الأربعاء 12 صفر 1442 هـ :: 30 سبتمبر 2020 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

30- التعامل مع النابغين 2


عناصر المادة
عناية النبي ﷺ بابن عباس
عناية النبي ﷺ بابن مسعود
اكتشاف الطاقات والمواهب
نبوع الصحابة من في الخبرة العسكرية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ونسأل الله تعالى أن يغفر لنا أجمعين، وأن يجعلنا من عباده المتقين، وأن يدخلنا برحمته في القوم  الصالحين، وأن نكون من عتقائه من النار في هذه الليلة أجمعين، وأن يوفقنا لإصابة ليلة القدر، وأن يتقبل منا صيامنا وقيامنا إنه سميع مجيب قريب وهو أرحم الراحمين.
نبينا محمد ﷺ كان حريصاً على توجيه أصحابه لخدمة الدين، كان ﷺ يتعامل معهم كي يقوموا بالعمل لأجل نفع هذا الإسلام، والحرص على عبادة الله ، وكلما عرف في أحد من أصحابه قدرة على حفظ، أو مهارة، أو نبوغ، فإنه كان يثني عليه ويشجعه ويوجهه.

عناية النبي ﷺ بابن عباس
00:01:30

كما حصل مع ابن عباس رضي الله عنهما، فقد أولاه عناية خاصة، ليس لأنه ابن عمه فقط، بل لأنه قد نبغ وظهر منه من علامات الفهم وأمارات الذكاء والفطنة الكثير.
فعن ابن عباس قال: ضمني النبي ﷺ إلى صدره، وقال: اللهم علمه الحكمة [رواه البخاري: 3756].
وقال: دخل النبي ﷺ الخلاء، فوضعت له وضوء.
مبادرة من ابن عباس هو قام من تلقاء نفسه، لما دخل النبي ﷺ الخلاء، مباشرة ابن عباس وهو صغير لا زال صبياً، عرف بفطنته أنه إذا دخل الخلاء سيخرج ليتوضأ، وإذا خرج ليتوضأ فلابد له من ماء، فبدلاً من أن يخرج ليبحث عن ماء هو ذهب مباشرة وجهز ماءً، ووضعه للنبي ﷺ، بانتظار خروجه من الخلاء ليتوضأ. 
فلما خرج النبي ﷺ ورأى الماء جاهزاً أمامه، قال: من وضع هذا؟ فأخبر بأن هذا الغليم ابن عباس، هذا الصغير هو الذي وضع له الماء، فقال: اللهم فقهه في الدين متفق عليه [رواه البخاري: 143، ومسلم: 2477].
ما هو الفرق بين الوُضوء والوَضوء؟
الغسل هذا وُضوء، والماء المعد للغسل وضوء.
فابن عباس وضع للنبي ﷺ وضوءه.
فقال ﷺ: اللهم فقهه في الدين متفق عليه.
وعند أحمد، "أن رسول الله ﷺ كان في بيت ميمونة".


من هي ميمونة بالنسبة لابن عباس؟ خالته، ولذلك من محارمه يدخل عليها، وفرصة ليتعرف على حياة النبي ﷺ من الداخل، ماذا كان يفعل في بيته؟ ماذا كان يفعل بعيداً عن أعين الناس في الليل؟ كيف كان يقوم الليل؟ وهكذا بات عند خالته ميمونة.
قال: "فوضعت له وضوءً من الليل، فقالت ميمونة: وضع لك هذا عبد الله بن عباس".
تريد أن تشيد به، وأن تبين فهمه وفطنته، لأنها تعلم بأن النبي ﷺ لن يتوانى عن الدعاء له، والاهتمام به، ولن يعدم خيراً من نبي الله من اهتمام ودعاء، وأن يكون محلاً لعنايته ﷺ.
فقال ﷺ: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل [رواه أحمد: 3102، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة:2589].
أول هذا فيه فضيلة الفقه، واستحباب الدعاء بالخير لمن عمل لك عملاً نافعاً تستفيد منه، سواءً أعانك على شيء من دينك أو من دنياك.


واستجاب الله دعاء النبي ﷺ، فكان ابن عباس في المحل العالي من الفقه.
قال ابن المنير رحمه الله: "مناسبة الدعاء لابن عباس بالتفقه على وضعه الماء". [فتح الباري: 1/244].
يعني: لماذا دعا له بالفقه؟ لما وضع له ماءً دعا له بالفقه، لماذا ما قال: اللهم أكثر ماله مثلاً؟ أكثر ولده؟ لأنه دعا لصحابة آخرين بهذا مثلاً.
دعا لأنس بن مالك بأن يكثر الله ماله وولده مثلاً.
دعا لعروة البارقي بأن يبارك الله له في صفقة يمينه؛ لأن كل فعل كان له دعاء مناسب.
فعروة مثلاً أعطاه النبي ﷺ ديناراً ليشتري له شاة، فذهب وماكس البائع وأخذ وأعطى، واشترى الشاة الآن بدلاً من أن يرجع بدينار إذا به يبيع ويشتري، ويرجع بشاة ودينار، أخذ وباع واشترى وربح ورجع بالدينار الذي أرسل به والشاة، قال: هذا ديناركم وهذه شاتكم. [رواه البخاري: 3642].
فلذلك دعا له النبي ﷺ بالبركة في صفقة يمينه، فكان إذا وقف في كناسة الكوفة أو في سوق الكوفة ما يصل إلى بيته إلا وقد ربح أربعين ألفاً.
أنس بن مالك لما دعا له بطول العمر وكثرة الولد والسعة في المال عمر أكثر من تسعين سنة، ورأى من أولاده وأحفاده حول المائة.
فالنبي ﷺ لما رأى الماء الذي يدل على فطنة، يعني إذا خرج من الخلاء معناه أنه يحتاج إلى وضوء؛ لأنه يحتاج إلى أن يتوضأ؛ لأن دخول الخلاء ينقض الوضوء، بعده يحتاج إلى وضوء، وأعده له، فمناسبة الدعاء لوضع الماء أنه تردد بين ثلاثة أمور: إما أن يدخل إليه بالماء إلى الخلاء، أو يضعه عند الماء عند الباب ليتناوله من قرب، أو لا يفعل شيئاً، فرأى الثاني أوفق؛ لأن في الأول تعرض للاطلاع وهذا لا يجوز، الثالث معناه سيجعله يطلب الماء يشق عليه، فالثاني هو الأسهل، ففعل ما يدل ذكائه، فناسب أن يدعو له بالتفقه في الدين ليحصل النفع، وهكذا كان.


فكان ابن عباس من أشهر مفسري الصحابة، مع أنه كان من أصغرهم سناً، وقد ولد قبل هجرة النبي ﷺ إلى المدينة بثلاث سنوات، ولازم النبي ﷺ منذ نعومة أظفاره، وذلك لقرابته منه وقرابة خالته ميمونة زوج النبي ﷺ، وتوفي النبي ﷺ وعمر ابن عباس ثلاث عشرة عاماً.
كان ابن مسعود يقول: "نعم ترجمان القرآن ابن عباس" [المستدرك: 6291].
مع أن ابن مسعود من كبار الخبراء في التفسير.
قال ابن عمر عن ابن عباس: "وأعلم الناس بما أنزل الله على محمد ﷺ" [تهذيب الآثار للطبري: 2175]. مع أن ابن عمر أكبر من ابن عباس.
وقد تجلى هذا النبوغ منه ، وعرف ذلك أمير المؤمنين عمر، فكان يقربه.
فقال ابن عباس : "كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر"، وكانت عادة عمر إذا جلس للناس أن يدخلوا عليه على قدر منازلهم من السابقة.


فمن هم؟ السابقون المهاجرون الأولون، طيب ثم؟ أهل بدر، ثم؟ ثم؟ وأهل الحديبية، ثم، وهكذا يدخلون عليه على منازلهم.
وكان ربما أدخل مع أهل المدينة من ليس منهم إذا كان له ميزة تجبر شيئاً فاته من المشاهد مع النبي ﷺ مثلاً.
فكأن بعض الحاضرين في مجلس عمر وجد في نفسه، يعني أن ابن عباس على صغر سنه يدخل معهم، وهم الكبار والسابقون المهاجرون الأولون البدريون.
"فقال عبد الرحمن بن عوف يوماً لعمر: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟". في مثل سنه. فقال: "إنه من قد علمتم"، يعني من قرابته من النبي ﷺ، ومعرفته وفطنته وفهمه، وسكت عمر.
فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم –يقول ابن عباس-: "وما رأيته دعاني يومئذٍ إلا ليريهم مني". فقال عمر لجلسائه: "ما تقولون في: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ۝ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً [النصر: 1-2] حتى ختم السورة؟، فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا".
وفي رواية: "قالوا: فتح المدائن والقصور"، هذه الفتوحات الكبيرة.
وقال بعضهم: لا ندري ما المراد والمقصود.


فقال عمر لابن عباس: "ما تقول؟: أكذاك تقول أنت في هذه السورة؟ قلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: "هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله له"، أن الموت قد اقترب وأجلك قد قارب على النهاية.
إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر: 1]، هذه علامة أجل.  فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً  [النصر: 3].
طبعاً هذا ما يفهمه أي واحد، هذا لابد له من فطنة خاصة.
قال عمر: "ما أعلم منها إلا ما تعلم" [رواه البخاري: 3627].
أن فعلاً هذه السورة نزلت على النبي ﷺ إعلاماً له بدنو أجله وقرب وفاته، وأن رحيله من الدنيا قد أوشك.
إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر: 1] فتح مكة.
وَرَأَيْتَ النَّاسَ[النصر: 1-2] ووفود العرب والقبائل  يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً  [النصر: 2].
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ [النصر: 3]، فإن الأجل قد دنا، والله هو التواب.
وفي هذا: فضيلة ظاهرة لابن عباس وتأثير بدعوة النبي ﷺ له، وإجابة دعاء النبي ﷺ عند ربه.


وكذلك فإن محل ابن عباس من الفهم عالي، وهو صاحب نبوغ وفهم ثاقب، وفقه في الدين، مع كثرة بحثه وحفظه لأحوال النبي ﷺ، مع أنه لم يحضر كثيراً منها لكن أخذها من كبار الصحابة.
وكان يجالس يوماً ولا يذكر فيه إلا الفقه، ويوماً فقط للتفسير والتأويل، ويوماً فقط للمغازي والسيرة والمعارك والمشاهد، والأيام التي حصلت للنبي ﷺ، ويوماً للشعر، ويوماً لأيام العرب.
قيل لطاووس: لزمت هذا الغلام -يعني ابن عباس- وتركت الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ؟
قال: "إني رأيت سبعين رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ، إذا تدارءوا في أمر صاروا إلى قول ابن عباس" [أسد الغابة: 3/297].
وروى يعقوب بإسناد صحيح عن أبي وائل قال: "قرأ ابن عباس سورة النور ثم جعل يفسرها. فقال رجل: لو سمعت هذا –يعني هذا التفسير الديلم – الديلم هؤلاء من العجم البعيدين- لأسلموا". [المعرفة والتاريخ لأبي يوسف البسوي: 1/216].


وكان آية في الحفظ، أنشده ابن أبي ربيعة قصيدته التي مطلعها:
أمن آل نعم أنت غادٍ فمبكر
فحفظها من مرة واحدة وهي ثمانون بيتاً. [تاريخ دمشق لابن عساكر: 45/94]
متى يكون هذا؟
من مرة واحدة سردها عليه، فأعادها ابن عباس وهي ثمانون بيتاً.
وعن أبي صالح قال: لقد رأيت ابن عباس مجلساً لو أن جميع قريش فخرت به لكان لها فخراً، لقد رأيت الناس اجتمعوا حتى ضاق بهم الطريق، فما كان أحد يقدر على أن يجيء ولا أن يذهب.
يعني من الزحام الطريق ماسك الناس، ما في مجال للدخول ولا للخروج.
فدخلت عليه فأخبرته بمكانهم على بابه، فقال لي: ضع لي وضوءً، فتوضأ وجلس، وقال: اخرج وقل لهم: من كان يريد أن يسأل عن القرآن وحروفه وما أراد منه ، فخرجت فآذنتهم -يعني أعلمتهم- فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به، وزادهم مثلما سألوا عنه أو أكثره. ثم قال: إخوانكم –يعني اتركوا مجالاً لإخوانكم حتى يستفيد الجميع-، فخرجوا، ثم قال -يعني لفتاه أو صاحبه-: اخرج فقل: من أراد أن يسأل عن تفسير القرآن وتأويله فليدخل.


فخرجت فآذنتهم، فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثلما سألوه عنه أو أكثر، ثم قال: إخوانكم. فخرجوا، ثم قال: اخرج فمن أراد أن يسأل عن الحلال والحرام والفقه فليدخل.
فخرجت فقلت لهم فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثله.
ثم قال: إخوانكم. فخرجوا. ثم قال: اخرج فقل: من أراد أن يسأل عن الفرائض -المواريث- وما أشبهها فليدخل، فخرجت فآذنتهم، فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثله.
ثم قال: إخوانكم. فخرجوا، ثم قال: اخرج فقل: من أراد أن يسأل عن العربية، والشعر، والغريب من الكلام فليدخل، فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثله. قال أبو صالح: "فلو أن قريشاً  كلها فخرت بذلك لكان فخرا، فما رأيت مثل هذا لأحد من الناس". [المستدرك: 6293].

عناية النبي ﷺ بابن مسعود
00:14:51

من النوابغ الذين اعتنى بهم النبي ﷺ أيضاً: عبد الله بن مسعود ، رغم أنه كان أصلاً مولى بمكة مستضعفاً.
قال الذهبي: "كان من السابقين الأولين، ومن النجباء العالمين". [سير أعلام النبلاء: 1/461]، وكان معدوداً في أذكياء العلماء، وقد تميز بكثرة أخذه للقرآن عن النبي ﷺ.
عن شقيق بن سلمة قال: خطبنا عبد الله بن مسعود فقال: "والله لقد أخذت من في رسول الله ﷺ بضعاً وسبعين سورة، والله لقد علم أصحابي أني من أعلمهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم" فهو يخبر عن علمه لكن يتواضع.
قال شقيق: فجلست في الحلق أسمع ما يقولون، فما سمعت راداً يقول غير ذلك" [رواه البخاري: 5000].
هذا الصحابي الذي طلب منه النبي ﷺ أن يقرأ عليه القرآن، فقرأ عليه أول سورة النساء في القصة المعروفة المشهورة: اقرأ عليّ، قلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: نعم، وفي رواية: إني أحب أن أسمعه من غيري.
إذن لو قال واحد: أيهما أفضل تلاوة القرآن أو سماعه؟ فنقول الجمع بينهما، صحيح التلاوة أكثر تلاوة النبي ﷺ أكثر، لكن الجمع بينهما.
لو قال واحد: أنا الآن في رمضان أقرأ ختمة أو أراجع حفظي؟ نقول الجمع بينهما. لماذا؟ لأن النبي ﷺ راجع القرآن مع جبريل مرتين في السنة التي مات فيها، كل سنة كان يراجعه مرة.
فإذن مراجعة الحفظ سنة في رمضان، ومع واحد ثاني أيضاً، النبي ﷺ مع جبريل.
وكذلك التلاوة والختمة لها حق، فإذن الجمع بينهما.


في كثير من الأسئلة التي يقول بعض الناس هذا أو هذا، يكون الجواب الجمع بينهما.
وهذا في أشياء كثيرة، يقول واحد: العبادة ولا طلب العلم؟ الجمع بينهما.
نعم قد يغلب جانباً على جانب لمصلحة معينة، أو يكون في حقه شيء معين أفضل، لكن ترك الطرف الآخر أو الشيء الآخر بالكلية لا.
فقرأت سورة النساء -يقول ابن مسعود- حتى أتيت إلى هذه الآية: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً[النساء:41] قال: حسبك الآن.
يعني قف، فكلمة حسبك يستعملها الشيخ في الحلقة مع القراء من التلاميذ والطلاب لكي يوقف الطالب عند حد معين حسبك.
فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان. [رواه البخاري: 4582].
لما نبغ عبد الله بن مسعود أشاد النبي ﷺ به، ودل الناس عليه، وهذا من الحكمة أن يدل الناس على من يستفيدون منه، في التفسير، من يستفيدون في الفقه، من يستفيدون منه في الحديث، من يستفيدون منه في التجويد، من يستفيدون منه في المواريث.
لأن العلم كثير وجوانب، والناس اهتمامات وأصناف، والنبوغات تتفاوت وتختلف، فمنهم من يبدع في جانب أكثر من جانب.
قال ﷺ: خذوا القرآن من أربعة: من ابن أم عبد، فبدأ به، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، من هو الرابع ؟- سالم مولى أبي حذيفة [رواه البخاري: 3808، ومسلم: 2464]. يعني تعلموه منهم.


الأربعة المذكورون هل من المهاجرين أو من الأنصار؟
ابن أم عبد عبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وسالم مولى أبي حذيفة..
ماذا تقولون؟ هل هم من المهاجرين، أو من الأنصار؟
عبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وسالم مولى أبي حذيفة.
اثنان من المهاجرين واثنان من الأنصار.
فمعلوم أن معاذ بن جبل مثلاً أنصاري، وابن مسعود من المهاجرين، وكذلك أبي بن كعب وسالم مولى أبي حذيفة، وهو ابن معقل.
ما هو السبب في الاهتمام بهؤلاء الأربعة؟
أنهم أكثر ضبطاً لألفاظ القرآن، وأتقن في الأداء، وقد يكون غيرهم أفقه في المعاني، وهؤلاء الأربعة تفرغوا لأخذه من النبي ﷺ مشافهة، وغيرهم أخذوا منه ومن غيره، فأشار إلى تمكنهم، وأنهم أقعد من غيرهم في هذا الجانب فيؤخذ عنهم.
وقال ﷺ: من أحب أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد [رواه ابن ماجة: 138]، وهو حديث صحيح. [صححه الألباني صحيح الجامع الصغير: 5961].

اكتشاف الطاقات والمواهب
00:19:52

نجد من النابغين، وهذا كلام مهم للآباء والأمهات، والمدرسين، وكل من تولى على الطلاب، وعلى الأولاد، وعلى من تحت يده: يجب أن تستكشف طاقات، ومواهب من تحتك، من عندك، من معك، لتوجه كل واحد فيما يحسنه ويتقنه، ويولع به، ويكون به شغوفاً، وعليه حريصا ومقبلاً، وسريع الفهم فيه متقن.
عن أبي هريرة قال: إنكم تقولون إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ، وتقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله ﷺ بمثل حديث أبي هريرة؟
لأن أبا هريرة متى جاء؟ بعد خيبر، جاء بعد خيبر وحفظ كل هذا، فكيف حصل؟ يعني أبو هريرة يروي أكثر من بعض المهاجرين الذين كانوا في الإسلام من مكة من زمان.
يعني مثلاً روايات أبي هريرة أكثر من روايات بلال، وعمار، ونحوهم يعني من الصحابة الذين كانوا بمكة من قديم؟
أبو هريرة ما أسلم جاء إلا بعد السنة إلا بعد خيبر السنة الخامسة بعد خيبر بعد السادسة وبعد؛ لأن خيبر بعد الحديبية، فبعد السادسة ومع ذلك حفظ شيئاً عظيماً.


فقال أبو هريرة يجيب عن الاستغراب: "تقولون ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله ﷺ بمثل حديث أبي هريرة؟ يقول: وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم صفق بالأسواق".
يعني هم جاءوا فقراء أخذت أموالهم في مكة ولابد أن يعتاشوا بشيء، فكانوا يذهبون للأسواق لمحاولة كسب رزق وعيش.
"وكنت ألزم رسول الله ﷺ على ملئ بطني" ما أطلب فقط غير ما يسد الرمق.
"فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا. وكان يشغل إخوتي من الأنصار عمل أموالهم" يعني عندهم زراعة، عندهم بساتين.
"وكنت امرءاً مسكيناً من مساكين الصفة -ساكن في المسجد- أعي حين ينسون".
"وقد قال رسول الله ﷺ في حديث يحدثه: إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمع إليه ثوبه إلا وعى ما أقول فبسطت نمرة عليّ –مباشرة أبو هريرة عليه نمرة بسطها- حتى إذا قضى رسول الله ﷺ مقالته جمعتها إلى صدري، فما نسيت من مقالة رسول الله ﷺ تلك شيء، ما نسيت من مقالتي تلك من شيء" رواه البخاري ومسلم وأحمد [البخاري: 2047، ومسلم: 2493].
قال الذهبي: "وكان حفظ أبي هريرة الخارق من معجزات النبوة". [سير أعلام النبلاء: 2/594].
وعن أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله إني أسمع منك حديثاً كثيراً أنساه. قال: ابسط رداءك، فبسطته، فغرف بيديه ثم قال:  ضمه  فضممته، فما نسيت شيئاً بعده" [رواه البخاري: 119].


"فغرف بيديه" من الذي غرف؟ النبي ﷺ، ماذا غرف؟
قال ابن حجر: "لم يذكر المغروف منه، وكأنها كانت إشارة محضة". [فتح الباري: 1/215].
وفي الحديث فضيلة ظاهرة لأبي هريرة، ومعجزة واضحة من علامات النبوة؛ لأن النسيان من علامات الإنسان، وقد اعترف أبو هريرة بأنه كان يكثر منه، يعني كان كثير النسيان قبل، ولما دعا له ﷺ وصار موقف الثوب هذا المبسوط ما نسي شيئاً بعده، ولا شيء أبداً، هذه معجزة ظاهرة؛ لأن الواحد ومع تقدم السن، ومع ذلك أبو هريرة ما نسي بعدها ولا شيء مما حدثه إياه.
وكان النبي ﷺ يشيد بأبي هريرة وبحفظه، قال أبو هريرة: يا رسول الله من أسعد  الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ: يا أبا هريرة لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه [رواه البخاري: 99].
خالصاً من قلبه هذه تنفي أشياء كثيرة، المستهزئ بالدين لو قال: لا إله إلا الله ألف مرة ما ينفعه إذا كان لا زال على استهزائه بالدين، تارك الصلاة لو قال: لا إله إلا الله هذا يكون خالصاً من قلبه؟ تخيل واحد يقول: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه لا يركع، ما يمكن، تتخيل واحد يقول: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه لا يصوم ولا يزكي ولا يحج.


فإذن: خالصاً من قلبه هذه مهمة؛ لأن الكلمة هذه ليست مجرد لفظة. رواه البخاري.
من النوابغ في الصحابة: أبي بن كعب .
وقد أرشد النبي ﷺ إلى الأخذ عنه كما مر معنا في الحديث السابق.
وكان ابن عباس يقول: قال عمر : "أقضانا علي، وأقرؤنا أبي" [الطبقات الكبرى لابن سعد: 2/339].
طبعاً أقضانا علي، ليش أقضانا علي؟ لأن -يا إخوان- علي كان عجباً في قضية القضاء، وكثير من الناس ما عندهم يعني فكرة عن جودة قضاء علي .
لم تكن يعني قضية النبوغ في أصحاب النبي ﷺ تقتصر على القضايا الفكرية أو العلمية والتصورية والذهنية، لا، بل كان في أشياء كثيرة.

نبوع الصحابة من في الخبرة العسكرية
00:26:22

فمن ذلك: الخبرة العسكرية، وعلى رأسهم خالد بن الوليد .
وهو سيف سله الله على أعدائه، وشارك في غزوة مؤتة ضد الغساسنة والروم، وظهر نبوغه العسكري في هذه الغزوة، لما أنقذ جيش المسلمين بخداع جيش الروم؛ لأنه لما استلم إمرة الجيش -طبعاً المعركة صارت على عدة أوقات، يعني يشتبك الجيشان مثلاً حتى يحجز بينهم الليل، فيرجعون للنوم، ثم يرجعون فيشتبكون حتى.. لما أنهك جيش المسلمين، وعددهم قليل بالنسبة لعدد الكفار.
ماذا فعل لما استلم خالد؟
جعل المقدمة مؤخرة، والمؤخرة مقدمة، والميمنة ميسرة، والميسرة ميمنة، وأمر قوماً أن يحدثوا أصواتاً مرتفعة من بعيد، ويثيروا غباراً وجلبة، لما قام الروم في الصباح، كل طائفة من جيش الروم وجدوا أمامهم مسلمين مختلفين غير الذين بالأمس، ثم صار الروم يسمعون من بعيد جلبة وإثارة غبار من وراء، فقالوا: هؤلاء غير، هؤلاء جاءهم أمداد، والآن ولسه زيادة، يعني جاءهم غير، جاءوا مرتاحين ما هم مثلنا، ولذلك تراخى الروم، يعني الآن بدؤوا يفكرون ماذا يفعلون في الانسحاب.
فاستطاع خالد في هذه الحال أن يسحب الجيش بأمان، فتحصنوا في بلد فرجع الروم عنهم، وهذا كان من أروع خطط الانسحاب العسكري التكتيكي عبر التاريخ.
ولذلك سماه النبي ﷺ سيف الله.


وعن أبي قتادة فارس رسول الله ﷺ، قال: بعث رسول الله ﷺ جيش الأمراء، وقال: عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة الأنصاري، فوثب جعفر فقال: بأبي أنت نبي الله وأمي ما كنت أرهب أن تستعمل عليّ زيداً، قال: امضوا فإنك لا تدري أي ذلك خير، فانطلق الجيش فلبثوا ما شاء الله، ثم إن رسول الله ﷺ صعد المنبر وأمر أن ينادى الصلاة جامعة، فقال رسول الله ﷺ: ناب خير أو ثاب خير، ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي.
طبعاً المسلمون في المدينة لا يعرفون شيئاً.
إنهم انطلقوا حتى لقوا العدو، فأصيب زيد شهيداً، فاستغفروا له، فاستغفر له الناس، ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فشد على القوم حتى قتل شهيداً، أشهد له بالشهادة، فاستغفروا له، فاستغفر له الناس، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى أصيب شهيداً، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد.
طبعاً لم يكن أميراً، أمّر نفسه لإنقاذ الموقف.


فرفع رسول الله ﷺ أصبعيه وقال: اللهم هو سيف من سيوفك فانصره أو فانتصر به فيومئذ سمي خالد سيف الله، يعني بعد معركة مؤتة، بسبب معركة مؤتة.
ثم قال النبي ﷺ: انفروا فأمدوا إخوانكم –هؤلاء الذين في مؤتة- ولا يتخلفن أحد، فنفر الناس في حرّ شديد مشاة وركبانا [رواه أحمد: 22604] وحسنه الألباني  [إرواء الغليل: 5/285].
طبعاً المسلمون لم يستيئسوا ولم يستسلموا، ولذلك صارت غزوة تبوك، وتحدي للنصارى، وإلى بعد..
قال الذهبي: "سماه النبي ﷺ سيف الله، فقال: إن خالداً سيف سله الله على المشركين [سير أعلام النبلاء: 1/366] .
وطبعاً معروفة قصة خالد في الفتوحات، وكيف اخترق البرية السماوية، وقطع المفازة من حد العراق إلى أول الشام في خمس ليال في عسكر معه، شهد حروب الشام، ولم يبق في جسده قيد شبر إلا وعليه طابع الشهداء، ومناقبه معلومة، وقد افتتح دمشق مع أبي عبيدة بعدما حاصرها، وعاش ستين سنة ومات على فراشه.
من النابغين في الشجاعة والجرأة في القتال: معاذ بن الجموح ومعاذ بن عفراء.
وهما اللذان قتلا أبا جهل كما هو معلوم، والنبي ﷺ أثنى عليهما، وقال: كلاكما قتله [رواه البخاري: 2972].
وطيب خاطرهما، واشترك في قلته ثلاثة؛ لأن ابن مسعود حزَّ رأسه، كان بقي رمق فيه فحزَّ رأسه، وكان الإثخان من معاذ بن عمرو بن الجموح، فهو المتسبب الأصلي بقتله، وابن مسعود حزَّ رقبته، فلا يحتقر أحدٌ أحداً.


الشاهد أن هذه المواهب، هذه الطاقات، هذه الشخصيات، هذه القدرات، وهذه النوابغ، هؤلاء النوابغ الذين أمدهم النبي ﷺ بدعائه وتوجيهه.
وطبعاً مرت قصص في هذا مثل قصة زيد بن ثابت الذي تعلم لغة يهود، ولغة الروم، ولغة.. وغيرها يعني يمكن أربع لغات، يتعلم اللغة في خمسة عشر يوم فقط، ثم بعد ذلك يكون من كتبة الوحي، لماذا؟ لأنه كان أيضاً حافظاً ثبتاً متقناً.
فالدرس الذي نأخذه من هذا إذن -أيها الإخوة والأخوات- أننا ومن حولنا يوجد أناس عندهم مثلاً مواهب، بعضهم في الكتابة، الصياغة، بعضهم في النشر الصحفي، بعضهم في الترجمة، بعضهم في القصة، بعضهم في الشعر، بعضهم عنده قدرات في الإقناع والمناظرة والمجادلة، والأعداء كثر خصوصاً على الانترنت، وتحديات، ومعارك قائمة، وتحتاج إلى من ينصر دين الله.
وبعض الناس كذلك عندهم قدرات تصميمية، هذه قوالب يعرض فيها الكلام، وناس عندهم قدرات صياغية يصوغون الكلام، وناس عندهم قدرات إعلامية ينشرون الكلام.
فتأمل عندما يوجد تكامل في المسلمين من ناس عندهم علم يعطون المادة، وناس عندهم صياغة يصوغونها، وناس عندهم قوالب يصممونها، وناس عندهم برمجة تستعمل في نشرها، وناس عندهم خبرات إعلامية يوسعون دائرة النشر.


ويكون في المسلمين من أهل المال من ينفق على هذه الجهود، فماذا ستكون النتيجة؟
الأمة فيها خير كثير، ويمكن أن تقدم أشياء متعددة جداً، وأن يرتقي مستوى نشر الإسلام في العالم أضعاف مضاعفة، لكن المسألة تحتاج إلى إخلاص، وهمة، وعزيمة، وتنظيم للطاقات والجهود، وتكامل.
وما أحد يقول ما في فرصة وهذا الجانب مغطى، ما في جانب مغطى يعني بحيث خلاص متشبع، ما في، الإسلام يحتاج إلى خدمة في كل الجوانب، الإسلام يحتاج إلى عمل في كل الجوانب.
ولذلك نهيب بأنفسنا أن نكون جنوداً لهذا الدين، وله نعمل، وعلى الله نتوكل، وبه نستعين، ومن كتابه وسنة نبيه ﷺ نأخذ.
ونسأل الله العون والتوفيق، إنه سميع مجيب.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد..