الإثنين 24 محرّم 1441 هـ :: 23 سبتمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

45- وصف الجنة (النعيم رؤية من الداخل) 1


عناصر المادة
ملخص الدرس السابق:
لا مثيل ولا نظير لنعيم الجنة:
أسماء الجنة:
بعض أوصاف الجنة:
بناء الجنة:
مساكن الجنة:
غرف الجنة:
خيام الجنة:
قصور الجنة:
وسائل الحصول على قصور الجنة:
كيفية معرفة أهل الجنة لقصورهم فيها:
فرش أهل الجنة:
أسرة أهل الجنة:
ماهية سرر أهل الجنة:
نمارق وزرابي الجنة:
آنية أهل الجنة وأجناسها وماهيتها:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
ملخص الدرس السابق:
00:00:15
 فقد سبق في مشاهد دخول الجنة، ذكر أقسام الداخلين إليها، وأن الأول: هم السابقون الأولون دخولاً، وأولهم: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأول الأمم دخولاً هم أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-.
ومن أوائل أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-: زمرة عددهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة من غير حساب ولا عذاب.
وذكرنا: أوصافهم في الدنيا، وأوصافهم حال دخول الجنة.
وهناك زيادة من الباري -عز وجل- على هؤلاء السبعين ألفًا، وهم سبعون ألفًا مع كل ألف.
وكذلك: فإن أول من يدخل الجنة من هذه الأمة -أول الأوائل-: هم فقراء المهاجرين الذين يسبقون أغنياءهم، أو أغنياء الأمة جميعًا بخمسمائة عام.
وذكرنا: من آخر أهل الجنة دخولاً ممن جاوز الصراط، ولم يقع في النار.
والقسم الثاني من أقسام الداخلين إلى الجنة: هم أصحاب الأعراف.
والراجح فيهم: أنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، ومصيرهم في النهاية إلى الجنة.
والقسم الثالث: وهم قوم خرجوا من النار بالشفاعة، وعندهم أصل الإيمان، وهم عصاة الموحدين، يدخلون على تفاوت بينهم.
وذكرنا: أن من أبرز هذه الشفاعات التي يخرج بها عصاة الموحدين من النار، هي شفاعة محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-، وهي شفاعته التي ادخرها لأهل الكبائر من أمته الذين دخلوا النار أن يخرجوا منها، وكذلك يشفع بقية الأنبياء والشهداء والصالحين والملائكة، وهناك شفاعة رب العالمين، فيشفع من نفسه إلى نفسه.
وهناك رجل من هذه الأمة يخرج من النار بشفاعته أكثر من بني تميم[رواه الترمذي: 2438، وابن ماجه: 4316، وأحمد: 15895، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 14029].
قال في تحفة الأحوذي: "قال القاري: فقيل الرجل هو: عثمان بن عفان -رضي الله عنه-.وقيل: أويس القرني.وقيل غيره. انتهى.
قلت -صاحب التحفة-: إن دل دليل على تعيين هذا الرجل، فهو المتعين، وإلا فالله -تعالى- أعلم به" [تحفة الأحوذي: 6/230].
وقد قيل: إنه أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- أيضاً.
ومسألة الشفاعة من اعتقاد أهل السنة والجماعة في مسائل الإيمان، خلافًا لأهل البدعة الذين يقولون: إن أصحاب الكبائر يدخلون النار ولا يخرجون منها أبداً.
فإذا كان المرجئة قد ضلوا في الوعد، فهؤلاء الخوارج والمعتزلة، قد ضلوا في الوعيد، فهم الوعيدية.
وكذلك ذكرنا سبب اختيار النبي -صلى الله عليه وسلم- لهذه الشفاعة، لما خير بينها وبين أن يكون نصف أمته في الجنة، فاختار هذه الشفاعة، فهي عظيمة جداً.
لا مثيل ولا نظير لنعيم الجنة:
00:03:32
 وأما نعيم الجنة من داخلها؛ فإن الجنة لا مثيل لها، فهي دار النعيم المطلق الذي ليس فيه قيد على أحد، فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وهي خلود دائم، وبقاء غير منته.
وقد وصفها الله -سبحانه وتعالى- فأحسن وصفها، وجملها فأحسن جمالها، وسماها فأحسن أسماءها، قال عز وجل:  لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [يونس: 26].
ولا شك أن الجنة خير من هذه الحياة الفانية، وأنه لا مقارنة بينهما أصلاً، وقد قال الله -تعالى-:  لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ [النحل: 30].
وقد وعد الله -عز وجل-، وهو لا يخلف المعياد، ولا بدّ أن يتحقق وعده، قد وعدها الذين آمنوا، ووعدها المحسنين، وقد قال سبحانه وتعالى:  فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: 17].
وهذا من أعظم الجزاء، وأجزل الثواب، أن يكون ما أعد لهم خافيًا لتتشوف إليه النفوس، ولتتطلع إليه الأفئدة، وهذا لكمال اللذة، وبهجة النفس، ولم يكن الأمر خافيًا فحسب، بل بواعث الشوق والتطلع إليه قد ملأت الآيات والأحاديث، فلا تكاد تذكر الجنة إلا على أجمل وصف، وأبلغ تعبير، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  قال الله -تبارك وتعالى- أعددت لعبادي الصالحين، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاقرؤوا إن شئتم فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: 17]. [رواه البخاري: 4779، ومسلم: 7312].
وقد جاء في رواية عن سهل بن سعد الساعدي قال: شهدت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مجلسًا وصف فيه الجنة، حتى انتهى، ثم قال صلى الله عليه وسلم في آخر حديثه:  فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ثم اقترأ هذه الآية:  تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِأَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: 16 - 17] [رواه مسلم: 7313].
وفي الجنة نعيم لا مثيل له، ليس في الدنيا له نظير ولا شبيه. الطيب طيبه، واللذة لذته، والهناء هناؤه، ورغد العيش، ودعة المعيشة، وطيب الخاطر، وطمأنينة النفس، وغاية السعادة، وحلاوة المطعم، وعذوبة المشرب، ورقة الملبس، ونفاسة المتاع، وبهاء المنظر، وأنس الجليس، وحسن الأنيس، وجمال الزوجة، والحور العين، فيها ما يحار فيه الطرف، فيها حياة الروح، وعبق الريحان، وفيها جماع الخير والخيرات، اللؤلؤ والمرجان، والغوان الحسان، اللاتي لم يطمثهن إنس ولا جان، والعسل المصفى، واللبن الذي لم يتغير طعمه، فيها الحدائق الغناء، والمسك الأذفر، والسندس الأخضر، والياقوت والزعفران، لا بلى فيها ولا ظمأ، ولا جوع ولا عري، كمال وجمال، وكل ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين.
فهل لهذا النعيم مثيل؟ وهل عنه زهد وغنى؟
لعمري هنا يغبط أهل الجنة فيما أوتوا، ويسعدون فيما أعطوا، وتتلقاهم الملائكة:  هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء: 103]ومأواكم الذي كنتم تنتظرون، ومصيركم الذي فيه تسعدون، وفيه تخلدون.
أسماء الجنة:
00:07:29
 وإن هذا النعيم ليظهر من خلال أسماء الجنة التي ذكرها الله -عز وجل- لنا، ونبيه -صلى الله عليه وسلم-، فلقد بين لنا في القرآن الكريم أسماء عديدة للجنة التي أعدها لعباده الصالحين، قال القرطبي -رحمه الله-: "والجنة اسم الجنس، فمرة يقال: جنة، ومرة يقال: جنات، وكذلك جنة عدن، وجنات عدن؛ لأن العدن الإقامة، وكلها دار إقامة، كما أن كلها مأوى المؤمنين، وكذلك دار الخلد، ودار السلام؛ لأن جميعها للخلود والسلامة" -السلامة مما ماذا؟- قال: "السلامة من كل خوف وحزن.وكذلك جنات النعيم، وجنة النعيم؛ لأن كلها مشحونة بأصناف النعيم، ذكره الحليمي -رحمه الله- في كتابه: "منهاج الدين" له، وقال: إنما منعنا أن نجعل كل واحدة من العدن والمأوى والنعيم جنة سوى الأخرى؛ لأن الله -تعالى- إن كان سمي شيئاً من هذه الأسماء جنة في موضع، فقد سمي الجنات كلها بذلك الاسم في موضع آخر، فعلمنا أن هذه الأسماء ليست لتميز جنة من جنة، و لكنها للجنان أجمع، لا سيما وقد أتى الله بذكر العدد، فلم يثبت إلا أربعاً" [التذكرة، للقرطبي: 2/142].
الجنة:
ومن هذه الأسماء: الجنة، وهي أشهرها، والاسم العام المتناول لتلك الدار، وما اشتملت عليه من أنواع النعيم، واللذة والبهجة والسرور، وقرة الأعين.
وأصل اشتقاق هذه اللفظة: الجنة، من الستر والتغطية، ولذلك يسمى البستان: جنة؛ لأنه يستر ما بداخله من كثرة الأشجار، ويغطيه.
ولا يستحق هذا الاسم إلا موضع كثير الأشجار، مختلف الأنواع.
وذكر هذا الاسم في القرآن كثير جداً، قال عز وجل:  وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [البقرة: 25].
وقال تعالى:  تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا [مريم: 63].
وهنالك أسماء جاءت مقترنة بالجنة، ويراد بها جميع الجنان، وليست جنة خاصة، فمن ذلك:
جنة الخلد:
أولاً: جنة الخلد، قال تعالى:  قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء وَمَصِيرًا  [الفرقان: 15] وسميت بذلك؛ لخلود أهلها فيها، فإن أهلها لا يظعنون عنها أبدًا، ولا ينتقلون، كما قال عز وجل: عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود: 108].
وقال تعالى:  إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ [ص: 54].
وقال عز وجل:  أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا [الرعد: 35].
وقال عز وجل:  وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر: 48].
وفيه دلالة على إبطال قول من قال من الجهمية والمعتزلة بفاء الجنة، أو فناء حركات أهلها، وهذا من كلام أهل البدعة، والله -سبحانه وتعالى- قد أخبرنا: أنهم فيها خالدون، وأنهم لا يموتون ولا يفنون، ولا يخرجون.
جنة المأوى:
ثانيًا: جنة المأوى، قال عز وجل:  عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى [النجم: 15].
والمأوى مفعل من أوى يأوي، إذا انضم إلى المكان، وصار إليه، واستقر فيه.
وهل المراد به الجنة أم جنة خاصة؟ يعني هل جنة المأوى هي جنة خاصة، مكان خاص من الجنة، أو هي الجنة نفسها؟
فقال عطاء عن ابن عباس -رضي الله عنه-: هي الجنة التي يأوي إليها جبريل والملائكة.
وقال غيره: هي جنة تأوي إليها أرواح الشهداء.
وقال كعب: جنة المأوى جنة فيها طير خضر ترتع فيها أرواح الشهداء.
وقالت عائشة -رضي الله عنها- وزر بن حبيش: هي جنة من الجنان.
والصحيح: أنها اسم من أسماء الجنة، كما قال تعالى:  وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات: 40 - 41].
فهذه هي جنة المأوى.
وقال عز وجل:  فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات: 39].
وقال:  وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ [الجاثية: 34].
جنات عدن:
ثالثًا: جنات عدن، قال سبحانه وتعالى:  جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا [مريم: 61].
فوعد الله سيأتي لا محالة لهؤلاء المتقين.
وقال عز وجل:  جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [فاطر: 33].
وقال عز وجل:  وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ  [التوبة: 72].
هل جنة عدن هي جنة من الجنان، هي جنة في الجنة؟ أم هي الجنة نفسها، وهذا اسم آخر لها، للجنة عمومًا؟
رجح ابن القيم -رحمه الله تعالى-: أنها اسم لجملة الجنة، وكل الجنة، فهو اسم آخر للجنة كلها، قال: "والاشتقاق يدل على أن جميعها جنات عدن، فإنه من الإقامة والدوام، يقال: عدن بالمكان، إذا أقام به، وعدنت بالبلد توطنته، وعدنت الإبل بمكان كذا، لزمته فلم تبرح منه"[انظر: حادي الأرواح، ص: 68].
وفي لسان العرب: ومنه المعدن، بكسر الدال، وهو المكان الذي يثبت فيه الناس؛ لأن أهله يقيمون فيه، ولا يتحولون عنه شتاءً ولا صيفًا، ومعدن كل شيء من ذلك، ومعدن الذهب والفضة سمي معدنًا لإنبات الله فيه جوهرهما، وإثباته إياه في الأرض، حتى عدن، أي ثبت في الأرض، فيقال: هذا معدن الذهب، هذا معدن الفضة[انظر: لسان العرب، ابن منظور: 13/ 279]؛ لأن الذهب مركوز فيه، موجود فيه، ثابت فيه، مستقر فيه، وهكذا ..
لكن لا يمنع أن يطلق ذلك على جنة خاصة من الجنان، فقد جاء في أحاديث مرفوعة ضعيفة، وآثار صحيحة، التصريح بهذا، وجاء في أحاديث صحيحة ما يشعر به، بماذا؟
أن جنة عدن هي جنة خاصة، كما يشعر بذلك قوله صلى الله عليه وسلم:  فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب، ولبن فضة، فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راءٍ، وشطر كأقبح ما أنت راءٍ  ماذا؟  صورة  يعني شكلاً وهيئة، قالا لهم:  اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة  قالا لي -يعني الملكان اللذان يفسران للنبي -عليه الصلاة والسلام-، واصطحباه في هذه الرحلة التي رآها، ورؤياه حق، قالا لي:  هذه جنة عدن، وها ذاك منزلك  [رواه البخاري: 7047].
فذكر الملائكة: أن المدينة هي جنة عدن، ولذا قال الضحاك في تفسير جنات عدن، هي مدينة الجنة، فيها الرسل والأنبياء والشهداء، وأئمة الهدى والناس حولهم بعدُ، والجنات حولها[انظر: جامع البيان في تفسير القرآن، للطبري: 11/563].
فإذًا، هذه جنة عدن، هذه فيها أصفياء الله من خلقه، والناس حولهم بعدُ.
ومعلوم أن الجنات -كما ذكرنا- درجات بعضها فوق بعض، ولكن كلما صعدت اتسعت.
فإذًا، الدرجة الأولى أكبر من الدرجة التي بعدها، وهكذا..
وقال أبو سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه-: "إن الله خلق جنة عدن بيده، لبنة من ذهب، ولبنة من فضة"[صفة الجنة، ابن أبي الدنيا، ص: 21] قال الهيثمى: "ورجاله رجال الصحيح، وأبو سعيد لا يقول هذا إلا بتوقيف [مجمع الزوائد: 10/732].
وقال عبد الله بن عمرو: "إن في الجنة قصرا، يقال له: عدن، له خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف حبرة، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد.
قال ابن مسعود: عدن، بطنان الجنة، يعني وسطها [تفسير الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن: 11/563].
قال ابن تيمية -رحمه الله-: "فإن جنة عدن خلقها الله -تعالى- وغرسها بيده، ولم يطلع على ما فيها مقربًا، ولا نبيًا مرسلاً، وقال لها: تكلمي، فقالت:  قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون: 1] جاء ذلك في أحاديث عديدة" -وقد تقدمت الإشارة إلى أن بعضها ضعيف- قال شيخ الإسلام: "وأنه ينظر إليها في كل سحر، وهي داره، فهذه كرامة الله -تعالى- لعباده المؤمنين التي لم يطلع عليها أحد من الملائكة، ومعلوم أن الأعلين مطلعون على الأسفلين" -في الجنة أصحاب الدرجة الأعلى يطلعون على أصحاب الدرجة الأدنى منهم، ولا عكس- قال رحمه الله: "ومعلوم أن الأعلين مطلعون على الأسفلين من غير عكس، ولا يقال هذا في حق المرسلين، فإنها إنما بنيت لهم، لكن لم يبلغوا بعد إبان سكناها -الأنبياء ما سكنوها بعد-، وإنما هي معدة لهم، فإنهم ذاهبون إلى كمال، ومنتقلون إلى علو وارتفاع، وهو جزاؤهم وثوابهم [انظر: مجموع الفتاوى: 4/372- 373].
جنات النعيم:
رابعًا من الأسماء: جنات النعيم، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ [لقمان: 8].
وسميت بذلك لما فيها من النعيم المقيم الكريم.
وهذا أيضًا اسم جامع لجميع الجنات، لما تضمنته من الأنواع التي يُتنعم بها.
لماذا سميت جنات النعيم؟
لأنه يتنعم بما فيها من المأكول والمشروب، والملبوس، والصور، والرائحة الطيبة، والمنظر البهيج، والمساكن الواسعة، وغير ذلك من النعيم الظاهر والباطن.
عندك نعيم باطن، عندك فيها السكينة والطمأنينة، واللذة النفسية، غير اللذة الحسية الجسدية.
الفردوس:
وكذلك من الأسماء التي وردت للجنة: الفردوس، قال تعالى:  أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون: 10 - 11].
وقال تعالى:  إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف: 107 - 108].
والفردوس في اللغة: البستان، والفراديس البساتين.
قال الضحاك: هي الجنة الملتفة الأشجار.
وقال بعض أئمة اللغة أيضًا: الفردوس فيما سمعت من كلام العرب: الشجر الملتف، والأغلب عليه العنب، وجمعه الفراديس.
إذًا، العنب تحديدًا، الأغلب، ولهذا سمي باب الفراديس بالشام؛ لأن فيها هذه الأشجار الكثيرة المتلفة.
وقال مجاهد: "هذا البستان بالرومية، يعني الفردوس، باللغة الرومية، واختاره الزجاج، فقال: هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية، قال: وحقيقته -يعني حتى معناه في اللغة الرومية- أنه البستان الذي يجمع كل ما يكون في البساتين.
قال حسان:
وأن ثواب الله كل موحد *** جنان من الفردوس فيها يخلد
[انظر: التفسير القيم، لابن القيم: 2/50].
والفردوس إذًا، يطلق على اسم جميع الجنة، ويقال على أفضلها وأعلاها أيضًا، كأنه أحق بهذا الاسم من غيره من الجنات، فمثلاً نجد في قوله الله -تعالى-:  إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا  [الكهف: 107].فهذا أطلق على جميع الجنة، ومنه -يعني لفظ الفردوس- ما أطلق على أعلى درجات الجنة، كما جاء في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:   إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة [رواه البخاري: 2790].
قال: فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن .
وأوسطها، أي أفضلها وخيرها، وأن العرش على الفردوس، أي هو السطح للفردوس، قال ابن القيم: "أنزه الموجودات، وأظهرها، وأنورها، وأشرفها، وأعلاها، ذاتًا وقدرًا، وأوسطها عرش الرحمن -جل جلاله-، وكلما كان أقرب إلى العرش كان أنور وأظهر وأشرف، مما بُعد عنه، ولهذا كانت جنة الفردوس أعلى الجنان، وأشرفها وأنورها وأجلها لقربها من العرش، إذ هو سقفها، وكلما بعد عنه كان أظلم وأضيق، ولهذا كان أسفل سافلين شر الأمكنة وأضيقها وأبعدها من كل خير" [حاشيةالسندي: 8/183].
دار السلام:
من أسماء الجنة: دار السلام، قال تعالى:  لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ [الأنعام: 127].
وقال عز وجل:  وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ [يونس: 25].
وعن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  إن الله ضرب مثلاً صراطًا مستقيمًا على كنفي الصراط زوران، لهما أبواب مفتحة، على الأبواب ستور، وداع يدعو على رأس الصراط، وداع يدعو فوقه:  وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ  [يونس: 25] والأبواب التي على كنفي الصراط حدود الله، فلا يقع أحد في حدود الله، حتى يكشف الستر، والذي يدعو من فوقه واعظ ربه [رواه الترمذي: 2859، وأحمد: 17673، وصححه الألباني لغيره، كما في صحيح الترغيب والترهيب: 2347].
قال في التحفة: على كنفي الصراط  يعني على جانبيه، والكنف هو الجانب.
  زوران  تثنية زُور، أي جداران.
وفي حديث ابن مسعود: عند رزين:  سوران  بالسين، تثنية سور، والظاهر أن السين قد أبدلت بالزاي، كما في الأسد، الأزدي. انتهى[تحفة الأحوذي: 7/ 179].
سبب تسمية الجنة بدار السلام:
سميت بدار السلام لأمور أربعة:
أ- لأنها سالمة من كل المنغصات والمكدرات ومن كل بلية وآفة ومكروه، وهذا يؤخذ من اشتقاق الكلمة.
ب- لأنها دار الله، ومن أسماء الله -تعالى-: السلام، كما قال عز وجل: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ [الحشر: 23].
فهذه دار السلام، يعني دار الله؛ لأن الله -عز وجل- خلقها، وجعلها جزاء أوليائه، وهو سبحانه وتعالى سلمها وسلم أهلها.
ج- سميت بدار السلام؛ لأن التحية فيها بالسلام، قال عز وجل:  تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ [إبراهيم: 23].
 تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا [الأحزاب: 44].
وأول ما تستقبل به خزنة الجنة أهل الجنة بالسلام:  حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر: 73].
وقال تعالى:  وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: 23 - 24].
وقال عز وجل مبينًا: أنه يسلم هو بنفسه على أهل الجنة:  لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ * سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ [يــس: 57 - 58].
د- سميت بذلك؛ لأن كلامهم فيها سلام، أي لا لغو ولا فحش، ولا باطل، لا يقولونه ولا يسمعونه، قال تعالى:  لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا [الواقعة: 25 - 26].
قال عز وجل:  لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا [النبأ: 35].
فائدة:
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "وأما قوله تعالى:  وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ [الواقعة: 90 - 91]فأكثر المفسرين حاموا حول المعنى وما وردوه، وقالوا أقولاً لا يخفى بُعدها عن المقصود، وإنما معنى الآية -والله أعلم-: فسلام لك أيها الراحل عن الدنيا، حال كونك من  أصحاب اليمين، أي فسلامه لك كائنًا من أصحاب اليمين الذين سلموا من الدينا وأكدارها، ومن النار وعذابها، فبشر الذين سلموا من الدنيا وأكدارها، ومن النار وعذابها، فبُشر بالسلامة عند ارتحاله من الدنيا وقدومه  على الله، كما يبشر الملك روحه بقوله:  أبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان [رواه ابن ماجه: 4262، وأحمد: 8754، وقال محققو المسند: "إسناده صحيح على شرط الشيخين"]. [حادي الأرواح، ص: 66- 67] كما جاء في الحديث الطويل عند سحب الروح للمؤمن، وانتقالها بين أيدي الملائكة وارتفاعها من سماء إلى سماء.
قال: "وهذه أول البشرى التي للمؤمن في الآخرة"[حادي الأرواح، ص: 67].
دار المقامة:
ومن أسمائها أيضاً: دار المقامة، قال تعالى:  وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ [فاطر: 34 - 35].
قال مقاتل: "أنزلنا دار الخلود أقاموا فيها أبداً، لا يموتون ولا يتحولون منها"[التفسير القيم، لابن القيم: 2/173].
ودار المقامة، يعني دار الإقامة، كما قال الراغب في مفردات القرآن[انظر: المفردات في غريب القرآن، ص: 693].
الحسنى:
ومن أسمائها: الحسنى، قال تعالى:  لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: 26].
وقال عليه الصلاة والسلام: الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه ربهم  [رواه ابن خزيمة في التوحيد: 1/279، رقم: 261] وهو حديث متواتر -أي حديث رؤية المؤمنين لربهم في الجنة-.
وقد جاء هذا مرفوعًا عن جمع من الصحابة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وجاء كذلك موقوفًا، والموقوف له حكم الرفع أيضًا؛ لأنه لا يقال بالرأي، ومعاذ الله أن يقول الصحابة رجمًا بالغيب، بآرائهم، وإنما يتكلمون بالدليل والبرهان، وما سمعوه من النبي -صلى الله عليه وسلم-.
دار الآخرة:
من أسماء الجنة أيضاً على ما قيل: دار الآخرة، قال تعالى:  وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [يوسف: 109].
والمراد بالدار الآخرة: الجنة، عند جميع المفسرين.
والغالب أن تذكر بلفظ التعريف للدار، فيقال: الدار الآخرة، قال تعالى:  تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: 83].
وقالت عائشة في حديث تخيير النبي -صلى الله عليه وسلم- فقلت: ففي أي هذا أستأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة؟ قالت: ثم فعل أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- مثلما فعلت[رواه البخاري: 4786، ومسلم: 3754].
إذًا، المقصود بالدار الآخرة؛ الجنة.
وأحيانًا تذكر من غير لفظ: دار، فيقال عنها: الآخرة، قال عز وجل:  وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: 17].
ولكن الغالب أن تذكر مع لفظة دار، فيقال: الدار الآخرة، أو دار الآخرة.
وسميت بذلك؛ لأنها آخر دار للمتقين، بعد دار الدنيا، ودار القبر والبرزخ.
دار المتقين:
ومن أسمائها أيضاً: دار المتقين، وقال تعالى:  وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ [النحل: 30].
وسميت بذلك؛ لأنهم أهلها.
بعض أوصاف الجنة:
00:27:30
 وهناك أوصاف لا نستطيع أن نثبت أنها أسماء للجنة، ذكر ابن القيم -رحمه الله- في [حادي الأرواح، ص: 67- 70] أسماء للجنة، وهي في الحقيقة أوصاف عامة لها، وهذا من التوسع وإدخال الأوصاف مع الأسماء.
فمما ذكره رحمه الله -تعالى-: دار الخلد، فهذا وصف عام، ولم يذكر كاسم عن الجنة خاصة، إنما جاء في النار أيضاً كما قال تعالى:  ذَلِكَ جَزَاء أَعْدَاء اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاء بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [فصلت: 28].
كذلك تسمى: الحيوان، كما قال تعالى:  وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ  [العنكبوت: 64].
والمراد بالحيوان، هنا الحياة الدائمة الباقية، هذا المقصود بالحيوان.
ولأن الجنة هي الحياة التي لا يشوبها تنغيص، ولا يعقبها فناء، ولا تنقطع ولا تبيد، سميت بالحيوان.
والحيوان في اللغة: الحياة الكاملة الباقية التي لا موت فيها، كما في المفردات، للراغب[انظر: المفردات في غريب القرآن، ص: 269].
كذلك يطلق عليها: المقام الأمين، قال تعالى:  إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ [الدخان: 51]لأن المقام هو المكان والموضع.
والأمين الآمن من كل سوء.
فمقام أمين، يعني مكان آمن، وهذا وصف ظاهر.
وتأمل كيف ذكر سبحانه وتعالى الأمن في قوله:  إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ [الدخان: 51].
وكذلك في قوله عز وجل: يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ [الدخان: 55].
فجمع بين أمن المكان، وأمن الطعام، فلا يخافون انقطاع الفاكهة، ولا سوء عاقبتها ومضرتها، وأمن الخروج منها، فلا يخافون أن يخرجوا من الجنة؛ لأنهم باقون فيها، كذلك فهم آمنون من الموت؛ لأنهم لا يخافون موتًا.
وقد ذكر عز وجل في قوله:  إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ [القمر: 54 - 55].ذُكر مقعد الصدق، من أسمائها، ونحن لا نستطيع أن نثبته في الحقيقة؛ لأنه جاء على سبيل الوصف -كما ذكرنا- في قوله:  مَقَامٍ أَمِينٍ [الدخان: 51]فلا نستطيع أن نقول: مَقَامٍ أَمِينٍ هذا اسم الجنة.
كذلك: مقعد صدق، ووصفت بمقعد صدق، قال ابن القيم -رحمه الله-: فسر قدم الصدق بالجنة، وبالأعمال التي تنال بها الجنة، وبالسابقة التي سبقت هم من الله، وبالرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي على يده وهدايته نالوا ذلك، قال: والتحقيق أن الجميع حق.
وقد وصفها بذلك بحصول كل ما يراد من المقعد الحسن فيها، كما يقال: مودة صادقة، إذا كانت ثابتة تامة، وحلاوة صادقة، وجملة صادقة، ومنه الكلام الصدق، لحصول مقصودهم منه[انظر: حادي الأوراح، ص: 70].
فإذًا، هذا مقعد الصدق، مثل قدم الصدق، ولسان الصدق، ومدخل الصدق، ومخرج الصدق، وذلك كله للحق الثابت المقصود الذي يرغب فيه، بخلاف الكذب الباطل الذي لا شيء تحته، وهو لا يتضمن أمرًا ثابتًا قط.
بعضهم سماها: المدخل الكريم، كما قال تعالى:  وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا [النساء: 31].
وبعضهم سماها: حسن المآب، وأخذه من قوله:  هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ * جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ [ص: 49 - 50].
وتقدم أن هذه أوصاف.
بناء الجنة:
00:31:07
 وأما بناء الجنة، فقد روى أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه-: أنهم قالوا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- الجنة ما بناؤها؟ قال:  لبنة من فضة، ولبنة من ذهب .
لما اشتاق الصحابة إلى الجنة، أرادوا أن يعرفوا مبنية من ماذا، فسألوا النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، فقال عليه الصلاة والسلام:  لبنة من فضة، ولبنة من ذهب  ولما كان اللبن يستمسك بشيء يكون بين حدوده، فقد قال عليه الصلاة والسلام:  وملاطها  أي ما بين اللبنتين  المسك الأذفر  ومعنى: الأذفر  شديد الرائحة  وحصباؤها الحصباء الصغار التي في الأنهار، قال:  وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران والزعفران هذا الناعم الأصفر، طيب الريح، لكن شتان بين زعفران الجنة، وزعفران الدنيا، قال عليه الصلاة والسلام:  من دخلها ينعم لا يبأس، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم  [رواه الترمذي: 2526، وأحمد: 8030، و 3711، وحسنه الألباني لغيره: 3711].
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن أبي ذر -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:  ... أدخلت الجنة، فإذا فيها حبايل اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك  [رواه البخاري: 349، ومسلم: 433].
والحبائل من حبال الرمل، أي فيها لؤلؤ مثل حبال الرمل، قاله [ابن حجر، في الفتح: 1/464].
وعن أنس بن مالك عن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال:  بينما أنا أسير في الجنة، إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف  قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال:  هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طينه -أو طيبه- مسك أذفر [رواه البخاري: 6581].
وعن أبي سعيد: أن ابن صياد -وهو يهودي دجال من الدجاجلة كان بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام حوار وكلام- سأل النبي -عليه الصلاة والسلام-، ابن صياد سأل النبي -عليه الصلاة والسلام- عن تربة الجنة، فقال:  درمكة بيضاء، مسك خالص  [رواه مسلم: 7536].
قال النووي: "قال العلماء: معناه أنها في البياض درمكة، وفي الطيب مسك، والدرمك هو الدقيق الحواري الخالص البياض" [المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج: 9/317].
فإذًا، في هذه الأحاديث ثلاثة أوصاف لتربة الجنة، قال ابن القيم -رحمه الله-: فهذه ثلاث صفات في تربتها، لا تعارض بينها، فذهب طائفة من السلف إلى أن تربتها متضمنة للنوعين: المسك والزعفران، قال مغيث بن سمي: الجنة ترابها المسك والزعفران.
ويحتمل معنيين آخرين: أحدهما: أن يكون التراب من زعفران، فإذا عجن بالماء صار مسكًا، والطين يسمى ترابًا، ويدل على هذا قوله:  ملاطها المسك  والملاط هو الطين.
ويدل عليه: أنه في حديث العلاء بن زياد:  ترابها الزعفران وطينها المسك  فلما كانت تربتها طيبة، وماؤها طيبًا، فانضم أحدهما إلى الآخر، حدث لها طيب آخر، فصارت مسكًا، هذا الجمع بين الأقوال.
المعنى الثاني: أن يكون زعفرانًا باعتبار اللون، مسكًا باعتبار الرائحة، وهذا من أحسن شيء يكون في البهجة والإشراق، في لون الزعفران، والرائحة في رائحة المسك، وكذلك شبهها بالدرمك، وهو الخبز الصافي الذي يضرب لونه إلى صفرة مع لينها ونعومتها، وهو معنى ما ذكره سفيان ابن عيينة عن مجاهد قال: إن أرض الجنة من فضة، وترابها المسك، فاللون في البياض لون الفضة، والرائحة رائحة المسك [انظر: حادي الأرواح، ص: 94].
هذا الكلام الآن كله في الجمع بين الأوصاف التي جاءت في الجنة، في قضية المسك والزعفران، وكذلك الدرمكة البيضاء، قال ابن القيم -رحمه الله- في نونيته:
وبناؤها اللبنات من ذهب*** وأخرى فضة نوعان محتلفان
وقصورها من لؤلؤ وزبرجد*** أو فضة أو خالص العيقان
وكذاك من در وياقوت به*** نظم الناء بغاية الاتقان
والطين مسك خالص أو زعفرا***ن جابذا أثران مقبولان
ليسا بمختلفين لا تنكرهما*** فهما الملاط لذلك البنيان

[القصيدة النونية: 2/78]
مساكن الجنة:
00:36:32
 مساكن الجنة، ورد أنها الغرف والقصور والخيام، أخبرنا تعالى أن مساكن الجنة طيبة حسنة، قال تعالى:  وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ [الصف: 12].
فمساكن الجنة وصفها لا يخطر ببال أحد، والوصف لا يقرب من الحقيقة إلا مجرد تخيلات، وليس الخبر كالمعاينة، يعني مهما سمعت الآن من أوصاف، فأنت لا تستطيع أن تدرك، لكن تؤمن بما جاء عن الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ويكون هذا دافعك للعمل.
غرف الجنة:
00:37:10
 فأما غرف الجنة، فقد سماها تعالى في كتابه، فقال في جزاء عباد الرحمن:  أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا [الفرقان: 75].
وقال عز وجل:  وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ  [العنكبوت: 58].
وهذه الغرف المبنية طبقات بعضها فوق بعض، كما قال تعالى:  لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ  [الزمر: 20].
فأخبر عن عباده السعداء: أن لهم غرفًا في الجنة، وهي القصور الشاهقة، قال تعالى:  مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ أي طباق فوق طباق، مبنيات، محكمات، مزخفرات، عاليات -جعلنا الله من ساكنيها-.
وقد جاء في وصف هذه الغرفات ما يذهل المتأمل، فعن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:  إن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها  هذا شيء مذهل  يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها  فقال أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه-: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وبات لله قائمًا والناس نيام  [رواه أحمد: 6615، وهو حديث حسن صحيح، كما ذكر الألباني-رحمه الله- في صحيح الترغيب والترهييب: 617].
فكل المنازل الرفيعة والغرف التي أعدها الله -تعالى-، ينالها الذين استعدوا للقائه بالأعمال الصالحة، وسعدوا برضاه، وتخلوا عن الدنيا الفانية، وزهدوا فيها، كما قال عز وجل:  وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ [سبأ: 37].
خيام الجنة:
00:39:22
 أما الخيام، فقد أخبرنا تعالى بأن في الجنة خيامًا، فقال سبحانه:  حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ [الرحمن: 72].
والحور العين مقصورة في خيمتها، ولكن كيف تكون هذه الخيمة التي تليق بالحورية الحسناء؟
جاء وصفها في حديث أبي موسى -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:  الخيمة درة مجوفة، طولها في السماء ثلاثون ميلاً، في كل زاوية منها للمؤمن أهل لا يراهم الآخرون [رواه البخاري: 3243].
ورواه مسلم بلفظ: إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة [رواه مسلم: 7337] هذا لا يمكن أن تجد له في الدنيا نظيرًا، لا يمكن أن تجد له شيئًا مقابلاً في الدنيا، يعني خيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، هذا ما هو موجود، في  الدنيا لآلئ، لكن أكبر لؤلؤة كم حجمها؟ فقال في هذا الحديث:  إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولهاستون ميلاً  الارتفاع في رواية البخاري، والطول في رواية مسلم، قال: طولها ستون ميلاً للمؤمن فيها أهلون، يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضًا [رواه مسلم: 7337].
وفي رواية لمسلم أيضاً:  في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلاً  ذكر العرض:  في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن [رواه مسلم: 7338].
إذًا:
للعبد فيها خيمة من لؤلؤ*** قد جوفت هي صنعة الرحمن
ستون ميلا طولها في الجو في*** كل الزوايا أجمل النسوان
يغشى الجميع فلا يشاهد بعضهم***بعضا وهذا لاتساع مكان

[القصيدة النونية: 2/ 78]
إذًا، من الاتساع، هذه الزوجة لا ترى ما يصنع مع زوجته الأخرى.
قصور الجنة:
00:42:11
 وأما قصور الجنة، فقد جاء عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  دخلت الجنة، فرأيت فيها دارًا أو قصرًا، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب، فأردت أن أدخله فذكرت غيرتك فبكى عمر، وقال: أي رسول الله أو عليك يغار؟[رواه البخاري: 7024، ومسلم: 6349، وهذا لفظ مسلم].
وقد بشرت خديجة -رضي الله تعالى عنها- بذلك في الجنة، فجاء عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن جبريل أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب- جاءت تكرم زوجها النبي -عليه الصلاة والسلام- بهذا، يقول جبريل للنبي -عليه الصلاة والسلام- وهو يرى خديجة مقبلة-  فإذا هي أتتك، فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب  لا صياح وصراخ، ولا تعب وعناء [رواه البخاري: 7497، ومسلم: 6426].
كان خديجة له منها ولد، أولاده من خديجة إلا إبراهيم، وأكرمته، فأعطيت في الجنة بيتًا لا صخب فيه، لا صياح وصراخ وزعيق، ولا إزعاج، ولا نصب، ما في تعب ولا عناء.
قوله:  من قصب  قال ابن التين: المراد به لؤلؤة مجوفة واسعة كالقصر المنيف[فتح الباري: 7/138].
وسائل الحصول على قصور الجنة:
00:44:11
 فتبين من ذلك كله: أن الشارع الحكيم يبين الأجر العظيم، وسبل الوصول إليه، وأن ثمة من وصل إليه، لتتطلع النفوس إليه وتشرئب الأعناق، وتسعى حثيثًا في تحصيل مساكن الجنة.
كيف نحصل على هذه المساكن والقصور في الجنة؟
بناء المساجد لله وحده:
ورد في بعض الأحاديث طرق لذلك، فمنها: بناء المساجد لله رب العالمين، قال عليه الصلاة والسلام:  من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة لبيضها بنى الله له بيتًا في الجنة [رواه أحمد: 2157، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 6129].
قال الدميري: "القطا، طائر معروف، واحده قطاة، والجمع قطوات"[عون المعبود: 9/2317].
ومفحص القطاة: "المكان الذي تفحص القطاة عنه، لتضع فيه بيضها، وترقد عليه" [فتح الباري: 1/545].
قراءة سورة الإخلاص عشر مرات:
ثانيًا: من وسائل تحصيل هذه القصور هذه في الجنة: قراءة سورة الإخلاص عشر مرات، فعن معاذ بن أنس الجهني عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:  من قرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}حتى يختمها عشر مرات، بنى الله له قصرًا في الجنة [رواه أحمد: 15648، وغيره وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة: 589].
عمر لما سمع قال: "إذًا نكثر؟" -نقول: عشرة وراء عشرة وراء عشرة- قال:  الله أكثر  يعطيك أكثر.
صلاة ثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة من غير الفريضة:
ومن الأسباب لبلوغ ذلك: صلاة ثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة، سوى الفرائض، وهذه هي السنن الرواتب، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  ما من عبد مسلم يصلى لله كل يوم ثنتى عشرة ركعة تطوعا غير فريضة، إلا بنى الله له بيتا فى الجنة، أو إلا بنى له بيت فى الجنة [رواه مسلم: 1729].
كيفية معرفة أهل الجنة لقصورهم فيها:
00:46:21
 الآن المنازل والقصور لأهل الجنة كيف يعرفونها إذا دخلوها؟ هل الملائكة هي التي تقودهم إليها؟ أو مكتوب على كل قصر اسم صاحبه؟ أم ماذا؟
قال الله -تعالى-:  وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ [محمد: 4- 6].
قال مجاهد: "يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم، وحيث قسم الله لهم منها، لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا، لا يستدلون عليها أحدا"[تفسير القرآن العظيم، ابن كثير: 7/310]ما أحد لما يدخل الجنة يسأل: وين بيتي؟ دلوني على قصري؟ إنما يتجه إليه مباشرة، كأنه يعرفه من زمان.
قال ابن عباس: "هم أعرف بمنازلهم من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم"[انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي: 16/231].
إذا واحد رجع بعد صلاة الجمعة إلى بيته، يضل عن بيته، هو يعرف بيته جداً، كذلك أهل الجنة إذا دخلوا الجنة ما يحتاج أحد يوصف لهم، ما يحتاج أحد أن يهديهم إلى مكان بيوتهم، ولا يسألون أحدًا أصلاً:  عَرَّفَهَا لَهُمْ [محمد: 6] يهتدون إليها مباشرة، قال محمد بن كعب-رحمه الله-: "يعرفونها كما تعرفون بيوتكم في الدنيا إذا انصرفتم من يوم الجمعة".
وقد جاء التصريح بذلك، فيما رواه البخاري -رحمه الله تعالى-، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:  إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، فيتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا نقوا وهذبوا أذن لهم بدخول الجنة، فوالذي نفس محمد -صلى الله عليه وسلم- بيده لأحدهم بمسكنه في الجنة أدل بمنزله كان في الدنيا [رواه البخاري: 2440].
إذًا، الاهتداء إلى المنزل في الجنة أسهل من الاهتداء إلى المنزل في الدنيا، فإذا كان يعرف مسكنه جيدًا، وهو في بلده في الدنيا، فمعرفته لمسكنه في الجنة أسهل.
فرش أهل الجنة:
00:48:58
 لكن هذه القصور والغرف، وهذه الخيام من اللؤلؤ المجوف، ما هو أثاثها؟ وماذا يوجد بداخلها من الفرش؟
قال الله -عز وجل-:  مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ [الرحمن: 54].
قال السعدي: هذه صفة فرش أهل الجنة، وجلوسهم عليها، وأنهم متكئون عليها، أي جلوس تمكن واستقرار وراحة" مُتَّكِئِينَ  يعني في غاية التمكن والراحة، ليس جالسًا جلسة مؤقتة، أو جالس جلسة فيها نوع من الانزعاج، أو نصف اتكاء، اتكاء كامل، راحة كاملة، جلوس تمكن واستقرار وراحة؛ كجلوس الملوك على الأسرة، كما يجلس على عرشه، على سرير الملك، فهو متمكن، تام التمكن من الجلوس، قال: "وتلك الفرش لا يعلم وصفها وحسنها إلا الله -عز وجل-، حتى إن بطائنها التي تلي الأرض منها" -عندك الظاهر الذي تجلس عليه، والباطن الذي يلي الأرض، المفروشة عليها- قال: "حتى إن بطائنها التي تلي الأرض منها من استبرق، وهو أحسن الحرير وأفخره، فكيف بظواهره التي تلي بشرته"[تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص: 831]-إذا هذا الباطن تحت الذي يلي الأرض، أرض الجنة، فما ظواهرها التي تلي بشرتهم وأجسادهم-.
وقال ابن كثير -رحمه الله: عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ "هو ما غلظ من الديباج" -يعني الحرير السميك الفاخر- كذلك قال عكرمة والضحاك وقتادة.
وقال أبو عمران الجوني: "فنبه على شرف الظهارة بشرف البطانة" يعني هو قال لك الباطن كيف، هو أخبرك بصفة الباطن، وأنه في غاية النفاسة، تنبيهًا على شرف الظاهر؛ لأن العادة جرت أن الظاهر أحسن من الباطن، قال: "وهذا من التنبيه بالأدنى على الأعلى".
وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- في قوله عز وجل:  بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ قال: "أخبرتم بالبطائن، فكيف بالظهائر؟ وهو حسن موقوف عليه رضي الله عنه.
وقال مالك بن دينار: بطائنها من استبرق، وظواهرها من نور.
وقال سفيان الثوري: بطائنها من استبرق وظواهرها من نور جامد.
وقال القاسم بن محمد: بطائنها من استبرق وظواهرها من الرحمة.
وقال ابن شوذب عن أبي عبد الله الشامي: "ذكر الله البطائن ولم يذكر الظهائر، وعلى الظواهر المحابس، ولا يعلم ما تحت المحابس إلا الله" ذكر ذلك كله الإمام ابن أبي حاتم-رحمه الله- [انظر: تفسير القرآن العظيم: 7/503 - 504].
قال القرطبي: "قيل لسعيد بن جبير: البطائن من استبرق فما الظواهر؟ قال: هذا مما قال الله:  فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: 17].
وهذا أولى الأقوال بالصواب.
وقال ابن عباس: "إنما وصف لكم بطائنها لتهتدي إليها قلوبكم، فأما الظواهر فلا يعلمها إلا الله"[الجامع لأحكام القرآن، القرطبي: 17/ 179].
وقد وصف الله -تعالى- هذه الفرش بأنها مرفوعة، فقال عز وجل:  وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ [الواقعة: 34]يعني عالية وطيئة ناعمة[تفسير القرآن العظيم: 7/ 530].
وقال الحسن: كذلك وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ .
يقول الشيخ السعدي -رحمه الله-:  وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ "أي مرفوعة فوق الأسرة ارتفاعا عظيما، وتلك الفرش من الحرير والذهب واللؤلؤ وما لا يعلمه إلا الله[تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص: 833].
أسرة أهل الجنة:
00:53:24
 فما هي السرر؟
قال عز وجل في السرر التي يجلسون عليها، ويتكئون:  وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [الحجر: 47].
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "وجوه بعضهم إلى بعض، ليس أحد وراء أحد"[تفسير القرآن العظيم: 7/520].وهذا في الدنيا ما تجده، إذا أنت الآن وجهك لفلان، فإن ظهرك لفلان، إذا كان وجهك لي، فظهرك لمن وراءك، في الجنة ما في أحد ظهره لأحد، كل الذي في الجنة إذا رأى الواحد الآخر يراه من أمامه.
كيف؟
الله أعلم، هذا شأن الله -تعالى- في خلق الجنة، وجعل هذه الأشياء العجيبة لأهلها فيها، حتى طريقة التقابل والرؤية عجب! ما في مثله في الدنيا، ولا نظير ولا شبيه، ولا مقابل في الدنيا، قال الشوكاني:  عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [الصافات: 44] "أي حال كونهم على سرر، وعلى صورة مخصوصة، وهي التقابل، ينظر بعضهم  إلى بعض، والسرر جميع سرير. وقيل: هو المجلس المرتفع المهيأ للسرور [فتح القدير: 4/182].
وقال أيضاً:  عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [الصافات: 44]قال عكرمة ومجاهد: "معنى التقابل: أنه لا ينظر بعضهم في قفا بعض.وقيل: إنه تدور بهم الأسرة كيف شاؤوا" [فتح القدير: 6/194].
ومن كرامتهم عند ربهم، وإكرام بعضهم بعضا: أنهم على:  سُرُرٍ  وهي المجالس المرتفعة، المزينة بأنواع الأكسية الفاخرة، المزخرفة المجملة، فهم متكئون عليها، على وجه الراحة والطمأنينة، والفرح:  مُتَقَابِلِينَ  فيما بينهم قد صفت قلوبهم، ومحبتهم فيما بينهم، ونعموا باجتماع بعضهم مع بعض، فإن مقابلة وجوههم، تدل على تقابل قلوبهم، وتأدب بعضهم مع بعض فلم يستدبره، أو يجعله إلى جانبه، بل من كمال السرور والأدب، ما دل عليه ذلك التقابل" [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص: 702].
ماهية سرر أهل الجنة:
00:56:00
 وقال تعالى وهو يبين لنا مما صنعت وتركبت هذه السرر التي يتكئ عليها أهل الجنة، قال:  عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ [الواقعة : 15].
فما معنى:  مَّوْضُونَةٍ ؟
سُرَرٍ مَنْسُوجَةٍ، أُدْخِلَ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، كَمَا توضَنُ حَلَقُ الدِّرْعِ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ مُضَاعَفَةً؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الأَعْشَى:
وَمِنْ نَسْجِ دَاودَ مَوْضُونَةً *** تُسَاقُ مَعَ الْحَيِّ عِيرًا فَعِيرَا
[جامع البيان في تفسير القرآن للطبري: 22/291].
وقال ابن عباس: في معنى:  مَّوْضُونَةٍ مرمولة بالذهب، يعني منسوجة من الذهب.
وقال السدي: مرمولة بالذهب واللؤلؤ.
وقال عكرمة: مشبكة بالدر والياقوت.
وقال ابن جرير: ومنه سمي وضين الناقة التي تحت بطنها، وهو فعيل بمعنى مفعول؛ لأنه مظفور- مَّوْضُونَةٍ مظفورة وكذلك السرر في الجنة مظفورة بالذهب واللآلئ[انظر: تفسير القرآن العظيم: 7/ 520].
من صفة هذه السرر أيضاً: أنها مرفوعة، قال تعالى:  فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ [الغاشية: 13].
فإذًا، هكذا هي بهذا البهاء والجمال والراحة، وتمكن الذي يجلس عليها منها.
نمارق وزرابي الجنة:
00:57:45
 وفي الجنة نمارق وزرابي، وهو مما أعده الله -سبحانه الله تعالى- لأهلها، قال في سورة الغاشية:  وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ [الغاشية: 15- 16].
قال ابن عباس -رضي الله عنه-:  وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ  النمارق الوسائد.وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك والسدي وغيرهم.
 وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ قال: البسط.
ومعنى:  مَبْثُوثَةٌ يعني ها هنا، وها هنا، موجودة في كل مكان، لمن أراد الجلوس عليها [انظر: تفسير القرآن العظيم: 8/ 386].
وقال السعدي:  وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ "أي وسائد من الحرير والاستبرق، وغيرهما مما لا يعلمه إلا الله، قد صفت للجلوس والاتكاء عليها، وقد أريحوا عن أن يضعوها ويصفوها بأنفسهم" [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص: 921]فهي مصفوفة أصلاً، ما تحتاج إلى صف، مبسوطة ما تحتاج إلى فرش، موضوعة ما تحتاج إلى أن يحملوها، ويتعبوا في فرشها وطيها، وإعادتها وتخزينها، لا تبلى.
والزرابي، قال السعدي: "هي البسط الحسان وَزَرَابِيُّ أي مملؤة بها مجالسهم من كل جانب[تيسير الكريم الرحمن فيتفسير كلام المنان، ص: 921].
آنية أهل الجنة وأجناسها وماهيتها:
00:59:27
 فما هي آنيتهم التي يأكلون بها ويشربون بها؟ ما أجناسها وصفاتها؟
الأواني المنزلية من نعيم أهل الجنة وراحتهم التامة أن آنيتهم التي يأكلون فيها ويشربون منها، من ذهب وفضة خالصة، ومما ورد في ذلك ما أخرجه الشيخان في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري-رضي الله عنه- أن رسول الله -صلىالله عليه وسلم- قال:   جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم، إلا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن [رواه البخاري: 4878، ومسلم: 466].
وفي الصحيحين من حديث حذيفة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ... ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم  الكفار  في الدنيا ولنا في الآخرة [رواه البخاري: 5426، ومسلم: 5521].
وفيها: الصحاف، وقد قال عز وجل: يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ [الزخرف: 71].
إذًا، فيها آنية من ذهب وفضة، وفيها صحاف، وفيها أكواب، وفيها أباريق، وفيها كؤوس، أشياء مفصلة لنا في القرآن، في الأواني وأنواعها في الجنة، حتى تعلم يقينًا أن هذا نعيم حقيقي، إذا في أباريق وكؤوس وصحاف وأواني، في من كل الأنواع، قال سبحانه وتعالى: يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ والصحاف، جمع صحفة، وهي القصعة الواسعة.
وقيل: الصحفة أعظم من القصعة[فتح القدير: 6/414].
هذا الذي يأتيك مليء بالأطعمة.
والأكواب آنية الشراب، وقد جاء وصفها: بأنها من ذهب.
والأكواب جمع كوب، وهي الكيزان العظيمة التي لا آذان لها ولا عرى. فأنت تمسكه مباشرة، ليس له مقبض، هذا بالنسبة للأكواب.
وقال الفراء: الكوب المستدير رأس الذي لا أذن له.
وقال أبو عبيد: الأكواب الأباريق التي لا خراطيم لها" تصب هي مباشرة.
فإذًا، في أشياء لها خراطيم، وفي أشياء ما لها خراطيم، في أشياء لها أيدي وعرى، وفي أشياء ما لها أيدي وعرى، من كل الأنواع.
وقال قتادة: الكوب المدور القصير العنق القصير العروة.
وفي آية أخرى، قال عز وجل:  يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ  [الواقعة: 17 - 18]
الأباريق، هي الأكواب التي لها خراطيم، فإن لم يكن لها خراطيم ولا عرى، فهي أكواب، وإبريق إفعيل من البريق، وهو الصفاء، فهو الذي يبرق لونه من صفائه، ثم سمى كل ما كان على شكله إبريقا، وإن لم يكن صافيا.
فتجاوز الآن الناس، يقولون: إبريق بلاستيك! وإلا أصلاً هذا ما يصح، لكن تجاوزًا يسمى في الدنيا.
وأباريق الجنة من الفضة في صفاء القوارير.فضة وشفافة مثل الزجاج، الفضة معدن يحجب الرؤية، قال تعالى في وصفها:  قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ [الإنسان: 16] فوصفها بأنها جامعة بين الفضة والشفافية، فهي شفافة من فضة يرى من ظاهرها ما في باطنها، والعرب تسمي السيف: إبريقا، لبريق لونه.
وفي نوادر اللحياني: امرأة إبريق إذا كانت براقة[انظر: حادي الأرواح، ص: 132 - 133، وتهذيب اللغة: 10/217].
هذه الأكواب ليست كأكواب الدنيا، بل هي من قوارير الفضة الخالصة اللامعة، كما قال عز وجل:  وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا [الإنسان: 15]؛ لأن القارورة من زجاج شفافة، فكيف صارت قوارير من فضة؟هذه علمها عند ربي.
 قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا [الإنسان: 16]أي ويطاف على هؤلاء الأبرار بآنية من الأواني التي يشربون فيها شرابهم، هي من فضة كانت قواريرًا، فجعلها من فضة، وهي في صفاء القوارير، فلها بياض الفضة، وصفاء الزجاج.
فالقوارير، هي: الزجاج.
وقد أخبر تعالى عن مادة تلك الآنية: أنها من فضة، وأنها بصفاء الزجاج وشفافيته، وهذا من أحسن الأشياء وأعجبها، وقطع سبحانه توهم كون تلك القوارير من زجاج، فقال:  قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ  قال المفسرون: جعل الله قوارير أهل الجنة من فضة، فاجتمع لها بياض الفضة، وصفاء القوارير.
قال الزجاج: القوارير التي في الدنيا من الرمل فأعلم الله فضل تلك القوارير أن أصلها من فضة، يرى من خارجها ما في داخلها.
قال ابن القيم -رحمه الله-: "قال ابن قتيبة: كل ما في الجنة من الأنهار وسررها وفرشها وأكوابها مخالف لما في الدنيا من صنعة العباد، كما قال ابن عباس -رضي الله عنه- -هذه قاعدة مهمة جداً-: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء -أما الحقائق مختلفة تمامًا-، قال: والأكواب في الدنيا قد تكون من فضة، وتكون من قوارير، فأعلمنا الله أنه هناك أكوابًا لها بياض الفضة وصفاء القوارير.
قال ابن قتيبة: وهذا على التشبيه أراد قوارير كأنها من فضة، كقوله تعالى:  كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن: 58]أي لهن ألوان المرجان في صفاء الياقوت، ولكن الآية صريحة: أنها من فضة، فليست القضية: كأنها من فضة، هي من فضة في صفاء الزجاج، وشفافيته.
و مِن هنا لبيان الجنس  مِن فِضَّةٍ كما تقول: "خاتم من فضة" ولا يراد بذلك أنه يشبه الفضة، بل هو من جنس الفضة، ومادة الفضة، كما رد ابن القيم -رحمه الله- قول ابن قتيبة في [حادي الأرواح، ص: 133].
وقوله عز وجل:  قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا [الإنسان: 16]التقدير جعل الشيء بقدر مخصوص، فقدرت صناعة هذه الآنية على قدر ريهم، لا يزيد عليها، ولا ينقص منه، وهذا أبلغ في لذة الشارب، فلو نقص عن ريه لنقص التذاذه، ولو زاد حتى يشمئز منه، حصل له ملالة وسآمة من الباقي، هذا قول جماعة من المفسرين[انظر: حادي الأرواح، ص: 133].
إذًا، هذا الحجم على قدر الري، كم يريد أن يشرب يكون الكوب على قدر ذلك، وهو أصلاً يأتي هكذا، في علاقة عجيبة بين ما في نفس المؤمن، وما في النعيم الذي أمامه، فهو بمجرد أن يشتهي الشيء يكون هكذا، وما يحتاج أن يطلب من الملائكة تفصيل أشياء ومقاسات، هو بمجرد ما في نفسه مما يشتهي يكون، إذا أراد أن يشرب هكذا يكون الكوب هكذا، فهو على حسب، هو الكوب يكون على حسب ما يشتهي، مباشرة، الله جعل هذه الجنة دار الكرامة، هذا الناس الذين تعبوا في الدنيا، هؤلاء لهم عند الله ثواب عظيم، الذين صبروا على المكاره لهم ثواب عظيم، الذين أثروا محبوبات الله على محبوباتهم، لهم ثواب عظيم، الذين جاهدوا في الدنيا، وصبروا وتعبوا، لا بدّ لهم من هذا الثواب العظيم، هذه حكمته عز وجل، اقتضت ذلك.
قال طائفة:  قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا الضمير يعود على الشاربين، أي قدروا في أنفسهم شيئًا، فجاءهم بحسب ما قدروه وأرادوه.
وأما الكأس، فقال أبو عبيدة: "هو الإناء بما فيه" [حادي الأرواح، ص: 134]يعني ما يسمى كأسًا إلا إذا كان مملوءًا، وأما إذا كان فارغًا فلا يسمى كأسًا، ممكن كوب-مثلاً-، إبريق، لكن كأس، لا يسمى كأسًا إلا إذا كان ملآن، فيه شراب، قال أبو إسحاق: "الكأس الإناء إذا كان فيه خمر، ويقع الكأس لكل إناء مع شرابه.
والمفسرون، فسروا الكأس بالخمر، وهو قول عطاء ومقاتل، حتى قال الضحاك: "كل كأس في القرآن فإنما عنى به الخمر"[حادي الأرواح، ص: 134].
وهذا نظر منهم إلى المعنى والمقصود، فإن المقصود ما في الكأس، لا الإناء نفسه.
فإذًا، لما يقال: كأس، كؤوس في الجنة، يعني مليئة بالخمر، لكن اللذة بلا تنغيص، لا مغص في البطن، ولا ذهاب للعقل.
اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله الكريم أنت تجعلنا من أهل جنات النعيم.
اللهم أدخلناها بلا حساب ولا عذاب، واجعلنا من ورثتها يا أرحم الرحمين.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.