السبت 20 صفر 1441 هـ :: 19 أكتوبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

13- الأربعون القلبية 13، شرح حديث ( لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ)


عناصر المادة
نص الحديث:
شرح الحديث:
المقصود بقوله: ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة)):
نص الحديث:
00:00:02
الحديث الثالث عشر:
عن أبي هريرة-رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه  [رواه الترمذي: 3479، وهو حديث صحيح، كما في صحيح الترمذي: 2766].
شرح الحديث:
00:00:18
أثر أعمال القلب في استجابة الدعاء:
هذا الحديث فيه بيان أثر أعمال القلب في استجابة الدعاء، وأن يقين القلب من أعظم أسباب الاستجابة، وأن الغفلة -غفلة القلب- من موانع الاستجابة، وأن الدعاء وإن كان من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصل المطلوب، لكن أثره قد يتخلف، يعني دعاء قد لا يعمل، لا يكون له مفعول، إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله، فيه عدوان، مثل أحيانًا ما يقول بعضهم: الوالد أو الوالدة يدعو علي بالغضب وبالسخط! وهو المخطئ، هو يريدني أن أعمل معصية، وأنا امتنعت طاعة الله، ويهددني أن يدعو عليّ بغضب الله! وسخط الله! فهذا الدعاء من موانع إجابته: أنه مكروه في ذاته، الله يكرهه، فيه عدوان: إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: 190].
وإما لضعف القلب الذي دعا صاحبه، وعدم إقبال هذا القلب على الله، ولا  اجتماعه عليه وقت الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرخو.
القوس الرخو هذا لو رميت به تسقط تحتك، ما تصل، أو يخرج منه خروجًا ضعيفًا.
أو لحصول مانع من موانع الإجابة؛ كأكل الحرام، الظلم، الذنوب، استيلاء الغفلة والشهوة واللهو.
المقصود بقوله: ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة)):
00:02:01
وقوله عليه الصلاة والسلام: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة هذا موافق لقوله تعالى: ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُلاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف: 55].
قال ابن جرير: ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا يعني تذللاً واستكانة وَخُفْيَةً يعني بخشوع قلب، وصحة يقين [ينظر: جامعالبيان في تأويل القرآن: 12/485].
الدعاء مع اليقين بالإجابة:
وفي الحديث: الحث على الدعاء مع اليقين بالإجابة، اليقين هذا من أعمال القلب، والدعاء من أكرم الأمور على الله؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: ليس شيء أكرم على الله من الدعاء وليس شيء من الأذكار والعبادات أفضل عند الله من الدعاء؛ لأن فيه إظهار فقر، إظهار الحاجة لله، الله يحب من عبده يتمسكن ويظهر تذلله وفقره، يقول: أنت الغني، وأنا الفقير، أنت القوي وأنا الضعيف، والله يحب التذلل والاعتراف بالذنب، وأن يعترف العبد بقدرة الله عليه، هذه أشياء لو جاءت في الدعاء، هذه من أسباب الإجابة: إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: 24] أنا فقير يا رب إلى الخير النازل من عندك! أنا محتاج إليه! بأمس الحاجة إليه! ومن أبغض الناس إلى الله المستغني عن ربه.
واليقين بالإجابة دليل على صلاح قلب العبد، وحسن رجاءه بالله، وحسن ظنه به، فيقين القلب عند الدعاء يدل على الثقة في وعد الله، وأن هذا الداعي موقن ومؤمن بقوله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60]موقن ومؤمن بأن الله كريم وجواد ويعطي، وأنه حيي كريم يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين؛ كما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم-[ينظر الحديث رواه ابن ماجه: 3865، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه: 3117].
يقين القلب عند الدعاء يدل على إيمان العبد بأن الله غني، وخزائنه لا تنفد مهما سأل العباد حوائجهم، لو أعطاهم كلهم، وقفوا في صعيد واحد جنًا وإنسًا فسألوه أعطى كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عنده إلا كما تنقص الإبرة إذا دخلت البحر، وطلعت، ماذا تأخذ من ماء البحر؟ يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: 29] يغني فقيرًا، يجبر كسيرًا، يشفي مريضاً، يرحم ميتًا، يعطي قومًا، يمنع آخرين، يحيي يميت، يرفع يخفض، لا يشغله شأن عن شأن سبحانه، يقف العباد في صعيد عرفة ملايين، يدعونه بلغات مختلفة، يغلط؟ أبدًا، يتبرم من إلحاههم؟ أبدًا، يعرف ماذا يقول كل واحد، وماذا يطلب كل واحد، ويعجل لهذا، ويؤخر هذا، وهذا يدفع عنه شرًا أعظم من الذي سأل، وهذا يعطيه خيرًا أعظم من الذي سأل، وهذا يؤجلها له أجرها حسنات إلى يوم القيامة، شيء مذهل العقل إذا تأمله.
يقين القلب عند الدعاء يدل على معرفة هذا العبد بأن دعاءه عند الله لا يضيع: ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها قالوا: إذًا نكثر؟ قال: الله أكثر [رواه أحمد: 11149، وقال محققو المسند: "إسناده جيد"]يعني الواحد يشعر بالحرج مع الآدمي، أن يسأله أول مرة وثاني مرة وثالث مرة، وبعدين؟ مع الله -عز وجل- أبدًا كل ما سألته أكثر كلما أحبك أكثر، ولا يتبرم سبحانه، ولا يعجزه شيء.
ويقين العبد عند الدعاء يدل على حسن ظن العبد بربه، وهذه مسألة عقدية مهمة: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني [رواه مسلم: 7005].
يقين القلب عند الدعاء يدل على عدم استعظام العبد للمسألة عند الله، يعني أن الله لا يعجزه شيء لو طلبت منه ما طلبت، اطلب ما شئت من خيري الدنيا والآخرة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، ارحمني إن شئت، ارزقني إن شئت، وليعزم مسألته، إنه يفعل ما يشاء لا مكره له سبحانه [رواه البخاري: 7477].
وفي رواية: ولكن ليعزم المسألة، وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه [رواه مسلم: 6988] فالذي يوقن بالإجابة يسأل ويسأل ويسأل وهو يوقن ويؤمن أن الله قادر على إعطائه ما يسأل: كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملك شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم ، كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه كان أبو إدريسالخولانيإذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه من عظمة هذا الحديث [رواه مسلم: 6737].
وقوله عليه الصلاة والسلام: واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه  غافل عن الله لاه عن الطاعة. إذًا أحضر قلبك عندما تدعو، هذا معنى الحديث.
أما أن يكون القلب في واد، والدعاء في واد آخر، هذا ليس من أسباب الإجابة، فاليقين وانتفاء الموانع ملخص أسباب إجابة الدعاء، لو قال واحد: ملخص لأسباب الإجابة؟
أمران: اليقين، وانتفاء الموانع.
و-طبعا- نستفيد من الحديث: الحث على العلم عمومًا، وعلى تعلم محبطات الأعمال ومذهبات الثواب خصوصًا، لقوله في الحديث: واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه.
والحديث يدفعنا إلى تحصيل أسباب الإجابة.
وكذلك  الجد في الطلب، والعزم في المسألة، والتيقظ.