الثلاثاء 15 شوّال 1440 هـ :: 18 يونيو 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر
  • برنامج هدى وبينات يأتيكم يومياً في شهر رمضان المبارك الساعة 5 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

قصة الواهبة نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم


عناصر المادة
المقدمة:
نص قصة الواهبة نفسها للنبي -صلى الله عليه وسلم-:
شرح قصة الواهبة نفسها للنبي -صلى الله عليه وسلم-:
بعض الفوائد المستفادة من قصة الواهبة نفسها للنبي -صلى الله عليه وسلم-:
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
المقدمة:
00:00:11
 فهذه قصة حدثت على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، تبين حال المجتمع المسلم في ذلك الوقت، مما كان عليه الصحابة -رضوان الله عليهم- من الشدة، وكيف كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يسهل الأمور، ويذلل العقبات في طريق النكاح.
إنها قصة الواهبة نفسها للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وقصة التي تزوجت بما معه من القرآن.
نص قصة الواهبة نفسها للنبي -صلى الله عليه وسلم-:
00:00:56
 عن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- يقول: "إني لفي القوم عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إذ قامت امرأة، فقالت: يا رسول الله إنها قد وهبت نفسها لك، فر فيها رأيك، فلم يجبها شيئا، ثم قامت فقالت: يا رسول الله إنها قد وهبت نفسها لك فر فيها رأيك، فلم يجبها شيئا، ثم قامت الثالثة، فقالت: إنها قد وهبت نفسها لك، فر فيها رأيك، فقام رجل، فقال: يا رسول الله أنكحنيها؟ قال:  هل عندك من شيء؟  قال: لا، قال:  اذهب، فاطلب ولو خاتماً من حديد فذهب وطلب، ثم قال: ما وجدت شيئاً، ولا خاتماً من حديد، قال:  هل معك من القرآن شيء؟  قال: معي سورة كذا، وسورة كذا، قال:  اذهب فقد أنكحتكها بما معك من القرآن .
هذا الحديث قد رواه عدد من الأئمة -رحمهم الله- في مصنفاتهم، فقد [رواه البخاري: 5149] ومسلم:3553] وأبو داود:2113] والنسائي: 3280] وغيرهم من الأئمة.
شرح قصة الواهبة نفسها للنبي -صلى الله عليه وسلم-:
00:02:39
 وهذا الحديث، يقول فيه سهل -رضي الله عنه-: "إني لفي القوم عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إذ قامت امرأة".
وفي رواية: "كنا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- جلوساً، فجاءته امرأة، أتت إليه امرأة، وقامت"[رواه البخاري: 5132].
والمقصود: أنها جاءت إلى أن وقفت عندهم وقامت، كما في رواية البخاري -المتقدمة-.
وجاء أيضاً: أنهم كانوا في المسجد، فاستفدنا تعيين المكان الذي كانوا فيه.
جاءت هذه المرأة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم قامت عنده، فقالت: يا رسول الله إنها قد وهبت نفسها لك.
السياق يقتضي أن تقول: إني قد وهبت نفسي لك.
وفي رواية: "يا رسول الله جئت أهب نفسي لك"[رواه أبو يعلي:7539، والحاكم: 3318].
ولكن السياق انتقل بطرق الالتفات من أسلوب الحاضر إلى أسلوب الغائب، فقالت: يا رسول الله إنها قد وهبت نفسها لك.
هذه المرأة جاءت تعرض أمرها ونفسها على النبي -صلى الله عليه وسلم-، تقول: "إني وهبت نفسي لك، فر فيها رأيك" يعني هات الرأي في هذا العرض.
فلم يجبها عليه الصلاة والسلام شيئا، فلم يجبها صلى الله عليه وسلم، وصمت.
وفي رواية: "فنظر إليها، فصعد النظر إليها وصوبه" نظر إليها مراراً، فخفض فيها البصر ورفعه" ثم طأطأ رأسه صلى الله عليه وسلم"[رواه البخاري: 5030]فصمت، فلم يردها.
ثم قامت فقالت، أعادت العرض مرة أخرى، فصمت النبي -صلى الله عليه وسلم-.
يقول الراوي: فلقد رأيتها قائمة ملياً، تعرض نفسها عليه، وهو صامت" [رواه أبو يعلي: 7521، والطبراني في الكبير: 5828، وصححه الألباني في جلباب المرأة المسلمة: 3].
فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئاً جلست.
وجاء أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لها:  ما لي في النساء حاجة [رواه أحمد: 4807، وقال محققو المسند: "صحيح"].
ويجمع بين الروايات: أنه أولاً: بعدما نظر إليها، نظر الخاطب إلى المخطوبة، صمت عليه الصلاة والسلام، لتفهم أنه لم يردها، وكان عليه الصلاة والسلام حيياً يستحي أن يقول: لا أريدك، فصمت لتفهم مقصوده، فلما أعادت الطلب أفصح لها بالواقع، وقال لها:  ما لي في النساء حاجة [رواه أحمد: 4807، وقال محققو المسند: "صحيح"].
وفي رواية النسائي: "جاءت امرأة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعرضت نفسها عليه، فقال لها:  اجلسي  فجلست ساعة ثم قامت، فقال:  اجلسي بارك الله فيك، أما نحن فلا حاجة لنا فيك [رواه النسائي: 5480].
فهذه المرأة لم تيأس من الرد في البداية، وكررت المحاولة، رجاء أن تنال شرف أن تكون زوجة النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يرغب فيها، وهي لم تيأس من الرد، فجلست تنتظر الفرج، وسكت عليه الصلاة والسلام حياءً، وكان أشد حياءً من العذراء في خدرها.
فقام رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- من الأنصار، فقال: يا رسول الله أنكحنيها؟[رواه البخاري: 5149].
وفي رواية: "زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة؟" فقال عليه الصلاة والسلام:  هل عندك من شيء؟ [رواه أبو داود:2113، والنسائي: 3359، وأحمد: 22901، وقال محققو المسند: "إسنادهصحيح"].
وفي رواية:  ألك مال؟  قال الرجل: لا، والله يا رسول الله[رواه الدارقطني:3613].
 أعندك شيء؟  قال: لا،قال: فلا بد لها من شيء [رواه الطبراني في الكبير: 5618].
وجاء في رواية النسائي: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد أن قال لها:  لا حاجة لي  قال:  ولكن تملكيني أمرك؟  قالت: نعم، فنظر رسول الله-صلى الله عليه وسلم- في وجوه القوم، فدعا رجلا منهم،فقال: إني أريد أن أزوجك هذه إن رضيت؟  فقال: ما رضيت لي يا رسول الله،فقد رضيت"[رواه النسائي: 5480].
فهذا يحتمل: أنه عليه الصلاة والسلام وقع نظره في وجوه القوم، بعد أن سأله الرجل أن يزوجها إياه، فاسترضاها أولاً، ثم تكلم معه في الصداق، قال: ((فما مهرها؟))قال: ما عندي شيء، قال:  أمهرها ما قل أو كثر  قال: والذي بعثك بالحق ما أملك شيئا، قال:  اذهب فاطلب ولو خاتماً من حديد .
وفي رواية:  اذهب إلى أهلك، هل تجد شيئا انظر هل تجد شيئا  فذهب ثم رجع، فقال: لا والله يا رسول الله ما وجدت شيئا، قال:  انظر ولو خاتماً من حديد  فذهب ثم رجع، فقال: لا والله يا رسول الله، ولا خاتماً من حديد".
قال النبي -عليه الصلاة والسلام- بعد ذلك:  هل معك شيء من القرآن؟ سأله.
وقبل أن يقول له هذه العبارة، في رواية مالك قال:  هل عندك من شيء تصدقها إياه؟  قال: ما عندي إلا إزاري هذا الذي ألبسه، فقال:  إزارك إن أعطيتها جلست لا إزار لك، فالتمس شيئا [رواه مالك: 1096، وأبو داود: 2113، والترمذي:1114، وأحمد: 22901، وقال محققو المسند: "إسناده صحيح"].
وفي رواية قال: "فلها نصفه" قال:  ما تصنع بإزارك؛ إن لبسته لم يكن لها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء؟! [رواه البخاري: 5030، ومسلم: 3553].
فلا تستفيد أنت إذا لبسته هي، ولا تستفيد هي إذا لبسته أنت.
يقول الراوي سهل: "وما له رداء"[البخاري: 5121]ما عنده إلا إزار.
فهذا يبين ضيق حال هذا الرجل، وقلة الثياب عندهم، فإن نصف الإزار لا يسترها، ولا يستره.
لما قال له: "والله ما وجدت شيئاً غير ثوبي هذا، اشققه بيني وبينها؟" قال:  ما في ثوبك فضل عنك [رواه عبدالرزاق: 12274]أنت تحتاجه، نصفه لا يكفيك.
قال: "ما أملك إلا إزاري هذا، قال:  أرأيت إن لبسته فأي شيء تلبس؟  أنت ماذا تلبس؟!
ما كان عنده إلا هذا الإزار.
فما وجد شيئاً، ولا خاتماً من حديد، والإزار لا يحل المشكلة.
عند ذلك ولى الرجل وذهب، حتى إذا طال مجلسه قام فرآه النبي -صلى الله عليه وسلم- فدعاه.
وفي رواية: "فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ، ثُمَّ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ-صلى الله عليه وسلم-مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ، فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ، قَالَ:  مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟  -هل معك من القرآن شيء؟ هل تقرأ من القرآن شيئاً؟- قال: "مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، عَدَّهَا"[رواه البخاري: 5030، ومسلم: 3553].
وفي رواية: "سورة البقرة، والتي تليها"[رواه البيهقي في السنن الكبرى: 14178].
وفي رواية: "سورة البقرة، وسورة المفصل"[رواه الدارقطني:3613 والبيهقي:14181].
عدد عليه سوراً من المفصل.
قال:  أتقرؤهن عن ظهر قلب؟  -تحفظ هذه السور؟- قال: "نعم".
فقال عليه الصلاة والسلام: اذهب فقد أنكحتكها بما معك من القرآن [رواه البخاري:5149].
وفي رواية:  علمها  يعني هذه السور من القرآن.
 زوجتكها بما معك من القرآن [رواه البخاري:5132].
 أنكحتكها بما معك من القرآن  [رواه البخاري: 5149].
أي: أنه يعلمها ما يحفظ، ويكون هذا التعليم هو مهرها.
 قد أنكحتكها على أن تقرئها وتعلمها، وإذا رزقك الله عوضتها، فتزوجها الرجل على ذلك [رواه البيهقي: 14181].
هذا الحديث البخاري -رحمه الله-: ذكره في كتاب الوكالة:2310]فالمرأة وكلت النبي -عليه الصلاة والسلام-، وهو ولي من لا ولي له:  السلطان ولي من لا وليله [رواه أحمد: 25365، وقال محققو المسند: "حديث صحيح"]والنبي -صلى الله عليه وسلم- له خصوصيات.
ويحتمل: أن أهلها موافقون على من سيزوج ابنتهم النبي -صلى الله عليه وسلم-.
بعض الفوائد المستفادة من قصة الواهبة نفسها للنبي -صلى الله عليه وسلم-:
00:14:36
 لا حد لأقل المهر:
في هذا الحديث أيضاً: أن المهر لا حد لأقله، فلو أنه تزوج على شيء يسير، هذا الذي توفر، فلا بأس بذلك، فمن كان لا يوجد عنده إلا خاتم من حديد، يتزوج على الخاتم من حديد.
إذا كان عنده مال، فإنه يعطي مالاً، إذا لم يكن عنده، يتزوج على ما تيسر، لابد أن يصدقها شيئاً، لابد من صداق.
اختصاص النبي -صلى الله عليه وسلم- بالزواج بدون ولي:
وهذه القصة يؤخذ منها أيضاً: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- له أن يتزوج من شاء من النساء ممن وهبت نفسها له.
واستدل بعض العلماء: أن من خصوصيات النبي -صلى الله عليه وسلم-: أن يزوج من شاء من النساء بغير رجوع إلى وليها؛ لقوله تعالى:  النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب:6].
أخذ رضا المرأة عند تزويجها:
وفي هذا الحديث: أهمية أخذ رضا المرأة؛ لأنه قال لها:  إني أريد أن أزوجك هذا إن رضيت  قالت: ما رضيت لي، فقد رضيته.
النظر للمرأة المراد التزوج بها:
الفائدة الرابعة: جواز تأمل محاسن المرأة لمن أراد أن يتزوجها؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- صعّد النظر فيها وصوبه.
وقد اختلف العلماء في ماذا يحل للخاطب أن يرى من المخطوبة.
فقال بعضهم: يراها كما هي في الصلاة، الوجه والكفين.
وقال بعضهم: يراها كما تكون عند محارمها.
وهذا يدل على جواز النظر إلى أكثر من ذلك، إلى الشعر والقدمين.
ويجوز أن ينظر إليها خفية ولو بدون معرفتها إذا كان صادقاً في خطبته لها، كما وقع ذلك لبعض الصحابة -رضي الله عنهم-.
خطبة الإنسان للمرأة إذا علم عدم رغبة الخاطب الأول فيها:
وفي هذا الحديث أيضاً: جواز أن يخطب الإنسان إذا لم يعط الخاطب الأول جواباً.
إذا لم يدل أمره على استقرار حاله معهم، فيجوز أن يتقدم رجل آخر؛ لأن الصحابي لو فهم أن للنبي -صلى الله عليه وسلم- فيها رغبة لم يطلبها، فلما الأول لم يرغب تقدم الثاني.
فمن فهم أن لشخص رغبة في امرأة تقدم إليها، فلا يجوز له أن يزاحمه فيها، حتى يظهر عدم رغبة الأول،إما بالتصريح، أو ما في حكمه.
الصداق في العقد يقطع النزاع:
والفائدة السادسة: أن ذكر الصداق في العقد يقطع النزاع، وهو أنفع للمرأة، ولكن لو عقد إنسان عقد زواج ولم يذكر فيه الصداق، صح النكاح، ووجب لها مهر المثل، إذا دخل بها.
يقولون: لم يسم شيئا في العقد!.
نقول: تعطى مهر المثل، تعطى مهر من هي في مثل سنها، وتعليمها، وعائلتها، وفي مستواها الاجتماعي، وفي تعليمها، وفي جمالها، ونحو ذلك.
كم يكون مهرها؟
يرجع إلى عرف البلد، وعرف القبيلة التي هي منها.
تعجيل تسليم المهر:
سابعاً:استحباب تعجيل تسليم المهر، وكذلك الحلف بالصدق ولو بغير استحلاف؛ لأن الرجل قال: "والله" إذا حلف أنه لم يجد شيئاً، أو أنه ليس عنده إلا هذا الإزار.
والحديث لا يدل على جواز التختم بالحديد؛ لأن اتخاذه في بيته، أو وجوده في بيته، لا يعني أنه يلبسه.
هذا جواب من رأى عدم جواز التختم بالحديد، وصحح الحديث: أنه حلية أهل النار، وأنه لا يجوز التختم بالحديد، قالوا: إن جعله في بيته، لا يدل على استعماله، وعلى لبسه.
المغالاة في المهور ليس من الشريعة:
وكذلك فإن من فوائد هذا الحديث أيضاً: أن المغالاة في المهور ليس من الشريعة في شيء، ولو كانت كرامة لكان أحق الناس بذلك بنات النبي -صلى الله عليه وسلم-، وزوجات النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكنه عليه الصلاة والسلام لم يغال في صداق بناته، ولم يغال في صداق زوجاته.
جواز جعل المهر عملاً يعمله الرجل للمرأة:
وفي الحديث كذلك: جواز أن يكون المهر عملاً يعمله الرجل للمرأة، مثلما قال الرجل الصالح لموسى -عليه السلام-:  إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ [القصص:27].ترعى غنم البنت ثمان سنوات.
موسى -عليه السلام- فقير ما عنده شيء، والمرأة تحتاج إلى من يرعى غنمها؛ لأن الأب عاجز، فاستأجره، أو جعل رعيه للغنم بمثابة المهر، يقوم مقام المهر.
موسى -عليه السلام- يستفيد من الغنم أيضاً معهم، وهي تستفيد من وجود الراعي الأمين القوي، وهو وهي يستفيدان من النكاح.
أعظم مهر في التاريخ الإسلامي:
ومن المهور المشهودة في التاريخ الإسلامي: مهر أم سليم: فقد جاء في الحديث الصحيح: "أن أبا طلحة خطب أم سليم، وكان كافراً، فقالت أم سليم -رضي الله عنها-: والله ما مثلك يرد، ولكنك كافر وأنا مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تسلم فذاك مهري، ولا أسألك غيره، فأسلم فكان ذلك مهرها"[رواه النسائي: 5504، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي:3341].
وفي رواية: "فكان صداق ما بينهما الإسلام"[رواه النسائي: 5503، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي:3340].
ولذلك عنون عليه النسائي -رحمه الله-:"التزويج على الإسلام"[سنن النسائي: 6/114]وعنون على حديث سهل هذا الذي معنا: "التزويج على سورة من القرآن".
فإذا جعل المهر عملاً يقوم به الزوج، مثل أن يعلمها، أو أن يرعى غنمها، جاز ذلك، كما دلت عليه النصوص الشرعية.
وأما أن يجعل المهر شيئاً يستفيد به الأب، كأن يقول مثلاً: أعطيك داري، وتزوجني ابنتك، أبيعك كذا على أن تزوجني، ونحو ذلك، فلا يجوز؛ لأن المهر للبنت، ولا يجوز أن تجعل البنت سلعة ينتفع الأب بها، ولا تأخذ هي شيئاً.
وكذلك، فإن الإنسان إذا رزقه الله مهراً، ولم يكن عنده سعة من قبل، فإنه يوسع عليها.
شدة حياء النبي -صلى الله عليه وسلم-:
وكذلك فإنه يؤخذ من هذا الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان شديد الحياء، ولم يكن يواجه الشخص في وجهه بالأمر الذي يكرهه، ولذلك كان يلجأ إلى التلميح أحياناً، ولا يصرح؛ لأجل أن لا يجابه الشخص في وجهه بما يكره، فقد صلى الله عليه وسلم: "أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا"[رواه البخاري: 3562].
صفة العقد وصيغته:
استدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على أنه يجب أن تكون صيغة العقد: ملكتك، أو زوجتك، أو أنكحتك.
ولكن الصحيح: أن العقد لا يشترط فيه لفظ معين، بل أي لفظ يدل على الزواج، أو النكاح، فإنه يقبل، وينعقد به النكاح، مادام إيجاباً، وحصل القبول من الطرف الآخر.
وألفاظ العقود مما يرجع إليه عرف الناس، فإذا كان في عرفهم هذا اللفظ يدل على عقد النكاح، انعقد بذلك، ولا يشترط لفظ معين، كما ذهب إليه بعض العلماء.
الترغيب في زواج الرجل الصالح:
وكذلك في هذا الحديث: أنه يرغب في زواج الرجل الصالح، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- لما رأى هذا الرجل على صلاحه مع فقره، وحفظه للقرآن، زوجه، ولم يقل: إنه فقير، وجعل الفقر عيباً ومانعاً من النكاح، بل إنه زوجه.
وبعض الناس يردون الفقير، مع أن المرأة قد تسعد معه ما لا تسعد مع كثير من الأغنياء، مادام صاحب دين وخلق، فإنه يغنيها بدينه وخلقه عن كل مال.
ضابط الكفاءة في الزواج:
وفيه -كذلك-: أن الكفاءة في الحرية، وفي الدين، وفي النسب، وليس في المال؛ لأن الرجل كان لا شيء له، وقد رضيت به، ولكن ليس في الحديث ما يدل على أن المرأة كانت ذات مال.
ولكن ينبغي أن يعلم أن الأصل هو الدين، وأن مراعاة النسب أو المال؛ لأجل المصلحة، لا بأس به، ولكن لا يجعل مانعاً وعائقاً من الزواج، خصوصاً إذا رضيت المرأة.
عدم الإلحاح في طلب الحاجة:
وفي الحديث: أن طالب الحاجة لا ينبغي له أن يلح في طلبها، بل يطلب حاجته برفق وتأنٍ، ويدخل في ذلك طالب الدنيا والدين من السائل والمستفتي، فإذا سأل مالاً لا يلح، وكذلك المستفتي، أو الباحث عن العلم، لا يلح على العالم إلحاحاً يضجره.
القناعة باليسير:
وكذلك في هذا الحديث: القناعة باليسير، وعدم التطلب، والاشتراط، واتباع النفس لمد العينين، لما عند الآخرين من المال، أو عقد المقارنات، كما يفعل بعض الناس، يقول: "مهر بنت فلان كذا، وبنتنا لا تقل عن بنتهم" فهذا منطق جاهلي.
إرشاد الإمام الرعية لما يصلحهم:
وكذلك في هذا الحديث: نظر الإمام في مصالح رعيته وإرشاده لما يصلحهم، فمن تولى ولاية، فإن عليه أن ينظر في حال من تحته، فيعمل لمصلحتهم، فيوفق بين اثنين بالحلال، ويدل هذا الرجل على المرأة المناسبة، والعكس، يعمل ما يصلحهم.
المفاوضة على الصداق:
وكذلك في الحديث: المفاوضة على الصداق، كما دل عليه نقاشه للرجل.
وأن الإنسان يجوز أن يخطب لنفسه، يعني يقول: زوجني هذه المرأة.
فضل حملة القرآن:
ثم إن في هذا الحديث أيضاً: أن فضل قراء القرآن، وحملة القرآن، وأن حامل القرآن له ميزات: فكان الأكثر قرآناً يقدم للصلاة، والأكثر قرآناً أيضاً يقدم أميراً في السرايا والبعوث، والنبي -صلى الله عليه وسلم- زوج الرجل على ما كان معه من القرآن، فكان صاحب القرآن في المجتمع الأول له شأن كبير.
وينبغي أن يكون لحفاظ القرآن بين الناس منزلة عالية؛ لأنهم حووا كتاب الله في صدورهم، وحفظوه، ولاشك أنها منقبة عظيمة، وهي سبب لكرامة الله له في الآخرة؛ لأن النار لا تمس جسد الحافظ الذي أخذه بإخلاص.
وكذلك في الدنيا، يرفع الله قدره:  إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين [رواه مسلم:1934].
وعنون البخاري -رحمه الله- كذلك على حديث سهل: "باب تزويج المعسر الذي معه القرآن والإسلام"[صحيح البخاري: 7/4].
فبعض الناس ربما زوج الفاسق الفاجر، بل والكافر وهو غني، ومنع التقي لأجل قلة ماله، فأي فائدة تكون في هذا؟
وهو إذا كان صاحب دين اتقى الله فيها، وإذا كان صاحب فجور، فإنه لا يبالي بمن يدخل عليها.
عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح للزواج بها:
وكذلك في هذا أخذ البخاري -رحمه الله- من الحديث: "باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح"[صحيح البخاري:7/17] وساق حديثاً مشابهاً.
لكن بعض الشراح يقول: إنه حديث مغاير، وقصة أخرى، وليست هي تلك الحادثة نفسها، فإن أنساً -رضي الله عنه- قال: "جاءت امرأة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تعرض عليه نفسها، قالت: يا رسول الله ألك بي حاجة؟ فقالت بنت أنس: ما أقل حياءها واسوأتاه، قال أنس: هي خير منك، رغبت في النبي -صلى الله عليه وسلم-، فعرضت عليه نفسها"[رواه البخاري: 5120].
أما مسألة العرض على الرجل الصالح، فهذا لا بأس به، إذا أمنت الفتنة.
وكذلك الرجل يعرض بنته أو أخته على الرجل الصالح، كما وقع في حديث عمر -رضي الله عنه-، لما عرض بنته على أبي بكر وعثمان، ثم تزوجها النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأن ذلك ليس بعيب على الإطلاق.
أما قضية الهبة، يعني أن المرأة تهب نفسها لرجل دون مهر، فهذا خاص بالنبي -صلى الله عليه وسلم-.
وكذلك فإن على الإنسان أن لا يبقي الأمور معلقة، بل يبت في القضية، ويعطي فيها جواباً.
والنبي -صلى الله عليه وسلم- لما منعه الحياء في البداية من إعطاء الجواب؛ لأن المرأة تكره ذلك، أو تكره الجواب، لكن لم يترك الأمر معلقا غير محسوم، بل قال:  لا حاجة لي بالنساء  بل بيَّن قال: اجلسي بارك الله فيك، لا حاجة لي بالنساء [سبق تخريجه].
دعاء الإنسان لأخيه:
وفيه: الدعاء للشخص، بقوله: بارك الله فيك، وأنها من الأدعية الطيبة.
صرف السائل باللين والأدب في الرد:
وكذلك فيه: صرف السائل باللين والأدب في الرد، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم-لم يعنف، أو لم يرد بذلك برد قاس، وإنما رد برد لين طيب، فالإنسان إذا أراد أن يرفض شيئاً يرفض طلباً، فإنه يرفض بلين وأدب من القول ولا يغلظ، خصوصاً أن السائل قد يكون محتاجاً، وقد يكون أيضاً قد كسر من نفسه ليسأل، فلا يناسب أن يرد بالغلظة والجفاء، فأما إن أساء أدبه، فإنه يرد عليه بما يؤدبه.
اعتبار الشرع للمرة الثالثة:
وكذلك في هذا الحديث: أن المرة الثالثة ينبغي أن تعتبر، فإن الإنسان قد يكرر الأمر مرة للتنبيه، ومرة للتذكير، قد يكون الرجل غافل ينبه، والثانية -مثلاً- ناس فيذكر، وبعد الثالثة يكون نهاية العذر، فلا يكرر بعد ثلاث.
وهذا بعض الأمثلة والشواهد على اعتبار الثلاث نهاية الأمر:
- الطلاق بعد الطلقة الثالثة لا رجعة إلا بعد زوج.
- الاستئذان ثلاثاً، فإن أذن له وإلا يرجع.
- الاستتابة -مثلاً- تارك الصلاة، يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتل.
- الكفار يمهلون ثلاثاً، فإن وافقوا على دفع الجزية، وإلا قوتلوا، والنبي -صلى الله عليه وسلم-لم يرخص أن يمهلوا أكثر من ثلاث.
- الخصومة:  لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث [رواه البخاري:6237، ومسلم: 6697].
الحد الأعلى ثلاث ليال، وبعد الثلاث يأثم إذا قاطعه، أو ما كلمه، أو هجره.
- الحداد لغير الزوج، فإن المرأة تحد على الأخ الميت، والأب الميت، والابن الميت، يعني تترك الزينة ثلاثا، وبعد الثلاث ينتهي الحداد، إلا الزوج أربعة أشهر وعشرة أيام.
- الشرب ثلاثا، السنة أن يشرب ثلاثاً.
- قتل جن البيوت، فإنها يحرج عليها ثلاثاً، فإذا وجدها بعد ذلك يقتلها.
وقيل: هذا خاص في جن كانوا بالمدينة، لما أسلموا وكان بعضهم على هيئة الحيات في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ولو قيل بالعموم، يحرج، ولا يقتل، فإذا شوهد بعد ثلاث يقتل، كأن يقول: أحرج عليك بالله أن تخرج ثلاثاً، فإن وجد بعد ذلك يقتل.
- ترك الجمعة: مَنْ تَرَكَ ثَلاَثَ جُمَعٍ، تَهَاوُنًا بِهَا، طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ [رواه أبو داود:1054،والنسائي:1369، وقال الألباني: "إسنادهحسن صحيح" كما في صحيح أبي داود: 965].
فمادام ترك الجمعة ثلاث مرات، فهذا إنسان ميؤوس منه.
فالمهم أن هناك في الشريعة عدة أشياء تنتهي عند ثلاث مرات، وبعد الثلاث يحصل الإعذار؛ فهذا الخضر لما تقابل مع موسى -عليه السلام-، وصار بينهما ما صار من الرحلة الطويلة، أول مرة لما أخذ الخضر عليه العهد، قال له: فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَمِنْهُ ذِكْراً [الكهف:70].
في المرة الأولى: لما اعترض موسى -عليه السلام-:  قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا [الكهف:71]. فالخضر، قال له:  أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً [الكهف:72]؟ اعتذر موسى-عليه السلام-.
المرة الثانية: لما اقتلع رأس الغلام، اعترض موسى -عليه السلام-.
الثالثة: لما اعترض الاعتراض الثالث:  قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [الكهف:77-78].
فإذًا، المرة الأولى قد يكون الشخص جاهل، فيعلم، أو غافل فينبه.
الثانية: قد يكون ناس، يعني أنه يعرف، ولكنه ناس، فيتذكر، لكن بعد الثالثة لم يعد ثمة عذر، ولذلك الثلاث هذه غاية الإعذار، وما بعدها إلا الترك، أو العقوبة، أو المفارقة، أو انتهاء الأمر عند هذا الحد المعين.
فعلقت الشريعة في عدد من الأحكام بثلاث مرات، فإذا حصل الشيء ثلاث مرات، فهذه نهايته.
ونكتفي بهذه الأمثلة والشواهد على هذه المسألة، ولا حاجة إلى استقصاء جميع الأمثلة.