الخميس 24 ربيع الأوّل 1441 هـ :: 21 نوفمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

استعلاء المؤمن على أهل الباطل


عناصر المادة
الخطبة الأولى
الله يعز من يشاء
المسلم عزيز حتى في زمن الاستضعاف
عزة المسلم إمام الكفار 00:09:34
الخطبة الثانية
ذلة أهل الذمة
تراجع عجيب
الكفار في شقاء
الخطبة الأولى
00:00:07

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

الله يعز من يشاء
00:00:31

الحمد لله العزيز الذي عز كل شيء فغلبه، والحمد لله الذي هو عزيز ذو انتقام سبحانه وتعالى يعز من يشاء ويذل من يشاء، أعز المؤمنين بطاعته، وأذل الكفار بمعصيته، وشرع لنا ديناً قيماً نعتز فيه، ولنا العزة به، وله الحمد سبحانه وتعالى الذي أعز أولياءه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌسورة المائدة:54، أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَأي: يرأفون بالمؤمنين، ويرحمونهم، ويلينون لهم، قال ابن عباس: هم للمؤمنين كالوالد للولد، والسيد للعبد، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَأي: يغلظون على الكافرين، ويعادونهم، وهم في الغلظة على الكفار كالسبع على فريسته، كما قال الله: أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ سورة الفتح:29.

هذه العزة في نفس المسلم، هذه العزة والاعتزاز بالدين عندما يقول: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، منبع العزة من اسم الله العزيز، والعزة يأخذها المسلم ويرومها وينالها ويلتمسها من العزة التي هي صفة الله عز وجل، فهو يعتز بربه، ويطلب العزة منه، إنه عزيز بجناب الله، وقد نهى الله المؤمنين عن الهوان وجعلهم أعزة: وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ سورة آل عمران:139 فلا تضعفوا بسبب ما جرى لكم من الهزائم في أحد، وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ ستكون العاقبة لكم، والنصرة من نصيبكم يا أيها المؤمنون، فلكم العقبى في الظفر، والانتصار على الأعداء.

 
العزة آية الله التي منحها لعباده المسلمين، واختصهم بها، وهي اللباس العظيم الذي خلعه على عباده، كما خلع على أعدائه أهل الكفر الذلة والمهانة
 

العزة آية الله التي منحها لعباده المسلمين، واختصهم بها، وهي اللباس العظيم الذي خلعه على عباده، كما خلع على أعدائه أهل الكفر الذلة والمهانة: مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا سورة فاطر:10، ولذلك كان الذين يبتغون العزة من الكافرين حقراء أذلاء، ولو ظهروا أمام الناس بمظهر المنتصر، فإنهم في حقيقة أنفسهم أذلاء يحقرون أنفسهم: الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًاسورة النساء:139، يستمد المسلم إذن عزه من قوة ربه، يستمد قوته من إيمانه بالله، فكلما كان أقوى إيماناً كان أعز، وأمنع، وأغلب.

وهؤلاء سحرة فرعون طلبوا العزة من غير الله، ثم بعد ذلك رأوا أن العزة بالله وحده: فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ سورة الشعراء:44-48.

المسلم عزيز حتى في زمن الاستضعاف
00:05:26

العزة من الله عز وجل، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، كان المسلم عزيزاً حتى في زمن الاستضعاف، تظهر عزة المسلمين بمكة أمام الكفار مع أن الكفار يغلبونهم بالماديات والسلطة والقهر، ولكن عزة المسلم في نفسه لا تفارقه، لما سمع أمية بن خلف أن عبده بلالاً أسلم، واتبع محمداً صلى الله عليه وسلم اشتد غضبه، وغلا قلبه بنار الحقد والكراهية، وأسرع يسأل بلالاً، فيجيبه بالإيجاب دون تردد أو خوف بالشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وهو يعلم أن رحلة العذاب ستبدأ معها، وأن سيده سيذيقه من ألوان العذاب ما يذيقه، يخرجه إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهر في بطحاء مكة، ثم يضع الصخرة العظيمة على صدره ويقول: لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى، فيقول بلال: أحد أحد، فيغضب السيد بزيادة، ويزداد عذاباً لهذا العبد المسكين، لكنه عزيز بإيمانه بالله وإسلامه، ويقول: أحد أحد، لو يعلم كلمة أغيظ على سيده منها لقالها، أحد أحد، لا إله إلا الله الواحد الأحد، ولا يزال يرددها، فيضع سيده حبلاً في عنقه، ويأمر السفهاء أن يطوفوا به بين جبلي مكة، وهو لا يتراجع، قال الشعبي رحمه الله: كان موالي بلال يضجعونه على بطنه، ويعصرونه، ويقولون: دينك اللات والعزى، فيقول: ربي الله، أحد أحد، ولو أعلم كلمة أحفظ لكم منها -أي أغيظ- لقلتها، فمر أبو بكر بهم، فقالوا: اشتر أخاك في دينك، فاشتراه بأربعين أوقية، فأعتقه، فقالوا: لو أبى إلا أوقية لبعناه، قال وأقسم: لو أبيتم إلا بكذا وكذا -لشيء كثير- لاشتريته.

وهكذا كان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يجهر بسورة الرحمن بين ظهراني الكفار: الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ سورة الرحمن:1-4 يتأملون، ويقولون: ما يقول ابن أم عبد؟ قالوا: إنه ليتلوا بعض ما جاء به محمد، فقاموا إليه، فجعلوا يضربونه في وجهه، وهو يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله، ثم رجع إلى أصحابه، وقد أثر الضرب بوجهه، فقالوا: هذا الذي خشينا عليك، قال: ما كان أعداء الله أهون علي منهم الآن، لئن شئتم لأغادينهم بمثلها غداً، قالوا: لا، حسبك فقد أسمعتهم ما يكرهون.

وهكذا أبو ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه عزة الإسلام في نفسه، يقوم إلى هؤلاء الكفار، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وكان سأل عن محمد ﷺ، فمال عليه أهل الوادي بكل مدرة وعظم حتى خر مغشياً عليه، فارتفع لما ارتفع كأنه نصب أحمر من الدماء التي غطت جسده، ولكنه عاد في اليوم التالي بمثل ذلك، فعادوا عليه بمثل ذلك الضرب.

عزة المسلم إمام الكفار
00:09:34

وهكذا كانت عزة المسلم أمام الكفار، كان المسلمون يُرون الكفار العزة من دينهم، وعندما يأتي عروة بن مسعود ويخاطب النبي ﷺ بكلام في الحديبية لكي يرجع عن مكة، ولا يدخلها، ويمد يده إلى لحية النبي ﷺ وهو يكلمه، والمغيرة بن شعبة رضي الله عنه قائم على رأس النبي ﷺ، ومعه السيف، وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ رفع نعل السيف وضرب يد الكافر، وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ.

وهكذا لما قتل سبعون من المسلمين في أحد، وحصل ما حصل من المصيبة في وقت هذا الضعف الشديد، وهذه المصيبة الفادحة، يقوم أبو سفيان وكان رأس الكفار، فيقول معلناً باطله وشركه يقول: أفي القوم محمد؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ ثم قال: إن هؤلاء قتلوا؛ لو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه، وقد امتلأت بعزة الإسلام ليقول له: كذبت يا عدو الله، أبقى الله عليك ما يخزيك.

ولما أعلن أبو سفيان الباطل، فقال: اعل هبل، لا يمكن للمسلم العزيز أن يسكت، فقال النبي ﷺ:  أجيبوه، قولوا: الله أعلى وأجل ، فيقول أبو سفيان: لنا العزى، ولا عزى لكم، فيقول النبي ﷺ:  أجيبوه، قال: قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم  [رواه البخاري (3737)].

وهكذا لما عثر الكفار على بعض المسلمين، فأوثقوهم، وأرادوا أخذهم، رفض عاصم بن ثابت، فقال: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، فقال: اللهم أخبر عنا نبيك، وقتل عاصم، ونزل ثلاثة من المسلمين على العهد والميثاق منهم خبيب، وزيد بن الدثنة، ورجل آخر، ولما أخذوهم إلى مكة، وأخرجوا خبيباً من الحرم إلى الحل ليقتلوه ماذا كانت النتيجة؟ وماذا قال ذلك الرجل رضي الله تعالى عنه؟ وهم يقولون له، وهو مربوط على الخشبة، على خشبة القتل: أيسرك أن محمداً مكانك؟ فماذا يقول؟ يرفض ذلك بإباء، ويصلي ركعتين قبل القتل، ويقول بعزة المسلم: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت، ثم قال: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبقي منهم أحداً، ثم أنشأ يقول:

فلست أبالي حين أقتل مسلماً *** علي أي جنب كان لله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ *** يبارك على أوصال شلو ممزع
 

فقام أبو سروعة عقبة بن الحارث الكافر فقتله.

وهكذا وحمى الله جثة عاصم بنحل أظل عليه، فلم يتمكن الكفار من قطع شيء من جسده، وكانوا يريدون شيئاً مميزاً من جسده ليأخذوه إلى مكة برهاناً على أنهم قتلوه.

أيها المسلمون، يا عباد الله، لقد كانت تلك العزة ملازمة للمسلمين أمام الكفار، عزة الإسلام تعلن، ويقال للكافر: هاهو الإسلام، وها نحن المسلمين، وها نحن أمامكم واقفون، حتى في زمن الضعف، حتى في زمن المسكنة، كانت العزة في النفوس قائمة قوية.

ولما جاءت جيوش المسلمين إلى فارس، وفارس أكثر عدداً وعدة، ويطلب رستم رجلاً من المسلمين ليتفاهم معه، رسولاً، فيأمر سعد ربعياً أن يقوم إليه، ويقول له: لا تغير من ثيابك شيئاً؛ لأننا قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله، هكذا كانت القاعدة لديهم، نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله، فيخرج إليهم، وقد أظهروا له الزبرج، وبسطوا البسط والنمارق، ووضعوا سرير الذهب لرستم، وألبسوه زينته من الأنماط والوسائد المنسوجة بالذهب إرهاباً وكسراً لنفس رسول المسلمين الذي سيقدم عليهم، فأقبل ربعي يسير على فرس له زباء قصيرة، معه سيف له مشوف، وغمده لفافة ثوب خلق، ورمحه معلوب بقد، معه حجفة من جلود البقر، على وجهها أديم أحمر مثل الرغيف، ومعه قوسه ونبله، فلما غشي الملك، وانتهى إليه وإلى أدنى البسط، قيل له: انزل، فحملها على البساط، فلما استوت عليه أي الدابة نزل عنها، وربطها بوسادتين، فشقهما، ثم أدخل الحبل فيهما، فلم يستطيعوا أن ينهوه، وإنما أروه التهاون، وهو أراد استحراجهم، وعليه درع كأنها أضاة يلقمه عباءة بعيره، قد جابها وتدرعها، وشدها على وسطه، وشد رأسه بمعجرته، ومعجرته لسعة بعيره، ولرأسه أربع ضفائر قد قمن قيامن كأنها قرون الوعلة، فقالوا له: ضع سلاحك، قال: إني لم آتكم فأضع سلاحي بأمركم، أنتم دعوتموني، فإن أبيتم أن آتيكم كما أريد رجعت، فأخبروا رستم، فقال: ائذنوا له هل هو إلا رجل واحد، فأقبل يتوكأ على رمحه وزجه يقارب الخطو، ويزج النمارق والبسط، فما ترك لهم نمرقة ولا بساطاً إلا أفسده، وتركه منهتكاً منخرقاً، فلما دنا من رستم تعلق به الحرس، وجلس، وركز رمحه بالبساط، فقالوا: ما حملك على هذا؟ قال: إنا لا نستحب القعود على زينتكم هذه، فرش الحرير، كلمه قال: ما جاء بكم؟ قال: الله ابتعثنا، والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه، ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضي إلى موعود الله، قال: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي، فقال رستم: سمعت مقالتكم، فهل لكم أن تأخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا، قال: نعم، كم أحب إليكم أيوماً أو يومين؟ قال: لا، بل حتى نكاتب أهل رأينا، ورؤساء قومنا، فقال: إنا مما سن لنا رسول الله ﷺ، وعمل به أئمتنا ألا نمكن الأعداء، ولا نؤجلهم أكثر من ثلاث، فنحن مترددون عنكم ثلاثاً، فانظر في أمرك، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل: اختر الإسلام وندعك وأرضك، أو الجزاء -أي الجزية- فنقبل، ونكف عنك، وإن كنت عن نصرنا غنياً تركناك منه، وإن كنت إليه محتاجاً منعناك، أو المنابذة في اليوم الرابع، ولسنا نبدأك فيما بيننا وبين اليوم الرابع إلا أن تبدأنا، أنا كفيل لك بذلك على أصحابي، قال: أسيدهم أنت؟ قال: لا، ولكن المسلمين كالجسد الواحد بعضهم من بعض يجير أدناهم على أعلاهم، ولما اغتاض رستم منه، وأجبره على حمل تراب على رأسه وهو خارج، قال ربعي: هذه الغنيمة إن شاء الله تسليم أرضك وديارك، أي: الفأل عليك أخذت تراب أرضكم، والفأل هزيمتكم، وأخذ أرضكم إن شاء الله، فلما سمع بذلك المسلمون كبروا، وكان كلامه غيضاً على الكافرين.

عباد الله، إن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه هم أن يخفف من بنيان جامع دمشق، وكانت أنفقت فيه أموال، حتى جاء عشرة رجال من ملك الروم إلى دمشق، وسألوا إذناً خاصاً في دخول المسجد، فأذن لهم أن يدخلوا من باب البريد، ووكل بهم رجلاً من المسلمين يعرف لغتهم، ويسمع كلامهم، وينهي قولهم إلى عمر بن عبد العزيز من حيث لا يعلمون، فمروا في الصحن حتى استقبلوا القبلة، فرفعوا رؤوسهم إلى المسجد، فنكس رئيسهم رأسه، واصفر لونه، فقالوا له في ذلك، قال: إنا كنا معاشر أهل رومية نتحدث أن بقاء العرب قليل، فلما رأيت ما بنوا علمت أن لهم مدة لا بد أن يبلغوها، فأُخبر عمر بن عبد العزيز، فقال: إني أرى مسجدكم هذا غيضاً على الكفار، وترك ما همَّ به.

هذه العزة، العزة الإسلامية، عزة الإسلام في نفس المسلم تظهر حتى على الأقارب من الكفار، كانت العزة في نفوسهم عظيمة، وحتى لو مر المسلمون بزمن ضعف، فإن عزة الإسلام موجودة في نفوسهم، متمثلة في أنهم لا يتنازلون عن الدين أبداً، ولا عن شيء منه، ولا يتكلمون بالباطل، ولو كانوا في ضعف؛ فإنهم يعلمون أن الله سيظهر دينه ولو كره المشركون، وسيتم نوره ولو كره الكافرون، وأن الله وعد المؤمنين بالنصر، سيأتي عاجلاً أم آجلاً، ووعد بالتمكين في الأرض، ووعد سبحانه وتعالى أن يبلغ الإسلام ما بلغ الليل والنهار شرقاً وغرباً، وسيدخل كل بيت من مدر أو وبر بعز عزيز، أو بذل ذليل، قال ﷺ: عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر [رواه أحمد (16344)]، وقال ﷺ:  بشر هذه الأمة بالسناء، والنصر، والتمكين، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب [رواه أحمد (20275)]، إذن ستأتي البشائر من الله كما وعد، ويأتي النصر ولا بد، وإن كان المسلمون اليوم في زمن هزيمة وضعف لكنهم يعلمون أن الله ناصر دينه، وأن الله ما أنزل هذا الدين ليُهزم، ما أنزل هذا الكتاب لكي يتوارى عن الحكم، بل لكي يحكم به، إنما هي تقلبات: وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ سورة آل عمران:140، فالعجب كل العجب من الذين يذلون، والله عز وجل هو العزيز، قد أعزهم بدينه، ولو غلبوا فإنه يجب أن تبقى عزة الإسلام في أنفسهم، على الحق يثبتون، وبالباطل لا يتكلمون، ويُرون الكفار العزة من أنفسهم، ويصبرون على الأذى الذي ينالهم.

اللهم إنا نسألك أن تعزنا بطاعتك، اللهم أعزنا بالإسلام، ولا تذلنا بالبدعة والكفر والمعصية، اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مؤمنين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
00:24:15

الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له العزيز ذو انتقام الملك الحق المبين، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، اعتز بدين الله، وكان عزيزاً بربه، وعلم أمته العزة، ورضي الله عن أصحابه الأعزاء بدين الله الذين كانوا أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ سورة المائدة:54.

ذلة أهل الذمة
00:24:58

عباد الله، إن من عزة المسلمين التي ظهرت في قرونهم السابقة ما كانوا يجعلونه على أهل الذمة من الكفار الذين يعيشون بين ظهرانيهم، كان الكفار يعيشون بين المسلمين بشروط، إذا التزموا بعقد الذمة فلا بد أن يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون، يدفعون الجزية لبيت مال المسلمين، لا تقبل منهم بحوالة، ولا أن يرسل بها مع ابنه أو خادمه، وإنما يأتي بها بنفسه ليوقف عند بيت المال، فيطال وقوفه، ثم تؤخذ منه بعنف؛ لأن الله قال: حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ سورة التوبة:29.

وهذا التمييز في المعاملة بين المسلم والكافر واجب، هذا التمييز في المعاملة -الذي لا يرضاه كثير من المنهزمين اليوم- واجب؛ لأن الله ميز بينهم: وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً سورة النساء:141، ولا بد أن يكون هناك فرق بين المسلم والكافر، لا يمكن أن تكون هناك معاملة واحدة للطرفين، مستحيل! لأن هذا المسلم، وهذا كافر.

وكان من عزة أهل الإسلام فيما سبق أن الذمي الذي يعيش بينهم مضروب عليه شروط، فلا يظهرون خمراً، ولا خنزيراً في أمصار المسلمين، ولا يظهرون شعائر كفرهم، ولا الفواحش، ويلزمون بالتميز عن المسلمين في زيهم ومراكبهم وملابسهم، ولا يصدرون في المجالس، وذلك إظهاراً للصغار عليهم، وصيانة لضعفة المسلمين عن الاغترار بهم، وكانوا لا يجوز لهم أن يولوا شيئاً من أمور المسلمين: وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ سورة المائدة:51.

وكذلك لما اتخذ أبو موسى كاتباً نصرانياً، فبلغ عمر غضب، وقال: لا تعزوهم بعد أن أذلهم الله، ولا تأمنوهم بعد أن خونهم الله، ولا تصدقوهم بعد أن كذبهم الله، وقد بين ابن القيم رحمه الله شروط أهل الذمة في كتابه العظيم، ومن هذا -من العزة الإسلامية- أن الكافر لا يجوز أن يتولى على ابنته المسلمة في النكاح، سئل الإمام أحمد رحمه الله عن نصراني أو يهودي أسلمت ابنته: أيزوجها أبوها، وهو نصراني أو يهودي؟ قال: لا يزوجها إذا كان نصرانياً أو يهودياً، فقيل له: فإن زوجها؟ قال: لا يجوز النكاح، يرد النكاح، يعاد عقد، لا يجوز النكاح.

وكتب عمر بن الخطاب إلى المسلمين في الشام لما صالحوا النصارى أن يشترطوا عليهم ألا يحدثوا في مدينتهم، ولا فيما حولها ديراً ولا كنيسة، أي: جديدة، ولا يجددوا ما خرب، إذا خربت كنيسة تبقى على خرابها، ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال، يعني: في طرق السفر يرغمون على ضيافة المسلمين، ولا يأووا جاسوساً، ولا يكتموا غشاً للمسلمين، ولا يظهروا شركاً، ولا يمنعوا ذوي قراباتهم من الإسلام إن أرادوه، فلا يمنع الكافر الأب ولده إذا أراد الإسلام، وأن يوقروا المسلمين، وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس، ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم، ولا يتقلدوا سيفاً، فلا يحمل الكافر سلاحاً، ولا يظهروا صليباً، ولا شيئاً من كتبهم في شيء من طرق المسلمين، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، فموتى الكفار في مقبرة منفصلة، ولا يضربوا بالناقوس إلا ضرباً خفياً، ولا يرفعوا أصواتهم مع موتاهم... إلى آخر الشروط العمرية، رضي الله عن عمر.

تراجع عجيب
00:29:42

يقوم بعض الجهلة اليوم، وبعض الأذلاء من المسلمين في خطوات تراجعية عجيبة في إلغاء التمييز بين المسلم والكافر، ويريدونها وحدة إنسانية، دمج بين الإسلام والكفر، يريدون محو الفوارق، كيف تمحو شيئاً قد فرَّق الله به بين المسلم والكافر؟ ويفتي بعض هؤلاء المنهزمين بتغيير الأسماء الإسلامية عن الكفار، فلا يسمَّون بأهل ذمة، ولا تؤخذ منهم جزية، وكذلك يفتون بأن هؤلاء الكفار تجوز تهنئتهم في أعيادهم، وتكتب لهم البطاقات، وأن مجاملتهم جائزة، وأن مناداتهم بالإخوة جائزة، ويقول: لا حرج من أن نطلق على أحدهم: أخونا فلان، أو إخواننا النصارى، ونحو ذلك.

سمعنا كثيراً من هذه الفتاوى التي تسبب القيء من المسلم العزيز بدينه، قيء من هذا الذل الذي أصاب بعض أصحاب العمائم! ذل! حتى صارت فتاواهم تريد المساواة بين المسلم والكافر، وإلغاء الشروط العمرية، واعجباً! ألهذا الحد يصل بنا الذل أن نفتي بخلاف ما قرره أهل العلم، وأن نذيع ذلك؟! لأي شيء؟ لأجل أن نثبت للكفار أننا لا نفرق، ولا نميز، وليسنا عندنا تمييز في المعاملة، لماذا؟! فـاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ سورة التوبة:62، لماذا السعي إلى إرضاء الكفار على حساب سخط الله؟! لماذا؟! ولو كنت -يا عبد الله- لا تستطيع تطبيق حكم شرعي فإنك لا تقول بعكسه، تقول: هذا حكم الله، لكنني لا أستطيع تطبيقه، أنا عاجز، أنتظر اللحظة التي أستطيع أن أطبق فيها حكم الله، أتمنى أن تأتي، هذا هو الدين، هكذا الأحكام الشرعية، لكن هذا أنا عاجز عنه، لو كنت حقيقة عاجزاً عنه، أما أن نقول بالباطل استرضاءً للكفار، فبئس الكلام هو! كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا سورة الكهف:5.

 
إن قضية الاغترار بالكفار؛ لأن عندهم أسباب من القوة المادية، من السلاح والاقتصاد والمال وغيره، والاختراعات والتقدم، هذا نوع هزيمة نفسية؛ لأن هذا الشرك الذي عندهم يغطي على كل شيء حسن يمكن أن يكون لديهم
 

ثم أيها الإخوة، إن قضية الاغترار بالكفار؛ لأن عندهم أسباب من القوة المادية، من السلاح والاقتصاد والمال وغيره، والاختراعات والتقدم، هذا نوع هزيمة نفسية؛ لأن هذا الشرك الذي عندهم يغطي على كل شيء حسن يمكن أن يكون لديهم، وهذه القوة زائفة؛ لأنهم يستمدونها من الشيطان، والغلبة عليهم قادمة ولا بد، وهم يعرفون ذلك، هم يعرفون بدراساتهم وإحصاءاتهم أن المد الإسلامي سيستمر، وأن النصر للمسلمين قادم، وبحسب المعدلات فإنهم سينهزمون، وسيرجع المسلمون، ويعترف بعضهم بذلك خفية.

الكفار في شقاء
00:33:41

عباد الله، إن فيما يحصل من بعضهم على العز الدنيوي دليل على أن هؤلاء لا يمكن أن يعيشوا حياة كريمة بالكفر الذي هم عليه.

فقد نشرت الصحف قريباً أخبار أحد الكفار الذين ينعقون بالغناء، مشهور بينهم، وثروته بالبلايين: يعاني مايكل جاكسون من حالات اكتئاب شديدة لدرجة أن والدته تقول لأصدقائه: إنه بدأ ينهار، وقد أقنعته في النهاية أن يبدأ سراً علاجاً نفسياً بالمنزل، وكشف مصدر مقرب أن مايكل منزعج بشدة من مجموعات أشياء تركته في حالة انهيار، فهو لا يستطيع أن يتخلص من صورة أنه يسيء معاملة الأطفال، كما أن حياته العملية تبدو مجمدة، وهو في حالة شجار مع أخوته بعدما حنث بوعده في الانضمام مجدداً من أجل جولة لفرقة جاكسون فايد، وهو يعاني من المشاكل الشخصية الأخرى التي يحاول معالجتها، ووالدته كثرين في حالة انزعاج شديد عليه، وهي تطلبه هاتفياً يومياً للتأكد من أنه على ما يرام، وأنه لا يحاول القيام بشيء أحمق، حيث أنها تخشى من لجوئه للانتحار، وكان المغني البالغ من العمر أربعين عاماً اعترف في مقابلة أنه قد فكر في الانتحار، وأن والدته يوماً اندفعت إلى منزله بالليل مرات، وجلست بجواره خوفاً من أن يقتل نفسه، وتقول: إنها أقنعته الآن بمراجعة طبيب نفساني، وذكرت والدته لأحد أصدقائه: أن مايكل يصرخ كالطفل، وهو في حاجة إلى مساعدة مهنية متخصصة، وأنه وعدها بأنه سيراجع طبيباً نفسانياً بصورة سرية جداً حتى لا يعتقد الناس أنه مصاب بالجنون.

هذا مثال واحد على شخص عندهم في نظرهم عزيز، صاحب بلايين وثروة طائلة، وشهرة وتعظيم من الناس، لكن أي ذل يعيشه هذا الشخص؟ وأي كرب يحس به؟ وأي بلاء نزل؟ هكذا يذل الله سبحانه وتعالى هؤلاء.

ولذلك ذكر السلف هذا الأمر، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن الله جعل العزة لمن أطاعه، والذلة لمن عصاه، وقال بعض المسلمين: الناس يطلبون العزة بأبواب الملوك، ولا يجدونه إلا في طاعة الله، وقال الحسن البصري: وإن هملجت بهم البراذين، وطقطقت بهم ذلل البغال -أي المراكب العالية- فإن ذل المعصية في رقابهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه.

عباد الله، يريد كثيراً من المسلمين الحياة المادية الرغيدة بأي ثمن، ولو بالهوان للكفار، والتنازل للكفار، واسترضاء الكفار، والموافقة على مطالب الكفار، وشروط الكفار.

لا تسقني كأس الحياة بذلة *** بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
 

أي حياة ترام في ذل الكفار؟! ولو كان يأكل ويشرب، المأكولات العالية، والملبوسات العالية، والقصور الفارهة.

عباد الله، مسألة مهمة جداً في سعادة الروح، العزة بالإسلام، العزة بهذا الدين.

وينظر المسلم المغلوب إلى غالبه من عل، وهو يعلم بأنها فترة مؤقتة تذهب، وأن للإسلام كرة وستعود، وأن الله يُرِي في الواقع انتصارات -وإن كانت قليلة- للمسلمين، أو محدودة دليل على أنه يمكن في المستقبل الهزيمة الشاملة للكفار إن شاء الله.

اللهم إنا نسألك أن تعز دينك وأولياءك، اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل المسلمين، اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل المسلمين.

اللهم إنا نسألك يوماً قريباً تعز فيه دينك بنصر أولياءك على المشركين، اللهم عجل بنصر المسلمين يا أرحم الراحمين، واخذل اليهود والنصارى، والصليبيين والمشركين، والهندوس وسائر المنافقين، اللهم اجعل بأسهم بينهم، واجعل تدبيرهم تدميراً عليهم، اللهم إنا نسألك أن تعزنا بطاعتك، وأن تجنبنا معصيتك.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

1 - رواه البخاري (3737)
2 - رواه أحمد (16344)
3 - رواه أحمد (20275)