الأحد 23 محرّم 1441 هـ :: 22 سبتمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

أحكام الأضحية


عناصر المادة
فضائل العشر من ذي الحجة.
أحكام الأضحية.
ما يجب على المضحي.
بعض أحكام الحج.
البيت الحرام مثابة للناس وأمنا.

الخطبة الأولى.

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

فضائل العشر من ذي الحجة.
00:00:25

فإن الله سبحانه وتعالى قد شرع لنا من الزمان ما اصطفاه وفضله كي يعبده خلقه، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًاالفرقان:62، يغفر للمستغفرين، ويتوب على التائبين، ويعطي السائلين، يوفق من يشاء لاغتنام مواسم الخيرات، ويجود عليهم فيها بالخير والبركات، وهو سبحانه وتعالى مستغن عن عباده، وهو الغني، وعباده يحتاجون إليه، وعبادته عظيمة سبحانه، وشرف كبير، وهذه الأيام التي نحن فيها؛ هذه العشر العظيمة بما اجتمع فيها من أمهات العبادات، وفضائل الأعمال، قال بعض المفسرين: "إنها المقصودة بقوله: وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍالفجر:1-2"، وإقسام الله تعالى بها يدل على عظمها، وكذلك هي التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر) فقالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) [رواه الترمذي757 وصححه الألباني في صحيح أبي داود 2107]، أي: إلا مجاهد، وحالة خاصة من المجاهدين، خرج بنفسه، وماله، فلم يرجع بنفسه، ولم يرجع بماله.

هذه الأيام التي وصفها الله سبحانه وتعالى بالمعدودات، وأمرنا أن نذكره فيها، فيها يوم عرفة الذي أكمل الله فيه الدين، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًاالمائدة:3، صيامه لأهل البلدان يكفر الله به سنة ماضية وسنة آتية، صيامه عظيم جداً، وهو أكثر يوم يعتق الله فيه عباداً من النار كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة) [رواه مسلم1348]، وفيه هذا الدعاء العظيم (خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)[رواه الترمذي3585 وحسنه الألباني في صحيح الجامع 3274]هذه العشر التي فيها أفضل أيام السنة على الإطلاق، وهو عيد الأضحى،فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْالكوثر:2، قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَالأنعام:162، فيه تنهر الدماء شكراناً لله سبحانه، وفيه يجتمع من العبادات ما لا يجتمع في غيره من صلاة العيد، والأضحية، وذبح الهدي، والطواف، والسعي بعدما نحروا، وحلقوا، ورموا جمرة العقبة.

أحكام الأضحية.
00:04:15

وفي هذه العشر هذه العبادة التي فيها انهار الدم توحيداً لله، وعلى اسمه فيقول: باسم الله، والله أكبر، يشارك بها أهل البلدان حجاج بيت الله الحرام، حتى في بعض أحكام النسك، ومحظورات الإحرام، فيمتنعون عن الأخذ من الشعر، والأظفار حتى تذبح الأضاحي، إنها تذكير بقصة إبراهيم الخليل، وطاعته لربه هو وابنه لما رأى في المنام أنه يذبحه، ورؤيا الأنبياء حق وصدق، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَاالصافات:103، استسلم الأب وابنه لأمر الله، وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِالصافات:103، وقلبه على قفاه كي لا يشهد ألم الذبح على وجهه وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَاالصافات:105، وهكذا فدى الله إسماعيل بكبش عظيم إنا كذلك نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُالصافات:106، وكان ذلك آية من آيات الله تعالى، ومضت سنة النحر في العالمين لذلك الحادث العظيم، رفع الله منارة الإيمان، والتوحيد، وجمال الاستسلام، وعظمة التسليم، والطاعة لرب العالمين، يتذكر كذلك الإنسان بها نعمة الله عليه أنه أبقاه حياً إلى هذه السنة، وفيها توسعة على النفس، وأهل البيت، وإكرام الأقارب، والجيران، والإخوان، والصدقة على الفقراء والمساكين، "ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة عشر سنين، ذبح بعد خطبة عيد الأضحى وقال: (من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك)[رواه البخاري955]، شكراً لله تعالى على نعمه المتعددة، نعمة الإيمان، والسمع، والبصر، والمال، صورة من صور الشكر لرب العالمين التي يظهر بها التوحيد جلياً، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْالكوثر:2، أي: وانحر لربك، وأهل الجاهلية ينحرون القرابين لأوثانهم وأصنامهم.

سميت أضحية من وقت ذبحها اشتقاقاً من وقت الضحى الذي تذبح فيه، إنها من بهيمة الأنعام فلا تجزئ من غيرها، والذين يريدون تطيير الشريعة تحت عنوان تطوير الشريعة، يريدون أن يبدلوا كلام الله، يخرجون اليوم بالفتاوى المعوجة لتغيير الدين وتبديله

 

سميت أضحية من وقت ذبحها اشتقاقاً من وقت الضحى الذي تذبح فيه، إنها من بهيمة الأنعام فلا تجزئ من غيرها، والذين يريدون تطيير الشريعة تحت عنوان تطوير الشريعة، يريدون أن يبدلوا كلام الله، يخرجون اليوم بالفتاوى المعوجة لتغيير الدين وتبديله

 

، فتارة يقولون: بالدجاج، وتارة يقولون بأشياء أخرى، يريدون أن يبدلوا شعائر الله، "ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما"[رواه البخاري5565]وذلك تيسيراً للذبح، وتسهيلاً، وحتى لا يتحرك الحيوان ويضطرب عند ذبح، وأقام النبي صلى الله عليه وسلم يضحي بالمدينة، وكذلك المسلمون فهي سنة مؤكدة إلى قيام الساعة، وقال عدد من العلماء بوجوبها على القادر المستطيع، (من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا)[رواه ابن ماجه3123 وصححه الألباني في الجامع الصغير6490]على كل أهل بيت في كل عام أضحية.

وإن استسمانها، واستحسانها، خالية من العيوب؛ من تعظيم شعائر الله، والالتزام بالوقت الشرعي في ذبحها ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِالحج:32، يدل هذا التعظيم على التقوى في قلبه، ولذلك كان الذبح أفضل من التصدق بأضعاف ثمن الأضحية، قال سعيد بن المسيب رحمه الله: "لئن أضحي بشاة أحب إليّ من أن أتصدق بمائة درهم"، فلعلها تشهد يوم القيامة لصاحبها بقرونها، وأشعارها، وأظلافها، وحتى المكان الذي يقع عليه دمها، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وقد جعل الله للفقراء فرجاً ومخرجاً، وكل من لا يستطيع أن يضحي فقد ضحى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، (باسم الله والله أكبر هذا عني وعمن لم يضح من أمتي)[رواه الترمذي1521]، وهكذا ذهب الفقراء من هذه الأمة وغير المستطيعين بنصيب من الأجر بسبب ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِالحج:34، فيذكروا اسم الله عليها، ويشكروه عليها، قال:فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَالحج:34، وبهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم، وأن تبلغ السن المحدودة شرعاً، (لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن) [رواه مسلم1963]، والجذع من الضأن ما له ستة أشهر ودخل في السابع، والمسنة الثنية فما فوقها، والثني من المعز ما أتم سنة ودخل في الثانية، والثني من البقر ما أتم سنتين ودخل في الثالثة، والثني من الإبل ما أتم خمس سنين ودخل في السادسة، ولابد أن تكون ملكاً مباحاً للمضحي فلا تضحية بمغصوب، ولا مسروق، ولا مأخوذ بدعوى باطلة، ولولي اليتيم أن يضحي عنه من ماله إذا جرت بذلك العادة، وربما انكسر قلبه بعدم التضحية.

ويشترط في الأضحية أن تكون خالية من العيوب، طيبة، والله لا يقبل إلا الطيب، وكذلك أخبر البراء رضي الله عنه قال: "قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكسير التي لا تنقى)[رواه أبو داود 2802 وصححه الألباني في الإرواء 1147]أي: لا مخ في عظامها لهزالها، ولذلك قال العلماء: لا تجوز التضحية بالعوراء، ولا العمياء، ولا يجوز التضحية بالشاة التي قطعت أذناها، وكذلك مقطوعة الأذن، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يضحى بعضباء الأذن، والقرن، والأعضب النصف فما فوقه، إذا ذهب أكثر من النصف، وكذلك لا يضحي بمقطوعة الذنب، وأما التي لا ذنب لها بأصل الخلقة فلا بأس، ولا يضحي بمقطوعة الألية، ولا بأس بالتي لا ألية لها أصلاً، وتكره التضحية بمشقوقة الأذن، المدابرة، والشرقاء، والمقابلة، والخرقاء التي في أذنها خرقاً، وكذلك التي ذهبت قطع من مقدمة الأذن، وقطع طرفه، ومن مؤخره، وشقه، وثقبه، فتكون سليمة، وأما هذه الأشياء فمكروهة في الأضحية، ولو اشترى أضحية خالية من العيوب، ثم طرأ عليها عيب دون تقصير منه فلا يكلف بشراء أخرى، لما في ذلك من المشقة، وتذبح بعد طلوع الشمس اليوم العاشر من ذي الحجة، وبعد دخول وقت صلاة الأضحى، ومرور وقت يسع صلاة ركعتين وخطبتين خفيفتين بالنسبة لأهل البوادي الذين لا صلاة عيد لديهم، فيقدرون هذا بمرور وقته، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل أن يصلي فإنما هو لحم عجله لأهل ليس من النسك في شيء)[رواه البخاري965 ومسلم1961]، ويمتد وقت الذبح إلى نهاية أيام التشريق، هذا اختيار بعض العلماء، يوم العيد، وثلاثة أيام بعده، فهي أربعة أيام عند بعضهم وثلاثة عند آخرين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل أيام التشريق أيام ذبح)، وقال: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله)[رواه مسلم1141]قال ابن القيم رحمه الله: "إن الأيام الثلاثة تتفق في كونها أيام منى وأيام تشريق ويحرم صومها، ويشرع التكبير فيها"، فهي إخوة في هذه الأحكام فكيف تفترق في جواز الذبح بغير نص ولا إجماع، فمغرب يوم الثالث عشر من ذي الحجة على هذا القول آخر وقت للذبح، وأفضل وقت اليوم الأول بعد فراغ الناس من الصلاة، والإمام من الخطبة.

والأفضل من الأضاحي جنساً، قال بعض العلماء: الإبل، وقال بعضهم: الكبش، والأفضل من الأضاحي صفة الأسمن، والأكثر لحماً، والأكمل خلقة، والأحسن منظراً، فبدلاً من أن يتباهوا بملكات الجمال في البهائم، فليرونا الأحسن منظراً في الأضاحي، وأفضل الأضاحي لوناً، قال النووي رحمه الله: البيضاء، ثم الصفراء، ثم الغبراء، وهي التي لا يصفو بياضها، ثم البلقاء وهي التي بعضها أبيض، وبعضها أسود، ثم السوداء، وقال ابن قدامة رحمه الله: "والأفضل في الأضحية من الغنم في لونها البياض"، ويدل على ذلك ما ورد في حديث أنس: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: انكفأ إلى كبشين أقرنين أملحين فذبحهما بيده" [رواه البخاري5554]، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "الأملح هو الذي فيه سواد وبياض والبياض أكثر"، وقد ذبح النبي صلى الله عليه وسلم كبشاً ينظر في سواد، أي: ما حول عينيه أسود، ويبرك في سواد، أي: ما حول ركبتاه أسود، ويطأ في سواد كذلك ما حول الأقدام، وكان الباقي أملح وهو الأبيض الذي قد اغبر شيئاً ما، ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بواحدة عنه وعن آل بيته، فيسعك أنت وأهل بيتك واحدة من الأحياء والأموات، ويجوز أن يضحي بأكثر من واحدة، ولكن لا لتباهي، ولا للتفاخر بهذا، وإنما ليطعم هو وأهل بيته، وكذلك يتصدق، ويهدي منها، تتسع البقرة والبدنة لسبعة، وأما الشاة فلا تجزئ إلا عن واحد، وهكذا وردت الأدلة.

ما يجب على المضحي.
00:16:31

وينبغي لمن أراد أن يضحي أن يطلب الإخلاص، ويبتغي وجه الله، وهو الذي يلتزم بالإمساك عن الشعر والأظفار، ولا يخرجه من ذلك أن يوكل فإن الذي يلتزم هو صاحب الأضحية الذي دفع ثمنها، هو صاحبها الذي يملكها، التي هي ملكه، ولا يلزم الحكم الأهل، والأولاد، ولا الجزار، ولا الوكيل، وتساق إلى محل ذبحها سوقاً جميلاً، وهذا من رفق الشريعة، وأن يحد السكين قبل الذبح، ولا يحد السكين أمامها، ولا يذبح شاة أمام أخرى، ويضجع الغنم والبقر على جانبها الأيسر، وأما الإبل فتنحر قائمة على ثلاث قوائم معقولة الركبة اليسرى لكي تقع إذا نحرت،فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَاالحج:36، أي: طاحت، فَكُلُوا مِنْهَاالحج:36، وهكذا يطعم البائس الفقير، ولابد من استقبال القبلة، والتسمية والتكبير، ويستحب أن يذبحها هو، أو يشهد ذبحها، ولا بأس أن يستعين بمن يعينه، وقد جاء عن أبي الخير أن رجلاً من الأنصار حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أضجع أضحيته ليذبحها فقال لرجل: أعني على أضحيتي فأعناه.[رواه أحمد22657]قال ابن حجر: "ورجاله ثقات"، وأعان رجل ابن عمر في بدنته، قال عمرو بن دينار: "رأيت ابن عمر ينحر بدنة بمنى وهي باركة معقولة، ورجل يمسك بحبل في رأسها وابن عمر يطعن"، والتوكيل بذبحها للموثوقين من الجهات والهيئات لا بأس به، قال القيرافي رحمه الله: "كان الناس يتخيرون لضحاياهم أهل الدين"؛ لأنهم أولى بالتقرب، فإن وكل تارك الصلاة استحب له الإعادة للخلاف في حل ذكاته، ولا يجوز أن يذبحها مشرك، ولا مرتد، ولا كافر من غير أهل الكتاب، والأكل منها سنة، (كلوا وتزودوا وادخروا)[رواه مسلم1972]فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَالحج:28، وهذه الصدقة منها قلت أو كثرت عند الله بمقدار، فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَالحج:28، إلى النصف، والهدية من الأضحية مندوبة، وأجرة الجزار من غير الأضحية، فلا يعطيه جزءً منها أجرة كما قال علي رضي الله عنه: "أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه، وأن أتصدق بلحمها، وجلودها، وأجلتها، وأن لا أعطي الجزار منها، وقال: نحن نعطيه من عندنا"، وفي رواية لمسلم: "ولا يعطى في جزارتها منها شيئا"[رواه مسلم1317]ولا يباع شيء من الأضحية لئن ما خرج لله لا يجوز أن يعود فيه الإنسان، ومن باع جلد أضحيته فلا أضحية له، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وله أن يبدلها بخير منها إذا أراد قبل ذبحها، والأصل أن التضحية في محل المضحي سواء كان في بلده، أو في موضع السفر، وأن توزع على فقراء البلد المحتاجين قياساً على الزكاة، ويجوز نقلها إذا استغنى أهل بلد المضحي، وكثرت فيه الأضاحي، ولكن أن تنقل الأضاحي من البلد بحيث تختفي السنة منه فلا، بل قد ذكر بعض أهل العلم قتال أهل البلد الذين يمتنعون عن هذه الشعائر جميعاً، ولا بأس للمغترب عن أهله، ووطنه أن يوكل في شراءها، وذبحها في بلده، وتوزيعها على أقاربه والمحتاجين من أهل بلده.

اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين.

أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية.

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، خلق فسوى، وشرع ما شاء سبحانه، فله الحمد، وله الشكر على ما شرع، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، النبي الأمين، وخاتم المرسلين والأنبياء، صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك، ونبيك محمد، وعلى آله، وخلفائه، وأزواجه، وذريته الطيبين، اللهم صل وسلم عليهم وعلى من تبعهم بإحسان يا رب العالمين.

بعض أحكام الحج.
00:21:51

عباد الله:

هذه الأيام التي يسير فيها كثير من الحجاج إلى بيت الله الحرام تعظيماً له، وجعل الله البيت مثابة للناس إذا انصرفوا منه يعودون إليه، وعلق قلوب عباده به فلا يملون منه، فما يفتأون إذا رجعوا أن يذهبوا مرات ومرات، فسبحان من جعل في قلوب العباد الشوق إلى هذا البيت عبادة له، وتعظيماً، يطوفون به، ويسعون، ويقفون بتلك المشاعر العظيمة من إرث أبيهم إبراهيم، وأبرز ما كان في دعوة إبراهيم عليه السلام ومواقف حياته هو التوحيد، ولأجله بني البيت ليعبد الله وحده لا شريك له، ويطاف بالبيت لله لا شريك له، ويوقف على تلك المشاعر توحيداً لله، ويدعى الله، ويهلل، ويكبر، ويذكر، ويكون الحلق، والرمي، وسائر العبادات لذكره سبحانه، هذه الأعمال العظيمة التي يقوم بها الحجاج ابتداء من النية الطيبة، والإحرام، وعقد القلب على الدخول في النسك، وهذا هو الإحرام، عقد القلب، عقد النية في القلب على الدخول في النسك، وليس لبس المناشف إحراماً، فقد يحرم في غيرها إذا عدمها، وإذا اضطر إلى غيرها فنسي ملابس الإحرام مثلاً، ويقال عنه محرم، وهو في غير المناشف، وقد يلبس المناشف ولم يحرم، فما هي هذه الملابس في الإحرام؟ إزار ورداء، والإزار معروف، والرداء معروف، من قبل الحج ومن بعد الحج، فهو عقد القلب على الدخول في النسك، هذه الأنساك الثلاثة، التمتع وهو أن يحرم بعمرة، ثم يتحلل منها، ثم يحرم بالحج، وكذلك الإفراد أن يحرم بالحج فقط، والقران إحرام واحد بعمرة وحج معاً، وأفضلها التمتع، ومن لا يجد الهدي فلا يحرم نفسه أجر التمتع، فإن الله قد جعل له بدلاً فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْالبقرة:196، يصوم الثلاثة في الحج، السادس، والسابع، والثامن، أو السابع، والثامن، والتاسع، وأيام التشريق يجوز أن تصام لمن لم يجد الهدي، وغير ذلك لا يجوز صيامها، والقارن هو الذي يسوق الهدي من خارج منطقة الحرم، فيدخل به الحرم، ولا يعتبر توكيل المصارف، والهيئات سوقاً للهدي، وبناء عليه، فالسنة لمن لم يسق الهدي أن يكون متمتعاً وإلا مفرداً، وهذا الهدي للحاج عبادة عظيمة، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يهدي إلى الحج وهو في المدينة، وهذه عبادة وسنة مجهولة عند الكثيرين، إرسال الهدي إلى الحرم ليذبح هناك في وقت الذبح، ويوزع على الفقراء، والمحتاجين، ولا بأس أن يرسل بشيء منه إلى صاحبه، وأن يأكل من بعضه وكيله، وهذا الإرسال إلى مكة إلى الحرم بالهدي ليذبح هناك فعله النبي عليه الصلاة والسلام من غير أن يحج، فهو من العبادات، وعموماً فإن الهدي للحجاج، والأضحية لأهل البلدان، والحاج الذي ليس له أضحية فيستطيع أن يأخذ من شعره، وأظفاره ما شاء حتى يحرم، ولا ينطبق عليه ما ينطبق على المضحي، فإن كان له أضحية فقال: أنا أترك في بلدي أضحية لأهلي، وسأذهب للحج وأهدي هناك، فنقول: إذن أنت تمتنع عن الشعر والأظفار حتى تذبح أضحيتك، ما عدا أخذ واحد وهو الأخذ من الشعر للتحلل من العمرة للمتمتع فقط؛ لأن التحلل من العمرة واجب، فإذا تعارض مع النهي عن الأخذ من الشعر والأظفار للمضحي فإن الواجب أولى وأعلى، ويقدم في هذه الحالة، ومن أحرم بالحج فيجب عليه أن يستمر فيه، ولا يجوز له قطعه، ويسن الاغتسال للمحرم حتى الحائض والنفساء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر أسماء بنت عميس أن تغتسل لما ولدت، وأمر عائشة أن تغتسل لإهلال الحج وهي حائض، فأمر الحائض والنفساء بالغسل فهي سنة، ولو كان السفر سريعاً كالذي سيذهب من مطار بلده، ويمر بالميقات فإذا اغتسل في بيته، وخرج مباشرة إلى المطار وسافر، وكان غسله قريباً من الإحرام فهذا طيب، فقد لا يتيسر له أن يغتسل في الطريق، ومن أراد الإحرام بالحج، فإنه ينزع جميع ملابسه، وهذا الإزار، وهذا الرداء، وقد أحدث الناس فيهما أشياء وبعضها لا يخرجه عن كونه إزارً ورداءً كما يوضع شريط لاصق في مكان الحزام في الإزار، فهذا لا يخرجه عن كونه إزاراً، وأما إذا خاطه، وأغلقه فجعله كالقميص فهذا إحداث يخرجه عن كونه من ملابس الإحرام المسموح بها، فإن الممنوع هو المخيط، وليس المخيط ما كان فيه خيطان، وإنما المخيط هو المفصل على قدر الجسم، أو أحد أعضائه، ولذلك الجورب مخيط، والقفاز مخيط، والقميص الطويل والقصير والسراويل كلها من المخيط الذي لا يجوز لبسه للمحرم، وللمحرم أن يبدل الإزار بالرداء، والرداء بالإزار، وأن يبدل ملابس الإحرام متى شاء، ولو بدلها أكثر من مرة في اليوم، وأن يتجرد منها تماماً عند قضاء الحاجة، أو عند الاغتسال، وله أن يتطيب قبل الإحرام، ولو استمر أثر الطيب لما بعد الإحرام، وللمرأة أن تلبس الجوارب، ولكن لا تلبس القفاز، ولا تلبس النقاب، لا تحت الغطاء، ولا أن يكون في الغطاء، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى المحرم عن النقاب وهو المنقوب المثقوب من جهة العنينين وما شابهه، ونهاها كذلك عن لبس القفازين، فتغطي كفيها بأكمام العباءة، وليس للإحرام لون يخصه للنساء، وأما الرجال فإن الأبيض هو الأفضل، وله أن يحرم في أي لون كان.

ولا يشترط إلا إذا خاف من عائق يعيقه فيقول: اللهم إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، يعني: مكان إحلالي، ورجوعي، وخروجي من الإحرام حيث حبستني، فإنه إذا حصل مانع وعائق فإنه يحل، ولا دم عليه، وله أن يرجع، ولا ينس الحاج التلبية، وقد قال عليه الصلاة والسلام:(أفضل الحج العج والثج)[رواه الترمذي827وصححه الألباني في الجامع الصغير 1101]والعج: رفع الصوت بالتلبية، والثج: انهار الدماء بنحر الهدي والأضاحي، وليذكر الحاج الرفقة الطيبة، والنفقة الحلال، يتذكر لا رفث ولا فسوق، ولا معاصي، ولا جدال بالباطل، وصغيرك إذا أحرمت به يلزمه ما يلزم الكبير، فإذا خشيت من عدم إتمام نسكه لشدة الزحام فلا تحرم عنه، ولا تصح النيابة في أي عمل في الحج إلا الرمي فلا يطوف أحد عن أحد، ولا يسعى أحد عن أحد، ولا يقف بعرفة أحد عن أحد، وهكذا، ومن لم يجد في منى مكاناً إلا بكلفة زائدة، أو منة من الغير فلا يجب عليه المبيت، وقد أفتى علماءنا الثقات بأن الشرع لا يوجب على الإنسان أن يبقى على الرصيف، ويتورط في قضاء حاجته، فإن الشريعة جاءت بما يحفظ كرامة العباد، لا بما يمتهنها، فإذا لم يجد فلا حرج عليه، فإذا وجد بات بمنى أكثر من نصف الليل، والسنة أن يبيت الليل في منى هذا في أيام منى.

البيت الحرام مثابة للناس وأمنا.
00:31:20

عباد الله:

إن الله تعالى قد جعل البيت مثابة للناس وأمناً، وقال الخليل عليه السلام: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ(البقرة:126)، وقال تعالى: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّاالقصص:57، فإذا جعله الله آمناً شرعاً لابد أن يكون آمناً، وقدراً في أغلب أحواله، والغالب منطبق ولله الحمد عبر كر العصور، والدهور، فيجب على العباد أن يحفظوا أمن البيت، وما حول البيت، إنها نعمة أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْالعنكبوت:67، ولذلك إعانة كل من يحفظ الأمن عبادة، فرجال الأمن الذين يحافظون على الأمن في حج الناس، وعبادة الناس تلزم إعانتهم فيما فيه تحقيق حفظ الأمن؛ لأن الله قال: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىالمائدة:2، وأما قتلهم فجريمة تستنكر ورب البيت، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍقريش:3-4، وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَالنحل:112، فيجب إعانة رجال الأمن على حفظ الأمن، وبعض من لا دين له يدخل بين الحجاج ليسرقهم، وبعض من لا يخاف الله يدخل بين حريم الحجاج لإيذائهم، وهذه جريمة أيضاً من أعظم الجرائم، فإن الجريمة تعظم إذا فعلت في المكان الفاضل، والزمان الفاضل، ولذلك لا يجوز الإخلال بالأمن

 

يجب إعانة رجال الأمن على حفظ الأمن، وبعض من لا دين له يدخل بين الحجاج ليسرقهم، وبعض من لا يخاف الله يدخل بين حريم الحجاج لإيذائهم، وهذه جريمة أيضاً من أعظم الجرائم، فإن الجريمة تعظم إذا فعلت في المكان الفاضل، والزمان الفاضل، ولذلك لا يجوز الإخلال بالأمن

 

، ومن هذا ما يفعله بعض الحمقى والجهلة من القيام بمظاهرات أثناء الحج تعطل مسيرة الحجاج، وينتظر أولئك فيحبسون عن إكمال نسكهم، وطوافهم؛ لأجل هؤلاء الحمقى، والجهلة، والمشركين الذين يريدون أن يهتفوا بشعاراتهم، ويعطلوا عبادة الناس، ولذلك فلابد من التعاون لإنجاح الحج، وهذه مسئولية عظيمة، وكذلك فلابد من حفظ الحج من المعاصي، فتبرج النساء، وأصوات الموسيقى، ونحو ذلك من الأمور، وقد يعمد بعض الحجاج إلى التوسل بالقبور، وزيارة المشاهد بزعمهم، وكذلك التمسح بالأحجار ونحوها، وهذا من ألوان الشرك الكثيرة، والبدع المنتشرة في الأمة، فلابد من مقاومتها، والنصح، والتعليم.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يسلم حجاج بيته، وأن يعيننا وإياهم على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يعين أهل الأمن، ومن تولوا مسئوليته على القيام بواجبهم، اللهم إنا نسألك أن تجعل بلدنا هذا آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم من أراد بحرمك إلحاداً فأذقه عذاباً أليماً في الدنيا قبل الآخرة، اللهم اقطع دابره، اللهم إنا نسألك أن ترزقنا إيماناً وأمناً، اللهم ارزقنا من الخيرات، اللهم ارزقنا من الطيبات، اللهم إنا نسألك أن تعتق رقابنا من النار، وأن تغفر لنا ذنوبنا يا أرحم الراحمين، اللهم تب علينا، وآتنا سؤلنا، اللهم تولى أمرنا، وألهمنا رشدنا، اللهم إنا نسألك أن لا تفرق جمعنا هذا إلا بذنب مغفور، وعمل مبرور، اللهم إنا نسألك أن تصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا خطيئاتنا يوم الدين، ربنا اغفر لنا ولوالدينا يوم يقوم الحساب.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

1 - رواه الترمذي757 وصححه الألباني في صحيح أبي داود 2107
2 - رواه مسلم1348
3 - رواه الترمذي3585 وحسنه الألباني في صحيح الجامع 3274
4 - رواه البخاري955
5 - رواه البخاري5565
6 - رواه ابن ماجه3123 وصححه الألباني في الجامع الصغير6490
7 - رواه الترمذي1521
8 - رواه مسلم1963
9 - رواه أبو داود 2802 وصححه الألباني في الإرواء 1147
10 - رواه البخاري965 ومسلم1961
11 - رواه مسلم1141
12 - رواه البخاري5554
13 - رواه أحمد22657
14 - رواه مسلم1972
15 - رواه مسلم1317
16 - رواه الترمذي827وصححه الألباني في الجامع الصغير 1101
17 - (البقرة:126)