الأحد 23 محرّم 1441 هـ :: 22 سبتمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

أحكام العشر وقرابين الأضاحي


عناصر المادة
الأعمال في أيام العشر
بعض أحكام الحج
أحكام الأضاحي
التسليم لشرع الله
التكافل بين المسلمين وصلة الأرحام

الخطبة الأولى.

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

الأعمال في أيام العشر
00:00:26

أما بعد:

فلا زلنا أيها الإخوة في عشرنا العظيمة، أفضل أيام السنة على الإطلاق، وأفضل من أيام رمضان، ولكن العشر الأواخر من رمضان في الليالي أفضل، وأما هذه الأيام فهي أفضل أيام العام، أقسم الله بها، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم العمل الصالح فيها أعظم من جهاد في سبيل الله، لا زلنا نكبر في الأسواق، والطرقات، والمكاتب، والبيوت، لا زال التكبير المطلق في هذه الأيام مع الدعاء، والتلاوة، والتبكير للصلاة، وأعمال البر، والإحسان، والصدقات، وصلة الرحم، والإحسان للخلق، وكل عمل صالح يعظم في هذه العشر.

فسبحان من جعل لنا مواسم الخيرات تغفر فيها الخطيئات، وتقال العثرات، وتضاعف الحسنات، وترفع الدرجات.

بعض أحكام الحج
00:01:38

وفيها هذا الموسم العظيم؛ موسم الحج الواجب على كل مسلم بالغ عاقل مستطيع ببدنه وماله يجد نفقة توصله إلى البيت الحرام وتعيده مع ما يحتاج إليه أهله في غيابه، فإن المرء لا يضيع من يقوت، فاضلة عن قضاء ديونه وحاجاته الأصلية، ومن استطاع فلا بد من الذهاب إذا لم يحج فريضته: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاًسورة آل عمران97، ومن احتاج إلى النكاح فإن خاف الحرام على نفسه قدم النكاح على الحج إذا لم يستطع الجمع بينهما، ومن كان يصبر ذهب إلى الحج.

هذا الحج الذي من كان عليه دين معجل يقدم دينه عليه، يقدم سداد الدين على الحج؛ حتى قال بعض العلماء المعاصرين: ريال تنفقه في سداد دين وجب عليك أداؤه خير من عشرة تنفقها في الحج؛ وذلك أن حقوق العباد عند الله عظيمة، وإبراء الذمة مطلب شرعي.

ولا يجب على الإنسان أن يستدين ذلك، وإن كان عليه دين يتسامح فيه أهله ويرضون بتأخيره جاز وقضاء الدين أولى، وإن كان ديناً مؤجلاً لم يحل كأقساط لم يأت وقت دفعها فإنه لا يمنع الحج فيذهب، وإذا كان عنده سداد لو عاد لهذه الأقساط المؤجلة إذا حل وقتها فلا تعارض بينها وبين نفقة الحج ذهب للحج.

 
يجوز الحج بمال الغير ولو كان فريضة ويجزئ، ولكن لا يلزم الإنسان الذهاب؛ لأنه غير مكلف شرعاً بتحمل منة الغير، وهذا من فقه العلماء في صيانة نفوس المسلمين
 

هذا الحج يجوز بمال الغير ولو كان فريضة ويجزئ، ولكن لا يلزم الإنسان الذهاب؛ لأنه غير مكلف شرعاً بتحمل منة الغير، وهذا من فقه العلماء في صيانة نفوس المسلمين، ومع ارتفاع تكاليف الحج في هذا الوقت ربما احتاج الكثيرون إلى تكميل ما عندهم؛ ولذلك فإن من أبواب الخير تحجيج الحجاج، وإذا تبرع الابن بتحمل تكاليف حج والده أو والدته لزمهما إذا لم يحجا؛ لأن الولد من الكسب قال العلماء: ولا منة له على أبيه فيما يعطيه، بخلاف ما لو أعطى إنسان إنساناً آخر فتكون له منة عليه، ومع أن الزوج غير ملزم شرعاً بتحجيج  زوجته إلا أن تحجيجها على نفقته من أبواب العشرة الزوجية بالمعروف، وكانوا من قديم يشترطون في عقد النكاح أن يحجج زوجته.

عباد الله:

من أخر الفريضة دون عذر أثم، وإن مات لقي الله ناقص الإسلام، ويجب على ورثته أن يحجوا عنه، أو يوكلوا من يحج عنه فتؤخذ من تركته ولو لم يوص، وإن كان معذوراً في ترك الحج حتى مات فليس عليه شيء، ويندب لورثته الحج عنه، ولا يجب عليهم، ومن كان مستطيعاً للحج بماله لكنه عاجز ببدنه فإنه إذا كان عذره مستمراً كمرض مزمن لا يرجى زواله أقام من يحج عنه من ماله.

وأما الحج عن الغير مقابل المال فإن فيه التفصيل:

إن قصد أن يحج ليأخذ فليس له عند الله من خلاق؛ لأن الحج وسيلة والأخذ هو الغاية والتكسب هو المراد.

وإن كان أخذ ليحج فصار الأخذ وسيلة والحج هو الغاية وهو يريد قضاء فرض أخيه المسلم والإحسان إليه، وهذا المال يبلغه فهو غير مراد بالأصل، فإن هذا أمر طيب وتكون الفرائض والواجبات والأركان للمنيب ويدعو هذا النائب لنفسه هناك، ويزداد إيمانه برؤية المشاعر.

عباد الله:

لا بد أن يكون الحج من نفقة مباحة، فإن حج بمال حرام فصحيح أن حجه صحيح، ولكنه لا يعد مبروراً، والحج المبرور من صفاته أن يكون بمال حلال وهو الذي ليس له جزاء عند الله إلا الجنة.

إذا حججت بمال أصله سحت *** فما حججت ولكن حجت العير

لا يقبل الله إلا كل طيبة *** ما كل من حج بيت الله مبرور

والمحرم ضروري للمرأة خصوصاً ونحن نرى ما تتعرض له بعض النساء حتى في بيت الله عند الحجر الأسود من أنواع الشر والفساد، والمحرم مكلف بصيانة المرأة وهو حافظ لها، وقد شرع الإسلام المحرم لحماية هذه الضعينة.

عباد الله:

إن ابتغاء وجه الله أمر عظيم، ومع ذلك لا يتعارض معه في الحج التجارة وابتغاء الفضل من الله، ولكن ينبغي أن يكون القصد الأساس هو نيل تلك العبادة العظيمة والأجر المشهود.

وكان أهل مكة وهذا نداء لأهل مكة ومن قاربهم، كانوا فيما مضى من العصور إذا جاء الموسم خرجوا بأولادهم لتلقي الحجاج لأمرين: يعلمونهم المناسك، ويدلونهم على المسالك، فأين نحن من هؤلاء الذين مضوا؟ والإقامة في البيت الحرام وبالقرب منه، وجدة ميناء مكة على صاحبه مسئولية وعليه واجب.

أحكام الأضاحي
00:08:26

عباد الله:

في هذه العشر العظيمة اليوم المشهود يوم عرفة أقسم الله به، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (أحتسب عند الله أن يكفِّر السنة الماضية والباقية)[رواه أحمد22115]في هذه العشر العظيمة أفضل أيام السنة على الإطلاق وهو يوم العاشر أفضل العشر ، وفيه اجتماع العبادات العظيمة وهو يوم النحر، ويوم الحج الأكبر، فيه ذبح الأضاحي تذبح من أهل البلدان كما يذبح الحجاج الهدي تقرباً إلى الله سبحانه وتعالى: لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْسورة الحـج37؛ ولذلك كانت طاعة مأمورة بها: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْسورة الكوثر2أي: وانحر له، أقام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة عشر سنين يضحي، وهي سنة مؤكدة عند جمهور العلماء، وذهب بعضهم إلى وجوبها كأبي حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله، وهذه الأضحية مشروعة في حق جميع الناس أهل البوادي، والحضر، وأهل الإقامة والسفر، ويجوز للحاج أن يضحي فيترك هنا مثلاً مبلغاً لذبح الأضحية يوكل به أهله، ويذهب للحج، ويهدي فيكون عنده أضحية وهدي، وفي هذه الحالة لا يأخذ من شعره، ولا من أظفاره إلا في التحلل من عمرة التمتع حتى تذبح أضحيته، كما أن المقيم في البلد يضحي، وله أن يهدي أيضاً، وهذه سنة مجهولة عند الكثيرين، فإن النبي عليه الصلاة والسلام أرسل وهو في المدينة هدياً يذبح لمكة.

فلو قال قائل: هل يشرع للمقيم غير الأضحية أن يرسل هدياً يذبح في مكة ويوزع على فقراء الحرم وعلى الحجاج مثلاً؟

الجواب: نعم، ثبت ذلك في السنة، وهذه من السنن المهجورة عند كثير من الناس.

عباد الله:

هذه الأضحية على المستطيع فإن لم يستطع لا يلزمه الاستدانة، وبعض الناس لا يستطيع هنا لغلاء ثمن الأضاحي، لكن يستطيع في بلدان أخرى كاليمن والسودان ونحو ذلك، فيقال: لا بأس إذا أرسلتها، وكذلك من كان يعمل هنا وأهله في بلد آخر فأرسل إليهم بثمن الأضحية ليذبحوها هناك، ويتوسعوا بها، ويفرحوا، فهذا طيب، ولكن السنة في الأصل أن يذبح أهل البلد في بلدهم؛ لأن الشرع يريد أن تكون الأضحية عبادة علنية، وليست سرية؛ ولذلك لو قال: أريد أن أتصدق بثمنها ولا أذبح، نقول: لا يقوم مقامها، فإن قال: أتصدق بعشرة أضعاف ثمن الأضحية، فنقول: لا يقوم مقامها التصدق بالنقود، وإذا قال: أشتريها مذبوحة من المسلخ، نقول: ليست بأضحية حتى تنوي ذبحها على أنها أضحية، انهار الدم لله عبادة عظيمة، كان المشركون يذبحون لأصنامهم فجاء الإسلام بالذبح لله: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْسورة الكوثر2لربك، قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِيسورة الأنعام162يعني: ذبحي لله؛ ولذلك انهار الدم على اسم الله بحد ذاته عبادة عظيمة.

لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْسورة الحـج37فيها إحياء لسنة الخليل إبراهيم عليه السلام لما فدى الله عز وجل ولده إسماعيل بكبش عظيم، وفيها توسعة على النفس وأهل البيت، وإكرام الجيران والأقارب والأصدقاء، والتصدق على الفقراء، وفيها شكر لله على نعمة الحياة، فلما أحياك الله إلى هذه السنة شكرته بذبح أضحية، فلما أحياك إلى السنة التي بعدها شكرته بذبح أضحية، وهكذا، ويمتنع فيها المضحي عن الأخذ من شعره، وأظفاره، وبشرته حتى تذبح الأضحية، لماذا؟

لما كان المضحي قد شارك الحجاج بعض النسك في الذبح كما يذبحون الهدي ناسب أن يشاركه في بعض الأحكام المتعلقة بمحظورات الإحرام، وهو عدم الأخذ من الشعر والأظفار.

فإن قال: والطيب، والمخيط، وإتيان النساء، فليس ذلك بمحظور على المضحي خلافاً للمحرم، فالمضحي يشارك المحرم في بعض الأحكام.

هذه الأضحية التي يشارك فيها أهل البلدان حجاج بيت الله الحرام بعض شعائر الحج فيها شرف للمضحين يتقربون بذلك إلى الله.

ومن العبادة ما يكون إمساك وترك، ومنها ما يكون فعل، ومنها ما يكون بالفعل، والأصل فيها أنها للأحياء أي: الأضاحي، وأما التضحية عن الأموات فهي على ثلاثة سبل:

أولاً: أن تكون تبعاً للأحياء فعندما تذبح أضحيتك تقول: اللهم عني وعن أهل بيتي، فيدخل فيهم الأحياء والأموات.

ثانياً: أن يكون الميت قد أوصى بالتضحية عنه من مال تركه، فلا بد من التنفيذ: فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُسورة البقرة181، فإن لم يترك مالاً فليس الوارث بملزم.

ثالثاً: إن لم يكن أوصى وأحب إنسان أن يضحي عن أبيه أو أمه أو غيرهما فهو حسن، وهذا من الصدقة عن الميت، فذبيحتك الأضحية عن نفسك وأهل بيتك وما تذبحه عن أقربائك الذين مضوا فهو صدقة عنهم يصلهم أجرها في قبورهم في هذه العشر العظيمة.

ولا بد في التضحية أن تكون من بهيمة الأنعام لقوله تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِسورة الحج34وهي في اللغة: الإبل والبقر والغنم ضأنها ومعزها، فالتضحية بالتيس والكبش صحيحة.

عباد الله:

 
لقد صار في عصرنا شذوذات فقهية تروج، وتسلط الأضواء على قائليها، فمن ذلك التضحية بالدجاج عند غلاء أسعار الغنم، وهذا شذوذ مضحك، فلا يمكن أن يضحى بغير بهيمة الأنعام
 

لقد صار في عصرنا شذوذات فقهية تروج، وتسلط الأضواء على قائليها، شذوذات كثيرة جداً، فمن ذلك التضحية بالدجاج عند غلاء أسعار الغنم، وهذا شذوذ مضحك، فلا يمكن أن يضحى بغير بهيمة الأنعام لا بالغزال، ولا بالأرنب، ولا بغيره، وهؤلاء يدعون اليوم إلى ألوان جديدة من الخروج عن شريعة الله، كما تسلط الأضواء على الفتاوى الشاذة بعدم لزوم تغطية الشعر في الحجاب، وجواز تقبيل الشباب للفتيات، ونحو ذلك من ألوان الشذوذات الكثيرة تشويشاً على الناس في دينهم، وتبرز هذه الفتاوى الشاذة حتى يضطرب الناس ويقعون في أمور تحيرهم، وقد لا تروج على جيل، ولكن يبتغون الجيل الذي بعده.

أيها المسلم:

لقد حدد الشرع السن المحدد للأضاحي: فالضأن ما تمت له ستة أشهر ودخل في السابع، والمعز ما تم له سنة ودخل في الثانية، والبقر ما تم له سنتان ودخل في الثالثة، والإبل ما أتم خمس سنين ودخل في السادسة، وإذا كان اليتيم يفرح بالتضحية عنه ويحزن إذا رأى الأضاحي وليس له أضحية شرع لوليه أن يضحي عنه من ماله لو أراد من مال اليتيم، ولكن لا يتصدق من أضحية اليتيم بشيء؛ لأن الوكيل على مال الخرف واليتيم والمجنون لا يتصدق منه استحباباً، ولكن يخرج منه الحقوق الواجبة فقط، وبما أن التضحية لله فلا بد من استسمانها، واستحسانها؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً؛ ولذلك منع الشرع التضحية بالعمياء، والعوراء، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين عرجها، والتي قطعت أذنها، أو قرنها، وكذلك مقطوعة الألية لا تجزئ إلا ما كان ليس له ألية بأصل الخلقة فلا بأس، وكلما كانت أسمن، وأحسن، وأجمل منظراً، وأكثر لحماً وأسلم كانت أفضل عند الله، ولو اشترى أضحية فعيبت قبل ذبحها أجزأته، وكذلك لو ضلت، أو ماتت بغير تفريط منه فلا شيء عليه، ولكن إذا حددها فلا يجوز له بيعها، ولا تبديلها إلا بأحسن منها.

ووقت الذبح بعد صلاة العيد، فإن قال قائل: سنذهب في رحلات برية، فنقول: احسب وقدر الوقت، بعد انقضاء صلاة العيد، يعني: ساعة بعد الإشراق مثلاً ثم اذبح، ويجوز ذبحها ليلاً أو نهاراً، وقد يكون بعضهم يريد أن يؤخر شراءها إلى اليوم الحادي عشر، أو اليوم الثاني عشر؛ لأن أسعار الأضاحي ترخص فلا بأس بذلك، فإن وقت الذبح ممتد على الراجح إلى مغرب يوم الثالث عشر، ويجوز الذبح ليلاً أو نهاراً.

وقد يقول قائل: عندي مائتا ريال، وأخي عنده مائتا ريال هل يجوز أن نشترك في شاة؟

فالجواب: الشاة لا تجزئ إلا عن واحد، فلا يصح الاشتراك في الشاة، ولكن يصح الاشتراك في البقرة، وهذا مخرج لمن ليس عنده مال كاف، فيجتمع سبعة في بقرة مثلاً، ويجدون بمالهم القليل بقرة يشترونها يضحى بها عن الجميع، والنية ينبغي أن تكون لله.

وتساق الأضحية إلى محل الذبح سوقاً جميلاً لا عنيفاً، ويحد السكين بعيداً عنها، ويسعى في إراحتها: (وليرح ذبيحته)[رواه مسلم1955]بعد أن يحد شفرته، ولا يحد السكين أمام الحيوان، وقد قال عليه الصلاة والسلام لمن رآه يحد السكين أمام شاة وهي تلحظ إليه ببصرها قال: (أتريد أن تميتها موتات؟)[رواه الحاكم وصححه7563]ويستقبل القبلة هو والذبيحة، ويتولى ذبح أضحيته بنفسه هذا هو الأفضل، أو يشهد ذبحها، ولو وكَّل غيره بالذبح.

والذي يمسك صاحب الأضحية الذي دفع المال هو الذي يمسك عن الشعر، والأظفار، وليس الوكيل ولا الجزار، وكذلك يسمي ويكبر عند الذبح، يأكل ويطعم ويهدي: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَسورة الحـج27، ولا ينسى الفقير، ولا بأس أن يعطي الجزار هدية منها لكن لا على سبيل الأجرة، فلا يجوز أن يعطى الجزار شيئاً من الذبيحة لا الجلد ولا الرأس، ولا غير ذلك أجرة، أو جزء من الأجرة؛ لأنها خرجت لله كلها، وقد قال عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه: (نحن نعطيه من عندنا)[رواه مسلم1317]أي: من مال آخر غير لحم الأضحية، ولا يجوز للمضحي بيع شيء من أضحيته، وكذلك فإن الأضحية والعقيقة عبادتان مستقلتان لا تجزئ إحداهما عن الأخرى، فإن قال: لا أستطيع إلا واحدة منهما وقد ولد لي قبل العيد ولد، فنقول: قدِّم الأضحية ثم اذبح العقيقة بعد ذلك متى يسر الله.

عباد الله:

إن هذا النسك من نسك أبينا إبراهيم عليه السلام ينبغي الاهتمام به والحرص عليه، وهو أجر عظيم، وقد ضحى النبي صلى الله عليه وسلم عن نسائه بالبقر كما ثبت ذلك في الصحيح، وضحى هو بكبشين موجوءين أقرنين أملحين، وأخبر أن دم العفراء الأبيض غير الصافي أفضل من دم سوداوين، وضحى بكبش ينظر في سواد، يعني: ما حول عينيه أسود، ويطأ في سواد ويبرك في سواد، يعني: ما حول ركبتيه أسود وما حول قدميه أسود.

وكبر عليه الصلاة والسلام وضحى بكبش عنه وعن أهل بيته، وآخر عمن لم يضح من أمته ممن شهد لله بالتوحيد، وللنبي عليه الصلاة والسلام بالبلاغ، وهذه بشارة للفقراء الذين لا يستطيعون التضحية أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد ضحى عنهم.

اللهم إنا نسألك اتباع سنة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم اجعلنا من أهل شفاعته، وأوردنا حوضه، واجمعنا به في جنات النعيم، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، اللهم ضاعف لنا الأجور واغفر لنا يا غفور.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

التسليم لشرع الله
00:22:39

عباد الله:

إن ربنا حكيم عليم، نشهد أن لا إله إلا هو الواحد القهار سبحانه وتعالى، أشهد أن لا إله إلا هو الحي القيوم مكور الليل على النهار ومكور النهار على الليل، وهو الواحد القهار، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

هذه عقيدتنا وهذا ديننا مبني على الاستسلام لله رب العالمين، وهذا الاستسلام أيها الإخوة يجعلنا لا نعترض على النص بشيء، فالذبح لا بد منه في حِلِّ الذبيحة، ولو اعترض المعترضون من جماعات الرفق بالحيوانات في العالم اعترضوا على الذبح ماذا نقول؟ آمنا به، من عند ربنا، سلمنا واستسلمنا، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْسورة الأحزاب36ونقول لهم: ما تفعلونه أنتم من صعقها بالكهرباء، أو قتلها بالمسدس، أو تغريقها بالماء الحار خير من الذبح الذي جاءت به شريعة الإسلام! تأكلونه وقيذاً، وميتة، ونأكله حلالاً بالذبح وإنهار الدم، نأكله صحة؛ لأن خروج الدم من الذبيحة يصححها، يعني: من جهة الصحة والعافية ومصلحة الآكل والجسد، وتأكلونها أنتم يا معشر من يزعم الرفق بالحيوان تأكلونها بدمائها ميتة نجسة ضارة بأجسادكم، نحن أهل الإسلام نستسلم، إذا جاءت الشريعة بشيء لا نعترض أبداً، النبي عليه الصلاة والسلام لما قال للرجل: (أيعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده)[رواه مسلم2090]خلع مباشرة، لما خلع النبي عليه الصلاة والسلام نعليه في الصلاة خلعوا نعالهم، مع أن نعالهم ليس فيها أذى ولكن مجرد الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، لما جاء رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلين في قباء يقول لهم: إن القبلة قد تحولت من الشام إلى الكعبة استداروا وهم في الصلاة، التنفيذ عندنا فوري، وليس فيه اعتراض على دين الله.

التكافل بين المسلمين وصلة الأرحام
00:25:05

أيها المسلمون:

ونحن نتذكر في ضحايانا، وفيما نعيش فيه من النعم إخواناً لنا لا يجدون الكهرباء، ولا الماء، ولا الغاز، بل إن مصارفهم قد أقفلت البارحة لنفاد السيولة منها، لا يجدون إلا أشياء من الحطب، وقد لا يجدون لتسخين ما لديهم، والشتاء قارص، وربما يضحي الواحد منا بأكثر من أضحية، وإخوانه لا يجدون شيئاً يقتاتون عليه؛ ولذلك ينبغي للمسلمين القيام بنجدة إخوانهم على قدر المستطاع، أغثهم ولو بدعائك يا مسلم لا تعجز عن الدعاء.

وكذلك فإننا نذكر في هذه العشر العظيمة بصلة الرحم التي قطعها الكثيرون، عداوات بين الإخوة نتيجة إرث، عداوات بين أقارب نتيجة شراكات مالية، عداوات وقطيعة وشحناء.

ثم إن بر الوالدين فيه قصور ينبغي استدراكه، وهذا الأوان عندما ترسل امرأة أم تسأل وتقول، وهذا السؤال قد وصل قبل يومين تقول: ابني عاق ومدمن مخدرات، وقد وصل الأمر إلى أن تشاجرت معه حتى دعوت عليه بالموت، ونذرت إن مات أن أصوم صيام داود، وفعلاً حصل لولدها حادث سيارة، ومات، فهل يلزمني الصيام أم لا يلزمني؟

وبغض النظر عن الحكم أيها الإخوة لكن يا ترى ما الذي ألجأ العجوز إلى هذا؟ ما الذي جعلها تنذر هذا النذر؟ ما الذي جعلها تدعو على هذا الولد؟ أليس معنى ذلك أن العقوق قد بلغ مبلغه، ووصل المواصيل العظيمة؟ فأين بر الآباء؟ وأين حقوق الأمهات؟ وأين صلة الأرحام؟

يا عباد الله:

إن الله كتب علينا توحيده، وعطف على التوحيد بصلة الرحم، ورأس صلة الرحم بر الوالدين.

اللهم اجعلنا من البارين بآبائنا وأمهاتنا، يا رب العالمين اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم طهر قلوبنا وحصن فروجنا وسدد ألسنتنا.

اللهم إنا نسألك من الخير كله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم.

اللهم اجعلنا بررة أوفياء، اللهم ارزقنا عيش السعداء، وموت الشهداء، وحياة الأتقياء، ومرافقة الأنبياء، يا سميع الدعاء عجل فرجنا وفرج المسلمين، واغفر لنا أجمعين ولا تفرق جمعنا هذا إلا بذنب مغفور، وعمل مبرور، وسعي متقبل مشكور يا عزيز يا غفور.

إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

1 - رواه أحمد22115
2 - رواه مسلم1955
3 - رواه الحاكم وصححه7563
4 - رواه مسلم1317
5 - رواه مسلم2090