الإثنين 7 شوّال 1445 هـ :: 15 أبريل 2024 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

22- ما جاء في قول رسول الله ﷺ قبل الطعام وبعده وما جاء في قدحه وصفة فاكهته


عناصر المادة
باب ما جاء في قدح النبي -صلى الله عليه وسلم-
باب ما جاء في فاكهة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فقد قال الإمام الترمذي -رحمه الله- في كتابه الشمائل المحمدية: باب ما جاء في قول رسول الله ﷺ قبل الطعام وبعد ما يُفرغ منه، وذكر فيه حديث أبي أيوب وهو ضعيف.

ثم قال: وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ:  إذا أكل أحدكم فنسي أن يذكر اسم الله تعالى على طعامه، فليقل: بسم الله أوّله وآخره  [رواه الترمذي: 180، وصححه الألباني في وصححه الألباني في مختصر الشمائل: 161].

نسي أن يسمّي، نسي أن يذكر الله، يعني نسي أن يقول بسم الله، ماذا يقول؟ بسم الله أوّله وآخره، إذا أكل أحدكم فنسي أن يذكر اسم الله تعالى على طعامه، فليقل: بسم الله أوله وآخره، بسم الله في أوله وفي آخره، يعني في جميع أجزائه، ويمكن أن يقال بأوله نصفه الأول، وبآخره نصفه الثاني.

وفي الحديث: استحباب التسمية في ابتداء الطعام، وكذلك الشراب، وفي كل أمر ذي بال، ويُستحب أن يجهر بالتسمية ليسمع غيره ويذكّره بها، ولو ترك التسمية في أول الطعام عامدًا أو ناسيًا أو جاهلاً أو مُكرهًا أو عاجزًا، ثم تمكن في أثناء الأكل استُحبّ له أن يسمي؛ ويقول: بسم الله أوّله وآخره.

هل التسمية قبل الطعام واجبة؟

قال ابن القيم -رحمه الله-: "والصحيح وجوب التسمية على الأكل وهو أحد الوجهين لأصحاب أحمد، وأحاديث الأمر بها صريحة لا معارض لها، وتاركها -يعني تارك التسمية قبل الطعام- شاركه الشيطان في طعامه وشرابه" [زاد المعاد في هدي خير العباد: 2/362].

والحكمة من التسمية قبل الطعام: هي منع الشيطان من أن يأكل مع الإنسان، فتُنزع البركة منه، فيكون الطعام الذي يظن أنه يكفيه لا يكفيه، ويدل على هذا حديث حُذيفة: أن النبي ﷺ قال:  إن الشيطان يستحلُّ الطعام أن لا يُذكر اسم الله عليه  [رواه مسلم: 2017]، فإذا لم يُذكر اسم الله عليه استطاع الشيطان أن ينال منه، معنى هذا أن الشيطان يأكل ويشرب وينكح، كما قال:  وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ  [الإسراء: 64]، يشاركهم في وطء زوجاتهم إلا إذا سمّى فإنه إذا سمّى الله إذا أتى أهله قال بسم الله، فقدر بينهما شيء لم يضره الشيطان، ومعنى:  يستحل الطعام  يعني يتمكن من أكله، وهذا الحديث ونحوه في أكل الشيطان محمول على ظاهره، وأنه يأكل حقيقة.

وعن عمر بن أبي سلمة، أنه دخل على رسول الله ﷺ وعنده طعام، قال:  ادنُ يا بُنيّ، وسمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك [رواه الترمذي: 1857، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي: 1857]. 

"ادنُ": اقترب، "سم الله": هذا أمر ظاهره الوجوب، "كل بيمينك": وذلك لأنه رآه تطيش يده في الصحفة، فأراد أن يعلمه الطعام بكلام مختصر يناسب حال الغلام وسن هذا الصبي، ويدل على وجوب الأكل باليمين ورود الوعيد على الأكل بالشمال، وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ رأى رجلاً يأكل بشماله، فقال:  كل بيمينك ، قال: لا أستطيع، قال: لا استطعت ، ما منعه إلا الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه" شلت؛ لأنه عصى النبي ﷺ، وقال: لا أستطيع وهو كاذب يستطيع، شُلّت، ما رفعها بعد ذلك، وقد ثبت النهي عن الأكل بالشمال وأنه من عمل الشيطان.

وقوله ﷺ:  إن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله [رواه مسلم: 2021].

مقتضى هذا تحريم الأكل بالشمال، لأن التشبه بالشيطان لا يجوز، ولو كان الأكل بالشمال جائزًا ما دعا على الذي رفض أن يأكل بيمينه.

وقوله: "مما يليك": يعني مما هو قريب منك، السنة الثابتة الأكل مما يليه؛ لأن الأكل من موضع يد صاحبه سوء عشرة، وترك المروءة، وقد يتقذّر صاحبه من ذلك، وقلنا سابقًا إن الطعام إذا كان صنفًا واحدًا فإنه يأكل مما يليه، وإذا كان الطبق فيه أصناف مختلفة، جاز له أن يمد يدّه إلى المكان الذي يريد أن يأخذ منه.

عن أبي أمامة قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفُعت المائدة من بين يديه يقول: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مودع ولا مستغنىً عنه ربنا ، حديث صحيح. [رواه الترمذي: 3456، وصححه الألباني في مختصر الشمائل: 164]. 

ومعنى "رُفعت المائدة": أي من بين يديه، وقد تقدّم أن النبي ﷺ لم يأكل على خوان، فهل هذا يتعارض مع هذا؟ لقد تقدّم في حديث أنس ، أن النبي ﷺ لم يأكل على خوان قط، ولهذا لما سُئل قتادة على ما كانوا يأكلون؟ قال: "على هذه السُّفر"، فهل حدث هذا مرة، وأنس نقل ما علم، وكان هذا مما لم يعلمه أنس ؟ أم أن هناك أمرًا آخر؟ في الحقيقة أن المائدة اسم يُطلق على كل ما يوضع عليه الطعام؛ مشتقة من ماد يميد إذا تحرك، وقد تطلق المائدة ويُراد بها الطعام نفسه أو بقيته أو آثاره، فيكون مراد أبي أمامة إذا رُفع من عنده ﷺ ما وضع عليه الطعام أو بقيته، ويوضِّح هذا ما ذكره صاحب عون المعبود: "أن المائدة هي ما يُبسط للطعام سواء كان من ثوب أو جلد أو حصير أو خشب أو غير ذلك" [عون المعبود وحاشية ابن القيم: 10/234].

فالمائدة اسم عام، ولها أنواع منها: السُّفرة، والخوان، فالخوان يكون من خشب تحته قوائم من كل جانب، ولعل الذي نُفي في حديث أنس هو الخوان، والذي أثبت من المائدة هو السفرة ونحوها، فلو سأل سائل فقال: هل أكل النبي ﷺ على سُفْرة؟ نقول: نعم، هل أكل على مائدة؟ نقول: نعم، لكن ما معنى المائدة؟ نقول المائدة يطلق على الخوان والسفرة وغير ذلك.

فإن قال قائل وما الفرق بين الخوان وغير الخوان؟

فنقول: الخوان يصنع من خشب له قوائم تشبه يعني هذه طاولة الطعام، وقد تكون قصيرة وقد تكون طويلة، قد تكون أرجلها قصيرة، قد تكون أرجلها طويلة، ولكن السفرة التي تبسط على الأرض مباشرة، وتطلق المائدة على هذا وعلى هذا، فما نفاه أنس ما أكل النبيﷺ على خوان قط ولا رآه، يعني أن طعامه ﷺ لم يُرفع عن الأرض، ما أكل على طاولات لا طويلة ولا قصيرة، شيء له قوائم يوضع عليه الأكل ما رآه ولا أكل عليها، كان طعامه يُبسط على الأرض يُجعل عليها الطعام، هذا أقرب إلى التواضع ولا شك.

لو قال واحد: هل الأكل على طاولة السفرة أقرب للتواضع أو الأكل على الأرض، البساط وعليه الطعام؟

فنقول: لا شك الذي يبسط على الأرض أقرب للتواضع، ويميل الجالس على السفرة يميل لأجل أخذ الأكل، أما ذاك مرفوع أمامه ما يميل.

هل الأكل على المائدة المرتفعة أو على الخوان أو على طاولة السُّفرة مكروه أو محرم؟

الجواب: كلا، لا مكروه ولا محرم، لكن النبي ﷺ من تواضعه قال: آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد  [رواه البيهقي في الشعب: 5572، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 6].

وأكل على الأرض ووضع طعامه على الأرض، لم يرفع عن الأرض، يجلس هذه الجلسة الخفيفة جلسة المستوفز غير المتمكن المستمكن، ويوضع طعامه على الأرض مباشرة، وينحني ويأخذ منه، يميل ويأخذ منه، هذه أقرب جلسة للتواضع، فهكذا كان ﷺ يعني من جهة الزُّهد والتقلل من الدنيا والبعد عن مشابهة أهل الغنى والبطر والترف كان أبعد شيء عن هؤلاء.

هل يمكن أن يقال: إن الأكل على طاولة السفرة بدعة؟

رد بعض العلماء على ذلك فقال: ما يقال أنه أبدع بعد رسول الله ﷺ، فليس كل ما أبدع منهيًا عنه، بل المنهي بدعة تضاد سنة ثابتة، وترفع أمرًا من الشرع مع بقاء عليته، وليس في المائدة إلا رفع الطعام عن الأرض لتيسر الأكل، فإذن لو فرضنا أن طاولة السفرة هذه بدعة، فهي ليست بدعة في الدين، ليست بدعة في عبادة، وإنما هو ما ابتدعه الناس من الأشياء التي فيها تسهيل، فيها خدمة، فيها قضاء حاجة، غرض مثلاً، حرية في الحركة، الآن أليست بعض الطاولات متحركة لها عجلات، وفيها خزينة يُجعل الطعام فيها دافئًا يُفتح ويُخرج ويوضع فوقها وتُثنى وتُفرد، فإذن البشر يخترعون الطاولات، فهذه البدع ليست محرمة، ما لم ينته إلى الكبر والتعاظم، يعني لو واحد مثلاً قال أنا ما أتنازل أجلس على الأرض، تضعوا أكلي على فوق، هذا كبر في نفسه كبر، هذا مذموم، لا لأجل الطاولة لأجل الكبر الذي في نفسه.

نرجع إلى الذكر الموجود في الحديث: "كان رسول الله ﷺ إذا رُفعت المائدة من بين يديه يقول: "الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مُودَّع ولا مستغنىً عنه ربنا".

"يقول": يعني ينطقه بلسانه، يمكن أن يسمعه غيره، وقد سمعه أبو أمامة فرواه، والنبي ﷺ لا شك أنه كان يجهر ببعض الأذكار للتعليم؛ ليسمعه أصحابه، ليحفظوه، ويرووه عنه، وليست السنّة أن يرفع الواحد صوته، ولكن إذا كان فيه فائدة من الرفع من تعليم الحاضرين أو بعضهم أو ولد له أو زوجة يعلمه هذا الذّكر، فهذا طيب، بل قالوا: "والسنة أن لا يرفع صوته بالحمد عند الفراغ من الأكل إذا لم يفرغ جلساؤه؛ كي لا يكون منعًا لهم" يعني: لو انتهى واحد من الطعام والباقية ما انتهوا، فلو قال: الحمد لله، يُحرج الآخرون أنهم الآن كأنهم لا يستطيعون الإكمال والمواصلة، ولذلك قالوا: لا يجهر؛ لئلا يحرج الآخرين.

"الحمد لله" ما معناه؟ ثناء على الله تعالى المستحق للحمد؛ لماذا؟ لذاته العلية، وصفاته الحسنى، وأفعاله الجميلة الجليلة الصادرة عن حكمته وعلمه والتي من جملتها ومن ضمنها الإطعام، ولذلك يقول: الحمد لله، إذن الحمد: ثناء على الله المستحق للحمد.

"الحمد لله حمدًا": مفعول مطلق منصوب، "الحمد لله حمدًا كثيرًا": لا نهاية له، وافرًا، "طيبًا": يعني خالصًا من الرياء والسمعة، "مباركًا فيه": يعني ذا بركة لا ينقطع؛ لأن نعمه لا تنقطع فينبغي أن يكون الحمد غير منقطع أيضًا، ولذلك يقول:  الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مُوّدّع : يعني غير متروك الطلب والرغبة فيما عنده، ولذلك لا يعرض عنه، ولا مستغنى عنه ربنا ، ولا مستغنىً عنه، من الذي يستغني؟ ومن الذي لا يستغني؟ الله  غنيٌ عن عباده، والعباد لا يستغنون عن ربهم ولا عن نعمه، وهم ما زالوا ولا يزالون وسيظلون محتاجين إليه، فإذن معنى قوله:  ولا مستغنى عنه ربنا ، يعني يا ربنا، أي العبد محتاج إليه غير مستغن عنه، لا يستغني.

وفي رواية للبخاري:  غير مكفي، ولا مودع، ولا مستغنى ، غير مكفي ما معناه؟ يعني غير محتاج إلى أحد، لأنه هو الذي يطعم عباده ويكفيهم، وقال بعض العلماء: غير مكفي، يعني لم نكتف من فضله ونعمته، بل نحن لا زلنا بحاجة إليه.

وفي هذا دليل على أن الإنسان ينبغي له إذا أكل أكلاً أن يحمد الله ، وأن يقول: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، فلولا أن الله يسّر لنا الطعام ما حصلنا عليه، كما قال تعالى:  أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ  [الواقعة: 63-67]، فلولا أن الله يسّر للإنسان الطعام ما استطاع أن يأكله، فقبل أن تأكل رغيفًا من الخبز، كم نعمة لله فيه؟ كم تيسير لله فيه رغيف الخبز قبل أن تأكله، لله فيه عدة نعم وتيسيرات كثيرة، فمن ذلك أنه يسّر بذر القمح، ويسّر نباته، ويسّر حصاده، ويسّر طحنه، ويسّر عجنه، ويسّر خبزه، ويسّر إحضاره مثلاً، كل هذا من تيسيرات الله تعالى في رغيف خبز، فلولا أن الله يسّر نبات البذرة ما أكلت الرغيف، ولولا أن هذه البذرة نبتت وأثمرت ما أكلت، ولولا أن الثمر هذا القمح السنابل استحصدت ما أكلت، ولولا أن هذا المحصود أخذ وفرك ويبس وطحن ما أكلت، ولولا أن هذا المطحون عجن وخبز ما أكلت، فإذن الإنسان لو تأمل في كل نعمة مثلاً هذا، أي، كم نعمة في الله فيه، إذا هو مأخوذ من، مصنوع من النفط مثلاً، كم خطوة في استخراجه وشحنه وتصنيعه واستيراده وشرائه، يعني لو أردنا أن نعد كم يسّر الله في كل نعمة ما ننتهي، ولهذا قال بعض العلماء أن الطعام لا يصل إلى الإنسان إلا وقد سبق نحو مائة نعمة من الله، ولكن أكثر الناس في غفلة عن هذا، ما يفكروا جاهز، شيء أمامه موجود ما يفكر، كم نعمة فيه لله، ما يفكر، ولو أنه فكر لرأى نعمًا كثيرة جدًا، الدفتر الذي يكتب فيه والقلم والسيارة، كم نعمة فيها حتى وصلت إليك واستعملتها، كم نعمة.

قال: وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان النبي ﷺ يأكل الطعام في ستة من أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين"، فقال رسول الله ﷺ:  لو سمّى لكفاكم . حديث صحيح. [رواه الترمذي: 1858، وصححه الألباني في مختصر الشمائل: 165]. 

فأكله بلقمتين بغير تسمية، و  لو سمى  يعني لو قال: بسم الله، لكفاكم الطعام.

وهذا الحديث يدل على أن التسمية فيها بركة في الطعام، وعدم التسمية تذهب بالبركة.

وفي الحديث: جفاء الأعراب وجهلهم بالأحكام.

وفي الحديث: أن من أسباب البركة في الطعام ماذا؟ غير التسمية، ماذا؟ من الحديث، الاجتماع على الطعام.

ويؤخذ من الحديث أيضًا: فرق بين رد السلام وبين التسمية، فما هو هذا الفرق؟ أن تسمية الواحد على الطعام لا تكفي عن الباقين، من أين أخذناه؟ كان النبي ﷺ يأكل الطعام في ستة من أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين"، لا، نحن الآن ماذا نريد؟ التسمية تسمية الواحد أو البعض في الطعام لا تجزئ عن البقية، كل واحد لازم يسمي، كيف أخذناه؟ كيف عرفنا أنهم كلهم سموا، لا يوجد في الرواية أنهم كلهم سموا، أنه على الأقل على الأقل النبي ﷺ سمّى وهو لا يغفل عن الذكر، ومع ذلك ما كفى عن الأعرابي، إذن في الحديث أن تسمية الواحد لا تجزئ عن الباقين، تسمية الواحد على الطعام لا تجزئ عن الباقين.

وعن أنس ، أن النبي ﷺ قال: إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكل فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها  [رواه مسلم: 2734].

وقوله: أن يأكل الأكلة  أي بسبب أن يأكل الأكلة، أو لأجل أن يأكل، أو وقت أن يأكل؛ يرضى من العبد أن يسمّي الله، و"الأكلة": هي المرة الواحدة من الأكل؛ كالغداء أو العشاء، تسمى أكلة، نحن نسميها الآن: وجبة، نسميها وجبة،  إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها  على كل واحدة من الأكل أو الشرب.

لقد وردت عدة أحاديث في أذكار ما بعد الطعام، فماذا نفعل؟ هل نجمعها جميعًا ونقولها؟

الجواب: الأحسن أن يُنوّع فيها، فمرة يقول هذا، ومرة يقول هذا وهكذا، ولا يقتصر على واحد فقط، هذا أفضل، هذا أفضل، والقاعدة تقول: العمل بجميع الأدلة أولى من إهدار بعضها إذا أمكن الجمع، فأنت ممكن تحفظ نصوص الأذكار التي تُقال بعد الطعام، ومرة تقول هذا، ومرة تقول هذا، ومرة تقول هذا، أولى من أن تقول واحد وتلغي البقية، وإذا ما نُقل أن النبي ﷺ قالها كلها وجمعها كلها، فالحل أنك مرة تقول هذا، ومرة ...

مثل دعاء الاستفتاح، ممكن تجد الآن مثلاً تجد أكثر من خمس صيغ أدعية استفتاح مختلفة، ماذا تفعل؟ تقولها كلها في صلاة واحدة، كل صلاة تقولها كلها، إذا ما ورد ماذا نفعل؟ مرة نقول هذا، ومرة نقول هذا، ومرة نقول هذا، وهكذا، ولا يمنع أن تكون هناك صيغة مشهورة أكثر من صيغة، وصيغة تُقال أكثر من بقية الصيغ، لكن نستعمل بقية الصيغ بالتنويع؛ هذا مرة ، وهذا مرة، وهذا مرة.

باب ما جاء في قدح النبي -صلى الله عليه وسلم-

00:24:00

ثم قال -رحمه الله-: "باب ما جاء في قدح النبي ﷺ".

عن ثابت قال: " أخرج إلينا أنس بن مالك قدح خشب غليظًا مضببًا بحديد، فقال: يا ثابت هذا قدح رسول الله ﷺ " [رواه الترمذي: 186، وصححه الألباني في مختصر الشمائل: 167].

ما معنى مضببًا؟ يعني مشدودًا بضباب من حديد، جمع ضبة وهي الحديدة العريضة التي يجمع فيها الخشب ويمنع من التفرق، وهذا فيه إشارة إلى تواضع النبي ﷺ، قدح من خشب غليظ مضبب بحديد هذا الذي كان ﷺ يستعمله.

وعن أنس قال: "لقد سقيتُ رسول الله ﷺ بهذا القدح الشراب كله، الماء، والنبيذ، والعسل، واللبن" [ رواه الترمذي في الشمائل: 187، وصححه الألباني في المشكاة: 4286].

والحديث يدل على جواز شرب النبيذ، فكيف هذا؟ أليس النبيذ مسكرًا ولا يجوز شربه؟

فالجواب: أن النبيذ يطلق على كل ما ينتبذ، يعني يلقى في الماء، يعني التمر كانوا يأخذونه يلقونه في الماء، ينقعونه في الماء فيُشرب الماء وفيه حلاوة التمر، هذا يسمى نبيذًا، لكن ما تخمّر ولا صار مسكرًا، فهذا نبيذ جائز، أما إذا تخمّر وصار مسكرًا فهذا نبيذ محرم، إذن لو واحد قال: كيف شرب النبيذ؟ يقول: سقيت رسول الله ﷺ بهذا القدح الشراب كله، الماء والنبيذ والعسل واللبن، كيف شرب النبيذ، والنبيذ أليس محرمًا؟ فنقول: النبيذ من جهة اللغة: اسم لكل ما ينتبذ يجعل في الإناء في الماء مثلاً، ومن شراب الأولين أنهم كانوا يلقون التمر في الماء مدة، ثم يشربون الماء، فيكون له حلاوة من أثر التمر، هذا ما تخمّر ولا يسْكر فلا بأس به؛ بخلاف ما لو تخمّر وصار يسكر فلا يجوز شربه، ولذلك ما كان يستعمله بعد ثلاث؛ لأن بعد الثلاث يكون عرضة للتخمر.

قال: باب ما جاء في قدح النبي ﷺ، وأراد أن يستدل به على زهد النبي ﷺ، فما من أين نستدل على الزهد؟ لقد سقيتُ رسول الله ﷺ بهذا القدح الشراب كله، الماء والنبيذ والعسل واللبن، نأخذ التواضع، والزهد: أن الإناء واحد، واحد فقط، هذا الإناء استعمله لكل أنواع الشراب، نحن اليوم عندنا للشاي كاسات، والعصير كاسات، والماء طقم، عندنا أطقم، أطقم وهناك عندنا أكثر من طقم للنوع الواحد، الشراب مثلاً شاي أحيانًا طقم: مذهب، ومفضض، وسادة، ومنقوش كل شيء.

نقارن بين حالنا وحال النبي ﷺ، هو قدح واحد أنس خادمه كان يسقيه بالقدح الواحد اللبن والنبيذ والعسل والماء، قدح واحد ما في غيره، نحن عندنا للشراب الواحد مثلاً شاي كذا نوع من الكاسات، ماء كذا نوع من الكاسات، كل فترة نزود أنواع، وكل ما طلع موديلات جديدة جلبنا الجديد، فإذن يعني مع أن النبي ﷺ لو أراد أن يكون عنده أكواب وأباريق وكؤوس وأنواع من هذا كان عنده، يعني لا يصعب عليه أن يوفّر هذا، لكن هو قدح واحد شرب به كل الأشربة.

باب ما جاء في فاكهة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 

00:28:13

ثم قال -رحمه الله-: باب ما جاء في فاكهة رسول الله ﷺ.

عن عبد الله بن جعفر قال: "كان النبي ﷺ يأكل القثّاء بالرطب"، حديث صحيح. [رواه الترمذي في الشمائل: 188، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 4880].

"القثاء": اسم جنس، كما يقول الناس الخيار، وبعض الناس يطلقه على نوع يشبه الخيار، وهو مطابق لقول الفقهاء لو حلف لا يأكل الفاكهة حنث بالخيار والقثّاء؛ وهو يقتضي أن القثّاء غير الخيار، ومن أطلق على القثاء خيار ففيه تسامح، ممكن تقول هو من فصيلة الخيار، لكن في فرق بين القثاء وبين الخيار، فأنت تجد مثلاً قثاء محزز وأحيانًا ملون أو فيه لونين وأحيانًا محزز بخلاف مثلاً الخيار، ويكون القثاء معوجًا بعضه وبعضه بخلاف مثلاً الخيار الذي يغلب عليه الاستقامة.

يؤخذ من الحديث: جواز الجمع بين الطعامين يؤخذ منه، من ناحية الجواز يجوز، كذلك من جهة الاعتدال في نوع الأكل موجود؛ لأن القثاء بارد، والرطب حار، فيكسر حرارة الرطب ببرودة القثاء، والنبي ﷺ كان معروفًا عنه الاعتدال حتى في اختيار الأطعمة، طريقة تناول الأطعمة، ومن فوائد أكل هذا المركب تعديل المزاج، قالوا: إن القثاء بالرطب يعدّل المزاج ويسمّن، والدليل على التسمين ما يلي: أخرج ابن ماجه من حديث عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: "أرادت أمي أن تهيئني للسمن لتدخلني على النبي ﷺ"؛ لأن عائشة كانت نحيلة، ولما زوجوها وأرادوا إدخالها على النبي ﷺ، اقترب موعد الدخلة، أمها تريدها أن تسمن قليلاً لتكون أملأ للعين عين الزوج، وأقوى على العمل، قالت: "أرادت أمي أن تهيئني للسمن لتدخلني على النبي ﷺ فما استقام لها ذلك -يعني ما وجدت طريقة إلا- قالت: "حتى أكلت الرطب بالقثّاء فسمنت كأحسن السمن"، رواه أبو داود وابن ماجه، وقال الألباني صحيح.

فإذن إذا كان المرأة عندها بنت نحيلة وأرادت أن تزوجها وأن تسمن قليلاً فعندها القثاء بالرطب، جرب القثاء بالرطب، رخيص، لكن النحيف يجرب ليس الكل.

عن عائشة -رضي الله عنها-: "أن النبي ﷺ كان يأكل البطيخ بالرطب"، ورواه أبو داود وزاد يقول:  نكسر حرّ هذا ببرد هذا، وبرد هذا بحر هذا  حديث صحيح. [رواه أبو داود: 3836، وصححه الألباني في المشكاة: 4225]. إذن، كان من اعتداله في الطعام ﷺ أنه كان بالإضافة للقثاء بالرطب كان يأكل البطيخ بالرطب، والبطيخ بارد، والرطب حار، وهذا يعدل هذا، وهذا يعدل هذا، قال: نكسر حر هذا ببرد هذا، هذا الأولى تعود إلى الرطب، وهذا الثانية على البطيخ، قال: نكسر حر هذا ببرد هذا، وبرد هذا بحر هذا، شوف الاعتدال يعني حتى في الأطعمة لما يمزج بين اثنين ليس أي اثنين، يختار ينتقي بطيخ مع الرطب، قثاء مع الرطب، واختلف هل المراد بالبطيخ الأخضر أم الأصفر؟ قال الحافظ -رحمه الله-: "المراد به الأصفر بدليل ورود الحديث بلفظ الخربز"، رواية أخرى جاءت بلفظ الخربز، قال: "وكان يكثر وجوده في أرض الحجاز بخلاف البطيخ الأخضر".[فتح الباري لابن حجر: 9/574]

وقال بعضهم المراد به الأخضر؛ لأن الأصفر فيه حرارة أكثر، والأخضر فيه برودة أكثر.

و قال الخطابي -رحمه الله- في إثبات الطب والعلاج ومقابلة الشيء الضار بالشيء النافع المضاد له في طبعه على مذهب الطب والعلاج، بهذا الحديث طب وعلاج واعتدال في المأكل.

وعن أنس قال: "رأيت رسول الله ﷺ يجمع بين الخربز والرطب" [رواه الترمذي: 190، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 171]. والخربز هو البطيخ، وقد تقدم.

فإذن، الأصفر الذي كان معروفًا بأرض الحجاز من القديم، واستعمله ﷺ لتعديل الطعم.

نسأل الله أن يرزقنا اتباع سنة نبيه، وأن يجعلنا ممن يتعلم ما ينفعه، وينتفع بما تعلمه إنه سميع مجيب.