السبت 7 رجب 1444 هـ :: 28 يناير 2023 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

صفة الوضوء - الدرس الأول


عناصر المادة
فوائد تحقيق النية عند الفقهاء
شروط النية

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فانتهينا من الأحكام المتعلقة بالنجاسات في كتاب الطهارة، وسنشرع في الحديث - بمشيئة الله تعالى - عن الوضوء.

وقبل أن نتحدث عن الوضوء هذه تذكرة فيما يتعلق بصيام عاشوراء :

أولًا: عاشوراء من شهر الله المحرم، وعاشوراء يوم من أيام الله نجى الله فيه موسى ومن معه وغرق فرعون ومن معه، فإذن، الفائدة الأولى من صيام عاشوراء أنه يوم من أيام الله، وأيام الله التي فيها ظهور نعمه وإهلاك أعدائه ونصر أوليائه ونحو ذلك، قال تعالى: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ  [إبراهيم: 5].

ثانيًا: فضل الله العظيم فإن صيام يوم واحد يكفر سنة كاملة.

ثالثًا: التكفير منصب على الصغائر؛ لأن الكبائر تحتاج إلى توبة خاصة، قال تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء: 31].

رابعًا: تقاطع تكفير عاشوراء مع تكفير عرفة؛ لأن عرفة يكفّر سنة قبلها وسنة بعدها، وعاشوراء يكفّر سنة قبله، فهناك تقاطع في التكفير، فماذا يفيد؟

الجواب: زيادة التطهير، ومن الذي يضمن أن الله قد قبِل منه، فلو قال واحد : صمنا عرفة وفيها تكفير، وهذه عاشوراء فيها تكفير، ماذا استفدنا؟

نقول:

أولًا : من الذي يضمن لك أنه قبِل منك عرفة أو عاشوراء  إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: 27].

ثانيًا : أن التكفير على التكفير زيادة في التطهير.

ثالثًا : أن الصغائر إذا تلاشت كلها بالتكفير وبقيت بقية فإن ذلك يخفف الكبائر، وإذا ما كان هناك كبائر - فرضنا - فإنه يفيد رفعةً في الدرجات وزيادة في الحسنات، فإذن، الصائم والعامل مستفيد دائمًا، وفضل الله عظيم.

نرجع إلى فوائد عاشوراء :

خامسًا: فيه الفرح بهلاك الطغيان وأهله، فيه الفرح بهلاك أهل الطغيان، فإن موسى  لما أهلك الله فرعون في عاشوراء صامه موسى شكرًا لله وفرحًا بنعمة الله.

سادسًا: الشكر للنعمة بالعبادة، أن شكر النعمة يكون بالتعبّد للمنعم، فكيف شكر موسى نعمة إهلاك الله لفرعون؟ بالصيام، إذن، العبادات شكر نعمة.

سابعًا: أن النبي ﷺ لم يترك فضيلة لليهود، فلما قدم المدينة وعرف أنهم يصومونه، قال : سألهم قالوا : نصومه؛ لأن موسى شكر ربه بصيامه، قال:  أنا أحق وأولى بموسى منكم  فصامه ﷺ وأمر بصيامه" [رواه أحمد: 2831 ، وقال محققه الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين]. انتزاع الفضائل من الآخرين لا يبقى لهم فضل ولا ميزة من أهل الباطل، لا يبقى لهم ميزة، يقولون : عندنا ولا يوجد عندكم، فإذن، الإسلام حوى كل الميزات والفضائل، فلا يستطيع أحد من الأمم الأخرى والأديان الأخرى أن يقول : عندنا ميزة دينية شرعية ليست عندكم يا معشر المسلمين، ما بقي لهم شيء، ولذلك قال:  أنا أحق وأولى بموسى منكم 

ثامنًا: مخالفة أهل الكتاب في صفة العبادة إذا اشتركنا معهم في أصلها، فهم يصومون وهو صام، ثم كيف سيكون التميز عنهم؟ لئن عشت إلى قابل لأصومنّ التاسع [رواه مسلم: 1134]. لكن النبي ﷺ مات قبل أن يتمكن من صيام التاسع، فإثارة موضوع التشبُّه، والرد عليه بالعزم على صيام التاسع كان في آخر حياة النبي ﷺ.

عاشرًا: أن هذا اليوم يوم تعويد للصبيان على العبادة، فيؤخذ منه فائدة في تربية الأولاد؛ لأن الصحابة كما جاء في حديث الربيع بنت معوّذ: "كانوا يصومون ويصوّمون صبيانهم" الصبيان صغار، الولد سيجوع ويتألم من الجوع ويبكي من الألم، فكيف كان الصحابة يصبرون أولادهم؟ قالت: "كنا نجعل لهم اللعبة من العِهن" هذه اللعبة من الصوف مثلًا يلعبون بها. [رواه البخاري: 1960، ومسلم: 1136].

وفي رواية عند الطبراني بسند صحيح: "نخرج بهم إلى البستان، فاجتمع فيها لعبة وفرجة، فرجة البستان يتفرجون،

فإذن، تصبير الصغار على العبادة بلعبة وفرجة مباحة.

وفي عاشوراء فوائد كثيرة:

ومن ذلك: عدم إحداث اللغط والبلبلة، فإنه لا أكاد أعرف عبادة يحدث فيها لغط وبلبلة مثل عاشوراء كل سنة خصوصًا إذا اتضح أن الرؤية مخالفة لتقويم أم القرى، فيا لله العجب ماذا يحدث عند الناس من الفوضى والاضطراب واللغط؟ القاعدة سهلة: صوموا لرؤيته انتهى  وأفطروا لرؤيته [رواه البخاري: 1909].

العبادة متعلقة بالرؤية، إذا ثبت دخول الشهر عرفنا متى عاشوراء، كما نعرف رمضان وشوال نعرف الحج، فإذا جئنا يوم تسعة وعشرين ذي الحجة نتراءى هلال محرّم، رأيناه قلنا : غدًا واحد وبنينا وعرفنا عاشوراء متى، ما رأيناه أكملنا ذي الحجة ثلاثين وقلنا : محرم يبدأ اليوم الذي بعده، وعرفنا تاسوعاء وعاشوراء وصمنا، لكن كثير من الناس لا يأخذون بالقواعد الشرعية ثم لا يتركون رسائل جوال لا مجانية ولا واتس آب ولا واتس داون ولا يتركون لا رسائل البريد الإلكتروني ولا مواقع تواصل ولا تويتر ولا فيسبوك إلا يحدثون فيها اللغط والصخب والضوضاء والفوضى، ويعجون بالشكوى، والمسألة سهلة، هي قاعدة شرعية نتراءى الهلال، رأيناه الحمد لله، ما رأيناه كملنا الشهر الذي قبله ثلاثين ومشينا وانتهينا، لماذا هذا الاضطراب واللغط؟ ما تحتاج المسألة كل هذا، ثم إن عاشوراء صومه مستحب، يعني لو ظهر فيه خطأ ما هي المصيبة في الموضوع؟ صمنا ويأخذ الإنسان الأجر، أصلًا محرم كله صومه مستحب، يعني إذا ما صارت في هذه صارت في هذه، فيه أجر والحمد لله.

ثم الاحتياط لعاشوراء مسألة معروفة عند العلماء فإذا صار هناك شك في دخول الشهر، إذا كان ذو الحجة تسعة وعشرين يصير عاشوراء الاثنين، وإذا كان ذو الحجة ثلاثين يصير عاشوراء الثلاثاء، بسيطة العملية، صوموا الاثنين والثلاثاء، انتهينا، يعني إذا صمت الاثنين والثلاثاء أصبت عاشوراء قطعًا، فالمسألة ما تحتاج إلى كثير لغط واضطراب ولا تحتاج إلى مصادمات ومشاجرات ومشاحنات، المسألة سهلة، قواعد شرعية، طبق القاعدة تعرف الجواب وانتهينا ولماذا لا يعلم دخول الشهر مبكرًا؟ ولماذا لا يعلم مثل رمضان؟ رمضان وشوال وذو الحجة تتعلق فيها عبادة عبادات واجبة؛ أركان الإسلام، لازم يعلن أول الشهر، لازم يعلن رمضان من أوله، لازم يعلن شوال من أوله حتى ينتهي الصيام ونصلي والعيد، ولازم يعلن ذو الحجة حتى نعرف عرفة متى؟ لكن محرّم لا تتعلق به عبادة عامة واجبة، يعني ما في عبادة عامة لجميع المسلمين واجبة، وإذا ما أعلن دخول محرّم من أوله تكون مصيبة وكارثة على الأمة الإسلامية؟ ليست القضية بهذا الشكل، فالذي رآه سيخبر أنه رآه وانتهينا، وإذا صار هناك شك أو خطأ، الاحتياط لعاشوراء أنك تصوم، تعتبر ذي الحجة تسعة وعشرين فيكون عاشوراء الاثنين، وإذا اعتبرنا ذي الحجة ثلاثين فيكون عاشوراء الثلاثاء، انتهينا نصوم الاثنين والثلاثاء والحمد لله، برد وشتاء ونهار قصير وجو بارد، فالمسألة سهلة، لكن كثير من الناس بسبب عدم معرفة القواعد الشرعية ممكن يضخّم شيئاً يسيراً أو يتهاون في شيء كبير.

وهذه بعض الفوائد المتعلقة بصيام عاشوراء، والمخالفة فيه لأهل الكتاب مستحبة، يعني لو واحد ما صام تاسوعاء يجوز يصوم عاشوراء فقط؟ يجوز، المخالفة مستحبة مثل الصلاة بالنعال ليست واجبة والحمد لله رب العالمين.

نعود إلى كتابنا منهج السالكين للشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله، بعد ما انتهى من موضوع النجاسات قال - رحمه الله تعالى -: "باب صفة الوضوء" لما فرغ المصنّف - رحمه الله تعالى - من الكلام عن الطهارة من الخبث، وأحكام الخبائث والنجاسات، بدأ في الكلام عن الطهارة من الحدث، فإذن، انتهينا من الطهارة من الخبث، فنأتي على الطهارة من الحدث، الطهارة من الخبث التي هي إزالة النجاسة، الطهارة من الحدث، ورفع الحدث مثل الوضوء والغسل، لكن ما هو الفرق الأساس؟ الطهارة من الخبث، الخبث أصلًا حسي، أما الحدث معنوي، يعني عندما نقول : إذا خرج منك ريح توضأ لرفع الحدث الأصغر، الحدث الأصغر هذا هو شيء معنوي، عندما يحتلم فنقول : اغتسل لرفع الجنابة، والجنابة شيء معنوي، أما الخبث فتكلمنا عن قضية الطهارة من البول والغائط والدم والنجاسات الأخرى في الميتة والخنزير ولعاب الكلب، إلى آخره من النجاسات الحسية.

وهناك نجاسة معنوية التي هي نجاسة الشرك؛ تحدثنا عن هذا، لكن الخبث الأساس فيه حسي، الحدث معنوي.

والحدث حدثان: أصغر وأكبر، وتكون الطهارة من الحدث الأصغر بالوضوء، ومن الأكبر بالغسل.

بدأ المصنِّف - رحمه الله تعالى - الكلام عن الوضوء وصفته وأحكامه ونواقضه.

والوضوء في لغة العرب مأخوذ من الوضاءة، والوضاءة هي النظافة والحسن ومنه، قيل: فلان وضيء الوجه يعني: نظيف الوجه وحسنه، فكأن الغاسل لوجهه وضأه أي: نظّفه بالماء وحسّنه، ومن غسل يده أو رجله أو عضوًا من أعضاء الوضوء أو سكن من شعث رأسه بالماء فقد وضأه" [غريب الحديث لابن قتيبة: 1/153].

وقال أبو بكر الأنباري - رحمه الله -: "معنى توضأ في كلام العرب تنظّف، أُخذ من الوضاءة وهي النظافة والحسن يقال: وجه وضيء يعني: حسن وقد ورد في الشعر هذا المعنى فقال الشاعر:

مساميح الفعال ذوو أناة مراجيح وأوجههم وضاء

هذا يمدح قومًا فيقول: مساميح الفعال ذوو أناة مراجيح وأوجههم وضاء

الزاهر في معاني كلمات الناس.

ما هو الفرق بين الوَضوء والوُضوء، بالفتح أو بالضم ؟ بالفتح :الماء الذي يُتوضأ به، وبالضم الوضوء الفعل نفسه، غسل الأعضاء هذا وُضوء، والوَضوء الماء الذي يتوضأ به، فإذا قال الصحابي إنه وضع للنبي ﷺ ماء ليتوضأ به سيقول: فوضعت له وَضوءه أو سيقول وضعت له وُضوءه؟ نعم بالفتح وَضوءه وضعت له وَضوءه هذا مثل السَّحور والسُّحور، فالأكل نفسه عملية الأكل للطعام في النصف الثاني من الليل قبل فجر يوم الصيام يسمى سُحور، وأما الطعام نفسه المعد لهذه الأكلة المباركة في النصف الثاني من الليل قبل فجر يوم الصيام يسمى هذا الطعام في اللغة سَحورًا، هذا كما في لسان العرب وجمهرة اللغة وغريب الحديث.

فنحن في معاني الكلمات نرجع إلى كتب غريب الحديث في ألفاظ الأحاديث، وكتب اللغة التي تبين لنا أصل الكلمة ومعناها.

أما عند الفقهاء فإن الطهارة هي الغسل والمسح لأعضاء مخصوصة بنية مخصوصة.

إذن، الطهارة عند الفقهاء أخص من الطهارة عند أهل اللغة.

الطهارة في اللغة معناها أوسع الحسن والجميل والنظيف.

والطهارة عند الفقهاء ما هي؟ ما تعريفها عند الفقهاء؟ غسل ومسح لأعضاء مخصوصة بنية مخصوصة.

وعندما قلنا : غسل ومسح؛ لأن الطهارة قد تكون ترابية، وقد تكون مائية، وقد تكون بغسل القدمين، وقد تكون بالمسح على الجوربين، ولذلك قلنا : الطهارة في تعريف الفقهاء غسل ومسح، ما قلنا : غسل فقط ومسح لأعضاء مخصوصة بنية مخصوصة، وتشريع الوضوء كان متزامنًا مع تشريع الصلاة.

قال ابن عبد البر - رحمه الله -: "معلوم عند جميع أهل السير أن النبي ﷺ منذ افترضت عليه الصلاة بمكة لم يصل إلا بوضوء مثل وضوئنا اليوم وهذا ما لا يجهله عالم ولا يدفعه إلا معاند" [التمهيد: 19/279].

ويوجد من قال أن الوضوء شرع بالمدينة لكن هذا قول نادر، فابن عبد البر ينبه على أن الوضوء قديم ومشروع مع الصلاة، وأن النبي ﷺ ما صلّى حتى بمكة، حتى لما كانت الصلاة أول ما فرضت كانت ركعتين، وقيل : كان عند المسلمين صلاة في الغداة وصلاة بالعشي، أو صلاة في الصباح وصلاة في المساء فقط، ما كانت قبل أن تفرض خمس، يعني الآن هي الصلوات الخمس أول ما فرضت ما فرضت خمسًا، لكن أول ما فرضت الصلاة كانت بوضوء، فما صلى النبي ﷺ صلاة بغير وضوء، من أول ما فرضت عليه الصلاة كانت بوضوء، وهذا ليس بغريب إذا عرفنا أن الوضوء كان في شرع من قبلنا، فليس الوضوء خاصًا بشرعنا، مثل الصيام  كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة : 183] وإن اختلفت التفاصيل، لكن كان عند من قبلنا صيام، وكان عند من قبلنا حج، وإبراهيم أذّن في الناس بالحج، وكان عند من قبلنا صلاة، وكان عند من قبلنا وضوء، هذه العبادات الكبار مشتركة بين الشرائع، والشرائع النازلة من السماء فيها عبادات، فالعبادات الكبار، هذه العبادة البدنية، والعبادة المالية، والعبادة الجامعة بينهما، يعني صلاة حج صيام، هذه مشتركة بين العبادات، مشتركة بين الشرائع، ماذا سيكون في توراة موسى؟ هي خالية من الشرائع الماضية فيها الصلة بين العبد وربه حتى في الشرائع الماضية، ما هي الأدلة على أن الوضوء كان معروفًا في شريعة من قبلنا أو في شرائع من قبلنا؟ الدليل على أن الوضوء كان مشروعًا عند من قبلنا قصة إبراهيم مع سارة، وكذلك قصة جريج العابد ورد فيها أيضًا، ففي قصة سارة وإبراهيم، فقامت توضأ وتصلي فقالت:  اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلّط عليّ الكافر ، لأن سارة لما دخلت مع إبراهيم الشام كان فيها ملك جبار، لما هاجر من العراق إلى الشام مروا بأرض فيها واحد من الجبابرة يحكم، فقيل له، يعني أخبره أعوانه، جنوده، أن هناك امرأة جميلة لا تفوتك، فأمر بجلبها إليه فلما أحضرت خشيت سارة على نفسها فقامت توضأ وتصلي وتقول:  اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك  يعني إبراهيم  وأحصنت فرجي إلا على زوجي  يعني إبراهيم  فلا تسلّط عليّ الكافر ... الحديث  [رواه البخاري: 2217] المهم هذا حديث طويل هذا موضع الشاهد منه.

أما في قصة جريج العابد قال : فتوضأ وصلى ثم أتى الغلام فقال: من أبوك يا غلام؟ .. الحديث رواه البخاري.

لأن هؤلاء الأوباش من بني إسرائيل تسلطوا على جريج واتهموه بفعل الفاحشة بامرأة، بينما كان الذي فعل الفاحشة بها راعي غنم أمكنته من نفسها وحملت وولدت واتهمت جريجًا، وجاءوا وكسروا صومعته وأنزلوه فقال : دعوني فتوضأ وصلى ثم أتى الغلام هذا الرضيع فقال : من أبوك يا غلام؟ قال الراعي، القصة معروفة الشاهد منها: فتوضأ وصلى  إذا واحد قال : كل الأمم، وكان الوضوء معروفًا عند من قبلنا، هل لنا نحن ميزة؟ الغرة والتحجيل، بدليل قول النبي ﷺ:  إن أمتي يُدعون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء  [رواه البخاري: 136، ومسلم: 247]. وقال ﷺ : لكم سيما  يعني: علامة  ليست لأحد من الأمم تردون علي غرًا  [رواه مسلم: 247]، هذا حديث يبعث على الاهتمام بالوضوء وإحسان الوضوء، عندما يعرف الواحد أنه إذا أحسن الوضوء، وأننا سنرد على النبي ﷺ غير العرض على الله، سنرد على نبينا يوم القيامة، أو نبينا ينتظر يكون عند الحوض، يكون عند الصراط، في مواضع معينة، يكون عند الميزان؛ لأن أنساً لما سأله أين يجده؟ فالنبي ﷺ أرشده للبحث عنه في أحد هذه المواضع الثلاثة وأنه لن يخطئه في واحد منها، فإما أن يجده عند الحوض، أو عند الميزان، أو عند الصراط، زحمة يوم القيامة، وأرض المحشر، والأمم هذه، قال: أين أجدك؟ النبي ﷺ سيكون عند الحوض قطعًا في مرحلة من مراحل يوم القيامة الطويل هذا، فقال:  ستردون عليّ غرًا محجلين من أثر الوضوء رواه مسلم.

والوضوء على وجهين: إما أن يكون فرضًا، وإما أن يكون مستحبًا.

أولاً : الوضوء الفرض : وهو وضوء المحدث إذا أراد الصلاة، الوضوء لطواف الكعبة عند جماهير أهل العلم، الوضوء لمس المصحف في المذاهب الأربعة وجماهير أهل العلم، إذن، هذا وضوء واجب، وضوء فرض، أوجبه وأفرضه الوضوء للصلاة. ثانيًا: الوضوء المستحب : الوضوء المستحب يكون في أحوال منها الوضوء قبل النوم، بعد غسل الميت، الوضوء للأذان، الوضوء للذكر، عند الغضب، الوضوء على أية حال، بمعنى المحافظة على الوضوء، لا يحافظ على الوضوء  [صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 115] إلا مؤمن يعني أن يكون دائمًا متوضئاً في جميع الحالات، في أي وقت دعي لصلاة وهو متوضئ، فلا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن، وبلال كان ما يحدث حتى يتوضأ ويصلي ركعتين، فمن باب المحافظة على الطهارة دائمًا يستحب، يعني المحافظة على الطهارة دائمًا.

والوضوء على الوضوء ليس مشروعا إلا إذا دخل وقت الصلاة الجديدة، لو واحد توضأ للظهر وما أحدث هل يشرع له أن يتوضأ مرة أخرى؟ الجواب : لا، الوضوء على الوضوء بدعة إلا إذا دخل وقت الصلاة الجديدة، فيستحب تجديد الوضوء بدون حدث إذا دخل وقت صلاة جديدة، أما يجدد وضوءاً على وضوء بلا حدث في وقت الصلاة نفسها هذا عمل غير مشروع.

بدأ المصنّف - رحمه الله تعالى - ببيان صفة الوضوء فقال : وهو أن ينوي رفع الحدث أو الوضوء للصلاة ونحوها، والنية شرط لجميع الأعمال من طهارة وغيرها لقوله ﷺ:  إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى [رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907]. متفق عليه. انتهى كلام المصنّف - رحمه الله -.

فأول أعمال الوضوء النية، والنية القصد وعزم القلب، إذا قصدتَ شيئًا وعزمت على فعل شيء هذه نية وهي مأخوذة من قولك : نويت بلد كذا مثلًا أي قصدته وعزمت على الذهاب إليه، فالنية: "عزم القلب على فعل العبادة، تقربًا إلى الله" كما في المجموع [المجموع شرح المهذب: 1/310]. وكشاف القناع [كشاف القناع: 1/313].

وقال في الذخيرة: "قصد الإنسان بقلبه ما يريده بفعله" [الذخيرة للقرافي: 1/240].

فوائد تحقيق النية عند الفقهاء

00:28:56

والنية عند الفقهاء لها فائدتان :

النية متعلقة بقضية الإخلاص وصحة التوجه والأجر واضح، لكن من الناحية العملية الفقهية، النية مهمة في أمرين:

الأول : تمييز العبادات عن العادات.

والثاني: تمييز العبادات عن بعضها البعض.

فالنية تفيدنا في أمرين عظيمين، تمييز العبادات عن العادات، فيه فرق أنك تغتسل نظافة أو تبرد، وأنك تتروش لرفع حدث وإزالة جنابة لتستبيح الصلاة.

وأما الناحية الأخرى تمييز العبادات عن بعضها، الآن إذا جمعت الظهر والعصر، هذه أربع ركعات، وهذه أربع ركعات، وستصليهما في وقت واحد جمعًا، فما الذي يميز هذه عن هذه؟ العدد واحد والوقت واحد؟ النية.

أولاً : تمييز العبادات عن العادات كما قلنا في الفرق بين الاغتسال تبردًا وبين الاغتسال طهارة ورفعًا للحدث، وحتى الأغسال المستحبة؛ كغسل الجمعة، صار عندنا فرق بين غسل الجمعة وغسل الجنابة بالنية، وكما أن عندنا الفرق بين غسل التنظف والتبرُّد وغسل الطهارة، الفرق: النية، هذه التي يحدد هذا من هذا، والإمساك عن الأكل والشرب تارة يقع حميةـ وتارة لعدم القدرة، وتارة تركًا للشهوات لله في الصيام، فالذي يميز هذا عن هذا: النية.

ثانيًا: تمييز العبادات عن بعضها البعض، فالصلاة كما قلنا قد تكون ظهرًا أو عصرًا، والصلاة أيضًا قد تكون فريضة أو نافلة، ما الذي يميز سنة الفجر عن فرض الفجر، كلاهما ركعتان، وفي ذات الوقت، بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس،؟ الذي يميز هذه عن هذه: النية، والصوم الواجب تارة يكون صيام رمضان، تارة يكون صيام كفارة، وتارة يكون صيام نذر، ولا يتميز هذا كله إلا بالنية، وكذلك الصدقة، واحد قال : أنا وجدت فقيرًا في الطريق فأخرجت من جيبي مائة وأعطيته إياه، فهل احتسبها زكاة أم لا؟ ماذا سنجيب؟ نقول: ماذا نويتَ عند إعطائه صدقة أو زكاة؟ فإذا قال : نويتها من الزكاة، نقول: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى  [رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907]. اخصمها من زكاتك، وإذا قال : لا والله أنا ما خطر ببالي الزكاة أبدًا، أخرجتها على أساس أنها صدقة، نقول : إذن ما يصح أن تحتسب من الزكاة، فإذا حسبت زكاتك ما تخصم منها هذه المائة؛ لأنك أخرجتها بنية الصدقة لا بنية الزكاة، و إنما الأعمال بالنيات  ضابط الأعمال التي تطلب فيها النية هي العبادات التي قد تلتبس بغيرها أو بعادات، أما ما لا يلتبس إلى ما لا يلتبس بغيره فلا يحتاج إلى نية معينة محددة مثل تلاوة القرآن، الأذكار، ما تحتاج هي فقط أنك أنت تعملها لله لكن ما تحتاج أن تميزها، تميز بعضها عن بعض.

والنية لرفع الالتباس وتمييز العبادات عن بعضها، وتمييز العبادات عن العادات مهمة في الأجر والاجزاء، حتى يكون هذه أجزأت عنك وإلا ما أجزأت، وتؤجر على هذه أو لا، إذا كانت عادة ما تؤجر ولا تأثم، لكن إذا كانت عبادة تؤجر، الذي يحدد هذا من هذا: النية، ممكن واحد يكون مشغولاً من الصباح إلى الليل، ما صار عنده وقت أن يأكل وجبة ولا يشرب، ربما من بعض الأعمال التي فيها انهماك شديد جدًا، ما يعتبر صائمًا ولا له أجر صيام حتى ينوي مع أنه ما أكل ولا شرب ولا نكح، ما فعل شيئًا من محظورات الصيام، لكن ما نوى فليس له أجر صيام.

العبادات التي تلتبس بغيرها من العبادات الأخرى أو من العادات تميز بالنية، فالغسل لأنه أنواع، والصلاة لأنها أنواع، هناك نفل، هناك فرض، وكذلك الصيام هناك حمية، وهناك عبادة، وهناك عبادة نافلة، أو مفروضة، تقول المرأة : علي قضاء، أصوم عاشوراء بنية القضاء؟ متى يحسب لها من القضاء ومتى ما يحسب لها؟ بالنية، الأضحية ذبيحة، أنت ممكن تذبح للضيف، وممكن تذبح عقيقة، وممكن تذبح أضحية، وممكن تذبح لأسباب متعددة، فما الذي يميز أن هذه أضحية؟ لو واحد ولد له قبل عيد الأضحى بسبع أيام مولود، وجاء يوم العاشر ذي الحجة الذي هو يوم السابع للولادة يريد أن يذبح، الآن هذه أضحية وإلا عقيقة؟ حسب النية.

وكذلك الكفارات، أنت ممكن تطعم مسكينًا صدقة، وممكن تطعم مسكينًا كفارة، ما الذي يميز هذا عن هذا؟ النية، الرجل يقاتل للذكر، ويقاتل رياء، ويقاتل شجاعة، أو حمية عن أهله، والرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، كلهم يقاتلون، ما الذي يميز هذا عن هذا؟ هذا في النار، وهذا في الجنة، النية.

شروط النية

00:36:30

أولًا : أن يكون الناوي أهلًا، أهلية الناوي، الناوي اسم فاعل نوى ينوي ناوي.

وأهلية الناوي أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا، فلا تصح النية في العبادة من كافر، فلو أن كافرًا نوى الصيام ما يُقبل صيامه، ولو أن كافرًا نوى الحج ما يُقبل حجُّه، وكذلك العاقل فلا يُقبل صيام المجنون ولا صلاة المجنون ولا حجُّ المجنون، والصغير غير المميز لا نية له، فإذن، لابد أن يكون مميزًا حتى تصح منه النية، ولذلك قالوا في الحج : ينوي وليّه عنه لو كان رضيعًا يعني: دون التمييز ما تصح نيته، ينوي وليّه عنه، فلو أن إنسانًا أخذ أهله معه للعمرة أو للحج والأولاد في السيارة، جاء عند الميقات، قال : هؤلاء الأولاد الصغار، هؤلاء ثلاث أو أربع سنوات، لا نشغل معهم، ولا ننوي لهم، وزحام، ونطوف عنهم، ونرمي عنهم، هؤلاء فقط مرافقون، لن نأخذهم معنا، لن ننوي لهم بالحج، فجاءوا عند الميقات، فالأب قال : لبيك اللهم لبيك، قام الأولاد الصغار قالوا: لبيك اللهم لبيك، الآن هل صارت مشكلة ودخلوا في العبادة، ولازم ينوي، ولا بد يأخذهم في الطواف، وفي السعي، وفي الرمي ويرمي عنهم، إذا ما استطاعوا الرمي؟ نقول: لا، هذا أبو ثلاث وأربع سنوات لا تصح منه النية؛ لأنه غير مميز، ولو لبّى كل شيء، من جهة الأثر، ولا يعتبر دخولًا في النسك، إذن، أهلية الناوي: أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا، لو قلنا : مميزًا؛ لكي نصحح نية المميز يكون أدق من جهة العبادات التي تصح بنية المميز، غير المميز لا عبرة بنيته أو لا عبرة به؛ لأنه ليس من أهل النية، نقول مثلًا: أن يكون بالغًا، بعض الأشياء يشترط لها البلوغ، وبين قوسين مميزًا، أو مميزًا في الأشياء التي تصح في التمييز، ولو توضأ الكافر ثم أسلم، الكافر ذهب قالوا : تريد تُسلم وتنطق الشهادتين؟ قال: نعم، قالوا: موافق على أنك تصلي قال: نعم، فواحد ممن لا علم عنده قال: بسم الله اذهب المواضئ توضأ، وتعال ادخل المسجد الآن، وانطق الشهادتين، وأذّن وأقاموا صلّى، ما حكم هذا؟ لا تصح صلاته وهو مطالب بالوضوء، الغسل عند من يوجب الغسل عليه؛ لأن الغسل للكافر عند دخوله اشترطه بعضهم واستحبّه آخرون، وقضية غسل الكافر ما حكمه؟ نقول: الآن لا تصح نية الكافر للعبادة قبل إسلامه، لو قال للخادمة : لا بد أن نذهب لمكة وأنت الآن غير مسلمة، مشكلة هذه، ونحتاجك في مكة، من يمسك الأولاد؟ من يطبخ لنا؟ ومن يفعل؟، ما الحل؟ قال لها: نحن سنذهب عمرة لماذا لا تسلمين وتدخلين؟ ولم ما تعتمرين معنا؟ قال: قولي : لبيك اللهم لبيك، انوي العمرة، وأخذها ليدخل بها الحرم، وقال : ندعكِ تنطقين الشهادتين في الحرم، أحسن وأبرك هناك في الحرم، ولما دخلوا بها الحرم، وذهبوا يسجلون شهادتها هناك، قال : نسجّل شهادتك في الحرم أحسن وأحسن، فالآن لبّت بالعمرة، وهي كافرة ولم تنطق بالشهادتين، وذهبت إلى الحرم وهي كافرة لم تنطق بالشهادتين، فنطقت في الحرم بالشهادتين وذهبوا للطواف والسعي، نقول: عمرة غير صحيحة وأنت آثم؛ لأنك أدخلتها الحرم قبل أن تُسْلِم، ما يجوز لك تدخل مشركًا أو كافرًا الحرم إلا بعد الإسلام، وهذه ما أسلمت، ما نطقت بالشهادتين إلا بعد ما دخلت الحرم، وتلبيتها ونيتها لا عبرة بها؛ لأنها ليست من أهل النية، لما نوت ليست من أهل النية فلا تصح نيتها، فإذن، أن يكون مسلمًا بالغًا أو مميزًا عاقلًا، وكذلك موضوع النية في أهلية الناوي لها تطبيقات متعددة، ومصدر النية من هو الذي نوى؟ يعني مثلًا لو أن مريضًا وضأه شخص، العبرة بنية الموضأ، فالموضيء قد يكون كافرًا، يمكن تأتي ممرضة كافرة، أو ممرض كافر، ويساعد مسلمًا على الوضوء، فهو كالآلة، العبرة بنية المتوضئ الذي يوضأ، والموضئ له المعين المغسل كالآلة وهذا المتوضئ أو الموضأ الآن هو المخاطب بالتكليف هو المخاطب بالوضوء، ولذلك إذا وضيء يصبح على طهارة، أما الذي يوضئ فلا يحصل له شيء فأشبه الإناء أو الماء أو الآلة كما ذكر ابن قدامة -رحمه الله- في المغني.

إذن، شروط النية :

أولًا : أهلية الناوي.

ثانيًا : الجزم وعدم التردد، فلو توضأ شاكًا في الحدث، توضأ احتياطًا، وهذه مسألة تقع، وربما يخطئ فيها من يقع فيها، لو واحد شك في الطهارة، شك أحدث وإلا لا، فقال : أنا سأتوضأ احتياطًا، فتوضأ احتياطًا، وراح يصلي، معنى ذلك إن كنت أحدثت هذا وضوء، وإن كنت ما أحدثت هذا تأكيد، فإذن هو عنده شك، الآن هذا صلّى، حكم صلاته: صحيحة، لو تذكر بعد الصلاة أنه يقينًا أحدث قالوا : لا بد أن يعيد؛ لأنه الآن عندما تأكد أنه أحدث، لا بد من جزم في العبادة لرفع الحدث، والوضوء الذي حصل ما كان بنية جازمة؛ لأنه كان احتياطًا هذه عجيبة، هو عندما توضأ هل نوى نية جازمة رفع الحدث؟ لا؛ لأنه ما عنده أصلًا جزم أن الحدث قائم، النقاش هنا هو: لما توضأ يجب أن تكون النية جازمة، يجب أن تكون النية رفع الحدث، المشكلة أنه ليس متأكد أن هناك حدث فتوضأ احتياطًا، ما توضأ بنية جازمة لرفع الحدث، الآن تكلموا في قضية ليلة يوم الشك، واحد قال : إن كان غدًا رمضان فأنا صائم، قال: أنا نعسان وما أستطيع أنتظر خبرًا قاطعًا برؤية الهلال، وغدًا أنا ما أدري واحد رمضان، أو ثلاثين شعبان، سأنام وأنوي قبل أن أنام، إن كان غدًا رمضان فأنا صائم، ونام وهو لا يدري غدًا واحد أو ثلاثون، الجمهور يقولون :نيته لا تصح؛ لأنه ليس فيها جزم، إن كان عند الجمهور ما تمشي إن كان غدًا رمضان فأنا صائم، إذن، هو ما نام على نية جازمة، نام على نية معلقة، يعني فيها شك؛ إن كان وإن كان، شيخ الإسلام رجّح الصحة أنه تصح نيته خلافًا للجمهور، وحجة الجمهور: قالوا : لا بد تكون النية جازمة، لا بد يكون الواحد حتى يصح صيامه أن يكون قلبه منعقدًا انعقادًا جازمًا ويقينيًا على أنه سيصوم غدًا، وحيث أنه لا يدري ما عنده علم أن رمضان غدًا فهذا ما يمكن يجزم بالنية، فالنية فيها شك، النية معلقة؛ إن كان غدًا رمضان فأنا صائم، شيخ الإسلام - رحمه الله - جادل بأن النية تتبع العلم، وحيث أن العلم غير ممكن فإن نيته المعلقة هذه تصح في قضية الصيام، قضية الوضوء هنا هو توضأ احتياطًا لو أنه ما تذكر شيئًا صحّت الصلاة ومضينا، لكنه بعد الصلاة تذكر أنه أحدث يقينًا، تذكر الوضع الذي كان فيه حدث منه فوضوءه الأول كان احتياطًا، إن كنت أحدثت هذا وضوء، وإذا ما أحدثت تأكيد، فهو ليس جزمًا لرفع الحدث؛ لأنه ما كان عنده أصلًا جزم أن الحدث كان موجودًا عندما توضأ فجزم برفع، ليس متأكداً من الحدث أصلًا فلا يوجد جزم، فقالوا: هذه النية ما تصح، فإذن، قالوا : هذا لو تذكر بعد الصلاة أنه كان محدثًا يلزمه أن يتوضأ الآن بنية جازمة لرفع الحدث ويعيد الصلاة، وأنا قلت : الذي ما اقتنع أو عنده نقاش في الموضوع؛ لأن بعضهم : يقول : لا، لماذا؟ ولو كان مثل ما ذكرنا في مسألة النية والخلاف بين ابن تيمية والجمهور في قضية الصيام، ولكن شرط صحة الصلاة رفع الحدث، ورفع الحدث بنية جازمة، فما حصل رفع الحدث بنية جازمة، هو قصد الوضوء بالتأكيد، لكن ما قصد بالتأكيد أو بالجزم رفع الحدث؛ لأنه ما عنده علم أصلًا أن هناك حدث يقينًا، فإذا جئنا على قضية رفع الحدث ما نوى رفع الحدث نية يقينية ما حصلت، ولو دخل واحد للمسبح بشك، يقول : والله أنا داخل الآن وأنظر؛ هل سباحة أو وضوء وإلا دخل على شك وخرج، لا يصح هذا الوضوء.

 وأما تعليق الوضوء وهي الآن المسألة التي سبقت بأن يقول : إن كان محدثًا فهذا الوضوء لرفع الحدث، وإلا فهو تجديد ففي هذه الصورة خلاف بين العلماء، والأقرب على كلام شيخ الإسلام - رحمه الله - أنها تصح جائزة.

قال البغوي - رحمه الله -: "فلو توضأ ونوى إن كان محدثًا فهو عن فرض طهارته وإلا فهو تجديد صح وضوءه عن الفرض حتى لو زال شكه وتيقن الحدث لا يجب إعادة الوضوء" [المجموع شرح المهذب: 1/332].

فإذن، هناك من قال أن الوضوء المعلّق أو النية المعلقة تُجزىء، وهذه الذي ذكرناها في كلام شيخ الإسلام في الصيام وغيره والآن في مسألة الطهارة أتينا بهذا النقل عن البغوي - رحمه الله - في تجويز ذلك وتصحيحه، لكن المهم أن نعلم أن المسألة فيها خلاف، إذن، مرة أخرى لو قال : هو شك في الحدث، فقال : أنا سأتوضأ الآن، فإن كان حصل حدث فهذا رفع حدث، وإن كان ما حصل حدث فهذا تجديد، وتوضأ وصلى، أن هذا يصح عند جماعة من العلماء، وقال آخرون: لا يصح؛ لأن هذا ليس جزمًا فالمسألة مسألة خلافية، هؤلاء لهم وجهة نظر، وهؤلاء لهم وجهة نظر، لازم نتفق على أن طالب العلم يتقبّل الخلاف، ويتفهم اختلاف وجهات النظر، ويقدّر طريقة تفكير هؤلاء واستنباطهم، وطريقة تفكير هؤلاء واستنباطهم، والخلاف المعتبر ليس فيه استسخاف أحد القولين، فلا تقل : هذا كلام تافه، هؤلاء علماء وأدى اجتهادهم إلى هذا الاختلاف فقال بعضهم بهذا وقال بعضهم بهذا، ونحترم الخلاف؛ لأنه خلاف معتبر، له وجاهة هنا ووجاهة هنا، وكلا القولين له حظ من النظر، وطالب العلم إن استطاع الترجيح بالبحث والتأمل يفعل ما ترجح لديه، لن يأتي بشيء من عنده، لن يخترع قولًا ثالثًا، هو دائر بين أقوال العلماء، فطالب العلم يتدبر المسألة ويتمعن فيها، يقرأ أدلة الفريقين، يطلّع على أسباب الخلاف عند الفريقين، استنباط وتفكير وطريقة الاستنباط والاجتهاد، على أي شيء بنوا، استخرجوا، رجحوا؟ وإذا استطاع أن يصل إلى راجح، هو عمل به، ما استطاع يقلّد، والحمد لله ما يقلد، إذا كان المسألة فيها قولان فلا يصح لك أن تأتي بقول ثالث، إذا قلت : كيف أخرج من الخلاف؟ آخذ بالأحوط، أنك إذا حصلت لك هذه المسألة؛ أنك شككت أحدثت أو لا فتوضأت احتياطًا ثم صليت ثم تأكدت وتذكرت بعد الصلاة أنك أحدثت فعلًا الاحتياط أو الخروج من الخلاف أنك تتوضأ وتعيد الصلاة، هذه الطريقة، يعني هذا لو يقينًا ما في حدث، واحد توضأ للظهر وما أحدث يقينًا وبعدين جاء وقت العصر، لما يروح الآن يجدد الذي هو الوضوء المستحب الوضوء عند كل صلاة الذي هو المستحب، هو لن يتوضأ لرفع الحدث؛ لأن هذا وضوء تجديد يقصد به الوضوء المستحب الذي هو الوضوء عند كل صلاة، هذا ما فيه إشكال، هذا يقصد الوضوء المستحب، واضح ما له علاقة بقضية رفع الحدث، هنا في هذه الحالة قال : الوضوء يقصد به رفع الحدث، ويقصد به الوضوء المستحب اللي هو عند كل صلاة، عند كل وقت، إذا دخل وقت الصلاة يجدد استحبابًا، كيف تقصد رفع حدث غير قائم بك؟ لأن الآن كيف تتصور أنك تنوي رفع حدث غير موجود؟ المهم حليناها، هذه يحدث ويرفع الحدث، يجب أن بحث قضايا النية لا تؤدي للوسوسة، ليس المقصود الآن إحداث التشكيكات في النفوس وقلب الموازين ونسف المسلّمات الأولى، وأن الواحد يدخل في عالم من الوسوسة، لا، وهذا مزلق يحدث أحيانًا عند بعض طلبة العلم بالذات في كتاب الطهارة، إذا دخل فيه تغير في أشياء جديدة، يطلع عليها، فتنقلب عنده أمور، وتصير عنده بلبلة، ويدخل في عالم الوسوسة، ولذلك قالوا : إن مسألة النطق بالنية فيها قصة لعلنا نأتي عليها إذا أسعف الوقت بموضوع الوسوسة هذه، النية من أعمال القلوب باتفاق المسلمين؛ لأن النية هي القصد والعزم على فعل الشيء، وأنت ما تعزم بيدك، ولا تعزم برجلك، أنت تعزم بقلبك، فإذن، مصدر النية ومحلها القلب، ولو تكلم إنسان بلسانه بخلاف الذي في قلبه كان الاعتبار بما نواه لا بما لفظه، ولذلك لو قال واحد عند الإحرام : لبيك عن فلان، واتضح أنه أخطأ لفظًا، هو يقصد شخصًا معينًا، لكن ظن اسمه فلاناً، حصل خطأ، المهم ذكر اسمًا آخر، فالعبرة بما نواه لا بما لفظه، هذه منتهية، يعني حتى لو واحد يريد الحج وتلفظ بالخطأ بعمرة، واحد جاي عند الميقات ناوي حج مفرد بالخطأ، قال : لبيك بعمرة، العبرة بما نواه لا بما لفظه، هذه مسألة بدهية، وابن تيمية - رحمه الله - أكد عليها جدًا في مواضع من كلامه، ولو واحد بالخطأ قال : أنت طالق، ما يقصد الطلاق أبدًا ولا نواه، خطأ جرى، طلع بدون قصد، فهذه أمثلتها كثيرة، فلو أراد أن يطلق وله عدة زوجات هو ناوٍ يطلّق فلانة وبالخطأ طلع اسم ثاني، العبرة بالنية في القلب  إنما الأعمال بالنيات  فالاعتبار بما في القلب بلا خلاف كما قال النووي في المجموع أيضًا.

ومسألة التلفظ بالنية حدث خلاف فيها بين المتأخرين، بعض المتأخرين قالوا : لا بد من التلفظ، يعني أن التلفظ مشروع، يعني أوجبوه، ولا شك أن هذا خطأ، قال ابن رجب - رحمه الله -: "والنية هي قصد القلب ولا يجب التلفظ بما في القلب في شيء من العبادات، وكلمة لا يجب ليس معناها أنه يجيز التلفظ، لكن يريد أن يرد أولًا على من يوجب التلفظ قبل أن يقول : هذه بدعة، قبل أن يقول : التلفظ بدعة، يريد أن يرد على من قال بوجوب التلفظ؛ لأن هناك المشكلة من قال بوجوب التلفظ، قال ابن رجب: "ولا يجب التلفُّظ بما في القلب في شيء من العبادات، وخرج بعض أصحاب الشافعي له قولًا باشتراط التلفُّظ بالنية للصلاة وغلطه المحققون منهم - يعني المحققون من الشافعية - غلطوا هذا القول وغلطوا هذا التخريج "واختلف المتأخرون من الفقهاء في التلفظ بالنية في الصلاة وغيرها فمنهم من استحبه ومنهم من كرهه ولا يعلم في هذه المسائل نقل خاص عن السلف ولا عن الأئمة" [جامع العلوم والحكم: 1/92].

وقال شيخ الإسلام: "وقد تنازع الناس هل يُستحب التلفظ بالنية؟ فقالت طائفة من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد : يُستحب ليكون أبلغ، وقالت طائفة من أصحاب مالك وأحمد : لا يُستحب بل التلفُّظ بها بدعة، فإن النبي ﷺ وأصحابه والتابعين لم يُنقل عن واحد منهم أن تكلم بلفظ النية، لا في صلاة ولا طهارة ولا صيام، قالوا : لأنها تحصل مع العلم بالفعل ضرورة، فالتكلم بها نوع هوس وعبث وهذيان، والنية تكون في قلب الإنسان ويعتقد أنها ليست في قلبه فيريد تحصيلها بلسانه، وتحصيل الحاصل محال، فلذلك يقع كثير من الناس في أنواع الوسواس"، " [مجموع الفتاوى: 18/263]. وقال في موضع آخر: "ومن عرف هذا تبين له أن النية مع العلم في غاية اليسر لا تحتاج إلى وسوسة وآصار وأغلال" انتهى. [مجموع الفتاوى: 18/263].

قال ابن القيم: "وهذه العبارات التي أحدثت عند افتتاح الصلاة نويت أن أصلي لله فرض الظهر القائم" يعني ما هو قضاء، خلف الإمام جماعة، أربعًا؛ لأنه يمكن ثنتين قصر، لازم تعين، وبعضهم يقول : خلف فلان، ولو طلع أنه غير مع الزحمة، ما شافه طلع واحد ثاني يعيد الصلاة، يقول ابن القيم : وهذه العبارات التي أحدثت عند افتتاح الصلاة الطهارة والصلاة، قد جعلها الشيطان معتركًا لأهل الوسواس، يحبسهم عندها، ويعذبهم فيها، ويوقعهم في طلب تصحيحها، فترى أحدهم يكررها ويجهد نفسه في التلفظ بها، وليست من الصلاة في شيء، وإنما النية قصد فعل الشيء، فكل عازم على فعل فهو ناويه، لا يتصور انفكاك ذلك عن النية فإنه حقيقتها، ومن قعد ليتوضأ فقد نوى الوضوء، ومن قام ليصلي فقد نوى الصلاة، ولا يكاد العاقل يفعل شيئًا من العبادات ولا غيرها بغير النية، فالنية أمر لازم لأفعال الإنسان المقصودة، لا يحتاج إلى تعب في تحصيلها. [إغاثة اللهفان] قال : وبلغني عن أحدهم أنه كان شديد التنطع في التلفظ بالنية، والتقعر في ذلك، فاشتد به التنطع والتقعر يومًا إلى أن قال : هذا مثلًا إمام وعنده هذه المشكلة أصلي أصلي أصلي أصلي هذا مع الوسواس والعياذ بالله مرارًا، حتى تطلع واحدة تضبط منها؛ لأن بعض الأئمة هذا نعرفه في بعض البلدان، لأن الناس وراءه، هو الآن في المحراب، لحظة لحظة ما ضبطت أصلي أصلي، وبعدين تطلع الهمزة يفكر، أو هذه أصلي أصلي أصلي ويكرر ويعيد ويعيد ويزيد، ولم يضبط، فلذلك حتى يمكن ربع ساعة، حتى يدخلوا في الصلاة، يقول ابن القيم رحمه الله في إغاثة اللهفان : وبلغني عن أحدهم أنه كان شديد التنطع في التلفظ بالنية، والتقعر في ذلك، فاشتد به التنطع والتقعر يومًا إلى أن قال : أصلي مرارًا صلاة كذا وكذا وصلاة، ويعيد، وأراد أن يقول : أداء يعني تمييزًا لها عن القضاء، أداء فالدال طلعت معه بنقطة، فقال : أذاء، قام واحد من المصلين قال : هو يقول : أذاء لله، قال : هو لازم، يقول : أداء لله حسب النية، قال : أذاء لله، قال : ولرسوله، ولجماعة المصلين، وتركه ومشى، قال : فقطع الصلاة رجل إلى جانبه فقال :  ولرسوله وملائكته وجماعة المصلين، الآن البحث الذي سنقف عليه هل النية شرط أم ركن؟ وماذا سيترتب على ذلك؟ ثم وقت النية متى ينوي؟ لأن بعض الناس يقول : قد تتأخر النية، إذا تأخرت النية، يعني إذا نويت وبعدين رجعت بدأت بالصلاة هل النية هذه تكفي أم لا؟ ما هي النية المتأخرة؟ ومسألة النية للوضوء والغسل، وإذا كان هناك أكثر من حدث، رفع الأحداث بنية واحدة، امرأة قد تكون عليها جنابة وحيض ثم طهرت من الحيض فكم غسل تغتسل ؟وإذا كان واحدًا تنوي رفع كم حدث فهذا ما سنعرفه إن شاء الله في الدرس القادم والله تعالى أعلم.