الأحد 23 محرّم 1441 هـ :: 22 سبتمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

المبالغة في تمتيع الجسد


عناصر المادة
ظاهرة تمتيع الجسد:
التوسط المفقود:
علاج هذه الظاهرة:
حال الصحابة في العيش:
صوم يوم عاشوراء:

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

ظاهرة تمتيع الجسد:
00:00:25

فقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم, في أحسن صورة وشكل واعتدال, مستوي الخلقة كامل الصورة, يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ*الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَسورة الإنفطار6-8, خلقه سوياً معتدل القامة, في أحسن الهيئات والأشكال, في أجمل خلقه, وأكمل صورة, وإننا نعلم ما ورد في الشرع الحنيف بشأن رعاية الجسم, وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وإن لجسدك عليك حقاً)[رواه البخاري1975].

ولكن يا عباد الله غالى الناس في هذا الزمان في العناية بالجسد حتى ذكّروا بعصور الرومان الذين كانوا لا يؤمنون إلا بالمحسوس, كانوا يغالون بالأجساد مغالاة عظيمة, فلما بطرت معيشتهم أخلدوا إلى الأرض وجعلوا همهم التمتع بالدنيا وتمتيع الجسد من نعيم إلى ترف, ومن لهو إلى لذة وهكذا كان الأمر في رياضتهم, وفي طعامهم, وفي أنواع إتيانهم للملذات وهؤلاء كفار اليوم امتداد لذلك التاريخ الروماني في هذه القضية, وذلك أن الذي لا يرجو اليوم الآخر فإنه سيجعل كل همه في هذه الدنيا.

 
غالى الناس في هذا الزمان في العناية بالجسد حتى ذكّروا بعصور الرومان الذين كانوا لا يؤمنون إلا بالمحسوس, كانوا يغالون بالأجساد مغالاة عظيمة, فلما بطرت معيشتهم أخلدوا إلى الأرض وجعلوا همهم التمتع بالدنيا وتمتيع الجسد من نعيم إلى ترف, ومن لهو إلى لذة
 

أيها المسلمون: (إن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍ خير)[رواه مسلم2664], جاء الإسلام بتقوية الجسد نعم, وقال عمر رضي الله عنه: "علِّموا أولادكم السباحة, والرماية, ومروهم فليثبوا على ظهور الخيل وثباً", ولكن لم تكن تلك المغالاة التي جاء بها هؤلاء في هذا الزمن المتأخر امتداداً لأجدادهم.

لقد حث الشرع الحنيف على حسن المظهر دون مغالاة وعلى إزالة ما يوحش, فعن جابر رضي الله عنه قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى رجلاً شعثاً قد تفرق شعره, فقال: (أما يجد هذا ما يسكن به شعره؟), ورأى رجلاً آخر وعليه ثياب وسخة فقال: (أما كان يجد هذا ماءً يغسل به ثوبه)[رواه أبو داود4062 وأحمد14436 والنسائي5236]رواه أبو داود وأحمد والنسائي. وهو حديث صحيح.

ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر), قال رجل للنبي عليه الصلاة والسلام: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة فقال عليه الصلاة والسلام: (إن الله جميل يحب الجمال)[رواه مسلم91]رواه مسلم.

وهو عز وجل يحب أن يُرى أثر النعمة على العبد, ويرى أثر نعمته على عبده, ولكن دون إسراف ولا مغالاة, أما جعل الجسد في قضية العناية والاهتمام في المرتبة الأولى, وينفق في سبيل ذلك كل غالٍ ونفيس من المال والوقت فلا؛ لأن الجسد زائل.

لقد زاد في هذا الزمن الاهتمام بتتبع الموضات والأزياء في الملابس بصورة تشبه الجنون, كما يتضح ذلك في عمران المحلات بآخر الصيحات من الملابس, وتزايد فنون صناعة الجسد حتى سموها (body shop) كل مستلزم, وكلما يحتاج إليه وما لا يحتاج إليه من أنواع الكماليات والتحسينيات, بل الأمور التي فيها إسراف أحياناً بلا فائدة, وربما كان فيها مضرة تدفع فيها الأموال, وتشغل فيها الأوقات وصار لجمال النساء مسابقات, وكمال أجساد الرجال مسابقات, إنها عبادة الجسد, إن الانشغال التام من بعض النساء بالزينة والتجميل حضراً وسفراً وحتى في الطريق, وكذلك انشغال الشباب بصالونات الحلاقة, وفنون التجميل أيضاً, صبغات شعر غريبة الألوان, وعدسات ملونة, وأطعمة متنوعة, أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا سورة الفرقان44, مسارعة إلى أطباء التجميل لإجراء العمليات المختلفة, تغييراً لخلق الله, ظناً منهم أنه تحسين وتناسق, هذه عمليات توسيع العين, وتصغير الأنف, وترقيق الحواجب, وتهذيب الرموش, ونفخ الخدود والشفاه, وشد الوجه وجراحات الليزر المتنوعة, وشم وتفليج, تفتيح الألوان, تغميق, وهكذا من أنواع النفخ وعكسه, وازداد الولع بذلك رغبة في الحصول على أجساد جميلة ورشيقة, ونحو ذلك, حتى صارت هذه العمليات ينفق فيها في مستوى النساء مائة وستين مليار دولار سنوياً على مستوى العالم, وأما في العالم العربي فقد زادت عمليات التجميل في العام المنصرم عن الذي قبله لتصل إلى ستمائة وخمسين ألف عملية تجميل, وإنفاق الفرد محلياً على جراحات ومستحضرات التجميل بلغ أكثر من ملياري ريال, أفادت الإحصاءات بأن أكثر النساء اللاتي يجرين هذه العلميات ممن تقل أعمارهن عن خمس وعشرين سنة, يكلفهن ذلك أكثر من ستين بالمائة من رواتبهن, لماذا؟ تقليد للمغنيات والممثلات, والمذيعات, وفتيات الغلاف, وراقصات الفيديو كليب, وهكذا تشهد عيادات التجميل, ما بين ثلاثين إلى خمس وثلاثين في المائة من الرجال يقبلون على جراحة التجميل, فتعدت القضية إلى الرجال أيضاً, وتنفق امرأة أكثر من مليون ريال على تفتيح لون بشرتها أسوة بمطرب ماجن, وهذه العمليات محرمة شرعاً, وقد قال الله تعالى عن طرق إبليس: وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِسورة النساء119, وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله", ثم قال: ما لي لا ألعن من لعن النبي صلى الله عليه وسلم.[رواه البخاري4886]فإذن النبي صلى الله عليه وسلم قد لعن هؤلاء.

وقوله في الحديث: "المتفلجات للحسن" أي: يفعلنه طلباً للحسن والجمال, لكن ليس بطريق مشروع, وإنما بتغيير خلقة الله, وأيضاً فيه غش وتدليس, سباق محموم لأجل النماذج التي تعرض في القنوات, وهكذا حصل ما حصل من الارتكاس والانتكاس, وعكست الرجولة التي تتميز بالقوة والشرف إلى أنواع من المساحيق, والبودرات, والتبييض, والتلميع حتى غدت أجساد كثير من الرجال كأنها أجساد نساء, إقبال رهيب على أنواع الكريمات, وهكذا صارت القضية قضاء الوقت الطويل أمام كتلوجات النماذج, والمرايا, والصالونات, والعيادات تقديساً لهذا الجسد, وولعاً به, صالونات لصنفرة الوجه, وتمسيحه, ليغدو أملساً ناعماً بالإضافة إلى إزالة الشعر الذي جاءت الشريعة بالأمر بإبقائه والنهي عن إزالته كشعر الحاجب واللحية.

أساور في اليد, سلاسل في الصدر, خواتم في الأصابع, حتى على مستوى هؤلاء الذكور من الشباب, وأقراط في الأذن, والأنف, وثقوب في اللسان, والسرة, والثدي, والخد, رسومات على البدن, بدعوى التزين, وشوم تقشعر لها أبدان المؤمنين, وتشبه بالكافرين, إنهم يظنون أن هذه هي المتعة وهذه هي اللذة, وإن هي إلا موافقة الأفلام, وما سلك فيه الكفار المسالك, ثم حمامات خاصة, وأدوية, ومساجات فيها أنواع من الحرام, وتؤدي إلى الفواحش, وتقلب في ملاذ المآكل, والمشارب, والمراكب, والفرش, وانغماس, وإغراق شديد في العناية, والبدن, ترف, وبذخ, وإسراف, دون حد يحده, وبلغت القضية في تمتيع الأجساد الإقبال على منشطات الجماع التي تسبب في كثير من الأحيان أمراضاً, وأضراراً بالبدن, ولو كانت القضية مداواة مرض, أو ضعف لقلتَ: المداواة بما لا يضر مباحة, ولكن زيادة على الحد الطبيعي, وإضرار, لماذا؟ ابتغاء اللذة والتمتيع, هذا الهدف, يريدون أن يعيشوها ليلاً ونهاراً.

وأما ما يكون من التشبه بالكفرة في الأشكال, والقصات, وإعجاباً بنجوم الفن المزعومين فإنه أمر واضح أيضاً في الطعن في العقيدة, وسلوك مسلك المشركين والمنحلين, ثم تشبه الرجال بالنساء, وإقبال هائل على الإرفاه والترفه, والإكثار مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم, وقد روى عبد الله بن بريدة رضي الله عنه: أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رحل إلى فضالة بن عبيد - صحابي كان أميراً على بلد من البلدان- فقال له: ما لي أراك شعثاً وأنت أمير الأرض - أي البلد-؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهانا عن كثير من الإرفاه.[رواه أبو داود4160]رواه أبو داود والنسائي, وهو حديث صحيح, فالنهي لأجل المغالاة.

إنفاق الأوقات, والأموال الطائلة, تعدي الحد, والإسراف, والانشغال عن الآخرة بأمور الجسد, ولو أنهم تبعوا ما جاء في الشريعة في الجسد من الحق, وإعطائه الحظ في النوم دون إسراف وإبعاده عما يضره, والاعتدال في المآكل والمشارب ونحو ذلك مما جاء في الشرع لقلنا: هذا اهتمام حسن, لكن مغالاة والله واضحة, وانشغال عجيب, وحتى قضية الرياضة هي في الشريعة طيبة مباحة, بل مستحبة أداءً لحق البدن, لكن صارت الآن في بعض الأحيان غلو في تحسين الجسم لكمال الأجسام بزعمهم, ويقولون: هذا اللاعب لا بد أن يتناول ما لا يقل عن ست وجبات في اليوم, كان السلف يطوي بعضهم الأيام يتصدق الواحد منهم بطعام إفطاره وهو جائع, وقد صام النهار, وهؤلاء يفرطون ويزيدون, يغالون, ما ضر ابن مسعود رضي الله عنه حموشة ساقيه, ولا دقة قدميه؛ لأن هاتين الساقان أثقل في الميزان يوم القيامة من جبل أحد, فهما اللتان سعى بهما ليحتز رأس الكفر أبي جهل.

ما أجمل أن يجمع المسلم بين جسد سليم, وعقل جميل, وروح طيبة, ونفس حسنة.

قال الذهبي رحمه الله في صفة ابن عباس رضي الله عنه: "كان وسيماً جميلاً مديد القامة مهيباً كامل العقل ذكي النفس من رجال الكمال".

لكن كمال الأجسام ما هو الآن؟ هل هو أعلى مما وصف الله به المنافقين لما قال: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْسورة المنافقون4, أجسام حسنة, وربما ألسنة فصيحة يتفوقون بها على رجال كمال الأجسام اليوم في كثير من الأوقات؛ لأن هؤلاء عندهم خور, وهلع, وجبن, فهم أنقص من الذين ذكرهم الله, قال تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْسورة المنافقون4شبههم بالخشب المسندة اليابسة التي لا تثمر, الخشب اليابسة إذا كانت لا ثمر فيها لا تمدح, ولو كانت عظيمة, والأخلاق الجميلة والسجايا النبيلة, أجمل من وسامة الوجوه, وسواد العيون, ورقة الخدود.

وما ينفع الفتيان حسن وجوههم *** إذا كانت الأفعال غير حسانِ

فلا تجعل الحسن الدليل على الفتى *** فما كل مصقول الحديد يمانِ

ونفخ العضلات عن طريق الهرمونات الضارة التي تؤخذ حبوباً, وحقناً, وإنفاق الأموال الباهضة عليها, وشراء الفتيامينات بالأسعار الخيالية لتدوير الزنود, وتضخيم الصدور, وإثارة الإعجاب, وأمام من سيثار الإعجاب, وقد ثبت علمياً أن تعاطي هذه الهرمونات مضر بالصحة, ويسبب أوجاعاً, وآلاماً, وظهور بقع حمراء, وعطب في الكبدين, والكليتين, وزيادة ضغط الدم والكلسترول, وتوقف نمو العظام الطويلة وتضخم غدة البروستات, والأزمات الدماغية الوعائية, وقلة إنتاج ما يخصب في الحمل, فلو كانت القضية رياضة بريئة, تقوية للجسد, لو كانت القضية إعداداً لهذه الأجساد للطاعة للعبادة, لإعانة المسلمين, لو كانت القضية تقوية هذه الأجساد لتنشط في الخير وأعماله لكان أمراً حسناً, لكن المقصود في كثير من الأحيان المباهاة, وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)[رواه البخاري1]

إن الذهاب إلى الصالات الرياضية - أيها الإخوة - في كثير من الأحيان يكون أمراً حسناً, نحتاج إليه في هذه الحياة المترفة التي ما تركت لنا فرصة للمشي, واستعمال العضلات التي خلقها الله, فنحن مع الخدم, والحشم, وأنواع الترف في السيارات, والمراكب, والملابس, والأزرار التي تقوم بالأعمال, ما عدنا نستخدم عضلاتنا التي خلقها الله إلا في النزر اليسير, وهذه الآلات التي تقوي العضلات مناسبة وجيدة, ولكن ما هو الهدف, وما هي الدرجة, وماذا يتعاطى مع ذلك؟ لو اقتصرت القضية على استعمالها لتنشيط البدن وتقويته بدلاً من الترهل الذي نعيشه لكان ذلك في طاعة إذا نوى به وجه الله, ويؤجر عليه, ومن باب إعطاء الجسد حقه, لكن إذا كان للمباهاة وإثارة الإعجاب فماذا ستكون العاقبة؟

ثم كم ساعة ينفق فيها, وكم ساعة للروح, هذه ساعات للبدن, كم ساعات للروح؟ ثم ماذا يتعاطى معها؟ مواد ضارة كالمذكورة آنفاً, أم هو شيء باعتدال, واستشارة المختصين.

التوسط المفقود:
00:18:19

أيها الإخوة، في كثير من الأحيان يكون التوسط مفقوداً, ويذهب الناس إلى طرف, أو إلى الطرف المقابل, المبالغة الآن لأجل الشهرة, الولع بالتفاخر في العضلات هو أمر واضح ومشاهد, وبعض الناس يظن أن من إعطاء الجسد حقه أن يزيد ساعات النوم عن المعدَّل, قال ابن القيم رحمه الله: "ومن تدبر نومه ويقظته صلى الله عليه وسلم وجده أعدل نوم, وأنفعه للبدن, والأعضاء, والقوى, فإنه كان ينام أول الليل, ويستيقظ في أول النصف الثاني, فيقوم ويستاك ويتوضأ ويصلي ما كتب الله له, فيأخذ البدن والأعضاء والقوى حظها من النوم والراحة, وحظها من الرياضة, مع وفور الأجر, وهذا غاية صلاح القلب والبدن في الدنيا والآخرة" قال: "ولم يكن يأخذ من النوم فوق القدر المحتاج إليه, ولا يمنع نفسه من القدر المحتاج إليه منه, وكان يفعله -أي النوم- على أكمل الوجوه". زاد المعاد.

أيها المسلمون:

إن المبالغة في اقتناء أنواع الفرش, ومتاع الدنيا لتمتيع البدن لا بد أن نذكر أنفسنا مقابله بحديث النبي صلى الله عليه وسلم لما نام على حصير فقام وقد أثر في جنبه, فقلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاءً؟ قال: (ما لي وللدنيا, ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها)[رواه الترمذي2377]. رواه الترمذي وهو حديث صحيح.

فبعض الناس يأنف أن يكون الفراش على الأرض, يأنف, ولو لم يجد سريراً على المواصفات المطلوبة تنكد ليله؛ لأننا غير متعودين على مخالفة المألوفات, ولذلك ترى في الحج عجباً, من أنواع الترف الذي دخل الحملات ثم لا يريد أن يقف بعرفة أغبر أو أشعث أبداً؛ لأن كل المستحضرات التجميلية موجودة في حقائب الحجاج, أضحي لمن أحرمت له.

أما الشغف بالمطعومات, والمشروبات, وأنواع المأكولات بأسمائها, وعناوينها, وأرقامها, وبلدانها, وطباخيها, فالعجب العجاب, حتى ما كان منها ضاراً من هذه الأطعمة, والوجبات السريعة, كل ثمان ساعات يتم افتتاح فرع جديد في مكان ماء في العالم لهذا أو لهذه الشركة الكبيرة في اللحوم, ودعايات في الشوارع للمأكولات بطريقة مذهلة, وفي القنوات, تفنن الناس في المأكولات وتباهوا وتباروا فيها, وصارت ربات المنازل يظهرن تفوقهن في ذلك, بل أيضاً تفوق الخدم اللاتي علمنها أيضاً من مأكولات شرقية, وغربية, وأمريكية جنوبية, ومكسيكية, وإيطالية, وفرنسية, واليابانية, والشرق والغرب, وهكذا كله جلب إلى الموائد وأحياناً يكون في وقت واحد وفي بوفيه واحد, ثم بعد ذلك نبحث عن العافية.

علاج هذه الظاهرة:
00:21:51

وهدي الإسلام في هذا عظيم, كان عند الرشيد الخليفة طبيب نصراني حاذق, فقال بحضرة علي بن الحسين رحمه الله: ليس في كتابكم من علم الطب شيء, يغمز المسلم, فقال علي بن الحسين: قد جمع الله الطب في نصف آية من كتابنا, قال: وما هي؟ قال: قوله تعالى: وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْسورة الأعراف31, (ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطنه, بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه, فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه, وثلث لنفسه)[رواه الترمذي2380]رواه الترمذي. كتبها طبيب ألماني في عيادته وعلقها إعجاباً بها وهو كافر.

إن التوسع المذموم هذا, والامتلاء التام ينبغي أن يحسب حسابه, وقضية أن نشتري أي شيء اشتهيناه قد أنكر عمر رضي الله عنه على جابر لما رآه تعلق لحماً اشتراه, فقال: ما هذا؟ قال: اشتريته بدرهم, قال: كلما اشتهيت شيئاً اشتريته, لا تكن من أهل هذه الآية: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَاسورة الأحقاف20.

عباد الله:

إن قيمة الإنسان الحقيقية لا تقيم بجسده فقط, وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِسورة الذاريات56, والأجساد في كثير من الأحيان تؤدي إلى الأشر والبطر, وهذا النعيم الجسدي, أو القوة الجسدية في كثير من الأحيان تؤدي إلى الطغيان إذا لم تحكم برباط الشريعة, وإن تمكين النفس وما تهوى بطر يطغي وأشر يردي؛ لأن شهوات النفس غير متناهية, فإذا أعطاها المراد من شهوات وقتها تعدت إلى شهوات قد استحدثتها فيصير الإنسان أسير شهوات لا تنقضي وعبد هوىً لا ينتهي, ومن كان بهذه الحال لم يرج له صلاح ولم يوجد له فضل.

إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْسورة الحجرات13, قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)رواه مسلم2564, ولذلك من تعرى من لباس التقوى لا يستره شيء, وإصلاح الظاهر لا يغني عن إصلاح الباطن, والعجب ممن يهتم بوجهه الذي هو نظر الخلق فيغسله، وينظفه، ويزينه لئلا يطلع مخلوق على عيب فيه, ولا يهتم بقلبه الذي هو محل نظر الرب فلا يزينه ولا يطهره حتى تجتمع فيه كلاب الشهوات وصور الدنس.

أكثر الناس يفرقون من أذى أجسامهم، ولا يبالون بأذى أرواحهم.

يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته *** لتطلب الربح فيما فيه خسران

أقبل على النفس فاستكمل فضائلها *** فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

والإنسان ينبغي أن ينطلق من حسن الخلق إلى حسن الخُلُق, (اللهم أحسنت خلقي فأحسن خُلُقي)[رواه أحمد3813].

النعيم يزول في الظاهر، لكن نعيم الباطن هو طريق إلى النعيم الدائم, أما نعيم الظاهر فإنه زائل. تخفَّض رجال كانوا في الدنيا مرتفعين, وارتفع رجال كانوا في الدنيا مخفوضين.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا شكر نعمته، والعون على طاعته, والفوز بجنته, اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا يا أرحم الراحمين, أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله وسبحان الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله, أشهد أن لا إله إلا الله الرحمن الرحيم, أشهد أن لا إله إلا الله رب السماوات والأرضين, أشهد أن لا إله إلا الله القوي المتين, يفعل ما يشاء وهو الحي القيوم, لا يموت والجن والإنس يموتون.

وأشهد أن محمداً رسول الله الرحمة المهداة والبشير والنذير والسراج المنير, اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى  آله وذريته وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

حال الصحابة في العيش:
00:26:38

أصحابه ماذا تركوا وماذا أخذوا؟

كان مصعب بن عمير يؤتى أحسن الحلل والعطور من البلدان, لكن لما أشغله الدين وحب الله ورسوله عن ذلك كيف مات؟ كان أبواه يغذيانه بأطيب الطعام والشراب, الحلل والثياب, العطور والأطياب, لكن دعاه حب الله ورسوله إلى ما جاء وصفه عنه, لما مات لم يجدوا ما يكفنونه به إلا بردة إذا غطوا بها رأسه خرجت رجلاه, وإذا غطوا رجليه خرج رأسه.

عمر بن عبد العزيزسليل الأماجد والأكابر ماذا حصل لعيشه ونعيمه ورغده رضي بالشظف مرضاة للرب, يقول لزوجته: يا فاطمة عندك درهماً أشتري به عنباً تقول: لا, عندك فلوس أشتري به عنباً؟ قالت: لا, ثم قالت: أنت أمير المؤمنين لا تقدر على درهم تشتري به عنباً ولا على فلوس, قال: هذا أهون عليَّ من معالجة الأغلال والسلاسل.

أصلح قلبك والبس ما شئت, أصلح قلبك وكل ما شئت من غير إسراف ولا مخيلة.

قد يدرك المجد الفتى وإزاره *** خلق وجيب قميصه مرقوع

ولذلك لا يقاس الناس بالمظاهر, ولكن مع الأسف صارت دنيانا الآن مبنية على هذا, تقديس الجسد المال, المنصب, الجاه, وهكذا.

عباد الله، قال ربنا واعظاً لنا: قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاًسورة النساء77. ذكر نفسك دائماً بهذه الآية

فيا من متعت الجسد بأنواع المتاع واللذائذ وكثير منها محرم, والمصيبة اليوم أن يتمتع الناس في أجسادهم بأشياء محرمة ويغالون في المباحات ويسرفون, وما هي النهاية؟ لو ركب أحسن المراكب, ونام على أحسن الفرش, وأكل ألذ الأطعمة وعاشر أجمل النساء, وفي النهاية الجسد ذاهب, كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِسورة العنكبوت57, مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْسورة طـه55, تهترئ الأجساد تبلى, يعود تراباً كما خلقناه أول مرة, البداية من تراب, ويصير إلى التراب, وبعد ذلك الجزاء والحساب, (أكثروا ذكر هادم اللذات)[رواه الترمذي2307]إنه علاج عظيم يقينا الإغراق في تقديس الجسد.

لا دار للمرء بعد الموت يسكنها *** إلا التي قد كان قبل الموت يبنيها

فإن بناها بخير طاب مسكنه *** وإن بناها بشر خاب بانيها

قال مطرِّف: إن هذا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم, فاطلبوا نعيماً لا موت فيه, هل شاهدت محتضراً في سكراته, هل تأملت صورته بعد مماته, وهل تذكرت أنك صائر إلى الموت وكرباته, فزاد ذلك في عملك واجتهادك في طاعة ربك.

 
قال مطرِّف: إن هذا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم, فاطلبوا نعيماً لا موت فيه, هل شاهدت محتضراً في سكراته, هل تأملت صورته بعد مماته, وهل تذكرت أنك صائر إلى الموت وكرباته, فزاد ذلك في عملك واجتهادك في طاعة ربك.
 

وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌسورة الأعراف26, لباس التقوى يستمر على العبد, لا يبلى ولا يبيد, جمال القلب والروح, لباس الظاهر يستر العورة الظاهرة, وأما لباس التقوى فإنه هو الجمال الحقيقي والمجد.

(يأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة)[رواه البخاري4729]قال تعالى: فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًاسورة الكهف105.

والسعادة والنجاة متعلقة بجمال الباطن التي يغفل عنها كثير من الناس, (هذا خير من ملء الأرض مثل هذا)[رواه البخاري5091], من الأول؟ الفقير المسكين المدفوع بالأبواب عليه طمران, إن شفع لا يشفع, وإن قال لا يسمع لقوله, الثاني عظيم وجيه حسيب نسيب غني إن قال يسمع لقوله, وإن شفع يشفَّع, وإن خطب ينكح, لكن هذا الأول خير من ملء الأرض مثل هذا.

ولذلك نوصي أنفسنا أيها المسلمون بالاعتدال في تعاملنا مع الأجساد, (إن لجسدك عليك حقاً)[رواه البخاري1975], والاعتدال في الأخذ من ملذات الدنيا, مباح دون إسراف, هذه الخلاصة والمختصر, مباح دون إسراف, استمتع بالمباح دون إسراف.

صوم يوم عاشوراء:
00:32:04

عاشوراء يوم عظيم نجى الله فيه موسى ومن معه, فصامه موسى شكراً لله, ونحن نصومه ونذكر أنفسنا بنعمة الله العظيمة على إخواننا المسلمين مع موسى الذين نجاهم الله من بطش فرعون وكيده وأغرق عدوه بقدرته سبحانه وتعالى, كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيداً, كما جاء في الحديث, كانت تعظمه, يهود خيبر يتخذونه عيداً ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم, قال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين: (فصوموه أنتم)[رواه البخاري2005]. رواه البخاري, والصيام فيه نوع من المخالفة لليهود في العيد؛ لأن العيد فيه توسعه في المطاعم, والمشارب, والملابس, والحلي, وكذلك فإنه عليه الصلاة والسلام كان يصوم بمكة قبل أن يهاجر إلى المدينة, فلما هاجر إلى المدينة ووجد اليهود يحتفلون به أكد على صيامه, وكان في صيامه تدرج, وصار فرضاً صوم عاشوراء, حتى كان الأمهات يمنعن أولادهن الطعام حتى الصغار, ولما فرض رمضان كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُسورة البقرة183انتقل فرض الصيام من عاشوراء إلى رمضان وصار عاشوراء مستحباً, وصارت المخالفة فيه لليهود أيضاً قائمة فقال: (صوموا يوم عاشوراء, خالفوا اليهود, صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده)[رواه أحمد2155], والآكد تاسوعاء, في المخالفة, وهذه المخالفة مستحبة؛ لأن مخالفة أهل الكتاب الأصل فيها الوجوب كما دلت الأدلة على ذلك, إلا ما اقترنت بها القرينة الدالة على الاستحباب كالصلاة في النعال, الصلاة في النعال على الأرض الرملية على التراب هذه فيها مخالفة لأهل الكتاب ولكن ليست واجبة, وكذلك المخالفة في عاشوراء مستحبة أيضاً, فإن صام تاسوعاء قبله أكمل, والنبي صلى الله عليه وسلم أراد ذلك, (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع)[رواه مسلم1134]فإن فاته التاسع صام معه اليوم الذي بعده, فإن اقتصر على عاشوراء فلا بأس بذلك ولا حرج, والذي يصوم الجمعة ولو أفرده في عاشوراء ما قصد الجمعة قصد عاشوراء, ولذلك يزول النهي من هذه الجهة, والكراهة لا تكون حاصلة؛ لأنه ما قصد إفراد الجمعة لأنه جمعة, ويأتي إلى عيد المسلمين ويصومه, لا, لكنه قصد عاشوراء, كما لو وقع عرفة في الجمعة, فصامه لأجل أنه عرفة, وكذلك الذي يصوم يوماً ويفطر يوماً, سيأتي عليه وقت يصوم الخميس ويفطر الجمعة ويصوم السبت, ويأتي عليه وقت يفطر الخميس ويصوم الجمعة ويفطر السبت, من أراد أن يصوم يوماً ويفطر يوماً لا بد أن يتعرض لهذا, فماذا يقال فيه؟ ارتكب منهياً؟ الجواب: لا, لماذا؟ لأنه ما قصد إفراد الجمعة بالصوم, صام الجمعة لأنه وقع موافقاً لعادته, صيام يوم وإفطار يوم, وهكذا فإن عاشوراء اسم إسلامي لا يعرف في الجاهلية كما قال العلماء, وهو العاشر من محرم, وهو الجمعة في هذا العام, وصيامه أجره عظيم يكفر الذنوب الماضية في السنة السالفة, يكفر ولو لم تكن هنالك سيئات فرضاً فإنه يكتب به حسنات وترفع به درجات, وهذا جواب من قال: إذا كان عرفة يكفِّر ما قبله وما بعده فماذا سيفعل عاشوراء؟ فنقول: الذنوب كثيرة, ولكن لو حصل تكتب الحسنات به وترفع الدرجات, وكثير من العلماء على أن التكفير للصغائر, أما الكبائر فتحتاج إلى توبة خاصة.

عباد الله، لا بد أن يكون المسلم قائماً بأمر الله, مجتنباً للبدع, ومن تأمل ما يكون من البدع في هذه الأيام لحمد الله على نعمة السنة والحياة على السنة والأخذ بالسنة.

اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مؤمنين, وارزقنا التمسك بسنة نبيك يا رب العالمين, اغفر لنا ذنوبنا, اللهم ارحم موتانا واشف مرضانا, واستر عيوبنا, واقض ديوننا, ارفع عنا الغلاء والبلاء والوباء يا سميع الدعاء, اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغناء, أعطنا ولا تحرمنا وأكرمنا ولا تهنا, وعافنا واعف عنا, نعوذ بك من تحوّل عافيتك وزوال نعمتك وفجأة نقمتك, اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين, آمنا في الأوطان والدور, وأصلح الأئمة وولاة الأمور, واغفر لنا يا عزيز يا غفور, إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

1 - رواه البخاري1975
2 - رواه مسلم2664
3 - رواه أبو داود4062 وأحمد14436 والنسائي5236
4 - رواه مسلم91
5 - رواه البخاري4886
6 - رواه أبو داود4160
7 - رواه البخاري1
8 - رواه الترمذي2377
9 - رواه الترمذي2380
10 - رواه أحمد3813
11 - رواه الترمذي2307
12 - رواه البخاري4729
13 - رواه البخاري5091
14 - رواه البخاري1975
15 - رواه البخاري2005
16 - رواه أحمد2155
17 - رواه مسلم1134