الأحد 8 محرّم 1446 هـ :: 14 يوليو 2024 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

17- شرح حديث (يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لاَ يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ..)

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

نص الحديث السابع عشر

00:00:60

 يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار  وقال: أرأيتم ما أنفق  سبحانه وتعالى ينفق  أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يده  وقال: وعرشه على الماء، وبيده الأخرى الميزان، يخفض ويرفع  [رواه البخاري: 7411، ومسلم: 993] سبحانه، حديث عظيم من أحاديث عظمة رب العالمين.

وفي رواية لهما: يمين الله ملأى، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؛ فإنه لم ينقص ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى الفيض أو القبض يرفع ويخفض  [رواه البخاري: 7419، ومسلم: 993].

شرح الحديث السابع عشر

00:01:21

هذا الحديث يدل على كمال ملك الله، كمال ملك الله وجوده وإحسانه وقدرته وعظمته، وأن خزائنه ملأى، وأن ملكه تام، وأن ما عنده لا ينفد، مَا ‌عِنْدَكُمْ ‌يَنْفَدُ ‌وَمَا ‌عِنْدَ ‌اللَّهِ ‌بَاقٍ [النحل: 96]، له خزائن السماوات والأرض؛ مهما أنفق، ومهما أعطى -سبحانه- لا ينقص مما عنده شيء، كم ينفق ربنا كل يوم؟ كم ينفق؟ كم يعطي كم؟ الأموال، والصحة، والأولاد، والجاه، والحكم، وما نقص شيء مما عنده، سبحان الله عظمة هذا يملأ قلب المؤمن تعظيما لربه هذه النصوص التي نحتاج إلى الإيمان بها والتأمل فيها لتزيدنا تعظيمنا لربنا، وقد قلنا يعني ما في واجب يترك ولا معصية تعمل إلا من نقص تعظيم الله في نفوسنا: وَمَا ‌قَدَرُوا ‌اللَّهَ ‌حَقَّ ‌قَدْرِهِ [الأنعام: 91]، لو قدروا الله حق قدره ما أشركوا، ما قالوا الكلام الذي يقولونه، مَا ‌أَنْزَلَ ‌اللَّهُ ‌عَلَى ‌بَشَرٍ ‌مِنْ ‌شَيْءٍ  [الأنعام: 91]، ما جحدوا.

الحديث هذا فيه بيان أن كل شيء يعني كل عطية كل خير في الكون هذا مصدره من الله،  وَإِنْ ‌مِنْ ‌شَيْءٍ ‌إِلَّا ‌عِنْدَنَا ‌خَزَائِنُهُ [الحجر: 21]، يعني حتى هذا المطر كله من عند الله، وأن الله لو اجتمع عباده أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم في صعيد واحد فسألوه؛ فأعطى كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عنده إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر؛ كما مر معنا في حديث مسلم.

وقوله ﷺ:  يد الله ملأى  لاحظ الإيمان بهذا يدفع إلى سؤال الله أيما سؤال، إذا يده ملأى، اسأل وما في سقف للمطالب، يعني ما دامت مباحات وحلال، اسأل ترى يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار،  ملأى  شديدة الامتلاء بالخير الكثير، أرزاق وعطايا،  لا يغيضها  يعني: لا ينقصها، ما ينقص مما عنده شيء، سحاء  يعني دائمة العطاء، هذا معنى سحاء دائمة العطاء والصب على العباد  سحاء الليل والنهار  يعني في الليل والنهار، يقال: سح الماء إذا انصب من فوق من علو، وارتفع إلى حد السيلان، فيد الله تعطي عن ظهر غنى جزيلة، لا مانع لما أعطى.

الآن لما قال: سحاء  وعرفنا السح الانصباب من علو، الانصباب من علو ماذا يعني السهولة؛ لأنه لما ينزل الشيء من أعلى ينزل بسهولة، يتدفق، فالله يصب على العباد صبا، يعطيهم، يغدق عليهم، يرزقهم، ويعافيهم، والدنانير والدراهم والذهب والفضة واللباس والصحة والأولاد والزوجة، عطاء، والمساكن والدواب والأعمال والزروع والثمار، وكل شيء، متى يمتنع العطاء؟

إما أن يكون الواحد ما عنده شيء يده فارغة، أو عنده بس بخيل، والله يده ملأى، وهو كريم -سبحانه-، يد الله سحاء تعطي بالليل والنهار، ما نقص شيء مما عنده ما نقص. [بعض ما تقدم مستفاد من شرح الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- للسفارينية].

الله -عز وجل- له الجود الكامل والإحسان، ويعطي من خزائنه التي عنده، نحن ما نراها ولا اطلعنا عليها، لكن الله أخبرنا عنها: وَإِنْ ‌مِنْ ‌شَيْءٍ ‌إِلَّا ‌عِنْدَنَا ‌خَزَائِنُهُ [الحجر: 21]، قال: سبحان الله! ماذا أنزل من الخزائن؟ ‌ وَلِلَّهِ ‌خَزَائِنُ ‌السَّمَاوَاتِ ‌وَالْأَرْضِ [المنافقون: 7]، فله الغنى، وهو الجواد الكريم المنان صاحب الإحسان، يَدَاهُ ‌مَبْسُوطَتَانِ ‌يُنْفِقُ ‌كَيْفَ ‌يَشَاءُ [المائدة: 64]، لا حجر عليه، ولا منع لعطائه، يبسط يديه، ويأمر العباد أن يتعرضوا لنفحاته ويسألوه، فيده سحاء، يصب عليهم صبا، وخيره مدرار، واسع العطاء، كما ذكر الشيخ السعدي -رحمه الله- في تفسيره.

الإنسان من طبعه البخل والشح؛ يمسك خشية النفاد: قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإنسَانُ قَتُورًا [الإسراء: 100] يعني: بخيلا، لو أنتم موكلون على الخزائن التي عند الله ما أنفقتم، لخفتم النفاد.

الحديث هذا فيه إثبات اليدين لله -تعالى-، وأنهما مبسوطتان بالعطاء والنعم، وهذه من الصفات الذاتية لله، يد الله، قال في الحديث: يد الله ،  يمين الله  في الرواية الأخرى، قال:  وبيده الأخرى الميزان .

إذن، له يدان، قال مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75] ثنتين، وقال: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: 64].

وأجمع السلف على أن لله يدين، يجب إثباتهما لله -تعالى- حقيقة على الوجه الذي يليق بجلاله وكماله، وإجراء نصوص الصفات كما جاءت من غير اعتراض ولا رد ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل، ولا نعين كيفية من عندنا:  لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: 11] أهل الباطل قالوا: اليد النعمة، واليد القدرة، واليد القوة، وفسروها بغير ما هو معروف في اللغة، وما هو ظاهر النصوص في الشرع.

قوله ﷺ:  أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يده  كل الذي أنفقه منذ أن خلق السماوات والأرض ما نقص شيء مما عنده؛ لأن الخير كله بيده -سبحانه-، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وكيف ينقص من عنده شيء إذا كانت الأمور بالكلمة تخلق: كن، خلاص يخلق بالكلمة: كُنْ ‌فَيَكُونُ [البقرة: 117]، ما الذي ينقص ملكه؟ ما في شيء، يخلق بالكلمة.

وقوله ﷺ:  وعرشه على الماء  وفي الرواية الأخرى: عرشه على الماء  لما ذكر خلق السماوات والأرض ذكر أن الله كان عرشه على الماء قبل أن يخلقهما، وفي هذا دليل على أن خلق العرش سابق على خلق السماوات والأرض كما في "طرح التثريب" و "فتح الباري".

فالعرش كان على الماء قبل ابتداء خلق السماء والأرض:  وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء [هود: 7].

ومر معنا في حديث البخاري: كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء  الذكر هذا من أسماء اللوح المحفوظ: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ  كتبنا في كتبنا المنزلة الزبور من بعد الذكر، يعني من بعدما كتبنا في الذكر في اللوح المحفوظ  أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: 105]، والذي جاء عن ابن عباس وسعيد بن جبير وأبي العالية وابن زيد: أنها أرض الجنة، أن الأرض هذه أرض الجنة يرثها عبادي الصالحون.

وقال بعضهم: أرض الدنيا يورثها الله للصالحين، فيسلبونها من الكفار وتنتقل إلى الصالحين.

وفي هذا بيان بطلان من قال: إن الكفار يصلحون لإدارة الأرض.

الكفار عمرهم ما صلحوا لإدارة الأرض، الكفار إلا ويفسدون في الأرض، كفار ماذا يريدون؟ يعني يحلون الفواحش، ويحلون الربا، ويحلون الخمر، ويظلمون ويبغون ويطغون ويسلبون خيرات غيرهم، من أين لهم الصلاحية هذه؟، الصالحون أصحاب الأعمال الصالحة، الكفار عمرهم ما كانوا أصحاب الأعمال الصالحة، ولو عندهم خير يخلطونه بأضعاف أضعاف من الشر، لو عندهم أعمال بر يخلطون يكفي الكفر الذي هم عليه، والشرك الذي هم عليه، وأكبر منكر في الأرض الشرك والكفر ماذا تريد؟

ثم يقال: أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ  بعدين "عبادي" هذه إضافة تشريف هل يستحقها الكفار حتى يفسر أن الصالحون، يعني من الكفار الصالحون لإدارة الأرض، والله قال: أن الأرض يرثها.

فإذن، يورث الله الأرض عباده، هذه إضافة تشريف، ما يستحقها الكفار، هذا تشريف.

وقوله ﷺ: وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع  الميزان: العدل، ولماذا يسمى الميزان عدلا؟

لأنه به يتحقق العدل.

قال في الحديث الآخر:  يخفض القسط ويرفعه  [رواه مسلم: 179].

فالله يحكم في خلقه بميزان العدل، ويعلم من هو أهل للرفع فيرفعه، ومن هو أهل للخفض فيخفضه، فالله يرفع من يشاء، ويضع من يشاء، يوسع لمن يشاء، ويضيق على من يشاء، وليست السعة دليلا على الحب، ولا التضييق دليلا على الكره، فقد يضيق على مؤمن، ويوسع على كافر، يوسع على كافر اختبار ابتلاء، وكذلك يضيق على المؤمن ابتلاء، ينظر هل يشكر هذا؟ هل يطغى؟ وهذا هل يصبر، ينظر -سبحانه وتعالى-، يعطي، وهذا نقول أفعاله لا بد فيها من حكمة ما يمكن تكون عبثية، وهكذا بس لمجرد أنه خلقهم يتحكم فيهم كيف يشاء، لا، أفعاله لحكم، فلو وسع على واحد اختبار ابتلاء له هل يشكر؟ لو ضيق على واحد اختبار وابتلاء له هل يصبر؟ كما قال النبي ﷺ: كُلَّ ‌يَوْمٍ ‌هُوَ ‌فِي ‌شَأْنٍ ، قال: من شأنه أن يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما، ويخفض آخرين  [رواه ابن ماجة وحسنه البوصيري، وكذلك الألباني، وضعفه ابن حجر في تغليق التعليق، وروي موقوفا عن أبي الدرداء وذكره البخاري معلقا عنه بصيغة الجزم].

وقوله:  يخفض ويرفع  يعني يخفض الميزان ويرفعه، فإن الذي يوزن بالميزان يخف ويرجح، كما في الحديث الآخر  يخفض القسط ويرفعه  وقيل: الميزان القسمة بين الخلق، فالميزان الذي يخفضه الله -تعالى- ويرفعه هو الشيء الموزون، فالله -تعالى- يخفض الميزان ويرفعه بما يوزن فيه من أرزاق العباد النازلة من عنده وأعمالهم المرتفعة إليه، فيخفض الميزان تارة بالتضييق في الرزق، أو الخذلان بالمعصية، ويرفعه تارة بتوسيع الرزق أو التوفيق للطاعة؛ عدلا منه وحكمة، وأشار إلى هذا [الخطابي -رحمه الله- في "أعلام الحديث" والقرطبي في "المفهم" والنووي على "صحيح مسلم" وابن حجر في "فتح الباري" والقسطلاني في "إرشاد الساري" وصاحب "مرقاة المفاتيح"].

وقوله ﷺ في الرواية الأخرى: وبيده الفيض أو القبض يرفع ويخفض الفيض أو القبض شك من الراوي أو للتنويع، يعني أن كلاهما مراد، يعني كلاهما من الحديث، الفيض والقبض أنه عكس بعض الفيض يفيض يعطي، والقبض يمسك، فيض الإحسان والعطاء والرزق الواسع، والقبض قيل قبض الأرواح بالموت، وقيل القبض المنع، يعني التضييق في العطاء، ويرفع ويخفض، يعني يرفع أقواما ويضع آخرين، يوسع الرزق على من يشاء، ويضيقه على من يشاء، فالنبي ﷺ أخبر أن يد الله اليمنى فيها الإحسان إلى الخلق، والأخرى فيها العدل والميزان الذي به يخفض ويرفع، فأخبر أنها سحاء، وأن الميزان والعدل يخفض ويرفع، فالفضل بيد، والعدل بيد، وخفضه ورفعه من عدله وإحسانه، وأيضًا يحسن ويعدل، ولا يخرج فعله عن العدل والإحسان، فكل نعمة منه هو فضل، وكل نقمة منه عدل، كما قال ابن تيمية في "منهاج السنة النبوية".

قال ابن القيم -رحمه الله-: "يقسم الأرزاق، ويجزل العطايا، ويمن بفضله على من يشاء من عباده بيمينه، وباليد الأخرى الميزان، يخفض به من يشاء، ويرفع به من يشاء؛ عدلا منه وحكمة،  لَا ‌إِلَهَ ‌إِلَّا ‌هُوَ ‌الْعَزِيزُ ‌الْحَكِيمُ [آل عمران: 18]"، ويقول ابن القيم في كلام جميل عن الله -عز وجل-: "هو القيوم بأمر السماوات والأرض ومن فيهن، ليس له بواب فيستأذن، ولا حاجب فيدخل عليه، ولا وزير فيؤتى، ولا ظهير فيستعان به، ولا ولي من دونه فيشفع به إليه، ولا نائب عنه فيعرفه حوائج عباده -لأنه جرت عادة الملوك أن عندهم وزراء يرفعون إليه؛ لأنه نفس الملك ما يعرف كل صغيرة وكبيرة، يرفع إليه ترفع إليه وزير تقرير الله ما عنده وزراء ولا حجاب ولا ظهير ولا أعوان جنوده مستغن عنهم، جنوده يرسل بهم عذابا، ويعذب بهم، يعني أسباب للعذاب، ولكن غير محتاج للجنود- ولا ولي من دونه، ولا نائب عنه، ولا معين له، قال: بل قد أحاط -سبحانه- بها علمًا، ووسعها قدرة ورحمة، فلا تزيده كثرة الحاجات إلا جودا وكرما، ولا يشغله منها شأن عن شأن، ولا تغلطه كثرة المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين -سبحانه، سبحانه- إِنَّمَا ‌أَمْرُهُ ‌إِذَا ‌أَرَادَ ‌شَيْئًا ‌أَنْ ‌يَقُولَ ‌لَهُ ‌كُنْ ‌فَيَكُونُ  [يس: 82]" هذا في "طريق الهجرتين" لابن القيم -رحمه الله- [طريق الهجرتين، ص: 322].