الجمعة 21 محرّم 1441 هـ :: 20 سبتمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

الحج والأضحية والحث على اغتنام الطاعات


عناصر المادة
الخطبة الأولى
فضائل العشر من ذي الحجة
عبادة الأضحية وأحكامها
الخطبة الثانية
حرمة دم المسلم
عالم الأسهم وما فيه من منكرات
الخطبة الأولى
00:00:07

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:

فإن حياتنا لله، قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَسورة الأنعام162-163، خلقنا لعبادته، ولا يجوز لنا أن ننسى لماذا خلقنا في غمرة الدنيا وما فيها من البهجة، والزينة، والانشغال بشهواتها، فهذه الدنيا تلهي وتطغي، وينسى الناس ما لأجله خلقهم الله عز وجل، فأما المؤمن فإنه على ذكر مما خلقه الله لأجله، فهو يسارع في العبادة، ويفرح بمواسم الخيرات والفضل، ذلك فضل الله عز وجل آتى عباده منه وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِسورة آل عمران74.

فضائل العشر من ذي الحجة
00:01:31

عباد الله:

إن من مواسم العبادات العظيمة ما سيقدم عليكم في هذه العشر العظيمة التي أقسم الله بها، والله عز وجل خالق الزمان، يفضل ما يشاء منه على ما يشاء، رب الأيام والشهور، رب الأعوام واللحظات، خص بعض الشهور والأيام والليالي بمزايا وفضائل، يعظم فيها الأجر، ويكثر فيها الفضل، وكذلك المغفرة منه تتنزل ليزداد العباد رغبة فيما عنده، وطمعاً في ثوابه، ومن فوائدها: سد الخلل، واستدراك النقص، وتعويض ما فات، فكم فاتنا من طاعة الله، وكم ذهبت علينا من عبادة، وكم قصرنا من حقه عز وجل، فيريد المسلم أن يسد الخلل، يريد شيئاً يستدرك به النقص، ويعوض ما فاته، فتأتي مثل هذه المواسم؛ كعشر ذي الحجة يتقرب فيها إلى الله، ويغتنم الفضل، ويستجيب المؤمنون لربهم، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُسورة الحجر99، قال ﷺ في فضلها: ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله منه في هذه الأيام العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء .[رواه الترمذي757]أخرجه البخاري.

وقال ﷺ: ما من عمل أزكى عند الله عز وجل ولا أعظم أجراً من خير يعمله في عشر الأضحى، قيل: ولا الجهاد في سبيل الله، قال: ولا الجهاد في سبيل الله عز وجل إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء [رواه الدارمي1774]فهذه النصوص تدل على أن هذه العشر أفضل من سائر أيام السنة بلا استثناء، حتى العشر الأواخر من رمضان، لكن ليالي العشر الأواخر أفضل من ليالي غيرها لاشتمالها على ليلة القدر، أما بالنسبة للنهار، اليوم الذي هو النهار، فإن أيام عشر ذي الحجة أفضل بنص النبي صلى الله عليه وسلم، وقد دل على أفضليتها أمور، أولاً: أن الله أقسم بها، والإقسام بالشيء دليل على أهميته عند الله عز وجل، ودليل على عظم نفعه للعباد، قال تعالى: وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ سورة الفجر1-2، قال ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف: إنها عشر ذي الحجة. قال ابن كثير: وهو الصحيح.

ثانياً: إن النبي ﷺ شهد بأنها أفضل أيام الدنيا، كما تقدم في الحديث.

ثالثاً: أنه حث فيها على العمل الصالح لشرف الزمان وشرف المكان، فأما شرف الزمان فهو عام للحجاج وغيرهم، وشرف المكان خاص لحجاج بيت الله العتيق.

رابعاً: أنه أمر فيها بكثرة التسبيح والتهليل والتكبير، كما جاء عن النبي ﷺبقوله: ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد [رواه أحمد5423]. رواه الإمام أحمد وإسناده صحيح.

خامساً: إن فيها يوم عرفة وهو يوم مشهود، الذي أكمل الله فيه الدين، وصيامه يكفر آثام سنتين.

وسادساً: أن في هذه العشر يوم النحر الذي هو أعظم أيام السنة على الإطلاق، وهو يوم الحج الأكبر.

سابعاً: أن في هذه العشر من العبادات ما لا يوجد في غيرها من أيام السنة كالأضحية والحج، تنهر الدماء لله رب العالمين، ويحجون بيته ويؤمونه من كل فج عميق، ومن الأعمال الطيبة الصالحة في هذه العشر الصيام، وفي شتائها نهار قصير وجو بارد، وفرصة وغنيمة للمسلمين، والصيام داخل في الأعمال الصالحة، وقد قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به [رواه البخاري1904]، لو صام التسع كلها فهو طيب، ولو صام بعضها فهو طيب، وكذلك يشرع فيها الإكثار من ذكر الله في سائر الأماكن، وأن يجهر بذلك في المنازل، والمساجد، والطرقات، تكبير، وتحميد، وتهليل، وتسبيح، وفيها كذلك هذا الذكر المطلق والمقيد بالنسبة لأهل البلدان، وهذا التكبير والذكر يجهر به الرجال، وقال سبحانه وتعالى: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِسورة الحج27، فهو يذكرون في هذه الأيام المعلومات، ثم يأتي يوم الذبح فيذبحون، وجمهور العلماء على أن الأيام المعلومات هي أيام العشر، عشر ذي الحجة التي سنقدم عليها إن شاء الله، وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: الأيام المعلومات هي أيام العشر.

وصفة التكبير: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. وفيه أيضاً صفات أخر.

 

التكبير في هذا الزمان صار من السنن المهجورة، مع أن الصحابة رضوان الله عليهم، كانوا يفعلونه ويخرجون إلى مجامع الناس لتذكيرهم، وقد ثبت أن ابن عمر وأبا هريرة رضي الله عنهما كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما، ويا ليت القائمين على شبكات أجهزة الحاسب يذكرون الناس وقد صارت الحواسيب في المكاتب، والبيوت، في التجارة، وفي أنواع المراجعات وغيرها، فتظهر هذه العبارات على الشاشة تذكر الناس بالتكبير، وهذا من الأمور الطيبة التي يفعلها مشرفو هذه الأجهزة في تذكير الناس بالعبادات في مثل هذه الأوقات.

وكذلك برسائل الجوالات استناناً بما فعله ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما عندما كانا يذكران الناس بالتكبير، فتذكير الناس بالتكبير في هذه العشر بكل وسيلة مباحة يحقق المقصود الشرعي، والمراد أن الناس يتذكرون التكبير فيكبر كل واحد بمفرده، وليس المراد التكبير الجماعي الذي يجتمعون عليه بصوت واحد فليس هذا من السنة، مثل أن يكونوا كالفرقة يكبرون معاً بصوت واحد، وإنما المقصود أن يسمع هذا صوت التكبير فيكبر، ويسمع الآخر صوت الأول فيقتدي به ويكبر، وهكذا يتذكر الثالث، والناسي، ويتعلم الجاهل، فيكبر كل بمفرده.

عباد الله:

إن إحياء ما اندثر من السنن، أو كاد أن يندثر فيه ثواب عظيم، ومن الأعمال العظيمة جداً في هذه العشر أداء العمرة والحج، أن يؤم بيت الله استجابة لأمره، وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّسورة الحـج27، وهكذا كان الخليل عليه السلام منفذاً لأمر الله تعالى، فأسمع الله الخلائق صوته فجاءت من كل فج عميق، ومن وفقه الله تعالى لحج بيته وقام بأداء نسكه كما أمر الله فهو ما أخبر عنه النبي ﷺ بقوله: الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة [رواه البخاري1773].

وفي هذه العشر يسن الإكثار من الأعمال الصالحة عموماً؛ كالصدقة، وصلة الرحم، وبر الوالدين، والإحسان إلى الجيران، وإكرام الزوجة، ورعاية الأولاد، وكذلك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم العلم، والنصيحة في الدين، والدعوة إلى الله، وكذا دعاؤه تعالى، وقراءة كتابه، وتلاوة كلامه، وذكره عز وجل، وكذلك في هذه العشر العبادة العظيمة التي فيها توحيد لله بإنهار الدماء له عز وجل، وعلى اسمه "الأضحية"، والتقرب إلى الله بإعدادها، واستسمانها، واستحسانها، وبذل المال فيها قربة إليه، هذه الأضحية التي تخالف عمل المشركين الذين يذبحون لآلهتهم ولأصنامهم، فجاء هذا الدين بإقرار ما شرعه الله لإبراهيم عليه السلام.

عباد الله:

في العشر تباعد عن السيئات، ورجوع إلى الله، وترك للمنكرات، تطهير للبيوت والنفوس والقلوب، وكذلك فإن التوبة في الأزمنة الفاضلة أجدر وأولى وأحرى بالقبول من الله عز وجل، فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَسورة القصص67، وعلى المسلم أن ينتهز الفرصة فإن الثواب قريب، والرحيل قريب، والطريق مخوف، والاغترار غالب، والخطب عظيم والله تعالى بالمرصاد، وإليه المرجع والمآب، الغنيمة الغنيمة في انتهاز هذه الفرصة العظيمة.

عباد الله:

المبادرة المبادرة بالعمل، والعجل العجل قبل هجوم الأجل، قبل أن يصير المحبوس في حفرته بما قدم من عمل، ويحول الموت بين المؤمل وبلوغ الأمل، يا من ظلمة قلبه كالليل إذا يسري أما آن لقلبك أن يستنير، فتعرض  لنفحات مولاك في هذه العشر، فإن لله فيه نفحات، يصيب بها من يشاء، فمن أصابته سعد يوم الدين.

عبادة الأضحية وأحكامها
00:15:16

عباد الله:

هذه الأضحية التي تذبح من بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم تقرباً إلى الله، أهل البلدان في بلدانهم، وأما الحاج فله الهدي، ولو كان مفرداً فيستحب له الهدي ولا يجب، وإذا ترك الحاج في أهله شيئاً يضحون به في بلدهم فهذا حسن، ولا يجب عليه، فيكفيه هديه عن الأضحية.

والأضحية سنة مؤكدة في أكثر قول أهل العلم، وقال بعضهم بوجوبها، وخصوصاً على المقتدر الغني، ويشرك من يشاء في ثوابها من الأحياء والأموات، وأضحية الميت تنفذ كما أمر إن ترك مالاً.

هذه الأضحية لا تجزئ الصدقة بثمنها، فإن إنهار الدم عبادة مقصودة، والتصدق باللحم أفضل من التصدق بالقيمة؛ لأن النبي ﷺ ضحى ولم يتصدق بقيمة الأضحية، والنبي ﷺ لا يفعل إلا ما هو الأولى والأفضل، وإذا ترك من ذلك شيء فلأمر هو أولى.

عباد الله:

تجزئ الشاة عن الواحد من أهل بيته وعياله مهما كثروا، قال أبو أيوب: كان الرجل في عهد رسول الله ﷺ يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته.

وهذه الأضحية إذا أراد الإنسان أن يقوم بها ونوى ذلك فإنه بمجرد دخول ذي الحجة يمسك عن شعره، وأظفاره، وبشرته إلى أن يذبح أضحيته، قال ﷺ: إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمس عن شعره وأظفاره حتى يضحي [رواه مسلم1977]، وفي رواية فلا يمس من شعره وبشرته شيئاً [رواه مسلم1977]أخرجه مسلم من أربعة طرق.

من رحمة الله وفضله أنه جعل لأهل البلدان شيئاً يشاركون به حجاج بيت الله الحرام، فالمحرم يمسك عن أشياء، فهو يمسك عن الشعر، والأظفار، وينزع المخيط، ويمسك عن الطيب، والنساء، وعقد النكاح، ونحو ذلك من الأمور المحظورة عليه كالصيد، وأما المسلمون في البلدان، فلا يمتنعون إلا عن الشعر والأظفار والبشرة، وأما الأمور الأخرى من النساء، والطيب، والمخيط فهي حلال عليهم، لا يمنعون منها، وقد قال ﷺ: إذا رأيتم هلال ذي الحجة [رواه مسلم1977]فإذن هذا هو وقت الإمساك، والامتناع عن الأخذ بمجرد رؤية هلاله، أو الإعلان عن رؤية الهلال، والليلة تبدأ قبل اليوم، فإذا غربت شمس آخر يوم من ذي القعدة دخل ذو الحجة، ويعرف ذلك برؤية الهلال، هذه الرؤية التي علق الشرع عليها الحكم، وهذا الأمر الوارد في الحديث فليمسك عن شعره وأظفاره الراجح فيه أنه للوجوب، وأن النهي الوارد في قوله:  فلا يمس من شعره وبشرته للمنع والتحريم؛ لأنه ما في الحقيقة أمر مطلق ونهي مجرد لا صارف لهما، ولكن من تعمد فعل شيء من ذلك فعليه أن يتوب إلى الله، وأن يستغفره ولا فدية عليه، ويذبح أضحيته، وبعض الخاسرين المهضومين المساكين ربما ترك عبادة عظيمة بما فيها من الفضل، والأجر العظيم لأجل أنه لا يصبر عن شعره، وهذا من الغبن الكبير، ومن احتاج إلى أخذ شيء لتضرره ببقاءه، أو أخذ شيئاً من الشعر لعلاج أو دواء أو عملية ونحوها فإنه لا حرج عليه، وكذا لا حرج من الاغتسال ومن الامتشاط، وهذا الحكم لا يلزم إلا صاحب الأضحية الذي يدفع ثمنها،  فأما أهله، وأولاده، وزوجته، وكذلك الوكيل الذي أخذ المال لينفذ الوكالة، والجزار الذي يذبح فإنه لا يلزمه، لا يلزم إلا من له أضحية، فصاحب المال هو الذي يلزمه هذا الحق.

عباد الله:

ومن دخلت عليه العشر وقد أخذ من شعره شيئاً ثم أراد أن يضحي أثناء العشر فإنه يمسك من حين ينوي ويريد، فإذا أراد أمسك، وبعض الناس يوكلون غيرهم جهلاً منهم بزعمهم أن هذا التوكيل يخرجه من الحكم، والحقيقة أن التوكيل لا يخرجه؛ لأن الحكم متعلق بصاحب الأضحية، وهو صاحب الأضحية، يا عبد الله، إذا عزمت على الحج ولك أضحية في البلد فأحرص على أن تأخذ من شعرك وأظفارك قبل دخول العشر؛ لأنك حاج وصاحب أضحية، وفي هذه الحال لا تأخذ من شعرك إلا في التحلل للعمرة عمرة التمتع، وأما إذا لم يكن لك أضحية وعندك هدي فإنك تأخذ من شعرك وأظفارك إلى أن تحرم، ولا يلزمك ما يلزم المضحون في البلد، الحاج إذن قد يكون له أضحية وهدي، فيترك ما في بلده لأهله أو يرسله إلى بلد آخر ليضحى عنه في ذلك البلد، فيلزمه ما يلزم المضحي، فمتى يأخذ من الشعر؟

الجواب: فقط عند التحلل من عمرة التمتع إلى أن تذبح أضحيته، والحاج الثاني لم يريد الأضحية وإنما اكتفى بالهدي، وهذا ما فعله النبيﷺ، فإنه عندما حج أهدى، فهذا لا يلزمه ما يلزم المضحي، وإنما يأخذ من شعره، وأظفاره عند إرادة الإحرام قبل أن ينوي، ثم بعد ذلك يمسك إذا نوى وأحرم، والحاج الثالث لا أضحية له ولا هدي كمن حج مفرداً وليس له أضحية، فهذا كذلك يمسك عند إحرامه.

عباد الله:

إن معرفة الأحكام الشرعية مهمة للمسلم، وهو يريد القيام بهذه العبادات العظيمة، وينبغي على من أراد حج بيت الله، أن يراجع نفسه، ويتزود من التقوى، وأن تكون النفقة من المال الحلال، ويوطن نفسه على الابتعاد عن الفسق والإثم، وأن يأتي بالمناسك كما أمر الله، وأن لا يرائي وإنما يخلص لرب العالمين، من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه [رواه مسلم1350]، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل عملنا، وأن يضاعف أجرنا، وأن يكفر عنا سيئاتنا، اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا ذنوبنا أجمعين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو التواب الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
00:24:31

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم صل وسلم وبارك على محمد نبيك وعبدك، ومصطفاك من خلقك، وأمينك على وحيك، صاحب لواء الحمد، والمقام المحمود، والشافع المشفع يوم الدين.

حرمة دم المسلم
00:25:10

عباد الله:

نحن في أشهر عظيمة وذو القعدة منها أيضاً، إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَسورة التوبة36.

الأشهر الحرم ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، وقد قال تعالى: فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ، فما هو ظلم النفس في هذه الأشهر؟

أن تمر دون ازدياد من الحسنات، وترك للسيئات، فإذا فرط في التزود من الحسنات ووقع في السيئات فقد ظلم، فقوله: فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْلا تبخسوها حقها، وكيف يبخس الإنسان نفسه وحق نفسه في هذه الأشهر الحرم، بتفويت الحسنات والوقوع في السيئات، فيكون قد ظلم نفسه، وبخسها حقها.

عباد الله:

وإن هذه الأعمال الصالحة ولا شك يوافق هذه الأشهر الحرم فيزداد الأجر ويعظم عند الله؛ لأنه يعظم في المكان الفاضل والزمان الفاضل، ومما ساءنا ما وقع في هذه الأشهر الحرم من إراقة دماء المسلمين، وكان هذا الدم الذي يسيل من دماء المسلمين هذا ولا شك جرم محرم، وقد عز وجل: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًاسورة النساء93، وقال النبي ﷺ: لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مؤمن بغير حق [رواه النسائي3987]، فمن تعرض لغزو المسلم وسفك دمه بغير جرم اقترفه فإنه يكون قد ولغ في هذه الجريمة العظيمة، وإذا كان مجرد الإشارة إلى المسلم بحديدة يسبب لعن الملائكة لمن فعل ذلك فكيف إذا أراق دمه؟ قال ﷺ: من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعها وإن كان أخاه لأبيه وأمه [رواه مسلم2616]رواه مسلم.

ورجال الأمن وغيرهم من المسلمين في المجتمع من عامة المسلمين الأصل في دمائهم الحرمة، وقد قال النبي ﷺ: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا [رواه البخاري67]، وقال ﷺ: ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة وأول دم أضعه من دمائنا دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب [رواه أبو داود1905]، فأول ما يقضى يوم القيامة فيه بين الناس في الدماء، كما أخبر ﷺ وقال لنا: لن يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً [رواه البخاري6862]. ومعنى فسحة يعني سعة، (من دينه) إشعار بالوعيد لمن قتل مؤمناً متعمداً، وقوله: ما لم يصب  وفي رواية (ما لم يتندَّ بدم حرام [رواه ابن ماجه2618]، والإصابة المخالطة، وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّسورة الإسراء33،   لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مؤمن بغير حق [رواه النسائي3987].

يقول عبد الله بن عمر: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة، ويقول: ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ماله ودمه وأن نظن به إلا خيراً .[رواه ابن ماجه3932]رواه ابن ماجه وهو حديث صحيح لغيره.

وقال ابن عمر: "إن من ورطات الأمور، والورطة هي التي إذا وقع الإنسان فيها لم يخرج منها، إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله"، فإلى متى سيبقى الدم المسلم المحرم يسفك؟ وإلى متى سنبقى نشهد هذه الأعمال التي فيها إراقة الدماء في بلدنا، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعصم بلاد المسلمين، نسأل الله عز وجل أن يثبت الأمن في بلادنا وبلاد المسلمين، نسأل الله تعالى أن يبعد الفتنة عنا وعن المسلمين.

عباد الله:

فتن عظيمة والله وسفك دم امرئ مسلم واحد بهذا القدر، وبهذه الشدة التي جاءت بها النصوص الشرعية، ثم إن الإخلال بالأمن لا مصلحة للمسلمين فيه، بل هو المضرة العظيمة، بل هو الضرر الكبير، وإذا كان من هؤلاء المسلمين من يحمي الحمى، ويحرس المسلمين فيكون الاعتداء عليه وهو يحرس المسلمين جرماً مضاعفاً، فلا يجوز الاعتداء على رجال الأمن الذين يحرسون المسلمين، ويؤمنون الطرق، ويحمون الأموال، والدماء، والمراكب، والنفوس، فنسأل الله الرحمة والمغفرة لكل مسلم مات على التوحيد، ونسأله عز وجل أن يخلف لأهليهم بخير وأولادهم.

عالم الأسهم وما فيه من منكرات
00:32:16

عباد الله:

إن من الأمور المشاهدة في الأيام المنصرمة الإقبال الشديد، والتدافع العجيب، والتكالب الغريب، وكذلك ما حدث من بعض الفوضى، والتشاجر عند أبواب المصارف إقبالاً على الاكتتابات في أسهم بعض الشركات، إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًاسورة المعارج19، الطمع فيه، الشح في نفسه، الحرص على الدنيا، الولع بها، زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ سورة آل عمران14حب الشهوات زين في قلوبهم، مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِسورة آل عمران14، سبع من أنواع متاع الدنيا أشارت إليه الآية، النساء، والبنين، الذهب، والفضة، والخيل المسومة المعلمة المزينة، والأنعام من الإبل والبقر والغنم، والحرث الزراعة، هذا الذهب والفضة، وهذه الأسهم التي تطور بالذهب والفضة زينت في قلوب الناس، فجشعهم شديد، وطمعهم في الحصول على تلك الأسهم واقتتال على الدور، وظن بأن المبكر يحصل على أكثر مما يحصل عليه غيره، إغلاق منافذ، والطوابير طويلة، وحالات من الإرباك والفوضى، وتدخل الشرطة لفض الاشتباك، وتستعين البنوك برجال الأمن لتنظيم الناس بعد أن فقدوا القدرة على تنظيمهم، انتهاء الأرقام، وتوقف أجهزة، وهكذا مما يحصل حتى في فروع المصارف النسائية من الملاسنات، والمشاتمات، والملاعنات، والمشاجرات، والهرج والمرج، والتدافع، وكسر الباب، والصراخ والعويل، وهذا يريد واسطة، وهذا يريد التقدم على غيره، اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًاسورة الحديد20، قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِسورة آل عمران15.

عباد الله:

إنه هلع عجيب، وقبل ذلك أيضاً أناس قد سافروا وبذلوا العناء والمركب الصعب، وباتوا في الحدائق والمساجد وعلى الشواطئ كل يسعى لنيل سهم الاكتتاب أنه سيتضاعف ويحصل على كذا وكذا، وإشاعات وشائعات، وهذا يأخذ اسم زوجته ليكتتب به، فإذا ذهبت لتكتتب قيل لها: إن رقمك مأخوذ، وهكذا وهكذا مما حصل من الأشياء العجيبة الدالة على هلع الناس وعلى الدنيا وتقاتلهم عليها، أشياء تدل على شدة التعلق بالدنيا، وأحياناً تكون النتيجة أغلى مما يدفع، وأحياناً تكون أقل مما دفع، وبعضهم يقترض بالربا يكتتب ثم يخسر أو لا يفي المال الذي يعود عليه لتسديد الربا الذي تراكم عليه.

عباد الله:

تحتاج نفوسنا للتربية، تحتاج النفوس إلى محاربة هذا التعلق بالدنيا، الزهد ترك الرغبة فيما لا ينفع في الدنيا ولا في الآخرة.

عباد الله:

لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا، ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بنظرين، الأول: النظر في الدنيا وسرعة زوالها، وفنائها، ونقصها، وفسادها، والنظر الثاني: النظر في الآخرة وإقبالها وبقائها ودوامها.

 

قيل لأحد السلف: ما سر زهدك في الدنيا؟ قال: أربع، علمت أن رزقي لا يأخذه أحد غيري فاطمأن قلبي، وعلمت أن عملي لا يقوم به أحد سواي فاشتغلت به، وعلمت أن الموت لا شك قادم فاستعددت له، وعلمت أني لا محالة مسؤول واقف بين يدي ربي فجعلت أعد للسؤال جواباً.

وليس معنى الزهد يا عباد الله أن يجحد المرء خيراً ساقه الله إليه، ولا أن يترك فرصة مباحة قدرها الله له، أو ساقها الله إليه، كان سليمان وداود عليهما السلام من أزهد أهل زمانهما ولهما من المال والملك والنساء ما لهما، وكان نبينا ﷺ من أزهد البشر، وله تسع نسوة، وكان علي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف والزبير وعثمان من الزهاد ولهم أموال.

والمذموم هو صرف الهمم والجهود في الدنيا والإعراض عن الآخرة، المذموم أن يقاتل من أجل الدنيا، أن يغضب لأجل الدنيا، ويرضى لأجل الدنيا، أن يرتكب الحرام لأجل الدنيا.

عباد الله:

هذا الذي يحدث الآن في عالم المساهمات شيء عجيب والله، وجدير بالتذكير، وأن يسأل المرء نفسه على ماذا كل هذا؟ وهل فعلاً ما يبذل يساوي النتيجة، يندفعون اندفاعات عجيبة، ومعلوم أن هناك تخصيص، ومع ذلك بعضهم يقول: لعلي أفوز وأحظى بأكثر، ولعل المبكر يأخذ أكثر، ولعل المكتتب في المكان يأخذ أكثر من المكتتب عن طريق الإنترنت والهاتف، وهكذا، ويضيع الناس في الأسهم.

يا عبد الله:

لا تحزن إذا خسرت، ولا تتحسر إذا فاتك ربح، ولا تفرح وتغتر إذا ربحت، ولا تشغل وقتك كله بالأسهم، وتحرى المال الحلال، واحذر من الانسياق وراء الشائعات، وهنالك في عالم الأسهم مرجفون ومخذلون، ومن يتعمد نشر الإشاعات لأجل رفع الأسهم، وجيوش من المتآمرين، فإن عالم الأسهم اليوم من أفسق العوالم، ليس فيه من الصدق، والأمانة، والوضوح إلا القليل، تكالب الناس عليه، ارتفاع المؤشرات، ولا يزالون يقولون: سترتفع وترتفع، فلا تغتر يا عبد الله بقرض محرم، ولا تطالب بأموال الآخرين، وأنت تحمل في رقبتك هذا الحمل العظيم، ولا تسرف، فبعض الناس يجازف ويغامر بأموال غيره، ولا تطمع فلن يأتيك إلا ما كتب الله لك، وإذا رزقك الله يوماً رزقاً بمكسب ممتاز غير متوقع فإن الطمع قد يذهبه في لحظة، وإذا اشترى إنسان شيئاً فإنه يستشير أهل الخبرة، وبذل الرأي صدقة، وتظهر في هذه الأسهم أخلاق الناس، فيظهر يأس هذا وإحباطه، وتظهر عجلة هذا وعدم تأنيه، ويظهر تهور هذا وطيشه، وفي المقابل تظهر أناة هذا وصبره، وفي المقابل يظهر كيف تتغير القناعات بسرعة، وهذا بادي الرأي يخوض ويغامر بلا تروٍ، وكذلك يظهر من أنواع المنكرات ما يجعل الإنسان يراجع نفسه من الدخول في بعض هذه الأشياء، فيقولون: ليس بالضرورة إذا أجريت عملية على الشاشة أن يكون السعر الذي ظهر أمامك هو السعر الذي ستتم به العملية، عجباً كيف هذا؟ الجهاز قد ينفذ بسعر أقل مما تراه على الشاشة، وتراكمات وتضاعفات تؤدي إلى أن تتم العملية بسعر غير السعر الذي ظهر أمامك، فالسؤال الآن ما حكم إجراء العمليات، يجعل الإنسان يجري عملية على سعر فإذا بها هي تتم بسعر آخر؟ ولذلك فإن هذا العالم، عالم الأسهم اليوم مليء بالمحرمات، ومليء بالمشتبهات، ومليء بأنواع البيوع التي لا تجوز، ومليء بأشياء بغير الرضا تتم، وأشياء يقسر عليها بعضهم قسراً، وأخذ بعض المصالح ما ليس بحق لها، ودخول الناس في عمليات ظلمات بعضها فوق بعض، ولذلك فإن على المسلم أن يدرس قبل الدخول فيه ليتبين، فإن هذه القضية كسب عليه مدار نجاة جسده يوم القيامة، كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به [رواه أحمد14860]، فإذا وجد شيئاً نظيفاً طيباً يدخل فيه على بينه بشروط البيع الشرعي، وإلا فلا يورط نفسه.

اللهم اجعلنا مكسبنا حلال، ومطعمنا حلال، ومشربنا حلال، ووفقنا لما يرضيك، وباعد بيننا وبين ما يغضبك، واجعلنا ممن أردت بهم خيراً، ووفقنا لليسرى وجنبنا العسرى، أحيينا مسلمين، وتوفنا مؤمنين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

1 - رواه الترمذي757
2 - رواه الدارمي1774
3 - رواه أحمد5423
4 - رواه البخاري1904
5 - رواه البخاري1773
6 - رواه مسلم1977
7 - رواه مسلم1977
8 - رواه مسلم1977
9 - رواه مسلم1350
10 - رواه النسائي3987
11 - رواه مسلم2616
12 - رواه البخاري67
13 - رواه أبو داود1905
14 - رواه البخاري6862
15 - رواه ابن ماجه2618
16 - رواه النسائي3987
17 - رواه ابن ماجه3932
18 - رواه أحمد14860