الخميس 12 رجب 1444 هـ :: 2 فبراير 2023 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

أوصني


عناصر المادة
جمال الوصية ومنزلتها
وصايا الله لعباده
وصايا الأنبياء للأبناء
وصايا لقمان لابنه
وصية نوح -عليه السلام- لابنه
وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس
وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه
وصايا النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر
وصايا الصحابة والتابعين والعلماء والحكماء
وصية ابن عباس لجندب بن عبد الله
وصية زهير بن نعيم البابي لعبيد الله بن عبد الغفار
وصية ابن السماك لأخ له
وصية الإمام أبي عبد الله السلمي الزاهد
وصية ابن قدامة -رحمه الله-
الوصية بالكتاب والسنة
الوصايا في زمن الفتن
سلامة ونقاء مصدر التلقي
الوصية بالعقيدة والتحذير من البدع
الوصية بالإيمان بالقضاء والقدر
الوصية باتباع السنة
الوصية بالمبادرة بالأعمال الصالحة
الوصية بتقديم الآخرة على الدنيا
وصايا في التعامل مع الفتن

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جمال الوصية ومنزلتها

00:00:25

"أوصني" كلمة جميلة يطلبها ذلك المسلم من نبيه ﷺ ومن أهل العلم، ومن أهل الحكمة، يطلبها الابن من أبيه، والطالب من معلمه، والتلميذ من شيخه.

"أوصني" تلك الكلمة التي فيها استجلاب الخير بالعبارات المجملة.

والوصية العهد المؤكد، ومن أخلاق النبوة وأهل العلم والفضل التواصي والتناصح فيما بينهم.

وهذا التواصي مطلوب من الأخ لأخيه، والزوج لزوجته، والشيخ لطلابه، بل هذه الوصية عامة بين الناس بلزوم الخير وترك الشر، هذه الوصية نصيحة، هذه الوصية التي درج عليها الأكابر، لمثلها أثر كبير في النفوس.

وصايا الله لعباده

00:01:35

وقد زخرت الكتب الإلهية والسنن النبوية وعبارات الصالحين وأهل العلم بالوصايا النافعة، وعلى رأسها وصايا الله لعباده: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: 13].

فإذًا، الوصية من الله لعباده وعلى رأسهم الأنبياء بإقامة الدين.

فإقامة الدين، هذه مسؤوليتنا جميعًا، إقامة الدين وعدم التفرق فيه، لابد أن نقيم الإسلام في الأرض، ولابد أن يكون هذا الدين الذي نقيمه بالدعوة إليه، وامتثال أمره وبيان حكمه، لابد أن يكون هذا الدين الذي نقيمه، هذا الذي أمر الله به وشرعه.

وهذه الوصية من الله بإقامة الدين وعدم التفرق فيه لا شك أنها تحذرنا من قضية الفرق ومن قضية التحزبات التي يتعصب أصحابها لها؛ لأن المطلوب أن نقيم الدين ولا نتفرق، بل أن نكون إخوة فيه متحابين.

وكذلك يجب على كل من يعمل للإسلام اليوم، أن يضع هذه الوصية نصب عينيه بأن يكون كل المسلمين إخوة له: أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: 13]، وأن لا يكون هناك بين المسلمين تعصبات تحزبات، وإنما يكون الولاء لأهل الإيمان والبراءة من أهل الشرك وأهل البدعة والكفران، وأننا نوالي المؤمن بحسب ما عنده من الإيمان، ونبرأ مما عند كل إنسان من الانحراف والعصيان.

نلاحظ أن الوصايا الإلهية فيها تكامل: قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا ، هذه عقيدة وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا الأن هذه صلة، وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ [الأنعام: 151]، وهذه النفقة على من أوجب الله عليك النفقة عليهم أقرب الناس إليك أولادك، وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأنعام: 151]، حتى قضية الأخلاق تصان، والعفة كذلك يكون لها الحماية، وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ  فلا عدوان على دماء الآخرين، ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ  [الأنعام: 151]، وأيضًا لا عدوان على أموال الآخرين، ولذلك قال: وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ [الأنعام: 152]، وكذلك العدل في المعاملة وإيفاء الناس حقوقهم: وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [الأنعام: 152].

العمل الطيب يقابله قول طيب وهو الأمر بالعدل: وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأنعام: (152]؛ لأن الانحرافات كثيرة، وأن الفرق التي ستخرج متعددة، فالله أمرنا بلزوم الصراط المستقيم، والحذر من هذه الفرق: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  [الأنعام: 153]. والذي ينظر اليوم في الفرق، وماذا فعلت بالمسلمين كيف شرذمتهم؟ كيف طعنتهم في خواصرهم؟ كيف فتحت أبواب الأعداء مؤامرات الأعداء وأعانت الأعداء عليهم؟ سيجد أن هذا فعلًا أمر من الخطورة بمكان، ولذلك جاءت الوصية به.

هذه الوصايا عليها مدار الإسلام، نجد أن الوصايا فيها النجاة، هذه الوصايا فيها طريقة الإبحار في اللجج والأمواج العاتية.

ونجد كذلك أن الوصايا أنفس الوصايا ما يكون في ختام الحياة وقبل المفارقة والتوديع.

وصايا الأنبياء للأبناء

00:06:09

وكذلك يكون منها الوصايا المشفقة من الأب للابن، فعلى سبيل المثال قال وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ *  أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ  [البقرة: 132- 133].

فإذن، هذه الوصايا الأبوية للأبناء، هذه الوصايا التي تكون قبل الوفاة، ما هي الوصية هنا؟

الثبات حتى الممات؛ لأنه قال لهم: إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ  [البقرة: 132] كررها عليهم وسألهم، يريد أن يتأكد.

ولا شك أن الكلام لحظة الاحتضار فيه من قوة الإيحاء وعمق التأثير ما فيه، والإنسان عندما يموت يقول أخلص ما عنده، ويقول أثمن ما عنده، وبالذات إذا كان لأولاده، يجمع لهم كل ما يمكن من الخير: مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي  قضية التوحيد: قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ [البقرة: 133].

فإذن، هذا التوحيد وصية الأنبياء، فنحن ينبغي علينا أن نكثر من التوصية به، يعني لإخواننا وأولادنا حضرًا، سفرًا، كتابيًا، شفويًا، سواء كان وجاهيًا من خلال الكتابة في هذه الأجهزة، هذا أمر يجب أن يكون عليه مدار ما نهتم به، الوصية بتحقيق التوحيد.

وصايا لقمان لابنه

00:08:01

لما ننظر إلى وصية لقمان الحكيم -رحمه الله- لابنه نجدها تشتمل على ثلاثة مواضيع أساسية: العقيدة، والعبادة، والأخلاق: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 12- 13].

بدأ بالنهي عن الشرك لعظمه وفشوه في الخلق في البشرية وخطورته، وكذلك فإن النهي عن الشيء أمر بضده، فهو أمر بالتوحيد، ثم ذكره برقابة الله وقدرة الله، وعلم الله وإحاطته: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ  [لقمان: 16].

فلو كانت في صخرة صماء مغلق عليها لا تعزب عن علم الله.

ثم بدأ بالعبادة فقال أيضًا: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ ، ورأس العبادة الصلاة: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ  الدعوة إلى الله: وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ [لقمان: 17 - 18].

هذا النهي عن الكبر: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ هذا الأمر بالتواضع، إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان: 19].

فإذن، معرفة المنهج عقيدة، والعمل به أيضًا عبادة، والدعوة إليه والصبر على الأذى في سبيل ذلك، وأيضًا الأخلاق والآداب.

وصية نوح -عليه السلام- لابنه

00:09:49

نوح أوصى ابنه أيضًا: "إن نبي الله نوحًا ﷺ لما حضرته الوفاة، قال لابنه: إني قاص عليك الوصية آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين، آمرك بلا إله إلا الله، فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله، -هذه واحدة- والثانية وسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق الخلق، هذه العبارة العظيمة، سبحان الله وبحمده، والنهي؟ قال: أنهاك عن الشرك والكبر، الشرك جماع الشر في العقيدة والكبر جماع الشر في الأخلاق والمعاملات، [رواه أحمد: 6583، وصحح إسناده ابن كثير -رحمه الله-].

نلاحظ أيضًا أن وصية نوح كان فيها الأمر بالتوحيد: لا إله إلا الله، وكان فيها الذكر: سبحان الله وبحمده، وكان فيها النهي عن ضد التوحيد وهو الشرك، وكذلك النهي عن الكبر الذي يصد عن الحق وفيه غمط الناس حقوقهم.

وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس

00:11:10

الوصية اليوم في هذا العالم الذي يموج بالفتن، وهذا العالم الذي يموج اليوم بالمبادئ المختلفة والانحرافات المختلفة يجعل رفع لواء الوصية بالعقيدة، الوصية بالتوحيد أمرًا مهمًا.

وكذلك عندما يكون العالم اليوم يعج بأنواع الانحرافات التي فيها الولوغ في هذه الشهوات وفي هذه الشبهات يكون الاستمساك بالأصول من جهة، والحرص على العفة من جهة أمر مهم للغاية.

الناس كثيرًا ما يغيرون مواقعهم، يكون في بلده فيذهب إلى بلد غربة، يكون طالبًا فيصبح موظفًا، يكون أعزبًا فيصبح متزوجًا، وهكذا..، فيحتاج الناس إلى وصايا أو جمل، عبارات دائمًا يصطحبونها معهم، دائمًا تكون معهم مهما تغيرت الأحوال، فإذا أخذنا مثلًا وصية النبي ﷺ لابن عباس: يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك تجد أن هذه العبارة احفظ الله يحفظك  نافعة حضرًا وسفرًا في بلد الغربة وبلد الوطن، و احفظ الله يحفظك يعني سواء كان صغيرًا كبيرًا متزوجًا أعزب، إلى آخره، يعني الآن الدنيا تتغير بالناس، مثلًا يكون فقيرًا أو ماله عادي فيصبح غنيًا أو العكس، وقد يكون أيضًا الشخص طالباً فيصبح صاحب وظيفة أو صاحب منصب، مثل عبارة احفظ الله يحفظك تنفع الكبير والصغير، وتنفع الناس عند اختلاف الأحوال، وتكون معهم أصلًا يأخذونه، لو غاب عنك ابنك ما هو الشيء الذي تحب أن يكون متأصلًا في نفسه؟

 احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك .

أحيانًا الواحد يريد أن يستحضر كلامًا يقوله عند مفارقة أشخاص عزيزين عليه، لكن ماذا يريد أن يقول؟ مثل هذه العبارات التي فيها تحقيق التوحيد: إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك [رواه الترمذي: 2516، وقال: "حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وأحمد: 2669، وقال محققو المسند: "إسناده قوي"].

هذه الوصايا من النوع الذي فيه ذكر القواعد الكلية في الدين، هذه الوصايا التي من النوع الذي يحفظ بسرعة، الوصية من طبيعتها أن تكون قصيرة سريعة متضمنة للمعاني الجزيلة: احفظ الله يحفظك هي ثلاث كلمات، احفظ الله يحفظك ، لكن ماذا تنطوي عليه من المعاني البالغة البليغة؟

وأيضًا فإن الناس يقارعون الأشخاص، يوميًا يدخل بعضهم في معارك ومواجهات سواء كان مع أعداء أو حساد أو منافسين، فعندما يخبر بمثل قول النبي ﷺ: واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك .

هذه تنفع الشخص الداعية وهو يقارع الأعداء، تنفع المجاهد وهو يقارع كذلك الأعداء، فهذه من جهة تحقيق التوكل والإقدام في الأعمال نافعة للغاية.

وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه

00:14:53

وصية النبي ﷺ لأصحابه في حديث العرباض بن سارية: "وعظنا رسول الله ﷺ يومًا بعد صلاة الغداة، موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: أوصيكم  الوصية جاءت بعد الموعظة.

فإذن، لين القلوب أولًا، ثم أودعها ما أودعها، فهو أولًا وعظهم موعظة ذرفت، يعني وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون سواء وعظهم بلقاء الله بالموت، وعظهم بما في الدار الآخرة، وعظهم بأشياء لينة القلب، بعد ذلك أوصاهم، قال: أوصيكم بتقوى الله هذه من المعاني الجامعة أيضًا؛ لأنك لو ترسخ في النفس اتقاء عذاب الله بفعل الواجبات وترك المحرمات خلصنا هذا هو الدين، قال:  والسمع والطاعة وإن عبد حبشي  فهو يعلم أنه ﷺ أن أمر الأمة لا يستقيم إلا بالسمع والطاعة لابد، إذا أقاموا كتاب الله فاسمعوا لهم وأطيعوا، إذا حكموا بشرع الله اجتمعوا عليهم ولا تفترقوا، إذا حكموا فيكم كتاب الله لا تنزعوا يدًا من طاعة ولو عبد حبشي، مهما كان أصله، مهما كان لونه، مهما كان لسانه، فالعبد الحبشي ليس عربيًا، ليس لسانه عربيًا، ولا لونه أبيض، عبد حبشي، حتى أصله ليس حرًا، لكن تغلب عليهم، قال: والسمع الطاعة وإن عبد حبشي  وهذه أمر الأمة لا يمكن أن يصلح بدون اجتماع، فإنه من يعش منكم يرى اختلافًا كثيرًا، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين 

ما هو الاختلاف؟

الاختلاف في المنهاج، الاختلاف في العقائد، الاختلاف في الأصول، ولذلك قال: فمن أدرك ذلك ذلك يعني الاختلاف فعليه بسنتي  فهذا هو الأصل الذي يستمسك به عند الاختلاف، فيعصم من الانحراف، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور .

ما أكثر محدثات الأمور اليوم، ما أكثر محدثات الأمور سواء كان في العقيدة، وكذلك العبادة، اليوم رسائل الواتسآب مليئة بانحرافات في موضوعات في العقيدة وفي العبادة، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة [رواه أبو داود: 4607، وأحمد: 17144، وقال محققو المسند: "حديث صحيح"].

والناظر في كل الانحرافات الموجودة اليوم سيجد أن هناك في الكتاب والسنة حمايات منها، لكن استخراج الحمايات ونشرها بين الناس والتأكيد عليها هذا من أعمال الأنبياء، والنبي ﷺ لما قال:  عليكم بسنتي وسنة الخلفاء عضوا عليها ما قال: عضوا عليهما، ليبين أنهما شيء واحد.

النبي ﷺ أوصى أصحابه بأشياء تدل على أن هناك في قادم الأيام، مستقبل الأمة، وما يأتي في الزمان، هناك أمور فتن تؤدي إلى حرف الإنسان عن مبادئه والثوابت التي هو عليها، ولذلك جاءت كلماته فيها الأمر بالثبات ولزوم الحق مهما كانت القوة عاتية، يعني نحن الآن نرى في الواقع أن هناك قوى غاشمة تريد حرف الناس عن الحق وتستعمل سلطة التأثير الإعلامي مع قوة البطش بالسلاح لأجل حرف الناس، النبي ﷺ قال لأبي الدرداء لما قال: أوصاني خليلي ﷺ ألا تشرك بالله شيئًا وإن قطعت وحرقت" هذه كلمة "قطعت وحرقت" تعني أن هناك تعذيب ممكن يطال المسلم لأجل أن يترك التوحيد ويقع في الشرك.

فإذن، "وإن قطعت وحرقت" "ولا تترك صلاة مكتوبة متعمدًا" هذه وصية، فإذًا التوحيد والصلاة، "فمن تركها متعمدًا فقد برئت منه الذمة، ولا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر".

فتضمنت إذن نهي عن الشرك ونهي عن ترك الصلاة ونهي عن الخمر.

وصايا النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر

00:20:09

النبي ﷺ كان يوصي بعض أصحابه بأمور من الأخلاق مهمة في التعامل خصوصًا إذا كان الإنسان له طبيعة نفسية خاصة، أبو ذر قال: "أوصاني خليلي ﷺ بخصال من الخير: أوصاني بأن لا أنظر إلى من هو فوقي، وأن انظر إلى من هو دوني، وأوصاني بحب المساكين والدنو منهم، وأوصاني أن أصل رحمي وإن أدبرت، وأوصاني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأوصاني أن أقول الحق وإن كان مرًا، وأوصاني أن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها كنز من كنوز الجنة [رواه ابن حبان: 449، وصححه الألباني].

إذا نظرنا في الوصية نجد أن فيها آداب في التعامل مع الخلق، ونجد أن فيها أوامر بالتواضع، ونجد أن فيها أوامر بلزوم الحق، وكذلك ذكر الله .

أبو ذر كان مشهوراً بتنفيذ الوصايا النبوية، التنفيذ القوي، التنفيذ الكامل، مرة كان قائماً جلس، مرة جلس ثم اضطجع، فسأله أحدهم : أنت كنت قائماً ثم جلست ثم اضطجعت، فأخبره عن وصية النبي ﷺ عند الغضب، إذا واحد غضب ماذا يفعل؟ وحفظ هذه الوصايا، يجعل الواحد الاهتمام بها ينفذها ولو كان في حال فوران المشاعر؛ لأن الذي ينفذ الوصايا حين الغضب هذا إنسان قلبه حي، عادة الناس حين الغضب ينسون الوصايا، يقول: كنت أنا أعرف الكلام لكن حين الموقف الانفعالي هذا غاب عن بالي، المهم أن تحفظ الوصايا وما تغيب عن البال عند الانفعالات والتغيرات النفسية، والتي تخرج عادة الإنسان عن طوره.

إذن، أوصاني هذه الوصية، وفيها أيضًا أشياء تكون في حال المواقف المخيفة، مثلًا "أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأن أقول الحق وإن كان مرًا" هذه وصية تنفيذها يتطلب جرأة؛ لأنه عادة الإنسان يتهيب من فوقه، يتهيب من هو أقوى منه، فإذا صارت عنده الوصية أن لا يخاف في الله لومة لائم وأن يقول الحق وإن كان مرًا، معناها هنا ينبغي عليه أن يكون جريئًا ليقول الحق سواء جريئًا على غيره من الظلمة أو على نفسه؛ لأن قوله: "وإن كان مرًا" يعني مرًا عندك، فهذه تطلب جرأة على الغير في حال الخشية منه، وجرأة على النفس في حال كون الكلام الذي سيقال لغير هواها وإن كان مرًا، مرًا على نفسك.

وصايا الصحابة والتابعين والعلماء والحكماء

00:23:33

الصحابة والتابعون والعلماء والحكماء سلكوا هذا الطريق، كانوا يوصون أصحابهم ويوصون تلاميذهم ويوصون أهليهم.

وصية ابن عباس لجندب بن عبد الله

00:23:47

كان جندب بن عبد الله الأنصاري صديقًا لعبد الله بن عباس فقال له حين ودعه: أوصني يا ابن عباس فإني لا أدري أنجتمع بعدها أم لا؟ قال: أوصيك يا جندب ونفسي بتوحيد الله وإخلاص العمل لله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فإن كل خير أتيت بعد هذه الخصال مقبول" مبني عليها، وهذه الفاتحة، وإلى الله مرفوع، ومن لم يكمل هذه الأعمال رد عليه ما سواها.

بشر بن عبيد الله يروي قال: خرج حبيب بن مسلمة من عند معاوية متأبطًا سيفه قد أمره على بعض المغازي، فمر بأبي الدرداء فسلم عليه، فقال له: يا عم أوصني بشيء؟ قال: ادن يا ابن أخي، اعبد الله -تعالى- يومًا بيوم، أيش معناها؟ فسرها، قال: "ولا تؤخر عبادة الله -تعالى- لغد".

إذن، اعبد الله يومًا بيوم، يعني عمل اليوم من العبادة لا تقل أعمله غدًا، عندك حزب من القرآن، لا تؤجله إلى الغد، عندك أي عمل صالح أنت متعود عليه، أو أنك تعمله هذا اليوم، لا تؤجله في الغد، اعبد الله يومًا بيوم، ولا تؤخر عبادة الله لغد، واعدد نفسك مع الموتى".

-سبحان الله- الواحد إذا اعتبر نفسه مات تنفتح له همم جديدة، إذا واحد اعتبر نفسه مات تنفتح له همم جديدة تكون في نفسه "واعدد نفسك مع الموتى، وإياك ودعوة المظلوم"؛ لأن هذا سيتولى، هذا الآن ولي على جيش، ذاهب الآن في غزوة، قال: "وإياك ودعوة المظلوم واذهب بسم الله -تعالى-".

إذن، اذهب بسم الله مستحضرًا النية في الذهاب، وكذلك آخذًا بشرع الله في الذهاب، ونيتك نصر الله في الذهاب، فليس حظ النفس ولا الرياء، ولا.. ولا، يعني هذه تذكير بالإخلاص؛ لأنه قال في هذه الوصية: "اذهب بسم الله" والنبي ﷺ قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله [رواه مسلم: 1731].

وصية زهير بن نعيم البابي لعبيد الله بن عبد الغفار

00:26:34

وقال عبيد الله بن عبد الغفار: قلت لزهير بن نعيم البابي: أوصني؟ قال: "أوصيك بتقوى الله ، لأن نتقي الله أحب إلي من وزن هذه الأسطوانة ذهبًا أو فضة أنفقها في سبيل الله؛ لأن التقوى ملازمة طيلة العمر، والأسطوانة هذه ممكن تنفق في يوم أو يومين وتنتهي، ولذلك قال: لأن نتقي الله أحب إلي من وزن هذه الأسطوانة ذهبًا أنفقها في سبيل الله، إن لله عبادًا ذكروه بألسنة دنسة وحضروا بين يديه بقلوب معرضة، ورفعوا إليه أكفًا خاطئة، ولحظوا السماء بأعين خائنة، فمثل هؤلاء يسألونه مقامات المتقين، هيهات هيهات خابت ظنون المغترين بالله والمؤثرين بالعرض الأدنى عليه".

فهو الآن يقول: بعض الناس تجدهم في مقام عبادات، لكن القلب ما هو صافي، والمال الحرام يؤكل، والإعراض حاصل، هؤلاء غير مؤهلين لمقامات المتقين، قال: "وإن لله عبادًا ذكروه فخرجت نفوسهم إعظامًا له واشتياقًا، وقومًا ذكروه فوجلت قلوبهم فرقًا وهيبة له، وعبادًا ذكروه فأحرقوا بالنار فلم يجدوا لمس النار ألماً، وآخرون ذكروه في الشتاء وبرده فتفصدوا عرقًا، مع أن الشتاء ما هو وقت العرق، وقومًا ذكروه فحالت ألوانهم، فهل من رجل أناب إلى الله سريعًا وأخفى جميلًا وعامل حبيبًا وتاجر قريبًا وعاش في الدنيا غريبًا وقدم على الله فردًا وحيدًا".

وهذه الوصية تتضمن الأمر أن يكون اللي في القلب مطابق لما في اللسان، وأن بعض الناس يقومون في مقامات عبادة وقلوبهم من الداخل سوداء، وإن كانت أشكالهم من الخارج أنهم يصلون ويدعون، ونحو ذلك، وهناك ناس من هيبة الله عرقوا في الشتاء وتغيرت ألوانهم، وهذا يدل على حسن ما بداخلهم، وجميل باطنهم.

وصية ابن السماك لأخ له

00:28:29

وكذلك أوصى ابن السماك أخًا له فقال: أوصيك بتقوى الله الذي هو نجيك في سريرتك، ورقيبك في علانيتك، فاجعل الله في بالك على حالك في ليلك ونهارك، وأحب الله بقدر قربه منك وقدرته عليك، واعلم أنك بعينه ليس تخرج عن سلطانه إلى سلطان غيره، ولا من ملكه إلى ملك غيره، فليعظم منه حذرك وليكثر منه وجلك.

فإذن، وصية ابن السماك قائمة على تحقيق التقوى ومراقبة الله ، هذا الأمر الذي أكد عليه: مراقبة الله، وأن الله محيط بك لن تهرب منه، فأنت تحت سلطانه وقهره.

مما حفلت به الوصايا الإسلامية: الأمر بالتوكل على الله، قال إبراهيم البكاء لمعروف: أوصني؟ قال معروف: توكل على الله ، حتى يكون هو موضع شكواك، فإن الناس لا ينفعونك ولا يضرونك.

فإذًن، اللجوء إليه والطلب منه والاعتماد عليه، اترك الناس، الجأ إلى الله.

وصية الإمام أبي عبد الله السلمي الزاهد

00:30:57

 وجاء في وصية الإمام أبي عبد الله السلمي الزاهد: أوصيك بإيثار طاعة الله -تعالى- واجتناب مخالفته والإقبال عليه، والرجوع في كل هم إليه، وترك الركون إلى الخلق والاعتماد عليهم، وإياك والرجوع إليهم في كل شيء من أسبابك، بل يكون رجوعك إلى الله، واعتمادك وتوكلك عليه، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، واعلم أن الخلق كلهم عاجزون ومدبرون، ومن عجز عن نفع نفسه كيف يقدر أن ينفع غيره، ولذلك قال بعض السلف: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون.

إذًا، الاستغناء عن الخلق هذه سمة موجودة في الوصايا، والوصايا النبوية فيها هذا الشيء واضح، بل كان ﷺ يعاهد بعض أصحابه عن الاستغناء عن المخلوقين.

وصية ابن قدامة -رحمه الله-

00:32:04

وابن قدامة -رحمه الله- جاء في وصيته: "وفوض أمرك إلى الله -تعالى-، واستطرح بين يديه، وأشعر قلبك أن لا ينالك من الرزق والخير إلا ما كتبه الله لك، ولو اجتهدت فيه بحيلة السموات والأرض، واعلم أن من هو في البحر على لوح ليس هو بأحوج إلى الله -تعالى- وإلى لطفه ممن هو في بيته وماله وولده" يعني كلهم محتاجون، حاجتك إلى الله وأنت في بيتك ومالك وولدك، لا تقل عن حاجة المنطرح على لوح في البحر يوشك على الهلاك، فهو يسأل ربه، ويتضرع أن ينجيه، قال: "فإذا حققت هذا في قلبك فاعتمد على الله اعتماد الغريق الذي لا يعلم له سبب نجاة غير الله -تعالى-، قال: "وإذا سألت الله فاسأله وأنت موقن بأنه مطلع عليك سامع لدعائك قادر على إجابتك لا يتعاظمه شيء، وإذا سألت أمرًا فاسأله الخيرة" يعني اللهم اختر لي الخير؛ لأنك قد لا تدري أين الخير، وإذا شاء الله أعطاك رغبتك، وخار لك في ذلك، فيجتمع لك الأمران، "واعلم أن الله -تعالى- إذا نظر إليك وعلم أنك قد جعلته معتمدك وأفردته بحوائجك أعطاك أفضل ما سألته".

الوصية بالكتاب والسنة

00:33:50

ومن الأمور التي اشتملت عليها الوصايا أيضًا: الوصية بكتاب الله.

أما وصية النبي ﷺ الأمة بالكتاب فهي معروفة.

والكتاب والسنة هذان الثقلان، من تمسك بهما لا يضل، قال رجل لأبي بن كعب: "أوصني؟ قال: اتخذ كتاب الله إمامًا، وارض به قاضيًا وحكمًا، فإنه الذي استخلف فيكم رسولكم شفيع مطاع، ما الذي خلفه فيكم هذا الكتاب؟ شفيع مطاع، وشاهد لا يتهم، فيه ذكركم وذكر من قبلكم، وحكم ما بينكم وخبر ما بعدكم.

وجاء رجل إلى ابن مسعود فقال: أوصني؟ قال: إذا سمعت الله يقول في القرآن : يا أيها الذين آمنوا، فأصغ لها سمعك، فإنه خير تؤمر به أو شر تصرف عنه.

الوصايا في زمن الفتن

00:34:49

وقال جعفر بن برقان: حدثني بعض أصحابنا: أن رجلًا من حمير كان يتعلم القرآن عند ابن مسعود، فقال له نفر من قريش: لو أنك لم تعلم القرآن حتى تعرف؟ يعني تعرف العلوم الأخرى وبعدين تعلم القرآن، فذكر ذلك الحميري لابن مسعود فقال: "بل فتعلمه، فإنك اليوم في قوم كثير فقهاؤهم، قليل خطباؤهم، كثير معطوهم، قليل سؤالهم، يحفظون العهود ولا يضيعون الحدود، والعمل فيه قائد للهوى، فالهوى تابع وليس متبوع ولا قائد، قال: "ويوشك أن يأتي عليكم زمان قليل فقهاؤه، كثير خطباؤه، كثير سؤاله، قليل معطوه، يحفظون الحروف ويضيعون الحدود، والهوى فيه قائد للعمل، قال الحميري: وليأتين علينا زمان يكون فيه الهوى قائدًا للعمل؟ قال ابن مسعود: نعم، قال الحميري: فمتى ذلك الزمان؟ قال: إذا أميتت الصلاة وشيد البنيان" يعني ترى المساجد بنيان لكن خشوع المصلين فيها غير موجود، فالصلاة ميتة في المساجد المشيدة، الصلاة ميتة في المساجد المشيدة، قال: "إذا أميتت الصلاة وشيد البنيان، وظهرت الأيمان" كثرة الحلف "واستخف بالأمانة، وقبلت الرشا، الرشاوى، فالنجاة النجاة، قال الحميري: فأفعل ماذا إذا حصلت هذه الأشياء؟ قال: "تكف لسانك وتكون حلسًا من أحلاس بيتك" يعني الزم بيتك ولا تبرحه، قلت: "فإن لم أترك؟ دخلوا علي؟ قال: "تسأل دينك ومالك فاحرز دينك وابذل مالك، قال: فإن لم أترك؟ قال: "تسألك دينك ودمك، فاحرز دينك وابذل دمك" قال: قتلتني يا ابن مسعود؟ قال: هو القتل أو النار، قال: فمن خير الناس في ذلك الزمان؟ قال: غني مستخف، قال: فمن شر الناس في ذلك الزمان؟ قال: الراكب الموضع، والخطيب المسقع، يعني الموضع المسرع في الفتنة، أوضع يعني أسرع، والخطيب المسقع أو المصقع البليغ الماهر في خطبته الداعي في الفتنة، يحرض الناس عليها يدعوهم إليها يحرضهم عليها.

الوصايا نجد أن فيها في وقت الفتن:

أولاً: أن لا تكون أنت مثيرًا لها.

ثانياً: التباعد عنها.

بعض الأحاديث فيها الزم بيتك، واتخذ سيفًا من خشب، وكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل، وتعض على شجرة، وإلا غنم في شعف الجبال، هذا متى يكون؟ لأن بعض الناس أول ما يسمع بعض هذه الأحاديث في الفتن، ويكون في وقت أو مكان يظن أن هذا هو، الآن نحن إذا كان الإنسان في مكان أو زمان يعرف فيه الحق فيلزم أهله على حديث حذيفة: "عليك بجماعة المسلمين"، لكن إن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: تعض على جذع شجرة" خلاص كن أنت وحدك على الحق ولو تموت وأنت عاض على جذع شجرة، ويكون خير مال المرء المسلم غنم يتبع به شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن" هذا متى يكون ؟ هذا يكون إذا لم يوجد جماعة على الحق، لكن إذا وجدت جماعة على الحق فيجب أن يكون معهم، وأن ينصرهم، وأن يتعاون معهم على البر والتقوى، وأن يدعو الله معهم؛ لأن الدنيا هذه أحوال، ولا يجوز أن تنزل أحاديث أحوال على أحوال ليست منها، ولذلك الصحابة سألوا النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أشياء كثيرة، والنبي ﷺ أخبرهم عن أحوال كثيرة، وعن العافية التي تكون في أول الأمة، وعن الدخن الذي يكون حق وباطل، وخير وشر وفيه خلط، وعن فتن تكون في آخر الزمان كقطع الليل المظلم، خلاص، لا يجد أحداً، هذا يعني، الزم بيتك، وإذا ما تسلم، فعليك برأس جبل، فإذا كان هناك ناس على الحق لابد أن يكون معهم، ولابد أن ينصرهم؛ لأن نصر الحق واجب، لابد من نصر الحق.

وليس كل زمن وكل وقت يستحضر فيه الإنسان، الزم بيتك، واعتزل الفرق، واعتزل الناس، واعتزل الفرق كلها.

متى حديث اعتزل الفرق كلها؟

لما يكون ما في أحد على الحق إلا أنت، والباقي فرق على أبواب جهنم يدعون إليها، هذا الوقت الذي يقال: أغلق عليك باب بيتك، وألق على عينيك ثوبك، وليبوء بإثمك، لكن إذا كان هناك حق فلابد من الدفاع عنه، إذا كان هناك دين في الأرض فلابد من الجهاد لإعلائه، وتنزيل النصوص التي في حال معينة على غير الحال التي هي اللي قيلت فيها سيؤدي إما إلى سلبية قاتلة، وتخلف عن نصرة الله ورسوله ودينه، تخلف عن أهل الحق والتخلف عن المسلمين، أو الانحراف الآخر أن يسعى في فتنة وينفخ فيها ويسعى في إثارتها، ويكون جنديًا من جنود إبليس.

سلامة ونقاء مصدر التلقي

00:41:35

حفلت النصوص أيضًا بقضية سلامة المراجع ونقاء المصدر الذي نتلقى منه، عن الأسود بن يزيد قال: "أصبت أنا وعلقمة صحيفة" يعني من صحف أهل الكتاب، أحيانًا فيه مخطوطات، ممكن تكون سليمة، يمكن ما تعرضت للتحريف، أو التحريف فيها قليل جدًا، ممكن توجد مخطوطات قديمة سلمت من كثير من التحريفات، عن الأسود بن يزيد قال: "أصبت أنا وعلقمة صحيفة، فانطلق معي إلى ابن مسعود بها، وقد زالت الشمس أو كادت تزول، فجلسنا بالباب" يعني حياء من الشيخ، ما طرقوا عليه، قالوا: ننتظر حتى يخرج، ما نستعجله، قد يكون مشغولًا، قد يكون يتطهر، يغتسل، يستعد للصلاة، ما نزعجه، ننتظر، إذا خرج نسأله، فابن مسعود كأنه أحس فقال للجارية التي عنده: "انظري من بالباب، فقالت: علقمة والأسود" يعني من تلاميذك، فقال: "ائذني لهما، فدخلنا، فقال: كأنكما أطلتما الجلوس" يعني يلاطف طلابه، قلنا: أجل، قال: فما منعكما أن تستأذنا؟ قالا: خشينا أن تكون نائمًا؟ قال: ما أحب أن تظنوا بي هذا، إن هذه ساعة كنا نقيسها بصلاة الليل" يعني أنا ما عندي غفلة في هذا الوقت، أنا أعبد الله فيه، وأسبح ربي قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، فقلنا: هذه صحيفة فيها حديث حسن، فقال: يا جارية هاتي الطست واسكبي فيه ماء، قال: فجعل يمحوها بيده، أدخل الصحيفة وعليها مكتوب بالحبر، يعني هذا وجعل يمحوها بيده، ويقول: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف: 3] فقلنا: انظر فيها فإن فيها حديثًا عجبًا، فجعل يمحوها، ويقول: "إن هذه القلوب أوعية فأشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره".

الآن بعض الناس مشغولين بنبوءات نوستر اداموس، بعض الناس يفتحون يقول: فيه مصادر، فيه كتب، فيها أخبار غريبة، وفيه أشياء يمكن تكون من أخبار من قبلنا، النبي ﷺ قال:  أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ يعني: أتشكون، تهلكون في ذلك، نهاهم عن النظر في كتب أهل الكتاب.

وهذا ابن مسعود كذلك يغسل الصحيفة، ما يريد شيئاً غير القرآن، المصدر القرآن، المرجعية القرآن، وشرحه وهو السنة.

الوصية بالعقيدة والتحذير من البدع

00:44:34

وكان في وصاياهم كذلك الحذر من البدع، وفي أمور العقيدة، في صفات الله كما خاض كثير من الخائضين، قال عبد الرحمن بن عمر الأصبهاني: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول لفتى من ولد جعفر بن سليمان: مكانك، هذا عبد الرحمن بن مهدي من كبار العلماء، وجعفر بن سليمان الأمير، وعبد الرحمن بن مهدي وجد هذا الشاب قال: مكانك انتظر، وأمر الناس بالانصراف ثم قال مخاطبًا هذا الفتى، وكان هذا طبعًا الفتى سأل عن شيء استوجب أن يوعظ موعظة بليغة، فقال عبد الرحمن بن مهدي -رحمه الله-: تعرف ما في هذه الكورة من الأهواء؟ الكورة البلد، تعرف ما فيها من الأهواء والاختلاف، وكانت الكورة هذه بغداد طبعًا، تعرف ما فيها من الأهواء والاختلاف في العقيدة، قال: "إن الأمر لا يزال هينًا ما لم يصل إليكم، فإن صار إليكم جل وعظم" يعني بلغني عنك شيء، بلغني عنك تأثر ببعض الناس من المبتدعة، والأمر لا يزال هينًا ما لم يصل إليكم، يعني لو دخلت البدع فيكم أنتم جل وعظم، لأنكم ستحملون الناس عليه، وهذا ما حصل في زمن المأمون، ولذلك كان عبد الرحمن بن مهدي يحذر من قضية وصول البدع إلى السلاطين كما حصل من وصول بدعة الاعتزال إلى بعض خلفاء بني العباس، قال: "يا أبا سعيد وما ذاك؟ قال: بلغني أنك تتكلم في الرب -تبارك وتعالى- وتصفه وتشبهه، فقال الغلام: نعم وأخذ يتكلم، فقال: رويدك يا بني، رويدك حتى نتكلم أول شيء في المخلوق، فإذا عجزنا عن المخلوقات فنحن عن الخالق أعجز، أخبرني عن حديث حدثنيه شعبة عن الشيباني؟ قال: سمعت زرًا قال: قال عبد الله في قوله -تعالى-: لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى  [النجم: 18] قال: رأى جبريل له ستمائة جناح، قال: نعم وعرف الحديث الشاب هذا، قال عبد الرحمن: صف لي خلقًا من خلق الله له ستمائة جناح، فبقي الغلام ينظر إليه، يعني متحيرًا كيف، كيف يوصف، فقال عبد الرحمن: يا بني فإني أهون عليك المسألة، وأضع عنك خمسمائة وسبعة وتسعين، فصف لي خلقًا بثلاثة أجنحة، صف لي خلقًا بثلاثة أجنحة، وركب الجناح الثالث منه موضعًا غير الموضعين اللذين ركبهما الله، أين تركب الجناح الثالث، في أجنحة على الظهر وإلا في أجنحة على البطن وإلا الأجنحة فقط على الجانبين وإلا جناح وراء جناح، وإلا جناح فوق جناح؟ أم ماذا؟ فسكت، ثم قال: يا أبا سعيد نحن قد عجزنا عن صفة المخلوق، ونحن عن صفة الخالق أعجز وأعجز، فأشهدك أني قد رجعت عن ذلك وأستغفر الله -تعالى-.

الوصية بالإيمان بالقضاء والقدر

00:47:52

حفلت بعض الوصايا بقضية الإيمان بالقضاء والقدر، وكان من ذلك وصية عبادة بن الصامت لولده الوليد؛ لأن الوليد قال له : يا أبتاه اجتهد، يا أبتاه أوصني واجتهد لي، قال: أجلسوني، قال: يا بني إنك لن تطعم طعم الإيمان ولن تبلغ حقيقة العلم بالله -تبارك وتعالى- حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، قلت: يا أبتاه فكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك، وذكر له حديث النبي ﷺ في القلم، وقال عبادة: أما الآن احفظ وصيتي، أحرج على كل إنسان منكم يبكي، يعني عند موتي، لا تصيحوا فإن الله -عز وجل- قال: واستعينوا بالصبر والصلاة، يعني عند المصيبة، ثم أسرعوا بي إلى حفرتي ولا تتبعوني نارًا ولا تصنعوا علي أرجوانة.

الأرجوان ثوب أو سرج أحمر يحشى بالقطن والصوف ويضع على ظهر الدواب للركوب عليه.

والشاهد: أنه أراد التحذير من منكرات تكون عند الوفاة، وأن يكون أول ما يفعله أهله إذا مات امتثال أمر الله واستعينوا بالصبر والصلاة.

الوصية باتباع السنة

00:49:21

وكان في وصايا العلماء اتباع السنة، عليك بتقوى الله والاستقامة، إياك والأهواء وإياك والخصومة، عليك بتقوى الله ولزوم السنة، عليكم بما عليه أصحاب الحديث.

هذه كانت في وصايا عدد من العلماء مثل ابن عباس، سفيان الثوري، الفريابي، الوليد الكرابيسي.

كذلك كان في وصايا بعضهم السمت الأول، فهم يريدون حتى الإنسان في مظهره أن يكون موافقًا لأهل الإيمان، موافقًا للنبوة، حذيفة قال: "يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، فإن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا، فالتزموا" يعني أيش؟ نهج النبي ﷺ، وهذا الأمر بلزوم السنة مهم جدًا خصوصًا اليوم وقد كثرت البدع من كل جانب.

الوصية بالمبادرة بالأعمال الصالحة

00:50:29

بناء على ما نجده اليوم من الزيغ والتبديل والتغيير ينبغي أن ننظر في الوصايا التي فيها الثبات، مثل حديث النبي ﷺ بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصيح كافرًا يبيع دينه بعرض من الدنيا  [رواه مسلم: 118].

الآن حصلت فتن سقط فيها عدد من المنتسبين للعلم أو المنتسبين للدعوة، خالفوا كتاب الله وخالفوا سنة رسول الله ﷺ، وأعطوا أهل الباطل ما يريدونه منهم رغبًا أو رهبًا، إما لأشياء بذلت لهم إغراءات أو لخوف خافوه على أنفسهم، فصار فيه تنازلات كثيرة، صار فيه من يبيع دينه بعرض من الدنيا، حصل بيع للدين، حصل بيع للدين.

بيع للدين مثل إصدار فتوى ترضي صاحب الهوى، هذا بيع للدين، إما مقابل إغراء مالي أو مقابل منصب أو مقابل حتى لو كلمة شكر، بعضهم يكتفي بها ويعتبرها لا تقدر بثمن، وما هي إلا إعانة على الإثم والعدوان، فبعضهم باع دينه بفتوى ضالة، موقف ضال، تأييد باطل، خذلان حق، هذا اسمه بيع للدين، لما واحد يخذل حقًا أو ينصر باطلًا هذا بيع للدين، لما يصدر فتوى ضالة لإرضاء صاحب الباطل، هذا بيع للدين.

الآن في هذا الوقت مثل حديث: بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا هذه والله الآن في غاية الأهمية.

يقول معاذ لرجل قال: أوصني؟ قال: "صل ونم، وصم وأفطر، واكتسب ولا تأثم، ولا تموتن إلا وأنت مسلم".

وفي جامع معمر بن راشد: أن أبا مسعود الأنصاري دخل على حذيفة فقال: أوصنا يا أبا عبد الله؟ قال حذيفة: أما جاءك اليقين؟ قال: بلى وربي، قال: فإن الضلالة حق الضلالة أن تعرف اليوم ما كنت تنكر قبل اليوم، وأن تنكر اليوم ما كنت تعرف قبل اليوم، شيء كنت تقول عنه: حرام، الآن تقول: حلال، وإياك والتلون فإن دين الله واحد، وإياك والتلون فإن دين الله واحد، يعني إذا كنت من أول تقول: هذه قضية عقيدة ولا مساومة فيها، الآن تأتي تقول: هذه قابلة للأخذ والعطاء، ما معنى ذلك؟ إما أن تكون قضية ثوابت فلا يجوز تركها، أو أن تكون قضية اجتهادية إذا كنت من أهل الاجتهاد تكلم وإلا أمسك واسكت.

الوصية بتقديم الآخرة على الدنيا

00:53:43

من الوصايا المهمة بذل الدنيا والنفس دفاعًا عن الدين، يقول حطان بن عبد الله السدوسي: قدم علينا جندب بن عبد الله البصرة، فلما أراد أن يخرج شيعناه، فقلنا له: يا صاحب رسول الله أوصنا؟ فقال: من استطاع منكم أن لا يجعل في بطنه إلا طيبًا فليفعل، فإن أول ما ينتن من الإنسان بطنه يعني إذا مات، أول شيء البطن  ومن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دم امرئ مسلم يهريقه كأنما يذبح به دجاجة لا يأتي بابًا من أبواب الجنة إلا حال بينه وبينه فليفعل يعني يشير إلى سهولة القتل في آخر الزمان، أن الواحد يذبح الواحد كأنه يذبح دجاجة، الحديث واضح، يقول:  ومن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دم  امرئ مسلم يهريقه كأنما يذبح به دجاجة لا يأتي بابًا من أبواب الجنة إلا حال بينه وبين فليفعل  يعني الذي يهريق دم امرئ مسلم بغير حق ما يأتي من باب من أبواب الجنة إلا يجده مغلقاً، إلا ويجده يحال بينه وبينه، الطريق مغلق أمامه إليه، قال: وعليكم بالقرآن  الآن لما ترى الناس مقبلين على علم الطاقة وعلوم أخرى، أشياء عجيبة، قال: وعليكم بالقرآن فإنه هدى النهار ونور الليل المظلم، فاعملوا به على ما كان من جهد وفاقة، فإن عرض بلاء فقدموا أموالكم دون دمائكم، فإن تجاوزها البلاء فقدموا دماءكم دون دينكم، فإن المحروب من حرب دينه، والمسلوب من سلب دينه  المحروب أصلًا تعريفها مسلوب المال، لكن يقول المحروب الحقيقي ليس الذي أخذ ماله، الذي أخذ دينه، قال:  إنه لا فقر بعد الجنة، ولا غنى بعد النار  لا فقر بعد الجنة، إذا دخلت الجنة، ما في فقر، ولا غنى بعد النار، يعني إذا واحد دخل النار، خلاص، مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ  [الحاقة: 28-29]، قال: لا فقر بعد الجنة، ولا غنى بعد النار .

قال أبو الوليد الباجي لولديه: أؤكد عليكما في ذلك وصيتي، وأكررها، حرصًا على تمسككما بهذا الدين، فلا يستزلكما عنه شيء من أمور الدنيا، وابذلا دونه أرواحكما، فكيف بدنياكما، يعني ليسلم الدين ابذل الدنيا كلها، وإذا وصلت إلى بذل روحك خلاص ابذلها، قال: فإنه لا ينفع خير بعده الخلود في النار ولا يضر ضير بعده الخلود في الجنة.

وقيل لكثير بن زياد: أوصنا؟ قال: أوصيكم أن تبيعوا دنياكم بآخرتكم، تربحونهما والله جميعًا، ولا تبيعوا آخرتكم بدنياكم فتخسروهما والله جميعًا.

وصايا في التعامل مع الفتن

00:57:11

إذن الواقع هذا الذي نعيش فيه، والذي فيه من أبواب الفتن، أشياء حصلت، وأشياء حصلت مبادئها، مثلًا أشراط الساعة، فيه أشراط صارت وانتهت، وفيه أشراط بدأت ولم تنته، وفيه أشراط بدأت ولم تستحكم، يعني ما جاءت شدتها، يعني جاءت أوائلها، وفيه أشراط ما بدأت بعد.

طبعًا إذا قارنت واقعنا بأحاديث الفتن، تجد أن الفتن الكبار ما بدأت، ما دخلنا فيها بعد، يعني الكبار التي هي فتن كقطع الليل المظلم، قطع الليل المظلم ما ترى فيها شيئاً أبدًا، قطع الليل المظلم، ما ترى فيها شيئاً، الزمن الذي لا يدري القاتل فيما قتل ولا المقتول فيما قتل، ويمر الرجل بالقبر يقول: يا ليتني مكانه، ما فيه إلا البلاء، ويكون خير مال المسلم غنم يتبع به شعف الجبال، هذه ما جاءت بعد، فتنة الدهيماء، وفتنة الأحلاس التي كلما قيل انقضت تمادت لا تدع بيتًا من العرب إلا دخلته، ولا أحدًا إلا لطمته، يعني ما في بيت إلا اكتوى بها، يعني ممكن تقول: فيه فتن، هذه الشهوات والشبهات التي دخلت علينا في الأجهزة، ممكن اخترقت كل البيوت تقريبًا، إذا قصدت فتن الأجهزة تقريبًا اخترقت كل البيوت؛ لأن الآن كل البيوت فيها شبكات، إذا ما دخل فيها القنوات دخل فيها الإنترنت، وما يتبعها، وأبواب الشرور الموجودة فيها، لكن من جهة مثلًا القتل، القتل المستحكم في الأمة فإن أوائله قد حصلت مبادئه، لكن ما دخلنا في مرحلة الاستحكام، وقد يحصل في بلد دون بلد، وفي وقت دون وقت، لكن أنه هو الشيء العام على جميع المسلمين، ما بعد حصل هذا، وقول حذيفة: إن لم يكن لهم جماعة أيضًا ما حصل، لأنه لا زال هناك للمسلمين فيه منهج معلوم، فيه حق معلوم، فيه ناس على الدين، فيه أهل خير وصلاح، هناك آمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، فيه دعاة إلى الله، فيه مجاهدون في سبيل الله، فيه طائفة منصورة، هذا يعني لا زال قائمًا موجودًا، ما انتهى، تقول: نحن الآن في وقت الغربة المستحكمة، فروا إلى الجبال، هذا لم يحصل بعد، حتى الواحد يضع الأمور في نصابها، لكن أوائلها آذنت، أوائلها آذنت، ولذلك مهم الواحد يستحضر الوصايا وماذا اشتملت عليه؛ لأن هذه الوصايا الإلهية في القرآن، والوصايا النبوية في السنة، ووصايا الصحابة للتابعين، ووصايا من بعدهم من العلماء للشيوخ لتلاميذهم، هذه استحضارها الآن في الأوقات التي بدأت الفتن تدور رحاها، بدأت المبادئ والأوائل، بدأت تحصل، هذه لابد للثبات من استحضارها ومعرفتها، عن عمرو بن العاص أنه قال لابنه: يا بني احفظ عني ما أوصيك به: إمام عدل خير من مطر وبل، يعني المطر الشديد، وأسد حطوم خير من إمام ظلوم، وإمام ظلوم غشوم خير من فتنة تدوم.

طبعًا هذا الكلام يعني يبغى له وقت لفكه، قال: إمام عدل خير من مطر وبل، وأسد حطوم خير من إمام ظلوم، وإمام ظلوم غشوم خير من فتنة تدوم، قال رجل لحذيفة: إذا اقتتل المسلمون فما تأمرني؟

فهم السؤال مهم، هو ما قال إذا اقتتل المسلمون والكفار؛ لأنه إذا صار فيه مسلمون وكفار، فقتال الكفار واجب، وهذا هو الجهاد والموت فيه شهادة في سبيل الله، فما يجي واحد على قتال بين مسلمين وكفار يقول: هذا فتنة؛ لأن هؤلاء من المسلمين وهؤلاء من الكفار، هذا ما هو فتنة، هذا جهاد، الفتنة بين المسلمين الذين يشهدون أن لا إله إلا الله محمدًا رسول الله، يصلون، وحصل في الأمة، الأيام بدأت من قديم، قال رجل لحذيفة: إذا اقتتل المسلمون فما تأمرني؟ قال: انظر أقصى بيت في دارك فلج فيه، فإن دخل عليك فقل: ها بؤ بذنبي وذنبك.

وقال صلاح الدين الأيوبي لابنه الملك الظاهر الغازي: أوصيك بتقوى الله -تعالى- فإنها رأس كل خير، وآمرك بما أمر الله به فإنه سبب نجاتك، وأحذرك من الدماء والدخول فيها والتقلد بها فإن الدم لا ينام، يعني للمقتول من يطالب بثأره، ومن يسعى للأخذ بالدم، وهكذا تتسلسل الأمور.

قال ابن السماك: قال رجل لسفيان الثوري: أوصني؟ قال: هذا زمن السكوت ولزوم البيوت.

الآن هذا متى؟

حديث:  أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك [رواه أحمد: 22235، وقال محققو المسند: "حسن لغيره"] هذا في وقت استحكام الفتن، خلاص ما تستطيع تأمر بمعروف ولا تنهى عن منكر، ولا تدعو إلى الله، ولا جماعة للمسلمين تكون معهم، ولا.. ولا هناك.

أما وهناك خير تستطيع أن تتكلم به، ومعروف تستطيع أن تأمر به ومنكر تستطيع أن تنهى عنه، وشر تستطيع أن تحاربه، فيجب عليك، ولذلك يمكن يكون من وسائل تثبيط المسلمين إشاعة أحاديث في غير وقتها، يعني أن يقال للناس كذا هذا زمان السكوت ولزوم...