الأحد 18 ربيع الآخر 1441 هـ :: 15 ديسمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

58- المقدمة .. الدورات الحديثة في ميزان الشريعة 2


عناصر المادة
أنواع الدَّورات الحديثة:
بعض المخالفات الشَّرعية التي تحصل بالدَّورات الحديثة:
من أسباب الالتحاق بالدَّورات الحديثة:
وجوب حماية منهج السَّلف:
من مفاسد بعض الدَّورات الحديثة:
بعض الدَّورات الحديثة التي تُروِّج الوهم: كيف تصبح ثرياً:
الطَّريق المشروع لبناء الثَّروة:
الرَّد على شُبهة: كسب الثَّروة بطريقة سهلة:
دروات كيف تحفظ سريعاً:
من أسباب رواج الدَّورات الحديثة على بعض الشَّباب:
الدَّورات التي تقوم على أشياء لايعلمها إلَّا الله:
ادِّعاء الأسلمة لعلوم الدَّورات الحديثة:
كيفية أسلمة الدَّورات الحديثة والاستفادة منها:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
أنواع الدَّورات الحديثة:
00:00:15
 فهذه الحلقة الثَّانية من مجموعة الدَّورات الحديثة في ميزان الشَّريعة الإسلامية، ضمن دورة حماية منهج السَّلف الصَّالح، ونُذكِّر بأبرز النِّقاط التي تقدمت في أنواع الدَّورات: ومنها دوراتٌ نافعةٌ، ووسيلةٌ لكسب الأجر، وطريق لدخول الجنَّة: كدورات العلم الشَّرعي،وأيضاً دوراتٌ نافعةٌ مفيدةٌ في الحياة مباحةٌ، كالمتعلقة بالجوانب الإدارية: من التَّخطيط، ورسم الأهداف، وإدارة الوقت، واتخاذ القرار، ومهارات التَّفاوض ونحو ذلك، وأيضاً مما يتعلق بالأمور الاجتماعية: كدورات تربية الأبناء، وإقامة العلاقات والمحافظة عليها، والتَّعامل مع النَّاس، دورات تتعلَّق بالمهارات: كفنون الحوار، وطريقة القراءة النَّافعة ونحو ذلك، وقلنا: إنَّه لا بأس بسماع هذه الدَّورات والمشاركة فيها، ومعرفة السَّلامة العامَّة في الملقِي والقائم عليها، والاطمئنان إلى صحة دينه وعقيدته، وإذا كان غير مسلمٍ فلا بأس من الاستفادة مما يطرحه بشرط: أن يكون عند السَّامع ميزانٌ شرعيٌ يُميِّز به بين الحقِّ والباطل، وكذلك وجود الحاجة لها، وعدم الانسياق وراء الأساليب الدِّعائية، والإغراءات المهولة، وإضاعة الأموال، والنَّظر النَّقدي على ضوء الكتاب والسُّنَّة، وأن ننقل ما نسمع على ضوء الكتاب والسُّنَّة، وأن نعرض ما نسمع على هدي الآيات والأحاديث، وكذلك ألا يطرح السَّامعُ نفسَه بين يدي ملقي هذه الدَّورات كالميت بين يدي المغسل، وهو فعل الصُّوفية الذين ينادون بالاستسلام الكامل من المريد للشَّيخ، مهما أخطأ الشيخ أو ضلَّ وزاغ وانحرف وتكلَّم بالباطل.
بعض المخالفات الشَّرعية التي تحصل بالدَّورات الحديثة:
00:02:53
 وأيضاً نبَّهنا على موضوع الاغترار بالأسماء المبهرجة، والتَّدقيق في المعاني؛ فإنَّ بعضها فيه تهويل وتضخيم، وهو نوعٌ من الكذب، وقد يؤدِّي إلى الإصابة بأنواع من الغرور والعجب والاستغناء عن الله، والافتقار إليه سبحانه، وأن نتذكَّر مثلاً عندما يُكرَّر مصطلح الثِّقة بالنَّفس على سبيل المثال؛ فأنَّه لا يجوز شرعًا الثِّقة بالنَّفس، وإنَّما الثِّقة بالله، وقد قال النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم في دعائه:  ولا تكلني إلى نفسي طرفةَ عينٍ  [رواه أبو داود: 5092، والنسائي: 10330، وأحمد:  20447، وقال الألباني: "حسن الاسناد" صحيح وضعيف سنن أبي داود: 5090].
وأنَّ هذا لا يعني أن يكون الإنسان جبانًا خوَّار النَّفس مترددًا، لا رأي له ولا عزيمة ولا همَّة كلا، بل إنَّ من أعظم صفات النَّفس المؤمنة: الهمَّة العالية التَّواقة للجنَّة، والعزيمة الماضية والإقدام، وعدم التَّردد إذا اتضح الحقُّ والخيرُ، فإن فساد الرَّأي أن تتردَّد، ولكن فرقٌ بين الاعتماد على النَّفس أو الثِّقة بالنَّفس أكثر من الثِّقة بالله أو نسيان الثِّقة بالله سبحانه وتعالى، فإنَّ الإنسان إذا وُكل إلى نفسه اغترَّ وضاع، وإذا لم يكن من الله عونٌ فالفتي أول ما يقضي عليه اجتهاده وثقته بنفسه.
وذكرنا نوعًا آخر من الدَّورات: وهو الدَّورات المصادمة للعقيدة والتَّوحيد، الضَّارَّة بالدِّين، إمَّا: لأنَّها تشتمل على تعليم ما يضرُّ بالعقيدة، عقيدة التَّوحيد: كدورات تعلُّم السِّحر، دورات تعلُّم الكهانة والعرافة، أو الدَّورات المشتملة على أمور عقدية باطلة منافية للتَّوحيد: كالدَّورات التي فيها اعتقاد النَّفع والضُّرِّ بالأحجار التي يسمُّونها كريمة وتقديسها، والاعتقادات الباطلة في الألوان ونحوها، وقلنا: باطلةٌ؛ لأنَّ هناك أشياءٌ ممكن تكون صحيحةً في الآثار النَّفسية للألوان، كما سيأتي معنا إن شاء الله.
وسبق أيضاً التَّحذير من دورات بيع الوَهم: كالدَّورات التي تقول: كيف تحفظ القرآن في ثلاثة أيام، أو في أسبوع أو في أسبوعين ونحو ذلك من دورات القراءة التَّصويرية التي فيها تضخيم وتهويل، وإن كان فيها بعض ما يفيد، ولكن إذا أخذت بالمعنى العام المطلق للعنوان فهي في الحقيقة كذبٌ وزورٌ، وفي بعض الدَّورات ادِّعاءُ تحقيق قدرات خارقة للمشتركين فيها، وهي أشياءٌ تنطلي أحيانًا فيها نوع من الإيهام والخداع، كمشي على الجمر في أرض مبتلة، ونحو ذلك من الظُّروف التي تُهيَّأُ للمشي عليه، بحيث يقال: أرأيت أنَّك تستطيع أن تفعل ما لم تكن تستطيع فعله قبل الدَّورة، وفي الحقيقة لو أُتي بهذا الجمر المتوقِّد على أرض أخرى أو بصفة أخرى لاحترقت الأرجل، من أرجل المدرِّب إلى أرجل البقية، كذلك قلنا من أنواع بيع الوهم ما يقال مثلاً علاج السَّرطان بذبذبات الأحجار، والأحجار التي تجلب السعادة والثَّراء، وقانون الجذب والعلاج بالطَّاقة المزعومة ودورات الكي والتشي والبرانا ونحوها، وكذلك ما تشتمل عليه بعضها من استعمال اليوجا وغيرها، والمغالاة ببعض العلوم التي قد يكون فيها شيءٌ من الصِّحة كالجرافولجي، ولكن فيها أيضاً أشياء خطيرة، والمشكلة في عدم التَّمييز والثِّقة بالجديد، هذا أول مرة يسمع هذا الكلام، وهذا علمٌ ما كنا ندري عنه، وهذا شيء ونحو ذلك، وبعضهم يقول هذا فتح عظيم وفي الحقيقة أن الأمر ليس كذلك عند التحقيق العلمي وقلنا إن بعض ما في الدَّورات يقوم على شرك الأسباب وهو جعل ما ليس بسببٍ سببًا، يعني: شيءٌ لم يجعله الله سببًا يجعل في الدَّورة على أنه سبب، وقد قال النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام:  يا أيها  الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل  [رواه أحمد: 19622، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 36]. رواه أحمد.
من أسباب الالتحاق بالدَّورات الحديثة:
00:07:47
 وذكرنا بأنَّ من أسباب الاندفاع والانسياق أحيانًا وراء بعض الدَّورات الرَّغبة في علاج مرضٍ مستعصي لم يتمكَّن الطِّب من علاجه عند البعض مثلاً، فيتجهون لمثل العلاج بالطَّاقة ونحوها، وتكتشف بعد ذلك أنَّ الطَّاقة عندهم إلهٌ يشفي، مع أنَّ الشَّافي هو الله، وبعضهم يقنع من هو داخل في هذه الدَّورة بأنَّ هناك كشوفاتٌ حديثة وتجاربٌ حديثة، وتوصَّل العلم الحديث واكتشف حديثًا ونحو ذلك، والحقيقة أنَّه حتى عند الكفَّار تكون القضية لا معتمدة ولا مؤكدة، وليس عليها أدلةٌ حقيقيةٌ حتى من علوم الدُّنيا المختبرية والتَّجاربية ونحو ذلك.
وجوب حماية منهج السَّلف:
00:08:40
 وذكرنا وجوب حماية منهج السَّلف ومسؤوليتنا نحو هذا، وحماية التَّوحيد وسدَّ الذَّرائع الموصلة إلى الشِّرك، وقلنا إنَّ بعض النَّاس تُروَّج عليهم أباطيل بسبب عدم معرفتهم بالتَّوحيد أو جهلهم بالشِّرك، وأنَّ الجهل بالعقيدة قد أسهم بشكل كبير في ترويج انحرافات، وتمرير هذه الانحرافات دون انتباه، ومن غابت أركان العقيدة عنده بالجهل فقد غابت عنه حقائق الدُّنيا، وإنَّ عدم اتِّضاح أمورُ العقيدة وتعلُّم أمور التَّوحيد يؤدِّي إلى الارتماء في أحضان الثِّقافات الشَّرقية والغربية، والأخذ منها دون أي تصفية ولا تنقية ولا توقُّف ولا تمحيص وإن المعرض عن الآيات أشد إثمًا من الجاهل المفرِّط في التَّعامل، قال الله تعالى:  وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ [السجدة: 22].
أي: لا أظلَم ممَّن ذكَّره الله بآياته، وبيَّنها له ووضَّحها، ثُمَّ تركها وجحدها وأعرض عنها وتناسها، كأنَّه لا يعرفها، وقال تعالى:  وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا  [الأعراف: 146].
فمن صفات المصروفين من آيات الله: أنَّهم يحجمون عن طريق الخير والصَّلاح والهداية والرَّشاد والحقِّ، ويسلكون طريقَ الضَّلال والباطل والغواية والفساد والانحراف والشِّرك والاستغناء، بهذه الدَّورات أو ببعض هذه الدَّورات عن الوحي، وما فيه من الشِّفاء للأمراض النَّفسية والعضوية سيقود إلى كوارث وشقاء وجحيم نفسي، ولا شكَّ وأنَّ الله خلق النُّفوس ويعلم طِبَّها وعلاجها سبحانه وتعالى، وقد جعل لنا من الأسباب الشَّرعية ما هو شفاء كالقرآن والأدعية الصَّحيحة، وجعل لنا من الأسباب الدَّنيوية ما هو مكامن للأدوية أخبرنا عنها في الكتاب والسُّنَّة، وهذا يوفِّر وقتًا طويلاً على البشرية وجهداً ومالاً ووقتًا، عندما تعرف أن الحبَّة السَّوداء والعسل والسَّنا والسَّنوت والعود الهندي والقسط البحري ونحو ذلك، مكامنٌ للأدوية فيها شفاءٌ للنَّاس، فينبغي أن تتوَّجه جهودهم وتجاربهم إليها لاستخراج ما فيها من الأشياء النافعة، بدلاً من التَّوجُّه إلى أشياء وهمية فيها ضياعُ الأوقات والأموال والجهود، وكذلك جعل لنا سبحانه ما في الأرض:  خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا  [البقرة: 29].
وجعل فيها فوائد لنا، يُجرِّب النَّاس التَّجارب ويستخرجون ويركِّبون المركبات، وهذا  المباح التَّداوي به مباحٌ، كما قال عليه الصَّلاة والسَّلام:  تداووا عباد الله ولا تداووا بحرام   [رواه الطبراني:  20116، وصححه الألباني في الجامع الصغير: 2643].
من مفاسد بعض الدَّورات الحديثة:
00:12:07
 وكذلك فإنَّ الإنسان إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته قلَّت رغبته في المشروع والإقبال عليه، ولهذا تجدُ مَن أكثَرَ من سماع الألحان مثلاً تَقِلُّ رغبته في سماع القرآن؛ لأنَّ هذا أغلق عليه بابَ هذا، وهذا لا يجتمع مع هذا حتى رُبَّما كرهَهُ، "ومن أكثَرَ من السَّفر" كما يقول ابن تيمية في اقتضاء الصِّراط المستقيم "إلى الأضرحة والمزارات زهد في حج بيت الله الحرام، حتى لا يبقى لحج البيت الحرام في قلبه من المحبة والتَّعظيم ما يكون في قلب من وسعته السُّنَّة" وقال: "ومن أدمن قصص الملوك وسيرهم لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام"[ اقتضاء الصراط المستقيم1/543].
مثل مدمني الرِّوايات لا يعود بعد ذلك عندهم قصص الأنبياء كثير اهتمام وإقبال، لا مانع من قراءة الرِّوايات المباحة، ولكن ليس إلى درجة الإدمان الذي يصرف عن قراءة قصص الأنبياء والصالحين والعلماء، قال ابن تيمية: "ونظير هذا  كثير". [اقتضاء الصراط المستقيم: 1/543]. انتهى.
فلو لم يكن من مفاسد بعض الدَّورات إلَّا الصَّرف عن الشَّيء الشَّرعي لكفى بها، وكذلك فإنَّ بعض النَّاس قد يعاني من إحباطات موجودة بسبب تردِّي بعض الأوضاع الاقتصادية على سبيل المثال، أو ضيق معيشته وقلة طرق التَّوظيف أو فرص التَّوظيف أمامه، وكذلك رغبة البعض في الثَّراء السَّريع بلا تعب والهروب من الواقع، ورُبَّما يدفعه للإقبال على بعض الدَّورات، كيف تُحقِّق الثَّراء السَّريع؟.
بعض الدَّورات الحديثة التي تُروِّج الوهم: كيف تصبح ثرياً:
00:14:06
 مرةً أخرى أقول: يوجد دوراتٌ مفيدةٌ وجيدةٌ حتى اقتصاديًا تجاريًا، مثلاً: دورات في طرق استثمار الأموال مفيدةٌ جداً، ولكن يوجد في دورات أخرى بيع الوهم، كيف تصبح ثريًا في ثلاثة أيام! هل هو تعليم النَّصب والاحتيال؟ فالله جعل لكل شيءٍ سببًا، وبعض الشَّباب يبحثون عن أي وسيلة يكتسبون بها عيشًا حتى لو كانت ضارَّة، ألا ترى أنَّ بعضهم الآن يسافر من بعض البلدان في البحر  ليغرق ويموت على أمل أن يصل إلى ساحل بلاد الثَّراء والغنى، وبعضهم عنده ضعفٌ في العقل فتروج عليه هذه الأشياء الوهمية، وبعضهم رُبَّما يقول: لنُجرِّب لن نخسر شيئًا، بينما قد يخسر أمورًا في عقيدته وعقله، وهذه الدعايات البرَّاقة واللامعة التي تبيع الوَهم للشَّباب، وتُغريهم بتحقيق طموحاتٍ وأحلام مستحيلات، أو ثراء سريعًا في أيام قليلة، وأنَّ فيها العلاج السِّحري، كيف تصبح مليونيرًا في أقل من شهر؟ كيف تستخدم قوة عقلك الباطن في تحقيق الثَّروة؟ تمارين لجذب الثَّراء والنَّجاح، أنت تملك صحتك ومرضك وسعادتك وشقاءك ونجاحك وفشلك جرِّب لتنجح، قال إبراهيم الخليل:  الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ  [الشعراء: 78-82].
بعض العناوين تُسببُ غرورًا في النَّفس: أطلق العملاق الذي بداخلك، لكن لو قالوا مثلاً طوِّر نفسك، هناك أشياء تزيد المهارة وتوجِّه القدرة عندك على إرادة الله التي خلقك عليها، فتوجَّه إرادتك نحو أمور نافعة، هناك دورات مفيدة: كيف تُذاكر بالطَّريقة الصَّحيحة؟ كيف تقرأ وتحفظ بالطَّريقة الصَّحيحة؟ ولكن بعض هذه الدَّورات فعلاً تُدغدِغ العواطف وتجلب الاغترار بالنَّفس، ويشعر النَّاس أن هناك حلاً سحريًا عاجلاً سيأتي من خلال حضور دورة أو دورتين، وأنَّ كل المشكلات ستُحل وتتحقَّق كلُّ الآمال وكل الأحلام بفضل عقلك الباطن، وتجري هذه الدَّورات على خلاف السُّنن التي جعلها الله في خلقه، فالله عزَّ وجلَّ له سننٌ في الكون سننٌ في الحياة سننٌ في الخلق، هناك مقدِّماتٌ لها نتائجٌ:  فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ  [الملك: 15].
فالسَّماء لا تمطر ذهبًا ولا فضةً: اعمل تنال، من زرع حصد فهذه سننٌ، أمَّا قضية العقل الباطن والجذب، ومسألة اغلق عينيك وتخيَّل وردِّد عشرين أو خمسين أو مائة مرةً ستُصبح غنيًا، فهذا كلامٌ فارغٌ سخيفٌ لا يوافق لا فطرةً ولا عقلاً ولا شرعًا، يقولون: فلانة الفلانية خبيرة في أسرار النِّية والثَّراء، قد نقول خبيرةٌ اقتصاديةٌ تعرف تنمية الأموال والاستثمار، لكن أسرار النِّية ومن الذي يعلم الباطن إلا الله؟   يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ  [غافر: 19].
ثم تقول أنَّها مختصَّةٌ في النَّقر للحصول على المال ولجذب آلاف الدولارات، ليته نقر على أزرار جهازٍ من خلاله يمكن إنتاج تصاميم إلكترونية تُباع بمال، لا يقصدون هذا النَّقر وإلا لقلنا أنَّه سببٌ يؤدِّي إلى نتيجة، لكن أبداً فمجرَّد نقرات، فكيف تجذب الثَّراء بالنَّقر؟ أيُّ وهمٍ وسخافةٍ هذه التي تروج على بعض العقول؟ هل هي هلوساتٌ وتخاريفٌ لجذب المال إلى حسابك؟ يقولون قانون الجذب ستتمكن من جذب خمسين ألف دولار، ويمكنك أن تزيد السَّحب من حساب قانون الجذب، وتُقدِّر المبلغ الذي تريده، هكذا يعلِّمون النَّاس في بعض الدَّورات، يقول جوزف ميرثي: لماذا تقنع بما يكفيك لتحيا في الوقت الذي تستطيع أن تتمتَّع بثروات عقلك الباطن؟ إنَّ طموحك في أن تكون غنيًا هو طموح من أجل حياة أكثر سعادة وروعة، وليس عيبًا ولا حرامًا أن يتمنى الإنسان أن يكون ثريًا، وأن يسعى لأن يكون ثريًا، ولكن الطَّريقة التي يزعمون أنَّه سيصبح بها ثريًا هو الوهم الذي يباع، تُغمِّض عينيك وتردِّد عشرين مرةً ماذا يسمى هذا؟ هذا يجلب رزقًا عند الله، تغمِّض عينيك وتردِّد مائة مرةً هذا من سنن الله في الحياة والكون، تنقر مائة  أو مائتين نقرةً هذا يأتي بالرِّزق، هل أخبر الله عباده في آيةٍ أو في حديثٍ؟
قل: بع واشتر لتحقق صفقةً، تشتري بأقلِّ وتبيع بأكثر هذا عقدٌ، ازرع واحصد، ابنِ وأجِّر، استخرج معادن، سوق وخذ أجرةَ تسويق، هذه أسباب الله عزَّ وجلَّ التي جعلها في الحياة، فتنتج  مقدماتٍ لها نتائجُ، لكن بالنَّقر وإغماض العينين واستدعاء العقل الباطن والجذب، جذب ماذا؟ إنَّها الجذبة التي فيها خبل قانون الجذب، فهذا قانون جذبة وخبل وليس له أيّ علاقةٍ بما أنزله الله وما جعله في الأرض، فهذا دجالٌ من الدَّجاجلة في العالم العربي يُروِّج لهؤلاء الشَّباب المساكين، ويقول: كرِّر في نفسك لمدة خمس دقائق ثلاث أو أربع مراتٍ يوميًا كلمات: ثروة ونجاح، فإنَّ لهذه الكلمات قوة هائلة، وهي تمثِّل القوة الدَّاخلية لعقلك الباطن، فبالله عليكم: هل هذا يوافق العقل الظَّاهر حتى نصل للعقل الباطن؟ وهل العقل الظَّاهر يرضى بهذا ويقبلبه؟ يقول هذا الدَّجال: اربط عقلك بهذه القوَّة الجوهرية التي بداخلك، وعندئذٍ سوف تظهر في حياتك الظُّروف والأحوال الملائمة لطبيعتك، وعندما تقول: إنَّني غنيٌ إنَّني غنيٌ إنَّني غنيٌ فإنَّك تمتلك قوَّةً حقيقيةً بداخلك، هو لا يقول إنَّ المؤمن غنيٌ بقلبه وغنى القلب لا ، فأنت لو ما عندك الآن إلا مائة، أو ما عندك شيءٌ أو الرَّصيد بالسَّالب فما عليك إلا أن تُكرِّر: إنَّني غنيٌ إنَّني غنيٌ إنَّني غنيٌ لتجذب فُرصاً، ومن أين يكون ذلك؟ هل يكون من الهواء؟
يقول بعقلك الباطن تجتذب من القدر ومن الكون، وتجتذب فرصًا، وهمٌ ودجلٌ وكذبٌ إنَّك تمتلك قوى حقيقية بداخلك، فإذا كرَّرت الكلام ستجتذب الفرص وإنَّ الشَّعور سوف يتفجَّر بداخلك طالما ظلَّت فكرة الغنى تدور في عقلك، ويقول عندما تذهب للنَّوم ليلاً عليك بممارسة الطَّريقة التَّالية: كرِّر كلمة غنى بهدوء وسهولة وإحساس بها، افعل ذلك أكثر من مرةٍ، مثل أُغنيَّة قبل النَّوم التي تُكرِّرها عدة مراتٍ، وسوف تُدهشُك النَّتائج حيث تجد أنَّ الثَّروة تتدفَّق إليك، انظر كيف يضحكون على النَّاس وكيف يروِّجون، تجد الثَّروة تتدفَّق إليك!.
الطَّريق المشروع لبناء الثَّروة:
00:23:56
 هذا الآن الذي ذكره الله  فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ  [الملك: 15].  خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة: 29]. تذهب للصَّيد البرِّي أو البحري فتكسب رزقًا بالصَّيد، تزرع تحصد، تستخرج معدن أو تعمل تؤجِّر نفسك  إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ  [القصص: 26].
لكن قبل النَّوم تُغلق عينيك وتُكرِّر وسوف تأتي الثَّروة وتتدفَّق عليك وهكذا، يضحكون على الشَّباب المساكين بهذه الخطوات، برمج علقك الباطن وحدِّد هدفك وأغمض عينيك وتخيَّل نفسك وستأتي الثَّروة، ردِّد في داخلك بقوةٍ وثِقَةٍ: أنا أستطيع والله يغني عن هذا الكلام وهذا الهراء، أن تؤمن بحديث النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم:  احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز  [رواه مسلم: 2664].
ما قال ثِق بنفسك أو توكَّل على نفسك أو اعتمد على نفسك، لا،  اعتمد على الله وابذل السَّبب:  احرص على ما ينفعك  [رواه مسلم: 2664].
ابذل السَّبب واستعن بالله ولا تعجز، والله لو علموا النَّاس معاني حديث النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم في دعائه: اللهمَّ إنَّي أعوذ بك من العجز والكسل  [رواه البخاري: 2668، ومسلم: 2706].
العجز: عدم القدرة، والكسل: عدم الهمَّة، توجد قدرةٌ لكن لا يوجد انبعاث، عالج النَّفس فضعفاء الهمَّة ارفع من همَّتهم، يعمل ويذهب يبيع الحطب، لأن يأخذ حبلاً فيحتطب خيرٌ له من أن يسأل النَّاس ويتكففهم، اذهب إلى البراري اجمع الحطب هناك أمكان يكثر فيها الحطب اجمع وبع، فهذه وسيلة لكسب النَّاس، اذهب إلى البحر واستخدم أدوات الصَّيد واستخرج سمكًا وبعه، خلق لكم ما في البرِّ والبحر، لكن بهذه الطَّريقة أمرٌ عجيبٌ: افتح عينيك وأنت مبتسمٌ وتأكَّد أن حلمك سيتحقق، يعني: يعلم الشَّخص أن ينام ويُغمِّض عينيه ويكرِّر مع العقل الباطن وستأتي الثَّروة! أيُّ تربيةٍ هذه وتخدير للشباب؟ بدلاً من أن يقول له تعلَّم صنعةً أو ادرس تخصصًا، فلو تعلَّمت التَّصاميم الإلكترونية والبرمجة فهناك دوراتُ برمجة مفيدة: برمجة الحاسب الآلي، وليست برمجة العقل الباطن، ما حال الشَّباب الذين غابت عنهم كثيرٌ من أصول العقيدة وأعرض عن تعلُّمها؟
يعني: في مطحنة الحياة اليومية وضيق المعاش، وهو يريد أن يُسدِّد فاتورة الكهرباء والجوال وإيجار الشُّقة والبيت والسكن، ويريد الطَّعام واللباس وأجرة كي الملابس وغسيلها، توجَّه إلى أن يغمِّض عينيه ويردِّد كلماتٍ؟
يقول بعضهم: إذا كنت تواجه صعوباتٍ مالية، أو تسعى لتحقيق أهدافك فإنَّ ذلك يعني أنَّك لم تقنع عقلك الباطن أنَّه سيكون لديه الكثير، ثُمَّ إنَّ بعض هؤلاء يستدلُّ على باطله يقول: لا يوجد الآن أثرياء في العالم تأتيهم ثرواتٌ كثيرةٌ بعمل قليل، فنقول: ومن قال إنَّ هؤلاء الأثرياء الذين يأتيهم مالٌ كثيرٌ بعمل قليل يغمِّضون أعينهم ويستعينون بالعقل الباطن ويردِّدون كلماتٍ جاءتهم الثَّروة عن هذا الطَّريق؟
فلو جعل الله سبباً مثلاً: مات قريبُه الثَّري فورثَه، هذا قدرٌ من الله،  وليس هو يتمتم كلماتٍ ويغمِّض عينيه بعقله الباطن، ممكن تأتي ثروةٌ غير متوقِّعة لكن كم نسبة هذا؟
أكثر الأثرياء في العالم ماذا كانوا؟ ما كانوا  مكافحين، لو تقرأ قصص الثَّراء وماذا كانوا، نحن نفهم أن ابن شخصٍ ثريٍ يموت أبوه فيرث الثَّروة مفهومة بطريق الميراث، لكن ليس بطريق الدَّجل والخرافة، حتى الذين يشتركون في مكاسب محرَّمة كالذين يأخذون الرِّشوة، وحتى الحرامي يشتغل يتسور البيت ويكسر القفل حتى يحصل على الثَّروة، فهل الحرامي يسرق بعقله الباطن؟ لا يروح للشُّغل ويُزوِّر المفتاح، فالقفل بصمة وهذا في شغلٌ، يعني: حتى الأشياء والمكاسب المحرَّمة.
الرَّد على شُبهة: كسب الثَّروة بطريقة سهلة:
00:30:01
 يقول أحدهم: لا تُصدِّق مقولة أنَّ الثَّروة لا تتحقَّق إلا بالعرق والجهد، إنَّ الأمر ليس بهذه الطَّريقة، يقول: إن أفضل وسيلة هي تلك التي لا تبذل فيها أيَّ مجهودٍ، يعني: يربُّون الشَّباب على أفضل طرق الكسب التي لا تبذل فيها أيَّ مجهود، مثل هذه الطُّرق التي تُلغي الأسباب الشَّرعية، وتلغي الجهد البشري، وتنسب الرِّزق لأوهامٍ وتخاريفٍ وذبذباتٍ، هذه منافيةٌ لما جاء به الشَّرع:  إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: 58].  قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ  [سبأ: 39].
وقد قال سبحانه عن قارون:  وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا  [القصص: 77]. لا تنس نصيبك من الدُّنيا: تقوم على زراعةٍ، أو على تجارةٍ، أو على صناعةٍ، وليس على وهمٍ وإذا كان بعض الأنبياء نجَّارًا، وبعضهم كان حدادًا، وداود عليه السَّلام  وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ  [سبأ: 10-11].
 اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا  [سبأ: 13].
ويوسف أدار البلاد بخبرته، وما علَّمه الله من حسن الإدارة: تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا [يوسف:47].
كُلُّه زراعةٌ وتخزينٌ واقتصادٌ وحسنُ توزيعٍ، وضَعَ خطةً فيها عمل:  تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا ، فهذا شغلٌ وليس كما يقول هذا المخرِّف: أنَّ أفضل وسيلةٍ هي تلك التي لا يُبذل فيها أيَّ مجهودٍ والرِّزق مكتوبٌ، قال عليه الصَّلاة والسَّلام:  إنَّ روح القُدُس نفث في روعي  يعني: في نفسي أوحى إليّ وحيًا خفيفًا،  أنَّه لن تموت نفسٌ حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطَّلب، ولا يحملنَّكم استبطاءُ الرِّزق على أن تطلبوه بمعصية الله، فإنَّ ما عند الله لا ينال إلا بطاعته [رواه الطبراني: 7594، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 2866].
كما أنَّ الجنَّة لا تُنال بالأماني كذلك الدُّنيا لا تُنال بالأماني، فالتَّاجر الذي عنده ثروةٌ كبيرةٌ لم يصبح بين يومٍ وليلةٍ في الغالب مليونيرًا،بل بدأ من الصِّفر وسافر وتعب وتاجر وعانى وتعرَّض لأنواعٍ من الغِش والخداع والنَّصب والاحتيال، واكتسب خبرةً، وعرف الشَّيء الذي يفيد وينفع ويربح أكثر، وشاب رأسُه:
دنوت للمجد والسَّاعون قد بلغوا *** جهد النَّفوس وشدُّوا دونه أزرا
وساوروا المجد حتى ملَّ أكثرُهم *** وعانق المجد من وفَّى ومن صبر
لا تحسب المجد تمرًا أنت آكلُه *** لن تبلُغَ المجدَ حتى تلعق الصَّبر
والأماني بضاعةُ المفاليس، والأوهام تقود إلى الفشل، ذكروا أنَّ رجلاً كان له سمن في جرَّةٍ معلقةٍ على سريره، ففكَّر يومًا وهو مضطجع على سريره وبيده عكازٌ، فقال: أبيع الجرَّة بعشرةِ دراهم فأشتري بها خمسَ أعنز، فأولدهن في كُلِّ سنةٍ مرتين حتى تبلغ ثمانين وأبيعهن، فأبتاع بكِلِّ عشرةٍ بقرةً، ثُمَّ ينمو المال بيدي فأبتاع العبيد والإماء، ويُولَد لي ولدٌ فآخذ به بالأدب، فإن عصاني ضربته بهذه العصا، فأصاب الجرَّة فانكسرت وانصب السَّمن على وجهه، فعلى الأقل هذا عنده جرَّةُ سمن، وعنده خطةٌ تخيُّل، يعني: يبيع ويشتري، فما بال العقل الباطن: أنا ثريٌ أنا ثريٌ أنا غنيٌ أنا غنيٌ؟ هذا جنون.
دروات كيف تحفظ سريعاً:
00:34:24
 وما يدلُّ على كذبهم في تحقيق النَّجاحات السَّريعة في هذه الدَّورات: أنَّ بعض المدرِّبين في دوراتهم كيف تحفظ القرآن في أسبوعين، وهو نفسه لا يحفظ جزءَ عم، هو الذي يُقدِّم الدَّورة لو تقول له: هل أنت حفظته في أسبوعين؟ تعال نعمل لك اختباراً في الحفظ، وهل أنت ستفهمه أكثر من الإمام البخاري؟  يعني: هل أنتم الآن ستتوصلون إلى طُرقٍ للحفظ لم يعرفها لا الصَّحابة ولا التَّابعون ولا السَّلف ولا الأئمَّة الأربعة ولا كبار المحدِّثين في الأمة؟ هل ستحفظ القرآنَ في أسبوعين؟ وصحيح البخاري في أسبوع؟ ومسند أحمد في عشرة أيام؟ يقولون عن القراءة التَّصويرية: ينطبع في عقلك الباطن، ثُمَّ بعد ذلك تستدعيه فيأتي، والمشكلة أنَّك تعمل كُلُّ الحركات وبعدها تستدعيه وما يأتي، لاحظ: لا بُدَّ أن يبقى عندنا هامشٌ ونسبةٌ أنَّه يوجد في بعض الأشياء الصَّحيحة في بعض البلاد، مثلاً: لمَّا يقول مثلاً: اربط الأشياء بعضها ببعض، هذه مقبولة، يعني: من طُرق الحفظ أنَّك تثبِّتها في رأسك وفي ذهنك، استعمال الرَّبط بين الأشياء هذه مفهومة وليس غلط، لكن لو طلعتَ ونزلت وشرَّقتَ وغرَّبتَ وأقبلتَ وأدبرتَ ماذا ستخترع؟ هل ستخترع طريقةً للحفظ غير طريقة التَّكرار التي عرفها الأولون والآخرون والأئمَّة والكبار؟
فالتَّكرار هو الطَّريق المعقول الواضح البيِّن المجرَّب الكبير، تحدَّث مثلاً: عن أحسَن وقت للحفظ حيث يصفو الذِّهن فمقبول، أو قل: إذا استعملت صوتَك وعينك وأذنك، يعني: ثلاث حواس أو ثلاث آلات يثبت الحفظ أكثر، أو قل شيئًا صحيحًا هذا واضحٌ لا مانع، كانوا بعض الشَّناقطة  في الحفظ يقول: أنت تريد أن تحفظ مثلاً: صفحةً من القرآن أو صفحتين أومتناً معيناً أو عشرين بيتاً من متنٍ معينٍ كرِّره بعد أذكار كُلِّ صلاةٍ عشرين مرةً، فكم صلاةٌ في اليوم؟ خمس صلوات، وكم ستكون مرةً نتيجةَ التِّكرار في نهاية اليوم؟ مائةُ مرةً، إذاً يثبت، لكن أنَّ يقول: مُرَّ على الكتاب بسرعةٍ ففيها فائدةٌ، نعم الفائدة أنَّك ستأخذ فكرةً عامةً، كما أنَّي أمرُّ على فهرس الكتاب وأقلِّب الصَّفحات، فهكذا ستأخذ فكرةً عن الكتاب، لكن أن تقول أنَّ هذا التَّقريب سيطبع في العقل الباطن طباعةً تستحضرها بعد ذلك بطريقةٍ معينةٍ، وإغماض العينين، لا تكذبوا على عباد الله؛ لأنَّه الآن هناك دراسةٌ وامتحانات، وكذا الطُّلاب عندهم مناهج تذاكر وتنجح.
من أسباب رواج الدَّورات الحديثة على بعض الشَّباب:
00:38:19
 كذلك التَّلاعب بحبِّ الطُّموح من أسباب رواج بعض الأباطيل، فالنَّابغون يشعرون من أنفسهم أنَّهم يمتلكون قدرات عقلية فذَّة، ويتمتَّعون بهممٍ عاليةٍ، ولديهم أملٌ في الوصول إلى مراتبٍ مرتفعةٍ، وكُلُّ هذا لا حرج فيه إطلاقًا، لكن له أصولٌ وضوابطٌ، وله مفاتيح وله أسبابٌ، وعندما تُدغدغ عاطفة الشَّاب أنَّ عندنا قواعد وطُرق تُعزِّز ذكاءك وتقوِّيه، وتجعلك تفعل وتفعل وتُحقِّق، وتصل وتتمكَّن، لكن لما تأتي في دورةٍ ويقول: في هذه الدَّورة تركيب ملفات المال والثَّروة في عقلك الباطن، يعني يقول: أنت اللوحة الأم وأنا سوف آتي ببعض البرامج المفيدة وأركِّبُها لك على هذه الللوحة! أو أركِّب لك لوحةَ التَّحكم  ونجعل عليها أشياءً وأيقونات إلكترونية التي تأتي لك بالثَّروة، فإذاً ماذا يعني هذا؟ أأنت خلقتَه؟ فهذا قدرٌ والله عزَّ وجلَّ يرزق ويخلق مايشاء ولست أنت الذي تخلق، فأنت علِّمه ودرِّبه ووجِّهه وأرشده وحمِّسه، يقول جوزف مرثي: أعرف مسؤولاً راتبه ضخمٌ جداً، قام هذا المسؤول برحلةٍ بحريةٍ استغرقت تسعةَ أشهر لمشاهدة أماكن جميلة في العالم، وأخبرني أنَّه نجح في إقناع عقله أنَّه يستحق كُلَّ هذه الأموال، وقال لي: إنَّه في المؤسسة التي يعمل بها أناسٌ يحصلون على مائة دولارٍ أسبوعيًا، بالرَّغم أنَّهم يعرفون أكثر منه في العمل، ولديهم مهارةٌ أفضل، ولكن ما عندهم الطُّموح ولا الأفكار المبدعة، ولم يكن لديهم اهتمام بعجائب ومعجزات العقل الباطن، انظر: نحن نؤمن أنَّ هناك أناساً مرزوقين أكثر من أناس، وهناك أناسٌ أغنى من أناس، ونؤمن أنَّ الرِّزق ليس دائمًا على قدر الذَّكاء، فمن الممكن أن يكون صاحب الشَّركة أو مالك المؤسسة أقلُّ ذكاءً من بعض الموظفين وماله أكثر منهم، فهذه قسمةٌ  نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا  [الزخرف: 32].
وليس السَّبب أنَّه صاحب المؤسسة وصاحب الشَّركة يؤمن بمعجزات العقل الباطن، وهذا الموظف الذي هو أذكى منه لا يؤمن بمعجزات العقل الباطن، والأصل أنَّك تبيع أكثر فتحصل على مالٍ أكثر، ويوجد بعض النَّاس يبذل جهدًا أقل ويحصل على مالٍ أكثر بمكالمة واحدة يبيع صفقة بالملايين، وذاك يشتغل في سيارة الأجرة من الصَّباح إلى الليل وما يحصل على عُشر معشاره، نعم الله هدى هذا لخبرةٍ في بيع الأراضي، وهذا أكسبه دخولاً في مجال العقار ويحصل على ملايين بصفقات تتمُّ عبر الجوال، فالسَّبب هو الخبرة: اتصال، علاقات، مثلاً، أم يقولوا التِّجارة 70% علاقاتٌ و 30% رأس مال العلاقات؟ وهذه أيضاً لا تأتي هكذا ولا تولد مع الإنسان ببطن أمه، فالعلاقات يُكوِّنها الإنسان ويتعب في تكوينها، فهذه مفهومةٌ لكن ليس لها علاقة بقضية الإيمان بمعجزات العقل الباطن، ولا لها علاقةٌ بقضية اغمض عينيك وكرِّر: أنا ثريٌ، صارت مسألة سوق التَّدريب التي فيها كثير من الغثاء فهذه لا تحتاج إلى أكثر من استئجار قاعةٍ، وإعلانٍ في جريدةٍ، وعلى الرَّاغبين في التَّسجيل دفعُ كذا في الحساب الفلاني، لكن أيُّ هذه التي لا تُصادم الشَّرع، وفيها فائدةٌ حقيقيةٌ فعلاً؟ على الأقل أنَّها تساوي المبلغ المدفوع، فصار انتشار الأفكار والتَّرويج للأشياء سهلاً جداً بهذا العالم التَّقني والتَّكنولوجيا الموجودة، وكثرت المواقع وشبكات التَّواصل والقنوات انتشرت أشياءٌ كثيرةٌ من هذه الإعلانات، دعاياتٌ تبيع وهمًا وتُخرِّب عقيدةً في بعض الأحيان، فإذا صادفت قلوباً خاويةً من الإيمان، أو نفوساً جاهلةً بالعلم الذي أنزله الله، أو عقولاً ضعيفةً تقبل أن تنخدع وتنجر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى *** فصادف قلبًا خاليًا فتمكَّنا
المفترض أن تُستخدم التَّقنيات والإعلانات في الدِّعاية للمفيد، أمَّا استغلال الانفتاح والتَّقنيات في ترويج الشِّرك والبدعة والباطل والخرافة والدَّجل والشَّعوذة فهذه مصيبةٌ  أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ  [إبراهيم: 28].
استعملوا هذه الأشياء في إفساد عقائد النَّاس، وخداع عباد الله، ونهب أموالهم، فأحيانًا نجد من أسباب انتشار مثل هذه الأشياء ورواجها هو الفضول وحبُّ الإطِّلاع عند بعض النَّاس، الآن المؤمن يعرف أنَّه لا يعلم الغيب إلا الله قطعًا، إذاً: لماذا يذهب بعض النَّاس إلى قراء الكفِّ؟ ولماذا يتَّصلون على العرَّافين بالقنوات؟
ولماذا يذهب إلى قارئ كرة الكريستال؟ ولماذا يقول: عندي فضول أريد أعرف المستقبل وماذا سيصير لي؟ الفضول والتَّطلُّع إلى معرفة الشَّيء يجب ألا يقود إلى انحرافٍ عقديٍ، مثل التَّطلُّع إلى معرفة الغيب بالذِّهاب إلى العرَّافين.
الدَّورات التي تقوم على أشياء لايعلمها إلَّا الله:
00:44:49
 ما هو القول في الدَّورات التي تقوم على أشياء متعمِّقةٍ في الرَّوح؟ وقد قال الله تعالى:  وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا  [الإسراء: 85].
هناك دوراتٌ تقوم بتفاصيل الرُّوح تفصيلاتٍ فمن أين أتيتم بها؟ الله سبحانه اختصَّ بهذه الرُّوح، ماذا ستعلمون ما اختصَّ الله بعلمه؟ ليس العيب أن نتعلَّم أشياءً صحيحةً لا نعرفها، وليس العيب أن نتطَّلَّع إلى إزالة الجهالة عن أنفسنا، وليس العيب أن نُشبِع غريزةَ التَّعرف على الأمور الجديدة؛ لكن الخطأ كُلُّ الخطأ أن ننساق إلى التَّعرف على أوهامٍ أو أباطيل أو أشياء لا يعلمها إلا الله، لا سبيل إلى معرفتها أصلاً، ولذلك لازم أن نُذكِّر أنفسنا دائمًا بقضية الاستمساك بالوحي: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ  [الزخرف: 43].
 وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: 153].
ابن مسعود رضي الله عنه روى حديثَ: خطَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خطًا بيده، ثم قال:  هذا سبيل الله مستقيمًا   ثم خطَّ عن يمينه وشماله، ثم قال:   هذه السُّبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه  ثم قرأ:  وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ  [رواه أحمد: 4437، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح: 166]. رواه الإمام أحمد وهو حديث حسن.
وسأل رجلٌ ابنَ مسعود رضي الله عنه عن الصِّراط المستقيم؟ فقال: "تركَنَا محمدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم في أدناه، وطرفه في الجنَّة، وعن يمينه جوادُّ" طُرقٌ: جمع جادَّة "وعن يساره جوادُّ، وثَّمَّ رجالٌ" يعني: هناك رجالٌ "يدعون من مرَّ بهم، فمن أخذ في تلك الجوادِّ انتهت به إلى النَّار" يقول ابن مسعود "ومن أخذ على الصِّرا ط انتهى به إلى الجنَّة" ثم قرأ هذه الآية:  وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ  [تفسير الطبري: 7/138]. تفسير الطبري.
وعمر رضي الله عنه لما أصاب كتابًا من كُتب أهل الكتاب فقرأه النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام فغضب وقال:  أمتهوِّكون فيها يا ابن الخطاب  يعني: أنتم متحيِّرون فيما أتيتكم به حتى تلجؤوا إلى غيري،  أمتهكون فيها يا ابن الخطاب! والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاءَ نقيةً، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحقٍّ فتكذِّبوا به أو بباطل فتصدِّقوا به، والذي نفسي بيده لو أنَّ موسى كان حيًا ما وسعه إلا أن يتَّبعني  [رواه أحمد: 15195، وحسنه الألباني في الإرواء: 1589]. رواه الإمام أحمد. فهل يعقل ويستقيم أن تقبل هذه الأباطيل؟.
ادِّعاء الأسلمة لعلوم الدَّورات الحديثة:
00:47:48
 ومن أسباب الرَّواج أيضاً، ومن أنواع الخِداع: ادِّعاء الأسلمة لعلوم الدَّورات هذه الباطلة، وهو عبارة عن طلاء لكي يُحسِّن صورتها، فصاحب الباطل إذا جعل على طبقةَ دهانٍ سوَّغه بشيءٍ من الحقِّ ليدخل به ويقولون أسلمةٌ.
فما هي الأسلمة؟ الأسلمة أن تأتي إلى طعامٍ محرَّمٍ تكتب عليه حلالاً، هذه أسلمة، تأتي إلى شيءٍ محرَّم وتكتب على غلافه موافقٌ للشَّريعة الإسلامية، وكذا تأتي إلى رسالةٍ باطلةٍ وتكتب فوقها: بسمُ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم، هذه أسلمة، وتُلقِي كلامًا باطلاً فتفتتحه بالحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله هذه أسلمة، وتعمل عملية قصٍّ ولصقٍ فتأتي بأحاديث وآياتٍ ما لها علاقة بالموضوع، ورُبَّما تضادُّه وتقول الكلام، ثم تقول: وقد قال الله تعالى، هذه أسلمة الباطلَ المحضَ لا يشتبه على أحدٍ، لكن إذا جعل معه آيةً وحديثاً تنطلي على الضُّعفاء والجهلة وهذا هو التَّلبيس، ولماذا كانت الشُّبهة أو سُمِّيت الشُّبهة شبهةً؟ لأنَّها تشتبه: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ال عمران: 71]، قال سبحانه:  وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ  [البقرة: 42].
قال ابن عباس: "لا تخلطوا الحق بالباطل والصدق بالكذب" [تفسير ابن كثير: 1/245].
النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام سأله أناسٌ عن الكُهَّان؟ قال:  إنَّهم ليسوا بشيءٍ  فقالوا: يا رسول الله فإنَّهم يحدثون بالشَّيء يكون حقًا، يعني: هذه قضيةٌ مشاهدةٌ أنَّ بعض الكُهَّان يقول سيحدث كذا وفعلاً يحدث، فكيف ليسوا بشيءٍ إذا كان ما يقولونه يحدث أحيانًا؟ فقال النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم:  تلك الكَلِمة من الحقِّ يخطفها الجنِّيُّ  هؤلاء يَركبُ بعضُهم فوقَ بعضٍ يحاولون استراق السَّمع من السَّماء، فإذا الْتَقَط كلمةً مثلاً ممَّا تكلَّم به الملائكة عن أوامر الله أن يفعلوا كذا في مكان كذا أو لفلان كذا، فيلقيه إلى من هو أسفل منه، طبعًا سيتبعه شهابٌ ثقابٌ فيحرقه من نارٍ، فإذا وصلت الكلمة لمن تحته وكُلٌّ يلقي لمن تحته، يعني: ألقى الكلمة قبل أن يحترق، فتصل إلى الكُهَّان في الأرض عبر هؤلاء الشَّياطين الذين يسترقون السَّمع لإضلال النَّاس، فهذا شغلُ وجهد يعمل به شياطينُ الجنِّ مع شياطين الإنس، فقال عليه الصَّلاة والسَّلام:  تلك الكلمة من الحقِّ يخطفُها الجنِّي فيُقرقِرُها  يعني: يردِّدها  في أُذنِ وليِّه كقرقرة الدَّجاجة  شبَّه لنا طريقةَ الإلقاء من الجنِّي للإنسي بقرقرة الدَّجاجة، هل سمعت قرقرة الدَّجاجة؟ يعني: صوتٌ غامضٌ، هذا قرقرةُ الدَّجاجة، قال: تلك الكلمة  الحديث في البخاري ومسلم.  تلك الكلمة من الحقِّ يخطفُها الجنِّيُّ فيقرقِرُها في أذنِ وليِّه  يعني: الإنسي  كقرقرة الدَّجاجة  يعني: يكرِّرُها ويُردِّدُها  كقرقرة الدَّجاجة فيخلطون فيها أكثرَ من مائةِ كذبةٍ [رواه البخاري: 5859، ومسلم: 2228].
الكاهن الذي في الأرض يخلط معها، ويُخبر النَّاس أنَّه سيقع في مكان كذا، وسيقع في مكان كذا حربٌ وكذا، وموتُ فلانٍ، فيخبر فتسعٌ وتسعون في المائة من كلامه باطلٌ وكذبٌ ولا يصير ذلك، ويقع من ذلك الواحدُ في المائة فلا يذكر النَّاس إلا هذا، ويقولون: قال لنا وحصل، والكذبات الأخرى كُلُّها لا تُذكَر ولا يأتون سيرتها.
كيفية أسلمة الدَّورات الحديثة والاستفادة منها:
00:52:27
 فمسألة ما يُسمى بأسلمة الدَّورات لو تمَّ حذفُ الباطل، وإبقاءُ الحقِّ والمفيد، وينظر هل دلَّ الكتاب والسُّنَّة على شيءٍ منه حقيقةً دلالةً صحيحةً؟ فيؤتى به لقلنا نِعمُ الأسلمة، لقد حدث ما يخالف الدِّين، ولو أنَّم أتوا بعلمٍ شرعيٍ بأدلةٍ من الكتاب والسُّنَّة توافق ما هو موجود من الحقِّ، وقدَّموه لنا فنِعمُ ما يفعلون وجزاهم الله خيرًا وأثابهم، نقُّوها ونخلوها وشذَّبوها وهذَّبوها وأبعدوا الباطل منها، ونظروا فيما يوافق الكتاب والسُّنَّة منها فاعتمدوه وأبقوه ونقلوه وعلَّموه، وجعلوه في الدَّورة والكُرَّاس والكتب؛ لقلنا أثابهم الله لقد قاموا بما ينبغي القيام به، الحكمة ضالةُ المؤمن، خُذ الحقَّ ولو من كافر، خُذ المفيد من فاجرٍ لكن ليس بعجره  وبجره وحقِّه وباطله وضلاله وخطئه وصوابه، وليس بطريقة الخلط ثم تركيب عليها بعض آيات وأحاديث لتتم الأسلمة، يقول الدَّكتور الشَّيخ عبد العزيز النَّغميشي، أستاذ علم النَّفس وهو من الأفاضل: "إنَّ بعض من تصدَّى لهذه البرامج في مجتمعنا إمَّا شرعيُّون أو لهم خلفيةٌ شرعيَّةٌ، فصاروا حجَّة وأصبح النَّاس ينظرون للبرمجة هذه على أنَّها أمرٌ يدعو إليه أهل الصَّلاح" يعني: المشكلة هي دخول أهل اللِّحى في الموضوع، لكن ما قامت بالواجب الشَّرعي بل لبَّست على النَّاس، مثال على هذا الكلام: يقول أحد هؤلاء الضُّلَّال في مقدمة كتاب علم الطَّاقات التسع متشو كوتشي وإدورد إسكو يقول: إن علم الطَّاقة بتأثيره على الحياة البشيرة لا يُعدُّ تنجميًا أو علمًا بالغيب، فلا يعلم الغيب إلا الله، ولكن -هذه حطَّ تحتها خطوطاً؛ لأنَّ الباطل كثيرًا ما يأتي من وراء كلمة ولكن؛ لأنَّه يُقدِّم بمقدمةٍ أول ما يسمعُها المسلم يفرح ويرتاح- ويقول: إنَّ علم الطَّاقة بتأثيره على الحياة البشرية لا يُعدُّ تنجيمًا أو علمًا بالغيب، فلا يعلم الغيب إلا الله، ماهذه الكلمة فلا يعلم الغيب إلا الله؟ هذه إبرةُ التَّخدير؛ لأنَّها كلمةٌ صحيحةٌ ولكن خذ بعدها، ولكن معرفة التَّوقعات النَّاجمة عن تأثير الطَّاقة الموجودة في الكون على حياتنا اليومية مثل توقُّع الطَّقس في الأحوال الجوية، يا هذا: الطَّقس والأحوال الجويَّة يعني هناك شيءٌ اسمه سُحبٌ، وهناك دراسةٌ وشيءٌ مرئيٌ أنَّ السُّحب لها أنواع، وتوجد رياحٌ وفي اتجاه الرِّياح  وسرعتها، وأنَّ هناك عواملٌ جويَّةٌ، وليس هو الهالة التَّأثيرية، والطَّاقة لا تُرى، ما هذا وكيف تقيس هذه على هذه؟ يقول: إنَّ علم الطَّاقة بتأثيره على الحياة البشرية لا يعد تنجيمًا أو علمًا بالغيب، فلا يعلم الغيب إلا الله، ولكن معرفة التَّوقعات النَّاجمة عن تأثير الطَّاقة الموجودة في الكون على حياتنا اليومية، مثل توقُّع الطَّقس والأحوال الجوية، لا يُعدُّ تنجيمًا؟
الطَّقس والأحوال الجوية مبنيٌ على دراساتٍ ومع ذلك يقولون مثلاً: أحيانًا سينزل مطرٌ أو لا ينزل، وأحيانًا يقولون: سينزل مطرٌ غزيرٌ أو سينزل مطرٌ قليلٌ، وبعدها يقولون قليلٌ ويطلع كثيرٌ هذا واردٌ، هذا توقعات علم الأرصاد الجوية علم مفيدٌ؛ لأنَّه أحيانًا يساعد في الإنذارات من فيضاناتٍ، حتى يأخذ النَّاس احتياطاتٍ، وبعدها رُبَّما لا يصير شيءٌ، فالاحتياطات أيضاً لها تكلُفةٌ.
لكن على أيَّةِ حالٍ: علم الأرصاد الصَّحيح مفيدٌ، وممكن ينقذ البلد من كوارثٍ، وهناك شيءٌ حقيقيٌ كالسُّحب والرِّياح، وسرعة صور الأقمار الفضائية التي من خلالها يتبيَّن لون الرِّيح وفي أيِّ الاتجاهات ماشية، فهذا شيءٌ ماديٌ، أمَّا هذا يقول: فطاقةُ النَّهار الصَّاعدة تُمدُّنا بالنَّشاط والقوَّة وبالعمل، بينما طاقةُ الليل وهي انحدارية لا تجعلنا نعمل تجعلنا للهدوء، يا هذا: الله عزَّ وجلَّ قال إنَّه جعل الليل لباسًا وجعل النَّهار معاشًا، وبعد ذلك خُذ الطَّاقة وأثرها على السَّعادة والشَّقاء، وعلى الصَّحة والمرض، ما لون المرض؟
لو قلت بكتيريا نفهم فيروسات وجراثيم وأشياء مختبريَّة نراها بالميكروسكوبات، لكن تأتي تقول الطَّاقة الكونية هي التي يقصد منها أنَّك ستصاب بالمرض الفلاني، وأنَّك تستمِدُّ من الطَّاقة الكونية الشَّفاء من المرض الفلاني، قل مضادٌ حيويٌ أو دواء، يعني: هناك وسائلٌ كجعل كماداتِ ماءٍ ساخنٍ أو ماءٍ باردٍ أو ضمَّاد جبيرة، أو أخذ دواء، يعني أسباب، أمَّا أغمض عينيك واستمدَّ من الطَّاقة الكونية ما يشفيك من مرضك، والله هو الشَّافي أصلاً، حتى هذه: لو فرضنا أنَّ الدَّواء لا يشفي والطَّبيب لا يشفي ولا يجوز أن يقال الطَّبيب يشفي، فلا يشفي إلَّا الله، الطَّبيب يعالج والدَّواء مجرَّد سببٌ، فالتَّلبيس والتَّضليل على المسلمين، وتشبيه موضوع الطَّاقة بقضية طقس الأحوال الجوية، لاحظوا كلمة طاقة: كلمة علميَّة؛ فهم من تلبيسهم وتضليلهم يستعملون كلماتٍ علميَّة في الفيزياء وفي الكيمياء وفي الجولوجيا وفي الفلك للتَّلبيس على النَّاس، ثُمَّ إنَّ المسألة عند هؤلاء لا تعتمد على أمورٍ حسيةٍ بقدر ما تعتمد على أباطيل فلسفيةٍ شرقيةٍ، ولا تستمِدُّ إلى حسٍّ ولا عقلٍ ولا تجارب حقيقيةٍ ولا أشياءٍ مُثبَتةٍ علميًا، ثُمَّ يقولون: تأثير الكواكب وتأثير النَّجم الفلاني على نفوس النَّاس، وتأثيره على الرِّزق والصَّحة والمرض والسَّعادة والشَّقاء والاكتئاب والانبساط والسُّرور والفرح والحزن، كُلُّ هذا من أين أتوا به؟ من النُّجوم والكواكب في إثبات على هذا الكلام؟
هل هناك شيءٌ من القرآن أو من السُّنَّة يدلُّ على هذا الكلام؟ حتى الكفرة هل عندهم هيئاتٌ دوليةٌ معتمدةٌ أثبتت هذا الكلام؟
هم يقولون: التَّطبيقات المعاصرة لفلسفة الاستشفاء الشرقية وهكذا، فبدل كلمة الطَّبيعة  يحطُّ كلمة الله ويقول أسلمنا الموضوع، وإذا كان ما بعده وما قبله كلاماً باطلاً وقد يأتي بعض المترجمين بكلمة إنَّ شاء الله، أو بإذن الله ويظنُّ أنَّه حلَّ المشكلة، أو يأتي ببعض الآداب الإسلامية، أو الآيات أو الأحاديث أو أقوال العلماء المسلمين، ويستشهد بكلماتٍ لبعض السَّلف ويظنُّ أنَّه حلَّ المشكلة، وهنا مقالٌ مهمٌ اسمه خدعة الأسلمة للدَّكتورة الفاضلة نجاح الظَّهار، هناك كُتَّابٌ يعتبرون من المراجع المهمَّة في الموضوع، لمن أراد الإطِّلاع على المزيد بعنوان الوثنية في ثوبها الجديد نوصي به، إذًا أيُّها الإخوة سنكمل إن شاء الله درسنا في الأحد القادم بمشيئة الله بعد صلاة المغرب وصلَّى الله على نبيِّنا محمدٍ.