الخميس 8 ربيع الآخر 1441 هـ :: 5 ديسمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

17- التعامل مع الأغنياء


عناصر المادة
المقدمة
الفرح بصدقاتهم:
زيارة الأغنياء وإرشادهم:
حث الأغنياء على الوصية بأقل من الثلث:
أمر الأغنياء بالعدل في الأعطيات بين الأولاد:
كان عليه الصلاة والسلام يبين للأغنياء: أن المال الحقيقي هو ما أنفقوه، والمال الفاني ما أبقوه:
الثناء على أعمال الأغنياء الخيرية:
التنبيه على التجارة الرابحة:
اختيار الأسماء الحسنة لهم:
أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر:
مكافأة من صنع المعروف:
الدعاء لهم بالبركة:
المقدمة
00:00:04
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم صل وسلم وبارك على نبيك محمد الأمين، اللهم صل وسلم وبارك على آله وذريته الطيبين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
عندما يعيش المسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم في حياته يسمع أخباره، عندما يعيش معه، ويسمع هذه الأنفاس التي نقلها علماؤنا، وعلى رأسهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين سمعوا أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، ورأوا الوقائع التي صارت في عهده، فنقلوها إلى من بعدهم، وهكذا حتى جاءتنا في كتب الأئمة، يسمعها المسلم فيعيش مع نبيه عليه الصلاة والسلام، فيكون هذا له زيادة في الإيمان، ويكون له تقى، ويكون له نوراً وهداية.
وقد علمنا سابقاً في بعض ما مضى، كيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الفقراء، فمثلاً  كان النبي صلى الله عليه وسلم يطعمهم مما عنده، وأحياناً يصطحبهم إلى بيته، وأحياناً يأمر بالصدقة عليهم، وأحياناً يعرض على بعض أصحابه من يستضيفهم، وأحياناً فإنه عليه الصلاة والسلام كان يدعو لهم أن يغنيهم الله من فضله، وأن ييسر لهم أمورهم، وأحياناً كان عليه الصلاة والسلام يصبرهم ويسليهم، ويذكرهم بأن هذه الدنيا فانية ماضية، وأن الآخرة هي الباقية. وأحياناً كان يذكر لهم فضل الجوع، وفضل الصبر على الفقر لمن ابتلي به، وأحياناً كان يشير على الفقراء بأشياء فيها ذهاب علتهم، ويرشدهم إلى الاحتطاب، إلى العمل، إلى أن يدخل في شيء من البيع والشراء، ونحو ذلك، فكان له عليه الصلاة والسلام معاملة مع الفقراء.
نريد أن نتعرف الليلة على معاملة النبي صلى الله عليه وسلم مع الأغنياء كيف كانت؟
تعامل النبي عليه الصلاة والسلام معاملة عظيمة راقية جميلة مؤثرة، فيها بيان حكم وأحكام ومواعظ مع أصحاب الأموال والتجار؛ لأنه كان في أصحابه من هؤلاء: كأبي بكر، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وسعد بن الربيع، وأبو طلحة الأنصاري، وغيرهم.
الفرح بصدقاتهم:
00:03:32
 فكان عليه الصلاة والسلام يفرح بصدقاتهم، ويعترف لأهل الفضل منهم الذين سعوا في خدمة الدين، فهذا رجل عنده مال سخره في نشر الإسلام ونصرة الحق، وتأييد للنبي عليه الصلاة والسلام.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر فبكى  أبو بكر رضي الله عنه وقال: هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله. رواه ابن ماجة، وهو حديث صحيح. [رواه ابن ماجه: 94، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 5808].
وهذا في غاية التأدب من الصديق، والتواضع في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جعل نفسه كالعبد للنبي عليه الصلاة والسلام، من أين أخذنا هذا؟ من أين أخذنا أنه جعل نفسه كالعبد عند النبي صلى الله عليه وسلم؟
من قوله: هل أنا، يعني هل مالي إلا لك يا رسول الله. واضح، لكنه قال في كلامه: هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله، فأنا لك.
تأملوا في هذا التواضع، وهذا الإيمان الذي جعل الصديق بالمنزلة العظيمة، يقول: هل أنا ومالي إلا لك. ليس فقط إلا مالي، وأنا أيضاً، هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله، والنبي عليه الصلاة والسلام أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
وهذا من الأخلاق الحسان، النبي عليه الصلاة والسلام يشكر الذي أسدى إليه معروفاً، وصنع له خيراً، وواساه بماله، ويدعو له، ويقول للأمة مذكراً بفضل الصديق: ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر .
وكذلك فإنه عليه الصلاة والسلام مع انتفاعه بمال الموسرين من أصحابه، وخصوصاً الصديق -رضي الله عنه-، لأنه ما كان يمنّ، ولا كان عليه رضوان الله أبداً يرى لنفسه شيئاً من المعروف أو الفضل على نبي الله، بل هو والأهل والمال، وزوجه بنته عائشة.
النبي عليه الصلاة والسلام مع انتفاعه بمال أبي بكر، إلا أنه كان في بعض الأحيان يصر أن ينفق من ماله هو، مع أن الصديق يعرض عليه، ففي أي شيء كان ذلك؟
في قصة الهجرة قالت عائشة رضي الله عنها: "لقل يومٌ كان يأتي على النبي صلى الله عليه وسلم إلا يأتي فيه بيت أبي بكر أحد طرفي النهار" يمكن يزور أبا بكر مرتين في اليوم، يمكن أن يزور أبا بكر مرتين في اليوم.
فلما أذن له بالخروج من المدينة، أذن الله لنبيه بالهجرة، تقول: "لم يرعنا إلا وقد أتانا ظهرا" يعني: ما هو في طرفي النهار، ما هو في الصباح ولا في المساء، الآن جاء في الظهر، في وقت غير معتاد، فخبر به أبو بكر، فقال: ما جاءنا النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الساعة إلا لأمر حدث، فلما دخل عليه قال لأبي بكر:  أخرج من عندك  قال: يا رسول الله إنما هو ابنتاي عائشة وأسماء. وثقات، ما في أحد غريب، وليس هناك من ينقل الأخبار والأسرار.
فقال عليه الصلاة والسلام:  أشعرت أنه قد أذن لي في الخروج؟  الهجرة من مكة. قال: الصحبة يا رسول الله. قال:  الصحبة . قال: يا رسول الله إن عندي ناقتين أعددتهما للخروج فخذ إحداهما، فخذ إحداهما. فقال عليه الصلاة والسلام:  قد أخذتها بالثمن  [رواه البخاري: 2138].
قال ابن حجر: "زاد ابن إسحاق: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:  لا أركب بعيراً ليس هو لي ، قال: فهو لك. قال:  لا، ولكن بالثمن الذي ابتعتها به .
بكم شريت الراحلة أنا أدفعها لك؟ قال: أخذتها بكذا وكذا، قال أخذتها بذلك، أشتريها منك بنفس المبلغ. قال: هي لك.
وفي حديث أسماء بنت أبي بكر عند الطبراني قال:  بثمنها يا أبا بكر  قال: بثمنها إن شئت. [المعجم الكبير الطبراني: 284].
ونقل السهيلي في الروض، عن بعض شيوخ المغرب "أنه سئل عن امتناعه، -يعني لماذا امتنع النبي عليه الصلاة والسلام من أخذ الراحلة هبة، مع أن أبا بكر أنفق عليه من ماله الكثير، يعني أخذ من مال أبي بكر، لكن ليه الناقة هذه بالذات يريد أن يدفع له ثمنها؟
فقال ذلك العالم: "أحب أن لا تكون هجرته إلا من مال نفسه". [فتح الباري: 7/235].
يعني الآن الهجرة هذه شيء عظيم، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يكون الإنفاق فيها من ماله.
مثل مثلاً حج الفريضة، قد يتهيأ أحد الأغنياء، يعني يستضيف شخصاً في الحج، وهذا ما حج الفريضة، صحيح هذا غني وموسر وما يضره يحج مائة، لكن صاحب حج الفريضة؛ لأن حج الفريضة له منزلة عظيمة يريد أن يدفع من ماله، فيقول للغني: أذهب معك بشرط أن تأخذ مني النفقة.
زيارة الأغنياء وإرشادهم:
00:09:14
 كان النبي عليه الصلاة والسلام من تعامله مع الأغنياء: أنه كان يزورهم، ويأكل عندهم، ويرشدهم لأفضل وجوه الصدقة، كما جاء ذلك في قصة أبي طلحة الأنصاري، التي رواها أنس رضي الله تعالى عنه، فإنه قال في الحديث الصحيح: "كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء".
بيْرُحاء أو بِيْرْحاء، وبيرَ وبيرُ أيضاً وحاء وحا كلها صحيحة، ثمان لغات، هذا اسم بستان لأبي طلحة الأنصاري، كانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب.
قال أنس: فلما نزلت هذه الآية:  لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ  [آل عمران: 92] قال أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الله تبارك وتعالى يقول:  لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ  [آل عمران: 92]، وإن أحب أموالي إليَّ بيرُحاء -أنفس أموالي هذا البستان، عظيم النخل، عظيم الماء- وإن أحب أموالي إليّ بيرُحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله -هذا تفاعل الصحابة مع القرآن، تنزل آية العمل مباشرة، التنفيذ فوري- فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  بخ  -وهذه كلمة تقال للفعل المحمود وعند الإعجاب بالشيء- بخ بخ قال: ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين . فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله. فقسمها أبو طلحة رضي الله عنه في أقاربه وبني عمه، وكان منهم حسان يعني ابن ثابت، وأبي بن كعب. [رواه البخاري: 1461، ومسلم: 998].
إذن النبي عليه الصلاة والسلام كان يدخل على الأغنياء في بعض ممتلكاتهم، لكن كان ينصحهم في مواضع الصدقات أيضاً.
والحديث فيه استحباب الإنفاق مما يحبه الإنسان، ومشاورة أهل العلم والفضل في مواضع الصدقة ووجوه الطاعات، وأن الصدقة على الأقارب أفضل من الصدقة على الأجانب إذا كانوا محتاجين.
لأن بعض الناس الآن في الزكاة يجامل أقاربه، يكون القريب مستور الحال، يعني عنده ما يكفيه، فيريد أن يعطيه من الزكاة، وهناك فقير محتاج مسكين معدم ما عنده شيء، لكنه بعيد أجنبي عنه ليس من أقاربه، لا يعطيه، وهذا لا يجوز؛ لأن الزكاة لا يجوز فيها محاباة الأقرباء لا يحابى بها قريب، لكن إذا اجتمع عندك قريب محتاج وأجنبي بعيد عنك في النسب محتاج أيضاً فمن تقدم؟ القريب المحتاج؛ ليجتمع لك أجر الصدقة وأجر الصلة.
والحديث هذا فيه أن القرابة تراعى في حق صلة الرحم وإن لم يجتمعوا في أب قريب؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما أمر أبا طلحة أن يجعل صدقته في الأقربين، جعلها في أبي بن كعب وحسان بن ثابت.
قال العلماء: "يجتمع أبي بن كعب وحسان بن ثابت مع أبي طلحة في الجد السابع".
وإذن النبي عليه الصلاة والسلام كان يدخل على هؤلاء الأغنياء الأتقياء بساتينهم، ويستظل بظلها، ويأكل من ثمرها، ويتنزه فيها، وإجمام النفس للعبادة يؤجر عليه الإنسان.
بعض الناس الآن يقولون: ساعة لربك وساعة لقلبك، خلاص -يا أخي- الآن صلينا صمنا وصلينا التراويح، إذا رجعنا يعني لو أخذنا ساعة ساعتين ثلاثة في أشياء، لكن يا إخوان: المهم أن لا تكون محرمة.
ثانياً: أن تكون لإجمام النفس لتعود للعبادة.
يعني ليست التسلية لأجل التسلية، ولا الترفيه لأجل الترفيه، ولا اللعب لأجل اللعب، لا. إجمام النفس لتعود للعبادة، هذا الذي يؤجر عليه الإنسان.
ليس أي ترفيه يؤجر عليه، يؤجر على الترفيه المباح إذا كان لإجمام النفس للعبادة، اذهب تنزه ادخل بساتين وأشجار، اسبح، اشرب من عذب المياه، متع ناظريك بما جعل الله في هذه الأرض من قطع متجاورات، وجنات من أعناب ونخيل، استمتع بالمباح، متى ستؤجر؟ إذا كان مباحاً، وإذا كان بقصد إجمام النفس لتعود للعبادة.
الآن بعض الناس يريد عبادة ربع ساعة وترفيه ساعتين، ولذلك صار بعضهم يتطلب التراويح الأقصر، وين التراويح الأقصر؟ حتى حدثونا عن مسجد أبو آية، آمين، سبح اسم ربك الأعلى، الله أكبر، آمين، الذي خلق فسوى، الله أكبر، آمين، والذي قدر فهدى، الله أكبر، وإيش؟ ثلاثة وعشرين ركعة، في عشر دقائق.
 يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً * إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً  [المزمل: 1-7].
إذن العبادة يعني: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ  [المزمل: 20]، وحنا كم الآن؟ لا ثلثه ولا نصفه ولا ثلثين، ما تجي ساعة.
فالمشكلة إذا واحد ما أقبل على العبادة لن يتلذذ بها ولن يستمتع بها، وإذا ما تلذذ بالعبادة ولا استمتع لن يتحمل، لكن حتى يصل إلى الاستمتاع والتلذذ لابد أن يتعب.
كما قال بعض السلف يعني: كابدت قيام الليل عشرين سنة واستمتعت به عشرين سنة.
فحتى يصل إلى مرحلة التلذذ لابد أن يكابد ويتعب ويجاهد نفسه، فإذا وصل إلى مرحلة التلذذ خلاص ساعة ساعتين ثلاث، هو هنا يصبح مستمتعاً بالعبادة.
حث الأغنياء على الوصية بأقل من الثلث:
00:16:58
 النبي عليه الصلاة والسلام نجد أنه في معاملته للأغنياء مثلاً: يحثهم على الوصية، ويحثهم على قضية الثلث فأقل.
عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: "عادني النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع من مرض أشفيت منه على الموت". سعد وصل أوشك على الموت، مرض شديد جداً أين حصل له؟ بمكة. متى؟ عام حجة الوداع.
النبي عليه الصلاة والسلام لما زار سعداً يقول سعد: يا رسول الله بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قاللا . قال: أفأتصدق بشطره؟ النصف قال:  لا .
قلت: الثلث؟ قال: الثلث يا سعد والثلث كثير، إنك أن تذر ذريتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، ولست بنافق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا آجرك الله بها، حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك . قلت: يا رسول الله، أخلف بعد أصحابي.
كأنه أشفق رضي الله عنه أن يموت بمكة، لماذا؟ ما كان الصحابة يعجبهم الموت بمكة في ذلك الوقت؟ لأنهم هاجروا منها، فما كانوا يريدون الموت فيها؛ لأنهم تركوها لله، فخشي سعد أن ينقص أجر هجرته يموت في مكة.
فقال: "يا رسول الله، أخلف بعد أصحابي.
وكانوا يكرهون الإقامة في الأرض التي هاجروا منها وتركوها لله تعالى.
ولذلك قال سعد رضي الله عنه ما قال معبراً عن خشيته من هذا.
فقال عليه الصلاة والسلام:  إنك لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون .
يعني لعلك يا سعد أن تعيش بعد هذا المرض ولن تموت بعده مباشرة، بل ستمتد بك الحياة.
 حتى ينتفع بك أقوام .
بماذا سينتفعون به من سعد؟ برأيه، وعلمه، وقيادته للجيوش، وما سيفتح الله به عليه، والمغانم التي ستكون بسبب قيادته للجيوش وفتحه رضي الله عنه.
 ويضر بك آخرون .
من المشركين والكفار، والمجوس الذين سيهلكون على يديك. فالنبي عليه الصلاة والسلام إذن أخبر سعداً أنه سيعيش.
ثم قال عليه الصلاة والسلام:  اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم  وهذا فيه إشارة إلى سعد بالعافية، وأنه سيرجع إلى دار الهجرة وهي المدينة، وأنه لن يستمر مقيماً بمكة من هذا الوجع.
قال عليه الصلاة والسلام:  لكن البائس سعد بن خولة .
البؤس هو الفقر والقلة، ولكن لماذا عبر النبي عليه الصلاة والسلام عن سعد بن خولة بالبائس؟ غير سعد بن أبي وقاص.
لأن سعد بن خولة غفر الله له هاجر إلى المدينة ثم رجع إلى مكة ما تحمل، ما صبر على المدينة، رجع إلى مكة ومات في مكة، فبؤسه سقوط هجرته؛ لأنه رجع إلى مكة مختاراً ومات بها، ففاته ما حصل لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام من المهاجرين الآخرين.  [رواه البخاري: 6373، ومسلم: 1628].
أمر الأغنياء بالعدل في الأعطيات بين الأولاد:
00:20:50
 من معاملة النبي عليه الصلاة والسلام مع الأغنياء: أنه كان يأمرهم بالعدل في الأعطيات بين الأولاد.
لأن النفس البشرية الآباء والأمهات لا تخلو نفوسهم من ميل لبعض الأولاد على حساب بعض، ويعطون واحد أكثر من الثاني، وقد يجورون ويحيفون، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يوصي أصحاب الأموال أن يعدلوا مع أولادهم.
عن النعمان بن بشير أن أمه عمرة بنت رواحة سألت أباه بعض الموهبة من ماله لابنها، وإنها أبت أن تربيه -يعني النعمان- حتى يجعل له حديقة من أفضل ماله، فوهبها له –تحت الإلحاح وهبها لهذا المولود- فقالت الزوجة زيادة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما وهبت لابني، فأخذ أبي بيدي، وكان يومئذ غلام.
فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إن أم هذا قاتلتني –يعني ألحت وأصرت- على الذي وهبت له، وأعجبها أن أشهدك على الذي وهبت لابنها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بشير ألك ولد سوى هذا؟  قال: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  أكلهم وهبت لهم مثل الذي وهبت لابنك هذا؟  قال: لا. قال:  فلا تشهدني إذن، فإني لا أشهد على جور .
لا أشهد على ظلم، لابد من العدل بين الأولاد، تهب لواحد وما تهب للآخرين مثله لماذا؟ وعندك أولاد آخرون لماذا؟ لأن أم هذا ألحت عليك وضغطت عليك، يمكن الآخرين عندهم يعني لهم أمهات، أنت لك أكثر من زوجة، قد تكون أم الأولاد الآخرين ماتت، قد تكون ضعيفة، قد تكون غير محبوبة لديك مثلها، لأنها ماذا؟ أمه ألحت عليك أعطيته، والآخرون ما أعطيتهم،  لا أشهد على جور، فلا تشهدني إذن  [رواه البخاري: 2650، مسلم: 1623، والنسائي: 6508].
وفي رواية لأبي داود:  إن لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم، كما أن لك عليهم من الحق أن يبروك  [رواه أبو داود: 3544، وصححه الألباني سلسلة الأحاديث الصحيحة: 2847].
ولذلك العدل بين الأولاد يعين على البر، فأي عطية ما لها سبب ما تجوز لولد دون آخر.
أما التي لها سبب، مثلاً هذا مرض يحتاج أجرة علاج، الآخرون أصحاء، هذا بلغ به الأمر حد الزواج الآخرون صغار، وهذا يحتاج إلى نفقة تعليم جامعي الآخرون في الابتدائية، يجوز أن يعطيه إذا قامت به حاجة بشرط أن ينوي أن يعطي الآخرين إذا بلغوا مثله، إذا صار له نفس الظرف أيضاً، وإذا خشي والأعطية كبيرة يضعها في حسابات لهم يضعها في حسابات لهم.
وقال لي شيخنا عبد العزيز بن باز رحمه الله في السيارة للولد الكبير: تبقى باسم الأب، ويجعلها عند ولده عارية، وما يكتبها باسم الولد الكبير، تبقى عارية ملك للأب، الولد الكبير هذا لأنه يسوق فتكون عنده أمانة؛ لأنه يوصل إخوانه للمدارس وأمه، ويأتي بأغراض البيت.
كان عليه الصلاة والسلام يبين للأغنياء: أن المال الحقيقي هو ما أنفقوه، والمال الفاني ما أبقوه:
00:24:31
 عن عبد الله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:  أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟  قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه. قال: فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر  [رواه البخاري: 6442].
إذن الذي قدمته هو الذي سيبقى لك، الذي أنفقته قبل موتك في مصارف الخير هو الباقي، وأما مال الوارث فهو ما أخرته، إذا أردت أن يبقى مالك لك أنفق في سبيل الله، إذا أردت أن يكون للورثة لا تنفقه، أبقه عندك، تموت فيذهب للورثة.
الحديث فيه التحريض على تقديم ما يمكن من المال في وجوه القربة في الآخرة، وإذا أردنا أن نجمع بين حديث ابن مسعود هذا وحديث سعد ماذا سنقول؟
حديث سعد: إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ، وهذا الحديث: أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ .
طيب، معناها إذا أردنا أن نجمع بينهما، سنقول: يبقي لأولاده ما يحتاجون، يبقي لأولاده ما يحتاجون، وما زاد يتصدق به.
أما يجي واحد يقول: والله عنده شيء يكفي الحفيد الرابع، يعني عن أولاد وأحفاد أحفادك، وتبقي لهم أموال لأحفاد أحفاد.. الله يرث الأرض ومن عليها.
ثم إذا تركت المال للوارث، الوارث قد يتصدق به فيؤجر هو؛ لأن هو الذي أنفقه، خلاص ملكه بموتك وهو يؤجر، وإذا لعب فيه بالحرام يأثم هو، فأنت الآن ما استفدت شيء، من جهة إبقاء المال لمن بعدك، إلا امتثال وصية النبي عليه الصلاة والسلام: إنك أن تذر ورثتك أغنياء .
يعني يستغنون عن الناس، مو يعني أغنياء يعني معاهم ملايين الملايين، تذر ورثتك أغنياء يعني عندهم ما يكفيهم غير محتاجين للناس، لا يمدون أيديهم للناس، تترك لأولادك أشياء يعيشون بها، تترك لهم مثلاً بيت مثلاً، اترك لهم بيتاً مثلا، واحد ترك لهم بيتاً يسكنون فيه وعمارة تدر عليهم وراح تصدق بباقي المال، طيب ممتاز، يعني: هذا خلاص، فعل ما عليه يعني أكثر، خلاص هذا هو المطلوب والله لا يضيعهم، يكبرون يعملون، يشتغلون يكسبون.
وحظ النبي عليه الصلاة والسلام سعداً في الحديث المتقدم على أن يترك مالاً لورثته؛ لأن سعداً أراد أن يتصدق بماله كله في مرضه، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يكتفي بالصدقة بالثلث ويكون الباقي للورثة.
أما في حديث ابن مسعود فخاطب النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه في حال الصحة.
لاحظ حديث سعد في حال مرضه، كان يوشك منه على الموت، أما حديث ابن مسعود في حال الصحة، ونبه به من شح بماله، ولم تسمح له نفسه بالإنفاق في وجوه البر، فقال يعني سيذهب كاملاً لوارثك وأنت ما يكون لك منه شيء. أجرك راح، أجرك راح.
فحديث سعد محمول على من تصدق بماله كله أو معظمه في مرض، وحديث ابن مسعود في حق من يتصدق في صحته وشحه.
النهي عن التصدق بكل المال:
كان عليه الصلاة والسلام طبعاً يرد أحياناً من يريد أن يتصدق بكل ماله، يعني عمر لما جاء تأكد من أنه أبقى لأهله شيئاً، كذلك كعب بن مالك، قال يعني أرشده إلى أنه يكفيه الثلث، وأن لا ينخلع من ماله كله، لكن الصديق أتى بكل ما عنده من المال لأنه يصبر وأهله يصبرون، هذا شرط أن يتصدق الإنسان بماله كله.
لو قال واحد: ما حكم أن أتصدق بجميع أموالي؟
نقول: يجوز بشرط أن تصبر أنت ويصبر أهلك، أما أن لا تصبر أنت وتمد اليد، أو أهلك لا يصبرون فهذا خطأ، ما تتصدق بكل مالك.
الصديق يصبر وأهله يصبرون، زد على ذلك الصديق تاجر ويأتيه الكسب إن شاء الله، هو يعرف كيف يدبر أموره بالأموال، ولو أنفق المال كله يأتي إن شاء الله بمال آخر.
أظهار نعمة الله عليهم:
وكذلك فإنه عليه الصلاة والسلام: كان يظهر الأغنياء إلى أن يظهروا نعمة الله عليهم.
لكن أي إظهار؟ إظهار أشر وبطر، إظهار كبر، إظهار إسراف، لا، وإنما.
عن أبي الأحوص الجشني عن أبيه، قال: "رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي أطمار".
هذا مالك بن النضر هو الصحابي المقصود؛ لأن أبا الأحوص يروي عن أبيه مالك بن النضر الجشني: "رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليّ أطمار -أطمار: يعني ثياب خلقة، رث الهيئة- فقال لي:  هل لك مال؟   قلت: نعم. قال:  من أي المال؟  قلت: من كل المال قد آتاني الله عز وجل: من الإبل، والرقيق، والخيل، والغنم.. قال:  إذا آتاك الله مالاً فلير عليك .
وفي رواية: فلتر نعم الله وكرامته عليك  [رواه أبو داود:  4065، وصححه الألباني صحيح النسائي: 5223].
هذا الحديث الذي رواه أحمد والنسائي حديث صحيح، يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد من هذا الصحابي الذي له مال أن يلبس ما يليق به، ليعرف الناس أنه غني، وأن الله أنعم عليه بالنعم، ولا يتهموه بالبخل، الذي يعرفه عنده كل هذه الأشياء ثم هو يقتر على نفسه فيكون موضع تهمة عند الناس.
وهذا معنى حديث:  إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده  رواه الترمذي وهو حديث صحيح [رواه الترمذي: 2819، وصححه الألباني صحيح الجامع: 1712].
وليس المعنى إسراف، ولا المعنى تكبر على الخلق، وأن الناس يتنافسون في المظاهر لا.
المشكلة الآن أن بعض الناس يري على نفسه أثر أموال بطاقة الفيزا المأخوذة بالدين، يا أخي أثر نعمته على عبده ليس أثر بطاقة الفيزا بالدين على عبده، ولا يجوز للإنسان أن يقترض بالربا ويتشبع بما لم يعط، ليظهر بمظهر الأغنياء، يقول: أنا لازم أشتري مثلهم، سيارة مثلهم، وملابس مثلهم، لماذا هذا التنافس في الدنيا؟
إذا عندك أظهر أثر النعمة، يأتيك أهل الحاجة، تتصدق، تنجو من تهمة البخل يعني يناسب، لكن أن تقترض القروض لكي تظهر بأثر فلا.
الثناء على أعمال الأغنياء الخيرية:
00:31:40
 وكان عليه الصلاة والسلام: يثني على أفعال الخير التي يفعلها الأغنياء تشجيعاً لهم وتحفيزاً.
عن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار في كمه حين جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة فنثرها في حجره يعني في حضن النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها في حجره، ويقول:  ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم، ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم رواه الترمذي وهو حديث حسن. [رواه الترمذي: 3701، وحسنه الألباني مشكاة المصابيح: 6064].
يعني: لا على عثمان بأس بعد هذا من الذنوب السابقة واللاحقة فإنها مكفرة.
هل اغتر عثمان بهذا، وراح يسرف في المعاصي، أو ما ازداد إلا طاعة؟
هؤلاء العشرة المبشرون بالجنة، مع أنهم بشروا بالجنة، خلاص أخذوا ضمان بالجنة، لكن علم الله في نفوسهم خير، وأنهم لا يغترون، وأنهم لا يتوقفون عن العمل.
وبقي عثمان على الطاعات وتلاوة القرآن، حتى مات شهيداً ودمه على المصحف.
عنوان السجود به *** يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا
وعن الأحنف بن قيس قال: "خرجنا حجاجاً، فقدمنا المدينة ونحن نريد الحج، فبينا نحن في منازلنا نضع رحالنا، إذ أتانا آت فقال: إن الناس قد اجتمعوا في المسجد وفزعوا، فانطلقنا فإذا الناس مجتمعون على نفر في وسط المسجد، وفيهم علي والزبير، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، فإنا كذلك إذ جاء عثمان رضي الله عنه وعليه ملاءة صفراء قد قنع بها رأسه، فقال: أهاهنا طلحة؟ أهاهنا الزبير؟ أهاهنا سعد؟ قالوا: نعم. قال: فإني أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له؟  -المربد: موضع يجعل فيه التمر لينشف- فابتعته بعشرين ألفاً، أو بخمسة وعشرين ألفاً، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال:  اجعله في مسجدنا وأجره لك .
قالوا: اللهم نعم. -هذا حصل- قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  من ابتاع بئر رومة غفر الله له  -وهذه بئر كانت المدينة لا يشرب منها أحد إلا بفلوس بثمن، فاشتراها عثمان -رضي الله عنه- وجعلها للغني والفقير وابن السبيل- فابتعتها بكذا وكذا، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: قد ابتعتها بكذا وكذا. قال:  اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك قالوا: اللهم نعم. قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر في وجوه القوم، فقال:  من يجهز هؤلاء غفر الله له  -يعني جيش العسرة- فجهزتهم حتى لم يفقدوا عقالاً، ولا خطاماً، فقالوا: اللهم نعم. قال: «اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد" [رواه النسائي: 3182، وضعفه الألباني صحيح وضعيف سنن النسائي: 7/254].
عثمان اضطر إلى ذلك لكثرة الطاعنين فيه ظلماً وعدواناً، فاحتاج إلى شهادة الصحابة هؤلاء على بعض مناقبه، ليكف ألسن هؤلاء الطاعنين، كم طعنوا في عثمان حتى قتلوه، ثاروا عليه بسبب اليهودي عبد الله بن سبأ وأضرابه.
والحديث رواه النسائي، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.
التنبيه على التجارة الرابحة:
00:35:31
 كان عليه الصلاة والسلام: ينبه هؤلاء الأغنياء إلى التجارة مع الله؛ لأنها هي التجارة الرابحة.
فعن أنس أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لفلان نخلة وأنا أقيم حائطي بها، فأمره أن يعطيني حتى أقيم حائطي بها. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام:  أعطها إياه بنخلة في الجنة  فأبى، فأتاه أبو الدحداح فقال: بعني نخلتك بحائطي".
شوف لما تأبى ذلك الرجل صاحب النخلة الله أعلم بحقيقته، من قام؟ قام أبو الدحداح، قال" طيب، شوف المصلحة كانت المصلحة تقتضي أن هذا يتنازل عن النخلة لكن أبى، قام أبو الدحداح، وعنده بستان عظيم فقال: "بعني نخلتك بحائطي".
أوه طبعاً هذا عرض مغري جداً، نخلة ببستان فيه ستمائة نخلة ففعل.
"فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني قد ابتعت النخلة بحائطي، فاجعلها له فقد أعطيتها لك".
هذا الذي كان يحتاج النخلة اجعلها له، أنا اشتريت النخلة بحائطي كله، والنخلة لك يا رسول الله أعطها إياه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  كم من عذق راح لأبي الدحداح في الجنة  قالها مرارا..  كم من عذق راح لأبي الدحداح في الجنة  قالها مراراً. فأتى أبو الدحداح امرأته فقال: يا أم الدحداح اخرجي من الحائط، فإني قد بعته بنخلة في الجنة. فقالت: ربح البيع. رواه أحمد وهو حديث صحيح. [رواه أحمد: 12504، وصححه الألباني سلسلة الأحاديث الصحيحة: 2964].
ما هو العَذق؟ وما هو الفرق بينه وبين العِذق؟
العِذق بكسر العين: غصن النخلة. والعَذق بفتح العين: هي النخلة بكمالها.
ولذلك الحديث:  كم من عذق راح لأبي الدحداح بالجنة  فالعَذق النخلة بكمالها، والعِذق غصنها غصن النخلة يسمى عذقاً. فقالت: ربح البيع.
اختيار الأسماء الحسنة لهم:
00:37:56
 وكان صلى الله عليه وسلم يختار لأهل التجارة الاسم الحسن ويحثهم على الصدقة.
فعن قيس بن أبي غرزة قال: «كنا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نسمى السماسرة، فمر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمانا باسم هو أحسن منه، فقال:  يا معشر التجار: إن البيع يحضره اللغو والحلف  [رواه ابن ماجه: 2145]، وفي رواية:  يحضره الكذب والحلف  [رواه أبو داود: 3327]، وفي رواية:  إن الشيطان والإثم يحضران البيع  [رواه الترمذي: 1208].
شوف كيف يعظ التجار، يعظ الأغنياء.
أولاً: يقول كنا نسمى السماسرة، السمسار اسم أعجمي، لماذا كان يطلق على التجار سماسرة؟
لأن أكثر الذين كانوا يتعاطون البيع والشراء كانوا أعاجم من زمان، أو أيام الصحابة يعني كانوا أعاجم، فكلمة سمسار كلمة أعجمية، فنقلوا الاسم عنهم، فلما كانت كلمة سمسار كلمة أعجمية، وكان التجار يعني يقال لهم سماسرة، فالنبي عليه الصلاة والسلام غير الاسم إلى اسم إيش؟ عربي. فقال:  يا معشر التجار .
فالصحابي يقول: «كنا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نسمى السماسرة، فمر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمانا باسم هو أحسن منه، فقال:  يا معشر التجار .
إذن لو واحد قال: الأسماء التجارية يعني بالعربي أحسن من الانجليزي، إيش الدليل؟ نقول: هذا الدليل.
ماذا نصح التجار؟
قال:  إن البيع يحضره اللغو والحلف  -يعني الحلف الكذب-  فشوبوا بيعكم بالصدقة  هذه النصيحة:  شوبوا بيعكم بالصدقة [أبو داود:3328، وصححه الألباني صحيح الجامع:7974].
كما أنه يختلط بالكذب واليمين الكاذبة، والحلف الكاذب، وتنفقون السلع: والله مشتراها، والله مكسبنا فيها ما يتعدى، والله نبيع بخسارة.. ليش فتحت أصلاً؟ فقال:  شوبوا بيعكم بالصدقة .
فلذلك نصحهم هذه النصيحة العظيمة، وأن لإنسان، يعني لو واحد قال الأسهم الآن، وفيها خلط ومخلوطة ومختلط، نقول: شوبوها بالصدقة، إذا دخلت في شيء فيه اختلاط شوبوه بالصدقة، اختلط عليك شيء، دخل فيه شيء خلط، كما خالطه شبهة أو محرم تصدق منه.
طبعاً لاحظ الحرام هنا ما هو في أصل المال، يعني واحد يتاجر في الخنزير والميتة والخمر، لا، لأن اللي يتاجر بالحرام ما يقال له: شوبه بالصدقة، ويش ينفعه الصدقة؟ لا مهما غسلت لحم الخنزير سيصبح طاهراً؟ هات النجاسة واغسلها، هي نجاسة خلاص.
لكن إذا كانت التجارة الحلال، واحد يتاجر في أشياء حلال، لكن يعني يأتي فيها كلام، يعني يشوبه الحلف يمين واليمين يمكن ما تكون صادقة، يعني آليات في البيع، ولا أصل البيع حلال، أما إذا كان الأصل حرام ما ينفعه الصدقة، الله طيب لا يقبل إلا طيباً.
أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر:
00:41:25
 كان عليه الصلاة والسلام يخالطهم في أسواقهم فيأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. هذه من سياسته مع التجار.
عن رفاعة قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا الناس يتبايعون بكرة، فناداهم: يا معشر التجار، فلما رفعوا أبصارهم ومدوا أعناقهم، قال:  إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً، إلا من اتقى الله وبر وصدق  [رواه ابن ماجه: 2146، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 994].
فإذن لما كان يحدث في التجارة تدليس، ويحدث فيها ترويج للسلع بالأيمان الكاذبة، ويحدث فيها ما يحدث من طريق التسويق، من طرق التسويق المحرمة.
عد الآن كم طريقة تسويق محرمة؟
التسويق بصور النساء، والتسويق بالكذب يعرضها أطول وألمع وأكبر مما هي عليه في الحقيقة، ويستعملون أفعل التفضيل: أحسن كذا، أوسع، أكبر، أجمل، أرخص، يعني أفعل التفضيل، وهو ربما يعلم أنه في السوق ما هو أفضل وأرخص وأحسن من سلعته.
لكن هذه شوف شركات الدعاية والإعلان تشارك مشاركة عظيمة في الإثم؛ لأنهم هم الذين يقترحون على التاجر أحياناً الدعاية، والصياغة من عندهم، والكلمات من عندهم، والصور من عندهم، والأفكار من عندهم، وكثير من أفكار الدعايات التجارية يا إخوان أفكار محرمة، إما يهودية مأخوذة يعني من أعداء الإسلام.
ولذلك هم يعني شوف الآن يسوقون بصور النساء، ويسوقون، ما في إيش علاقة إطارات السيارات وعلب الببسي وعلب كذا، مشروبات غازية بصور النساء؟
يعني وليس يعني إذا في علاقة أدوات التجميل أنه يعني يجوز يطلع، لكن أحياناً صارت القضية ما في علاقة، إطارات سيارات ما في علاقة.
فلما صار الآن البيع تجد دفع رشوة، مصنع شركة تنتج رشوة لمندوبي المحلات الأخرى، يقول حتى يأخذ من عندي.
في أحد المحلات جاءني شخص من الباعة، قال: نحن الآن نبيع أجهزة كهربائية كثيرة، قال: يأتي مندوب الشركة ويعطينا فلوس، يوزع علينا فلوس حتى نروج بضاعته، قلت طيب والآخرين، قال: يعطونا كلهم يعطونا، طيب يعني ما استفدنا، طيب وبعدين، يعني كلهم رجعت النتيجة كأنه قبل ما كان يعطيهم ولا أحد، ليش؟ يقول: روج لي بضاعتي. لما يجيك واحد يريد يشتري غسالة قل هذا الممتاز، يجيك يشتري فرن قل هذا أحسن شيء.
الأدوية سوق الأدوية مصيبة والله؛ لأن شركات الأدوية العالمية عندها ميزانيات رشاوى، تطلع بأسماء مختلفة، ويا الله للأطباء والصيادلة خذوا، تعال خذ يا الله، تبغا تطلع إجازة درجة أولى وفنادق يالله سياحة بس اكتب الدواء تبعنا، وأنت خذ ماذا تريد؟ نجهز لك عيادتك من إلى، وأنت غسالة ثلاجة فرن مكيف أي شيء خذ.
السوق الآن مصيبة، والله العظيم مصيبة، في بعض المجالات التجارية ما عاد تكاد ترى مجال، يعني لا تكاد تجد مجال مباحاً فيه من كثر الحرام المنتشر.
ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان ينذرهم، وقال:  يبعثون يوم القيامة فجاراً، إلا من بر واتقى، من اتقى الله وبر وصدق  [رواه الترمذي: 1210، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة: 994].
ولذلك فإن التدليس من أخطر الأشياء في البيع، وكذلك الرشاوى، والحلف الكاذب.
وكان النبي عليه الصلاة والسلام ينهاهم عن الغش في البيع والشراء، وينزل بنفسه للسوق عليه الصلاة والسلام، يقف بنفسه على الباعة.
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صُبرة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً، فقال:  ما هذا يا صاحب الطعام؟  قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال:  أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني  [رواه مسلم: 102].
مكافأة من صنع المعروف:
00:46:06
 وكذلك فإنه عليه الصلاة والسلام كان إذا صنع أحد من هؤلاء الموسرين إليه معروفاً كافأه عليه.
خرج مرة النبي عليه الصلاة والسلام في ساعة لا يخرج فيها، ولا يلقاه فيها أحد، فإذا هو بأبي بكر وعمر. قال:  ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟  قالا: الجوع يا رسول الله. قال:  وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكم .
أخرجه الجوع، ما استطاع يجلس في البيت من الجوع، خرج بس كذا في الطريق، يعني لعل يأتيه فرج من الله. من هو؟ النبي عليه الصلاة والسلام قائد الأمة، وفي الطريق من؟ وزيراه أبو بكر وعمر، نفس السبب، السبب نفسه الجوع.
هذا ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من التقلل في الدنيا وضيق العيش، ونالهم من الألم ما نالهم، وصبروا ورضوا، وسلموا لله تعالى.
قال:  قوموا  فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري، وكان رجلاً كثير النخل والشاء، ولم يكن له خدم، فالمرأة ما كان موجود في البيت، زوجته قالت: مرحباً وأهلاً.
قال لها عليه الصلاة والسلام: أين فلان؟ قالت: ذهب يستعذب لنا الماء. يأتي بماء عذب لا ملوحة فيه، فلم يلبث أن جاء أبو الهيثم، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، ثم جاء يلتزم النبي عليه الصلاة والسلام ويفديه بأبيه وأمه، ضمه واعتنقه وعانقه، الحمد لله ما أحمد اليوم أكرم أضيافاً مني، ثم انطلق بهم إلى حديقته، فبسط لهم بساطاً، ثم جاءهم بعِذق –بكسر العين- بعِذق –لأن ما راح يجيب الشجرة- بعِذق فيه بسر وتمر ورطب".
شوف الاختيار: "بعذق فيه بسر وتمر ورطب" يعني: منوع، يعني يمكن النفس تشتهي هذا أو هذا أو هذا.
فإن هذه الثمرة ثمرة النخل أولها ماذا يسمى؟ أول ما يخرج؟ يسمى طلع، ثم يتحول إلى خلال، ثم بلح، ثم بسر، ثم رطب. انتقى لهم عذقاً فيه بسر وتمر وطب.
«وقال: كلوا من هذه –هذه التصبيرة- وأخذ المدية، فقال له عليه الصلاة والسلام: إياك والحلوب، لا تذبح لنا ذات در يعني ذات لبن، فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر:  والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم  [رواه مسلم: 2038].
ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي الهيثم:  هل لك خادم؟  قال: لا. قال: فإذا أتانا سبيٌ فائتنا .
شوف لابد أن يكافئه، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم برأسين ليس معهما ثالث، فأتاه أبو الهيثم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام:  اختر منهما  قال: يا نبي الله اختر لي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:  إن المستشار مؤتمن  –يعني أمين لا يجوز أن يخون ولا يكتم المصلحة، ولابد أن يبذل الرأي الصائب، وما يعتقده صواباً يقوله-  خذ هذا فإني رأيته يصلي، واستوص به معروفاً  [رواه الترمذي: 2369، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 1641].
استدل على خيريته بماذا؟ بصلاته. من آثار الصلاح الصلاة، تأمر بالخير، وتنهى عن الفحشاء والمنكر.
والحديث رواه مسلم، وقصة الخادم في سنن الترمذي.
الدعاء لهم بالبركة:
00:49:54
 وكان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو لهم بالبركة.
وعروة البارقي يعني رجل هذا الحقيقة رجل عظيم ومدبر، يعني صاحب تدبير وصاحب حنكة في البيع والشراء، عرض للنبي صلى الله عليه وسلم جلب فأعطاني ديناراً، وقال:  إيت الجلب فاشتر لنا شاة ، فأتيت الجلب فساومت صاحبه، فاشتريت منه شاتين بدينار"
العادة الشاة بدينار، لكن بالحنكة أخذ شاتين بدينار، فجئت أسوقهما، فلقيني رجل فساومني، فبعته شاة بدينار، فجئت بالدينار وجئت بالشاة، فقلت يا رسول الله هذا ديناركم وهذه شاتكم.
ما قال بذكاء وعبقرية، بعض الناس يعني إذا سوى لك فعل لازم يمن عليك، هذا يقول: هذا ديناركم وهذه شاتكم، وحدثته بالحديث. فقال:  اللهم بارك له في صفقة يمينه  خلاص راحت إلى الممات.
قال عروة: فلقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة فأربح أربعين ألفاً قبل أن أصل إلى أهلي، أقف بهذا المحل، قبل ما أوصل البيت يكون ربحت أربعين ألف. [رواه البخاري: 3642، وأحمد: 19386].
والنبي عليه الصلاة السلام إذن يدعو لهم بالبركة وخصوصاً صاحب الأمانة، ويقول أيضاً:  رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى  [رواه البخاري: 2076].
الدعاء يشجع الأغنياء والتجار على السماحة وعلى البذل، وعلى التنازل.
وكان عليه الصلاة والسلام يدعو للمتصدقين والمزكين، إذا جاء الغني بصدقته أو ماله، كما فعل عبد الله بن أبي أوفى، قال: أتيت بصدقة مال أبي. فقال:  اللهم صل على آل أبي أوفى  متفق عليه [رواه البخاري: 1497، ومسلم: 1078].
وقد قال الله لنبيه: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ  ادع لهم.  إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة: 103].
وكان عليه الصلاة والسلام لا يرضى أن يتكبر واحد من هؤلاء الأغنياء بسبب ماله، وهذه القصة وإن كان سندها مرسلاً والمرسل من أقسام الضعيف ورجاله ثقات، لكنه مرسل، رواه الإمام أحمد في الزهد عن سعيد بن أيمن مولى كعب بن سمر قال: "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه، إذ جاء رجل من الفقراء فجلس إلى جنب رجل من الأغنياء، فكأنه قبض ثيابه عنه –الغني لم الثياب حتى ما تلمس الفقير- فتغير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:  أخشيت يا فلان أن يعدو غناك عليه، وأن يعدو فقره عليك  تنتقل عدوى، ينتقل غنى منك إليه، وينتقل فقر منه إليك بملامسة الثياب. قال: يا رسول الله وشر الغنى؟ قال:  نعم، إن غناك يدعوك إلى النار، وإن فقره يدعوه إلى الجنة . قال: فما ينجيني منه؟ قال:  تواسيه ، قال: إذن أفعل. فقال الآخر: لا أرب لي فيه، -خل فلوسه له أنا ما أبغا فلوس- قال: فاستغفر وادع لأخيك  [الزهد لأحمد بن حنبل: 212].
ولأن الغنى يطغي يا أيها الإخوة والأخوات، فقد