الجمعة 16 ربيع الآخر 1441 هـ :: 13 ديسمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

قواعد وضوابط في الترفيه واللعب


عناصر المادة
تعريف اللهو واللعب
الترويح عن النفس بالمباح
الترويح عن الأولاد
الترويح عن الكبار
مفهوم الترفيه والترويح في هذا العصر
قواعد وضوابط الترفيه واللعب

 

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

قال تعالى: وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَسورة العنكبوت:64 أي: الحياة الحقيقية الدائمة.

 

تعريف اللهو واللعب
00:00:39

 

واللهو: ما كان من الأعمال غير الجادة، وغير المقصودة لغاية بذاتها، وما شغلك فقد ألهاك، واللعب ما لا ينتفع به.

ذم رجل الدنيا عند علي رضي الله عنه فقال: "الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها".

واللهو واللعب غرور، ولذلك كان الكفار في حياتهم يتفرغون لهذا؛ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، فليس عندهم إلا هذه الدنيا فهي فرصتهم الوحيدة في اعتقادهم، فلذلك يلهون فيها ويلعبون، فبالنسبة لهم هذا هو الأمل.

عباد الله:

اللعب واللهو كثر اقترانه في الكتاب العزيز، واللعب زمن الصبا، واللهو زمن الشباب كما قال بعضهم.

وتفاخر وتكاثر هكذا تلهي الدنيا بزخرفها عن الآخرة، وفرق بين هذا، وبين ما يحتاجه الأولاد من اللعب، فإن من جعل الدنيا كلها لهواً ولعباً فهو مذموم مغرور

 
من جعل الدنيا كلها لهواً ولعباً فهو مذموم مغرور
 

، وأما من خص هؤلاء الأولاد بالمباح من اللعب المناسب لسنهم وحالهم، فإنه محمود حكيم.

 

الترويح عن النفس بالمباح
00:02:26

 

والترويح: هو الفسحة، والانبساط، وإزالة التعب، والمشقة، ويحتاجه الناس إذا كثرت الهموم والأعمال عليهم، والمسلم وإن كان جاداً لا يعرف الكسل والإهمال، ولا يؤثر الراحة والدعة، ويكون مجتهداً في طاعة الله؛ فإنه يحتاج إلى فترات استرواح.

قال ابن القيم رحمه الله: "وعمارة الوقت الاشتغال في جميع آنائه بما يقرب إلى الله، أو يعين على ذلك، من مأكل، أو مشرب، أو منكح، أو منام، أو راحة، فإنه متى أخذها بنية القوة على ما يحبه الله، وتجنب ما يسخطه كانت من عمارة الوقت، وإن كان له فيها أتم لذة، فلا تحسب عمارة الوقت بهجر اللذات والطيبات" .

فأوقات المسلم عبادة إلى عبادة ومن طاعة إلى أخرى.

أيها المسلمون:

هذه الإجازة وما فيها يقبل كثير من الناس على الترويح، وأنواع اللعب، ويعدونها فرصة لكي ينتقلوا بالأولاد من مكان إلى مكان ترويحاً وتسلية، ولا شك أن من قصد وجه الله تعالى بهذا في إدخال السرور على من يرعى من المسلمين من هؤلاء الأولاد المحتاجين إلى ذلك؛ لأن أسنانهم تدعو الحاجة فيها إلى إشباع غريزة اللعب لديهم، وإلى أن يكون لهم أنواع من الترفيه والتسلية؛ فإنه يكون حينذاك مأجور عليه.

ولا شك أن المسلم في مسجده، وحلقة درسه، وفي الدعوة مع إخوانه؛ له شأن وحال تختلف عما يكون بين أولاده وأهله, لقي أبو بكر رضي الله عنه حنظلة فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: نافق حنظلة، فقال أبو بكر: سبحان الله! ما تقول؟ قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج، والأولاد، والضيعات، فنسينا كثيراً، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فاشتكيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم حالهما: نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج، والأولاد، والضيعات، فنسينا كثيراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة) ثلاث مرات.

قال الأُبي رحمه الله: سنة الله تعالى في عالم الإنسان أن جعله متوسطاً بين عالم الملائكة، وعالم الشياطين، فمكَّن الملائكة في الخير بحيث يفعلون ما يؤمرون، ويسبحون الليل والنهار لا يفترون، ومكَّن الشياطين في الشر والإغواء بحيث لا يغفلون، وجعل عالم الإنسان متلوناً.

ومعنى قوله: (يا حنظلة ساعة وساعة) قال العلماء: أي لا يكون الرجل منافقاً بأن يكون في وقت على الحضور وفي وقت على الفتور، ففي ساعة الحضور تؤدون حقوق ربكم، وفي ساعة الفتور تقضون حظوظ أنفسكم في المباحات.

فليس العتب على من أراح نفسه وأجمها بالمباح لتنشط للعبادة، وللدعوة، ولطلب العلم، ولصلة الرحم، وللقيام بخدمة الشريعة، والدعوة للإسلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونفع المسلمين، والاشتغال بسد حاجاتهم، لكن العتب على من يجعل اللهو واللعب هو الأساس في حياته فعلاً، وإليه تنصرف مجمل أوقاته، وغالب حياته على هذه التسليات، والترفيهات

 
العتب على من يجعل اللهو واللعب هو الأساس في حياته فعلاً، وإليه تنصرف مجمل أوقاته، وغالب حياته على هذه التسليات، والترفيهات
 

، ثم يكون للعبادة شيء يسير، أو للدعوة شيء يسير هذا إذا كان، أو للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شيء لا يذكر، أو لطلب العلم كذلك، فلا شك أنه مفرط ومضيع؛ لأنه جعل الأصل طارئاً، والطارئ أصلاً، وجعل التسلية والترفيه في المباح لكي تنشط النفس للطاعة؛ هو الأكثر، وجعل الطاعة هي الأقل.

 

الترويح عن الأولاد
00:07:47

 

وأما بالنسبة للأطفال فإن الأمر مختلف، فإن الله سبحانه وتعالى خلقهم على محبة اللعب، وليس عندهم من العقل ما يدركون به الأمور الكبار لينشغلوا فيها، فليس عند الطفل من العقل ما يقوم به بالدعوة، وطلب العلم، والجهاد، والقيام بأمور الدين، والسعي في حاجات المسلمين، ونحو ذلك، ولذلك كان من السنة أن يجعل لهؤلاء من الألعاب ما يناسبهم، تقول عائشة رضي الله عنها وهي بنت ست سنين: "وإني لفي أرجوحة ومعي صواحب لي" وذكرت القصة، وهذا هو الشاهد منها، أنه كانت لها أرجوحة، وصواحب، وهي بنت ست سنين، وهذا شأن طبيعي للفتاة.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل يتقمعن منه فيسربهن إليَّ فيلعبن معي" .

وهكذا أبيحت العرائس في لعب البنات بالشروط الشرعية؛ كعرائس العهن من الصوف، ونحو ذلك مما ليست فيه هذه التفصيلات الدقيقة، ولكنه الهيكل العام الذي تكون به لعبة تتدرب بها هذه الفتاة على مشاعر الأمومة ورعايتها، وقد أجاز العلماء للبنات اللعب بهذه العرائس لتدريبهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن، ولما كبرت عائشة رضي الله عنها عند النبي صلى الله عليه وسلم سابقها ، دليلاً على الترويح المباح للأهل، وخصوصاً في السفر الذي يحصل فيه ملل للنفوس، فسابقها في السفر، وهكذا سابقها مرة أخرى.

وكان من الأدلة على أن هذه الألعاب تتخذ للتصبير على العبادة، ما روته الربيع بنت معوذ قالت: "أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار، (من أصبح مفطراً فليتم بقيت صومه) قالت: فكنا نصومه ونصوِّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار" .

قال علي رضي الله عنه: "روحوا القلوب ساعة فإنها إذا أكرهت عميت"، وقال: "روحوا القلوب، وابتغوا لها طرف الحكمة، فإنها تمل كما تمل الأبدان".

 

الترويح عن الكبار
00:10:47

 

فللكبار ترويح يناسب حالهم، كما أن للصغار ترويح يناسبهم، فإذا كان ترويح عائشة بالُلعب، والأرجوحة، فإن ترويح العلماء عن أنفسهم كان بالشعر، والقصص، هذا مما كان يجمهم لكي يشرعوا في الأمور العظيمة بعد ذلك من العلم.

وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لهم مزاح مع بعضهم، وخصوصاً في الأسفار، وكانوا يتبادحون بالبطيخ، والتبادح الترامي بشيء رخو، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال، وهكذا طلب عمر رضي الله عنه من ابن عباس رضي الله عنهما في طريق السفر لما مر على عين ماء قال: "تعال أباقيك أينا أطول نفساً" أي: يغطسان في الماء معاً لينظر كل واحد منهما من الأطول نفساً من الآخر، ومن يستطيع أن يلبث مدة أطول تحت الماء، وكان عمر شيخاً، وكان ابن عباس شاباً حدثاً، هذا من المعاني التربوية التي كانت على عهد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ابن سيرين يداعب أصحابه، وكذلك كان الأعمش يمازحهم.

فهكذا كان المزاح المباح بينهم لكي ينشطوا في العلم، ولكي يسهروا في طلبه، وتحصيله، وحفظه، وسماعه، وروايته، وهكذا.

فماذا حصل في مفهوم الترفيه والترويح في هذا الزمن؟

عباد الله:

 

مفهوم الترفيه والترويح في هذا العصر
00:12:46

 

لقد صار أصلاً بعد أن كان شيئاً يؤخذ منه بقدر، صار التفنن والتنوع فيه أمراً عجيباً، ونظراً لمذهب الكفار في هذا، فالحياة الدنيا عندهم لعب ولهو،يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُسورة محمد:12، هذه الدنيا بالنسبة لهم، فهم نوّعوا فيها، وتفننوا في صناعة الترفيه بناء على مذهبهم، وصدروا إلينا كل ذلك، ونحن أمة لنا رسالة، ولنا هدف، ونسعى لطاعة الله، فلا يليق بنا أن نسير مسار الكفار في هذا، وليس كل ما أنتجوه مناسب لنا، وليست الساعات الطويلة التي يستغرقونها في اللهو واللعب تناسبنا، والعجيب أنهم قوم في أمور الدنيا ينشطون، ويتعبون، ويخلصون في الأعمال؛ في الوظائف، في المصانع، في المكاتب، ثم بعد ذلك يقضون بقية يومهم في لعب، ولهو، ونوم، وشهوات، ونحن عند بعضنا كسل، وسوء عمل في نهاره؛ في الوظائف، وأنواع الأشغال التي يكسب منها رزقه، أو يدرس فيها، ثم في بقية اليوم نشابههم في اللعب، واللهو، والنوم، والاشتغال بالشهوات، فلا نحن أخذنا جدهم في الدنيا، ولا نحن أخذنا جد أسلافنا في الآخرة، هذا الأمر الذي صار في كثير من المسلمين لا هم أخذوا بجد الغرب في العمل، ولا هم أخذوا بجد أسلافهم في أمور الآخرة، فماذا صارت حالهم؟ فلا تعجب بعد ذلك من حصول التخلف عند كثير من المسلمين.

عباد الله:

إن اللعب المباح - للأطفال والأولاد- الذي يفرغ الطاقة التي تكون حبيسة في أجسامهم، ومن المناسب لاستقرار نفوسهم أن تنطلق في هذه الألعاب المباحة، ونطرد عنهم الملل، والضجر، وضيق الصدر، بل أحياناً يكون بعض العمال في حاجة إلى هذا، قال ابن الجوزي رحمه الله: "مر بي حمالان تحت جذع ثقيل، وهما يتجاوبان بإنشاد الشعر، وكلمات الاستراحة، فأحدهما يصغي إلى ما يقوله الآخر ثم يعيده أو يجيء بمثله وهكذا، فرأيت أنهما لو لم يفعلا هذا زادت المشقة عليهما، وثقل الأمر، فتأملت السبب في ذلك، فإذا به تعليق فكر كل واحد منهما بما يقوله الآخر، وإجالة فكره في الجواب بمثل ذلك، فينقطع الطريق، وينسى ثقل المحمول، وهكذا التكاليف الصعبة تحتاج إلى شيء يرافقها" .

قال صاحب الفنون رحمه الله يرد على من زعم أن الدين ليس فيه مجال للترفيه المباح: ما أدري ما أقول في هؤلاء المتشدقين بما لا يقتضيه شرع، ولا عقل، يقبحون أكثر المباحات، ويبجلون تاركها، حتى تارك التأهل والنكاح، والعبرة في العقل والشرع إعطاء العقل حقه من التدبر، والتفكر، والاستدلال، والنظر، والإعداد للعواقب

 
والعبرة في العقل والشرع إعطاء العقل حقه من التدبر، والتفكر، والاستدلال، والنظر، والإعداد للعواقب
 

، وكان عليه الصلاة والسلام يلاعب الحسن والحسين، ويداعبهما، وسابق عائشة، ويداري زوجاته.. إلى أن قال: والعاقل إذا خلا بزوجاته وإمائه ترك العقل في زاوية، وداعب، ومازح، وهازل ليعطي الزوجة، فليس العالم في المسجد كالعالم عند زوجته.

عباد الله:

لقد ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (كل ما يلهو به الرجل المسلم باطل إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله فإنهن من الحق) ، وليس المراد بقوله: (باطل) أنه حرام، وإنما المقصود أنه عارٍ عن الثواب، وأطلق البطلان على ما عدا هذه الأشياء ليبين فضل هذه الأشياء؛ لأن الرماية، وتأديب الفرس مما يعين على الجهاد، وملاعبة الأهل مما يعين على استدامة العشرة بين الزوجين، والإنسان يحتاج إلى هذا في الجبهة الداخلية، وللآخر في الجبهة الخارجية، ولذلك جاء التأكيد عليهما.

أيها المسلمون:

إن من العجائب في هذا الزمان ما ينفق على الترويح

 
من العجائب في هذا الزمان ما ينفق على الترويح
 

، فتصل مرتبات بعض مهندسي الترفيه، وصانعي الألعاب في العالم في السنة إلى نحو من خمسين مليون دولار للواحد، هؤلاء الذين يخترعون بلاي ستيشن، واستاربكس، وغيرها يتقاضون مرتبات سنوية تصل إلى خمسين مليون دولار، بينما أكبر الأطباء في المستشفيات، وأعظم المهندسين في التخصصات المختلفة، بل والمفكرين، والمخترعين، والباحثين، والعلماء، والقضاة في الغرب لا يصل مرتبهم السنوي إلى نحو واحد في المائة من هذا في العادة، وفي عام تسعة وتسعين وتسعمائة وألف بلغت مرتبات العاملين في مجال الترفيه، والتسلية، والفنون في الولايات المتحدة أربعين بليون دولار، وبلغ عدد الموظفين مليون ونصف المليون.

صناعة الترفيه في عالمنا صارت عالماً قائماً بذاته، وصار فيها أموراً ضخمة، وكثيرة، وأنواع منوعة، فما هي الضوابط الشرعية بعد هذا التنوع، وما الذي يجوز مما لا يجوز في هذا الكم الهائل المتراكم من هذه الألعاب، والتسالي، وأنواع الترفيه؟

يحتاج المسلم إلى معرفة الضوابط الشرعية في هذا لكثرة هذه الألعاب، وما يتناول منها ويتداول بين الأيدي، وفي البيوت، وخارج البيوت.

نسأل الله أن يفقهنا في دينه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا، إنه هو العليم الحكيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأكبره تكبيراً، وأشهد أن محمداً رسول الله، الرحمة المهداة، البشير والنذير، والداعي إلى الله بإذنه، جعله الله سراجاً منيراً، صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه، وذريته الطيبين، وخلفائه، وأزواجه، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

عباد الله:

قامت هذه الشركات العالمية بإنتاج هذه الأشياء التي تشغل الكبير، والصغير، ووسعت دائرة المتعاملين بها، والموجهة إليهم لتكون في كل الأعمار كما يقولون، وقد علمنا أن الشريعة قد راعت الصغار في هذا الجانب بشكل أساس، وللكبار بشيء يناسبهم، وقد كان الكبار يشاركون الصغار في بعض ألعابهم، من باب إدخال السرور عليهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمهل للحسن، أو الحسين ليركبه، ويرتحله، فإذا قضى وطره ونزل عن ظهر جده قام النبي صلى الله عليه وسلم .

عباد الله:

وجهت الشريعة ما يتعلق بممارسة بعض هذه الألعاب توجيهاً معيناً في مسألة القوس، والفرس، وأرادت بالتأكيد أمراً معيناً في هذا.

 

قواعد وضوابط الترفيه واللعب
00:21:58

وأما بالنسبة للضوابط الشرعية: فإن الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه، ولذلك فإنه لا يمكن أن نحصر المباحات في الألعاب، وأن نكرر، أو نسرد سرداً طويلاً جداً هذه المباحات، ولكن طريقة الشريعة في مثل هذا أن تبين المحظورات وتقول للناس: والباقي مباح، فتزوج من شئت من النساء ما عدا الأمهات، والبنات، والخالات، والعمات، والأخوات، وهكذا، وكل ما شئت من الأطعمة، ما عدا الخنزير، والميتة، وما أهل لغير الله به، والدم المسفوح، ونحو ذلك وهكذا، واشرب ما شئت من الأشربة، إلا ما أسكر فإنه محرم، وما ضر كالسموم، ونحوها وهكذا، هذه طريقة الشريعة تفصل في المحرمات، وتجمل في المباحات؛ لأن هذا قابل للتعديد، وهذا غير قابل للتعديد من كثرته.

فمما جاء من المحرمات في الشريعة من الألعاب:

- ما اشتمل على النرد، وهو حجر الزهر المكعب المعروف، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه) .

- حرمت الشريعة ضرب الوجه، ففي الألعاب التي تمارس من ألعاب القوى وغيرها يجتنب الإنسان وجه أخيه المسلم؛ لأن الشرع كرم الوجه، فلا يجوز ضربه لا في الملاكمة، ولا في غيرها.

- الألعاب المشتملة على صور ذوات الأرواح، أو المصحوبة بالموسيقى، أو التي تؤدي إلى الشجار، والنزاع، والأحقاد، وإثارة الضغائن، محرمة أيضاً.

- القمار محرم، فلا تجوز المراهنة بين اللاعبين، أو أن يجعل الجعل للمتسابقين، إلا ما ورد الدليل فيه من نصل، أو خف، أو حافر.

- ألا يكون اللعب صاداً عن ذكر الله، وعن الصلاة، ومضيعاً للفرائض.

- ألا يستغرق الوقت، أو أكثر الوقت؛ لأن الكفار هم الذين اتخذوا دينهم لهواً، ولعباً، وغرتهم الحياة الدنيا، وهذا ضابط مهم؛ لأن كثيراً من الذين يلعبون اليوم من الكبار يستغرق لعبهم في كثير من الأحيان أغلب الوقت، بل منهم من يسهر في لعب الورق، ويذهب متأخراً إلى عمله الذي منه كسبه، ورزق أهله وأولاده.

- ألا يكون في اللعب شيء من السحر، وبعض الألعاب اليوم فيها هذا.

- ألا يكون فيها صلبان، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكسر الصليب ويزيله، وكان ينقض التصاليب.

- ألا يكون فيه إشغال عن واجب شرعي؛ كبر الوالدين، وكم من الأولاد اليوم يشتغلون بالألعاب عن سماع أوامر الوالدين، وحق الوالدين.

- ألا يكون فيها أضرار على النفس، أو الغير كما يكون في بعض الألعاب النارية، وكما يحدث في الركوب الجنوني لهذه الآلات ذات الإطارات على الرمال، وقد زالت فقرة من العمود الفقري لشخص كان يركبها، وما أكثر الذين انقلبوا بما يسمى بهذه الدبابات على الشواطئ، وبجانب الطرقات، وكانت وسيلة للإجرام، ومثاراً للفساد، وملاحقة الفتيات، ونحو ذلك مما هو معلوم مشاهد، فإن بعض الناس قلبوا الألعاب البريئة إلى وسائل أخرى، وكم فر بعضهم بها سرقة لهذه الآلات من أصحابها.

- ألا يتعلق القلب بها بحيث تصبح هي الشغل الشاغل، فكأنه صار منشغلاً بها تمام الانشغال، فبدلاً من أن يتعلق القلب بالله؛ تعلق باللعبة.

- أنه لا بد من الانتباه لبعض الأفكار الخطيرة التي تقف وراء بعض الألعاب، وخصوصاً الألعاب الالكترونية، فإن فيها، أو في بعضها ما يغرز حب الكفار، بل ومحاربة المسلمين، وقد وجدت ألعاب قائمة على هذا خصوصاً في هذه السنين المتأخرة، وفيما يسمى بتدمير الأهداف، وقتال الأعداء بالأسماء، فهذا واضح أنها موجهة ضد المسلمين في بعضها، وبعضها تقوم على أفكار كفرية؛ كالمواجهة بين أهل السماء وأهل الأرض، وأن أهل السماء الأشرار، وأهل الأرض الأخيار، ونحو ذلك، وبعضها يقوم على تقديس الصليب، وأنه يعيد الروح، ويعطي الصحة، والقوة، وبعضها تقوم على العقائد الباطلة مثل تناسخ الأرواح، أو عودة الناس بعد الموت مرة أخرى، فيموت ويحيا، ويموت ويحيا، وبعضها تفسد عقائد الأطفال في هذا، فتغرز في نفوسهم أن بمقدور بُوتر، أو غيره أن يعيد شخصاً إلى الحياة بعد الموت، وبعضها فيه تقرير للسحر، وتمجيد للسحرة، وبعضها مشتمل على عورات مكشوفة، وتكون جائزة الفائز صورة عارية، وهذا كثير قد سمعنا عنه، بل وتواتر في عدد من هذه الألعاب.

- يشترط أيضاً ألا يكون فيها إضرار بالجسد؛ كالعينين، والأعصاب، والإدمان، وما أكثر هذا.

- ألا يكون فيها تربية على الإجرام، والقتل كما في عدد من هذه الألعاب، وقد ثبتت خطورتها على الأطفال من هذه الجهة.

- ألا تخالف الشرع في قضية التستر، وعدم التعري.

- ألا تغرس حب تقليد الكفار في نفوس الأولاد.

- ألا يكون فيها اعتداء على شيء من خصائص الله تعالى من إحياء الموتى، وإنزال المطر، وإبراء المرضى، ونحو ذلك، وهذا كثير في الأفلام، بل وفيها غرس حب الصليب، وأنه يفعل ذلك كله، وبركة الصليب ونحوها.

- ألا تصل إلى حد الإسراف، وتجاوز الحد الوسط في الإنفاق فيها، فإن بعضها تذهب فيه أموال عظيمة.

- ألا يكون فيها سخرية، ولا تنابز بالألقاب، ولا إضرار بالبهائم؛ كألعاب التحريش بين الديكة، وصراع الأكباش، ومصارعة الثيران، فكل ذلك تعذيب للحيوان.

- ألا يكون في اللعب ببعضها إيذاء للجيران، كما يفعله بعض اللاعبين بالحمام من الإشراف على عورات الجيران بسبب صعودهم للأسطحة.

- ألا يكون فيها إيذاء لبدن الشخص، أو خطورة على نفسه، كما يفعله بعضهم من القفز من الارتفاعات العالية، بدون ضوابط كافية، أو يتحدى في البقاء مع الأفاعي، والعقارب، ونحو ذلك، وهذه الألعاب الخطيرة الألعاب التي يمكن أن يحصل لصاحبها شلل كامل في لحظة وطرفة عين، ويكون مكسبه منها شد أنظار الناس ونفوسهم لهذه الحركات الخطيرة التي يؤديها، وحدثنا بعض الشباب الثقات عن منظر شاهدوه على شاطئ البحر، أن سيارة سوبر فيها خمسة من الشباب يمارسون التفحيط، والحركات الطائشة التي أرعبت من كانوا في المكان، في طيش، وتهور، وما هي إلا لحظات حتى تقلبت في الهواء، وتطاير الأشخاص من السيارة، لكي تستقر بعد ذلك على ظهرها مضغوطة قد وصل سقفها إلى حد الزجاج الأسفل، وكان منظراً رهيباً في هؤلاء المتناثرين بين الحياة والموت، فهذا مرفقه خارج عن اليد، وهذا عظمه بائن، وهذا ينزف من أذنيه ومعنى ذلك نزيف دماغي، وهذا، وهذا، حركات طائشة يمارسها هؤلاء الشباب برياضة التفحيط التي يسمونها تفحيطاً، فيا لله كم من جريمة قاموا بها في إزهاق الأرواح، وترويع الآمنين، وجرح المسلمين، وإثارة الغبار على المساكين، ويا لله كم أتلفوا من إطارات، وأسرفوا في أموال سيسألون عنها يوم الدين، ويا لله كم جعلوا في أجسادهم من الجراحات، والعاهات المستديمة التي ستبقى معهم حتى الممات.

عباد الله:

ينبغي أن نكون منضبطين بالشرع وعقلاء فيما نقوم به، هذه هي الخلاصة.

اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، اللهم إنا نسألك حبك، وحب ما تحب، يا رب العالمين، اللهم اجعل حبك أحب إلينا من الماء البارد على الظمأ، أحينا مسلمين، وتوفنا مؤمنين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا، ولا مفتونين، آمنا في البلاد، وأصلح الأئمة، وولاة العباد، اللهم اجعلنا من الآمنين يوم المعاد، اللهم اجعلنا شاكرين لنعمائك يا أرحم الراحمين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

 

  • محمد الباسم

    جزاكم الله عنا خير الجزاء