجنة، هذا فيه تعجب من أشياء تكون يوم القيامة من أحوال أهل الجنة، وأحوال أهل الجنة كلها من العجائب، ولكن هذه فعلاً من العجائب، ماذا يكون لهم عندما يكونون يوم القيامة محشورين؟ وعندما يكون الناس محشورين؟ وماذا يكون لهم عندما يدخلون الجنة؟
في حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: "جاء حبر من اليهود فقال: إنه إذا كان يوم القيامة جعل الله السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والماء والثرى على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يهزهم، ثم يقول: أنا الملك، أنا الملك، فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يضحك حتى بدت نواجذه تعجبًا وتصديقًا لقوله، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم  وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ  [الزمر: 67]. [رواه البخاري: 4811، ومسلم: 2786].
إذًا التعجب من صدق الكلام الذي جاء به هذا اليهودي، مع أنه يهودي ولكن بقي عندهم أشياء غير محرفة، وهذا منها، وقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم تعجب النبي عليه الصلاة والسلام مرة من شيء فقال:  ما رأيت مثل النار نام هاربها، ولا مثل الجنة نام طالبها  [رواه الترمذي: 2601]، وهو حديث حسن [حسنه الألباني سلسلة الأحاديث الصحيحة: 953].
أفلا يدعو حال النار للعجب أنها بهذه الشناعة ثم الذي ينبغي أن يهرب منها نائم! وهذه الجنة وما فيها من النعيم يدعو للعجب أليس عجيبًا أن ينام طالبها! أيضًا من المفترض أن طالبها لا ينام.
تعجبه صلى الله عليه وسلم من مخاطبة العبد ربه:
00:42:24
 وتعجب النبي صلى الله عليه وسلم من الموقف يوم الحساب حين يقف الكافر والمنافق بين يدي الله، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك، فقال:  هل تدرون مما أضحك؟ 
قلنا: الله ورسوله أعلم.
قال:  من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ يقول: بلى، فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني  لا أحد يشهد عليّ إلا من نفسي، يظن أنه لن تشهد نفسه عليه،  فيقول: الله كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول لأعضائه  اليد والرجل: بعدًا لكن وسحقًا، فعنكن كنت أناضل  [رواه مسلم: 2969].
فالنبي صلى الله عليه وسلم ضحك من هذا الأمر العجيب، كيف يقول الكافر المتمرد: لا أرضى شاهدًا عليّ إلا من نفسي، ثم تشهد نفسه عليه،
وقد روى الطبري بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: "يدعا الكافر والمنافق للحساب، فيعرض عليه ربه عمله فيجحده، ويقول: أي رب وعزتك لقد كتب عليّ هذا الملك ما لم أعمل"، أنظر هذا الجحود، "فيقول له: الملك أما عملت كذا في يوم كذا في مكان كذا؟
فيقول: لا وعزتك أي رب ما عملته؟ فإذا فعل ذلك ختم على فيه"، قال أبو موسى الأشعري: "فإني أحسب أول ما ينطق منه لفخذه اليمنى، ثم تلا:  الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ  [يس: 65]  [تفسير الطبري: 20/ 544].
فهذا يجحد كتاب الأعمال، هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  [الجاثية: 29]، ويجحد ما كتبت الملائكة الكرام  وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ  [الزخرف: 80]،
 وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُون [الانفطار: 10 - 12]، فمن الذي يشهد عليه؟ ما رضي بالكتاب ولا بالكاتبين، تشهد عليه نفسه.
وروى مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارًا، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي  [رواه مسلم: 2285].
فشبه تساقط الجاهلين والمخالفين بسبب معاصيهم وشهواتهم في النار مع منعه -هو جاء يحجزهم عنها، هو حذرهم منها، هو يريد الحيلولة بينهم وبينها، وهم يصرون إلا الاقتحام في النار- مثل إذا أوقدت نارًا ترى الفراش يريد الضوء يروح  في النار، وهكذا.
تعجبه صلى الله عليه وسلم مما يعجله الله لعباده من المثوبة والعقوبة في الدنيا:
00:45:43
 ومن تعجبه صلى الله عليه وسلم من أفعال الله تعجبه مما يعجله الله لعباده من المثوبة والعقوبة في الدنيا، فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقال:  سبحان الله! ماذا أنزل الله من الفتن؟ ماذا فتح من الخزائن؟ أيقظوا صواحبات الحجر فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة  [رواه البخاري: 6218].
سبحان الله هذا تعجب، استيقظ فزعًا لما أطلعه الله على خزائن من الثواب، وخزائن من العقاب، والفتن التي ينزلها، فاندهش عليه الصلاة والسلام دهشة عظيمة من الخير والشر الذي أطلعه الله عليه،  سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن وماذا فتح من الخزائن  يعني: خزائن الخير، وخزائن الشر، فلذلك قام مدهوشًا متعجبًا.
وعن محمد بن جحش قال: جلوسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم فرفع رأسه إلى السماء، ثم وضع راحته على جبهته، ثم قال:  سبحان الله ماذا نزل من التشديد  فسكتنا وفزعنا، فلما كان من الغد سألته: يا رسول الله ما هذا التشديد الذي نزل؟ قال:  والذي نفسي بيده لو أن رجلاً قتل في سبيل الله، ثم أحيي، ثم قتل، ثم أحيي، ثم قتل وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه دينه  [رواه النسائي: 4684]، وهو حديث حسن [صحيح الترغيب: 1804].
إذًا هو تعجب من شدة الدين، وكيف أنه لا يصح للناس أن يتساهلوا فيه. موضوعنا هو تعجب النبي صلى الله عليه وسلم في المناسبات والأحوال المختلفة، تحدثنا عن بعض ما تعجب منه النبي صلى الله عليه وسلم من أمور الآخرة، من أمور الجنة، من أمور النار، من الأمور العجائب الدالة على قدرته تعالى في خلقه من الآيات والمعجزات، ومن تعجبه صلى الله عليه وسلم من أحوال الكفار يوم القيامة، ومن تعجبه من أحوال الكفار في الدنيا، وكيف صرف الله عنه أبا جهل وقريشًا ونحوهم من أهل الكفر.
سنتابع موضوعنا بمشيئة الله تعالى في أحوال النبي صلى الله عليه وسلم الشريفة في تعجبه، ضحكه في نطقه وصمته، وفي أحواله عليه الصلاة والسلام.
نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أتباعه يوم الدين، ومن حملة سنته الناشرين لها في العالمين، ونسأله عز وجل أن يحيينا عليها، وأن يمتنا عليها، وأن يجعلنا من أهلها، ومن المستمسكين بها، اللهم إنا نسألك أن تعفر لنا أجمعين، وأن تجعلنا من عتقائك من النار في هذه الليلة من رمضان يا رب العالمين، وأن تمكننا من إتمامه على الوجه الذي يرضيك عنا، وأن تعيننا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم اغفر للحاضرين والحاضرات، ولآبائهم وأمهاتهم يا أرحم الراحمين،  سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  [الصافات:180-182].