الجمعة 22 ذو الحجة 1440 هـ :: 23 أغسطس 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

العقل والنقل


عناصر المادة
العقل والنقل:
تعريف العقل:
تفاوت العقول من شخص إلى آخر:
أين يقع العقل؟
كيف الوصول إلى المعرفة في الإسلام؟
استعمال العقل:
بدعة تقديم العقل على النقل:
العقل في مذهب أهل السُّنَّة والجماعة:
تكريم الإسلام للعقل:
مجالات العمل العقلي:
القواعد المتعلقة بالنقل والعقل، وموقف العقل من النقل:
من مصادر تلقي العقيدة: الفطرة:
موقف الفِرَق من مصادر تلقي العقيدة:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين وبعد:
العقل والنقل:
00:00:10
فقد تقدّم الحديث عن بعض مصادر تَلّقي العقيدة الصَّحيحة، ذكرنا القرآن والسنة والإجماع وإشارة إلى القياس، ونتحدَّث عن هذه المصادر الأصلية الثلاث، ونتحدث إن شاء الله في هذا الدرس عن المصادر الثانوية التي لا تستَقِّل بنفسها، ولنجعل عنوان هذا الدرس: العقل والنقل، حيث أن أكثر الكلام فيه يكون في مسألة العقل، وهذه القضية لها علاقة كبيرة بعلم العقيدة، وانحراف الناس في العقيدة قضية العقل.
تعريف العقل:
00:01:03
أما بالنسبة للعقل: فإنه مصدر عَقَل يعقِلُ عقلاً فهو معقول وعاقل، وأصل معنى العقل أنه المنع في اللغة، يُقال: عَقَل بطنه الدواء يعني أمسكه، وعَقَل البعير أي: إذا شدَّه بحبلٍ يمنعه من الهرب، ويُطلق العقل في اللغة على معان كثيرة منها: الحجر والنهي، والدية؛ لأن القاتل يسوق الإبل إلى ثناء المقتول ويعقلها هناك، ويُطلق كذلك العقل على الملجأ والحصن، وكذلك يُطلق على القلب، ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لابن عباس رضي الله عنهما: "ذاك فتى الكهول إن له لساناً سؤلا وقلباً عقول" [المعجم الكبير: 10620].
يطلق العقل على أربعة معاني:
أما معنى العقل في الاصطلاح: فإن العقل يُطلَق على أربعة أمور، وهذا هو التعريف المختار ونتوَقّف عنده، يُطلق العقل على الغريزة التي في الإنسان فبها يَعلَم، ويعقِل، ويفهَمُ، وهي كقوة البصر في العين، وقوة السمع في الأذن، وهذا العقل هو مناط التكليف وبه يمتاز الإنسان عن الحيوان، هذا الأول.
ثانياً: يُطلق العقل على العلوم الضرورية التي تشمل جميع العقلاء، كالعلم بالممكنات والواجبات والممتنعات، كما يُطلق على العلوم النًّظرية التي تحصل بالنَّظر والاستدلال، فإن قال قائل: ما هو الفرق بين العلوم الضَّرورية والعلوم النَّظرية؟ العلوم الضَّرورية التي لا تحتاج إلى أدنى تفكير أو تأمُّل، تُعرف بداهةً مثل أن السَّماء فوق الأرض، وأن الواحد نصف الاثنين، فهذه معرفتها تهجم على العقل هجوماً ولا تحتاج إلى أدنى نظر أو تأمُّل أو نظر، هذه العلوم الضرورية، العلم بالممكنات عقلاً والواجبات عقلاً والممتنعات عقلاً، فمثلاً: يمتنع عقلاً أن يوجد شَخصٌ لا حيٌّ ولا ميتٌ، يمتنع أن يكون هناك شيءٌ لا موجود ولا معدوم، هذا ممتنع، وأما الواجب عقلاً فمثلاً القدرة على الخلق هذا هو شيء يجب عقلاً أن يوجد، وأما بالنسبة للعلوم النظرية التي تحصل بالنَّظر والاستدلال فالنَّاس يتفاوتون فيها، ويتفاضلون فهذه تحتاج إلى تفكير وتأمّل مثل الحساب والاستنباط والقياس، وهذه الأشياء التي تكون في الحياة الدنيا مما يحتاج إلى نظر أو ضبط.
والمعنى الرابع الذي يُطلق عليه العقل: الأعمال التي تكون بموجب العلم، ولذلك قال الأصمعي: "العقل هو الإمساك عن القبيح، وقصر النفس وحبسها على الحسن" [المخصص ، لابن سيده: 1/250].
فإذا قلت: هذا عنده عقلٌ يحبسه عن ما يَشينه، ويلزمه ما يليق، فتقول: هذا صاحب عقل عنده عقل، إنسان عاقل لا يفعل الأشياء المشينة، وفي نفس الوقت يحمل نفسه على الأشياء اللّائقة والطَّيبة التي عنده عقل، فإذاً كل هذه المعاني المتقدمة للعقل، وبعض الفلاسفة قصرُوه على العلوم الضَّرورية فقط، وقالوا كلامهم كله في الواجبات والممتنعات والممكنات، وفي كل معاني العقل المتقدِّمة لا يوصف بأنَّه قائمٌ بنفسه، فإذا قال قائل: هل يمكن أن يوجد عقلٌ قائم بنفسه؟ نقول: لا يمكن، وكلام الفلاسفة أنه ممكن وما شايعهم من المتكلمين، بل العقل صفة.
تفاوت العقول من شخص إلى آخر:
00:05:36
القوة المُدركة عند الإنسان هذا العقل فمنها ما هو غريزي ومنها ما هو مكتَسب، فالعقل ليس قائماً بنفسه وإنما يقوم بالعاقل، فلا يتصور عقل من غير عاقل، واللهُ عزَّ وجلَّ قد فاوت بين العقول، ومن زَعَم أنَّ النَّاس سواء في العقل، وأنَّه متوزِّعٌ عليهم توزيعاً متساوياً فكلامه خاطئ، وهذا هذا مذهب المعتزلة والأشاعرة والفلاسفة، يقولون العقل عند النَّاس واحد ولا يقبل التفاوت، حتى قال ديكار: "العقل هو أحسن الأشياء توزعاً بين الناس بالتساوي، إلى أن قال: إن اختلاف آرائنا لا ينشأ من أن البعض أعقل من البعض الآخر"، وهذا مكابرة، ومعاندة للواقع، كيف يكون أنَّه لا يوجد تفاوت وأن اختلاف الآراء لا ينشأ من أن بعض الناس أعقل من بعض، فالحق أن يُقَال: إنَّ العُقول تتفَاوت من شخص إلى آخر، بل قد يحصل هذا التفاوت في الشخص الواحد تأتي عليه فترة يكون أعقل من فترة، وقد قال الشاطبي رحمه الله: "فالإنسان وإن زعم في الأمر أنه أدركه وقتله علماً. لا يأتي عليه الزَّمان إلا وقد عقل فيه ما لم يكن قد عقل -يعني من قبل- وأدرك من علمه ما لم يكن أدرك قبل ذلك، كل أحد يشاهد ذلك من نفسه عياناً، لا يختص ذلك عنده بمعلوم دون معلوم" [الاعتصام: 2/74].
فأصحاب دعوة حرية المرأة والمساواة هؤلاء يقولون: إن المرأة لا تُولَد امرأة، بل النَّاس هم الذين يتصرَّفون معها تصرفاً يجعلها امرأةً، ولا هي مثلُ الرَّجل، عقلاً وقوة وكل شيء، فهذه مكابرة، فمِن الأدلَّة عند أهل السنة أن العقول تتفاوت بين العباد، وأن بعضهم أقلّ عقلاً من بعض، ونرد به على دعاة مساواة الجنسين حديث عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم:  ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهل للب الرجل الحازم من إحداكن  [رواه البخاري: 304].
إذاً تفَاوُت بين الخلق في العقل، وهذا التفاوت من الزِّيادة والنقصان المثبَت بالنّصوص يُثبِت أنَّ هذا التفاوت غريزيٌ أيضاً؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قرَّر أن جنس النِّساء فيه نقصان العقل بالنسبة للرِّجال، وهذا لا يكون إلا بالغريزة التي خلقهنَّ الله بها، وليس في الجانب الكسبي، بعض الناس يقول: الناس إذا تفاوتوا يكون التفاوت لأجل أنَّ هذا تعلَّم أكثر من هذا، أو تدرَّب أكثر من هذا، وهذا غير صحيح، حتى في أصل الخلقة أُناس عقولهم أقل من أناس في أصل الخلقة، ولو عرضناهم كلَّهم في نفس المستوى من التدريب والتعليم فلن يصبحوا سواء، فبعضهم يفهم ويعقل أكثر وعنده حكمة أكثر، وعنده عقل أكثر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الصحيح الذي عليه جماهير أهل السنة وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد وأصح الروايتين عنه وقول أكثر أصحابه أن العلم والعقل ونحوهما يقبل الزيادة والنقصان" [مجموع الفتاوى:10/ 722].
أين يقع العقل؟
00:10:07
هناك مسألة ليست رُبما من صميم البحث لكنَّها يكثر الكلام عنها، أين مكان العقل في الإنسان؟ اختلف أهل العلم في مكان العقل من جسم الإنسان فذهب بعضهم إلى أن العقل محله الدماغ أي الرأس، ودليلُهم أن الإنسان لو ضُرب ضربةً قويةً على رأسه زال عقله، وأنَّ العرب تقول للشخص العاقل شديد العقل أنَّه وافر الدماغ، وتقول لضعيف العقل خفيف الدماغ، وذهب المالكية والشافعية وبعض الحنابلة إلى أن العقل محله القلب، ونُسب ذلك إلى الأطباء، واستدل الذين يقولون من علماء الإسلام بأنَّ العقل في القلب بقول الله تعالى:  فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا  [الحج: 46].
فإذاً مكان العقل في القلب، ما الذي يعقل؟ القلب هو الذي يعقل، والعقل قائم بالقلب، فأضاف منفعة كل عضو إليه؛ لأنه قال في الآية  فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا  [الحج: 46].
فمنفعة القلب إذاً أن يعقل، كما أن منفعة الأذن أن تسمع، وقد تقدم في كلام عمر رضي الله عنه عن ابن عباس: "إن له لساناً سؤلا وقلباً عقولاً". [المعجم الكبير: 10620].
ولعل التحقيق في هذه المسألة الذي يجمع بين الأمرين لأن كل منهما له حظ من النظر، وفعلاً كأنه ضرب على دماغه يذهب عقله، وقد يذهب ذهاباً نهائياً، أن يقال الخلاصة: أن العقل له تعلُّق بالدماغ والقلب معاً حيث يكون مبدأ الفكر والنَّظر في الدماغ، ومبدأ الإرادة والقصد في القلب، فإذا أراد الإنسان فإنَّه لا يريد إلا بتصور المراد، وهذا يكون في الدماغ. ولهذا يمكن أن يقال: إن القلب موطن الهداية والدماغ موطن الفكر، وقد يوجد في الناس من فقد عقل الهداية الذي محلها القلب ولكن عنده عقل الفكر الذي محله الدماغ، كما يمكن أن يوجد الأصل، فهناك أناسٌ مفكرون عظماء لكنهم من أهل النار ضُلّالٌ كفرةٌ مشركون، ليس عندهم توحيد، فالعقل بين الإسلام والمذاهب الضالة قضية كبيرة ضلت في الأمم الغابرة، وتاهت في الدَّيَاجير في الظلمات يبتغون الوصول إلى الحق واليقين، فمنهم من جنح لناحية الحسِّ فلا يصدق إلا بالحسِّ ويخضع له، ويُعرض عن ما سواه، هؤلاء أصحاب النزعة الحسية، ومنهم من جنح إلى العقل فحكَّمه في أمره كُلِّه حتى قالوا: إنه هو الوجود الحقيقي، حتى قال بعضهم: الخالق هو العقل الفعَّال، الذي خلق الكون، وكان العالم الأُوروبي يتخبط باحثاً عن وسيلة للمعرفة الحقّة، ونشأت المذاهب الفلسفية المتعدِّدَة والمتصارعة من غير أن يَقعُوا على طريقة سواء.
كيف الوصول إلى المعرفة في الإسلام؟
00:14:09
وأمَّا الإسلام فقد اعتمد في الوصول إلى المعرفة، طريقتين: طريق الوحي: وهو الخبر الصادق عن الله تعالى، فكل ما جاء منه تعالى فهو الحق واليقين، والثاني: طريق التجربة. فإما أن نعرفها بالوحي، كتفاصيل الجنَّة والنَّار، وأنَّ في  الجنَّة  غلمان مخلدون، وكذلك صفات الله وأن لله عز وجل وجهٌ وأصابع إلى آخره، والطريقة الثانية للمعرفة في الإسلام: التَّجربة الجَامعة بين الحسِّ والعَقل، الأشياء المحسُوسَة والتَّفكير والنَّظر في العقل، وهنا تظهر وسيطةُ هذا الدين، واللهُ عزَّ وجلَّ قد أشار إلى هذا بقوله:  أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ  [يوسف:109]. فبالسير في الأرض تتكوَّن الصَّور الحسيَّة لآثار السابقين من خراب الديار وذهاب العمار بعد أن كانوا أكثر قوةً وجمعاً، وهذا كيف يُدرك ؟ بالحس وبالنظر، ثم بعد يأتي دور العقل لينظر في هذا العطاء الحسيِّ الذي اُكتسب بالحواس فيفحصه، ويربط بين أجزاءِه، ويستنتج منه، ويقيس الغائب على الشاهد والنظير على النظير، والفرع على الأصل إلى غير ذلك من مهمات العقل، ويخرج بالنتيجة وهي أنَّ الدنيا فانيةٌ والآخرة باقيةٌ إلى آخره، فهكذا يكون استعمال الإنسان حسَّه وعقلَه عندما يمرُّ على ديار الذين ظلموا أنفسهم، لو رآها يخرج بالعبرة، وقد أشار القرآن الكريم في أكثر من موضع في وسائل المعرفة، مادحاً للمتعاطين لها، الواقفين عند استعمالها ونتائجها، فقال عز وجل:  أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:44]. يعني: لو كانوا يسمعون ويعقِلون ويستفيدون ما أعطاهم الله تعالى.
استعمال العقل:
00:16:58
 المنهج الإسلامي في تحصيل المعرفة: الوحي، الذي هو مصدر الأشياء الغيبية على سبيل المثال: ليس لها مصدر إلا الوحي لا عقلٌ ولا حسٌ، هذه الأشياء الغيبية، مصدرها الوحي، والأشياء المرئية المسموعة الموجودة في الدنيا الحواس: السمع، البصر، اللمس، الشم، الذوق، إلى آخره، لها تعلُّقٌ بها تُدرَك بالحواس، وعلى العقل يُفَكِّر فيها ويستنبط ويستخرج، هذه يستعمل فيها الإنسان حسَّه وعقلَه، وقد أنتج المسلمون إنتاجاً عظيماً باستعمال ما أتى به الإسلام، حارب الجاهلية والخرافات والتطير والأشياء المنافية للحسِّ والعقل، فالجاهلية عندها أشياء منافية للحسِّ والعقل، فالإسلام حارب هذه الخرافات، ووجَّه المسلم يشتغل في الدنيا بحسِّه وعقلِه، ويكتشف ويخترع ويطوِّر، فتفاصيل العبادات ومعرفة عدد ركعات الصلوات وأنصبة الزكاة، وقسمة المواريث، كلُّ هذا مردُّه للشِّرع وما في الجنة والنار، وكيف صِفَة حوض النبيِّ عليه الصلاة والسَّلام، فهذا كُلُّه بالوحي، ولا يُدرَك لا بالعقل ولا بالحسِّ، فطوَّر المسلمون أشياء كثيرة، تقدَّمُوا في جانب الدِّين فأقاموا ديناً عالمياً ودولة خلافة أسعدت النَّاس، وفي المجال الدنيوي بالحس والعقل تقدَّموا وتطوَّروا واخترعوا ورتبوا، ولهم صناعات وكتابات ودخلوا في علوم الرياضيات والطب وطوَّروها، وقد استفادت أوروبا من هذا المنهج التجريبي لما اتصلت بالحضارة الإسلامية، ولكنهم قوم بُهمٌ على عادتهم ينسبون الفضل إلى غير أهله، فيقولون: المنهج التجريبي أسَّسَّه روجر ديكون أو فرانسيس بيكون ونحو ذلك، مع أن المنهج التجريبي في العلوم أسَّسَّه المسلمون، وهذا ما يقوله منصفوهم، كما اعترف بذلك بعضهم أن المنهج التجريبي استفادته أوروبا من العالم الإسلامي.
بدعة تقديم العقل على النقل:
00:19:33
 لكن بعض المسلمين نتيجة الفتوحات، واتساع رقعة الدولة الإسلامية، واحتكاكهم بأقوام آخرين من أمثال اليونان، وترجمة الكتب التي كانت موجودة في الخزائن المقفولة، تأثر بعض المسلمين بأنماط الفكر الأجنبي وحاولوا إيجاد صيغة جديدة لها تتوافق مع الإسلام بزعمهم، فلما فتحُوا كُتبَ اليونان وجدوا فيها الفلسفة وعلم المنطق، أرادوا يأخذوا هذه ويجمعوا بينها وبين الإسلام، فأتوا بأشياء مشوهة منسوخة؛ لأن هذا البَاطل لا يتفِق مع ذلك الحقّ، وأرادوا الاعتماد على الحُجَج العقليَّة فقط بالرد على اليهود والنصارى وغيرهم، حتى زعم بعض المسلمين أن الحُجج التي في القرآن غير كافية، ولابُد نُحضِر من الأدلة العقلية أو علم المنطق والكلام  القاطع والبراهين المفحمة، نصَّ على ذلك بعضُهم مع الأسف، وقالوا: إنَّ الدّليل النَّقلي ظنِّي، فالآية والحديث دلالتها ظنِّية، أما العقل دلالته قطعية، ونشأت بدعة عظيمة في الإسلام كان لها آثار سيئة للغاية على المسلمين، وعندما قيل إن الدليل السمعي من الوحي، الكتاب والسُّنة ظَنِّي والدليل العقلي هو الدليل القطعي، ولذلك إذا تَعَارض عندهم دليلٌ سمعيٌ مع دليل عقلي، ماذا يقدمون؟ العقل، وأحدثوا في دين الله ما ليس منه، وهذه الطائفة هم الذين يسمون بالمتكلمين ومنهم المعتزلة والأشاعرة، ومَن شايَعهم من أصحاب الفرق الكلامية، فمثلاً المعتزلة قدَّسوا دَورَ العقل ورفَعوه فوق المنزلة التي جعله الله فيها، حتى جعل الإيمان والقرآن تابَعَين للعقل، وهو عندهم أصلٌ كليٌ مستغني عن القرآن يكفي هو وحده، في المقابل ظَهر المتصوِّفة فذموا العقلَ كُلَّه وعابوه وادَّعوا أنَّ كلَّ شيءٍ منه باطل، ولذلك تَجِدهم يذمون العقل ويمدحون الجُنون والسُّكر والوَلَه، فكلامهم فيه شطحات، وهذه الشطحات لا تكون إلا مع زوال العقل والتمييز، واعتبروا أنَّ السُّكر والوَلَه هي غاية رقيِّ الإنسان إذا وصل إليها، وأنه يكون في كامل الإيمان وأوَج اليقين والمقام الرفيع، ولازم أنَّ الواحد يغيب عن العقل حتى تحصل له العلوم والمعارف الإلهية والإيمانية وتفيض على أرواحهم من هذه المعارف.
العقل في مذهب أهل السُّنَّة والجماعة:
00:23:05
 وكان أهل السُّنة والجماعة بمذهبهم أو بمنهجهم المتميِّز وسطاً بين الفريقين، وجمعوا حسنات العقل والوحي وجعلوهما معاً لا تعارض بين هذا وهذا، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "العقل شرط في معرفة العلوم، وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، لكنه ليس مستقلاً بذلك". [مجموع الفتاوى: 3/339].
فهذا نقطة مهمة جداً في أن العقل لا يستقل بنفسه، وهذه من القواعد، بل هو غريزة في النَّفس وقوَّة مثل قوَّة البصر في العين، فإذا اتَّصل به نور الوحي والإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصلت بالشمس، كيف تكون الرؤية في ضوء الشمس؟ واضحةً تماماً، والعقل إذا اتَّصل بنور الوحي، تكون البصيرة والحكم على الأشياء واضحة تماماً، وإذا انفَرد العقل بنفسه لم يُبصِر الأمور التي يعجز وحده عن إدراكها، وما قاله الصوفية من ألغاء العقل كان بدعة وضلالاً، وما ذهب إليه هؤلاء المعتزلة والأشاعرة المتكلِّمُون من تقديس دور العقل كان ضلالاً وانحرافاً، والذين ذهبُوا من أهل الفلسفة والكلام إلى تمجيد العقل والرَّفع من شأنه لم يصلوا إلى شيء متفقٌ عليه، والإسلام قد جاء بتشريف العقل وتكريمه، لكنَّه لم يجعله شيئاً مستقِّلاً، وهؤلاء الذين يتحدثون عن قضية تقدِيس دور العقل هم أنفسهم هؤلاء، لما استعلموا عقولهم بمفردها لم يأتوا بجوابٍ واحدٍ في الأمر الواحد، وإنما أتَوا بأجوبةٍ مختلفةٍ في الأمر الواحد، حتى قال أبو محمد ابن قتيبة رحمه الله تعالى مببككاً على أهل الكلام قال: "وقد كان يجب مع ما يدعونه من معرفة القياس وإعداد آلات النظر أن لا يختلفوا كما اختلف الحُساب والمُساح والمهندسون؛ لأن آلاتهم لا تدل إلا على عدد واحد وإلا على شكل واحد، فما بالهم أكثر الناس اختلافاً لا يجتمع اثنان من بؤسائهم على أمر واحد في الدين" [تأويل مختلف الحديث: 14].
هؤلاء أصحاب الآلات نتيجتهم واحدة، لما انفرد أصحاب العقول بعقولهم في الشيء الواحد تكلَّموا فيه أتَوا بأشياء مختلفة، ولم يتماثلوا في إجاباتهم كما يتماثل أصحاب الآلات، وهذا شأن كلّ من أعرض عن الكِتاب والسُّنة وجعل العقل مستقلاً وحده، قال تعالى:  فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ  [البقرة: 137].
خلاف، وهؤلاء أصحاب العقل هم في شقاق، الذين جعلوا العقل وحده دون الوحي.
تكريم الإسلام للعقل:
00:27:19
 الإسلام قد كرَّم العقل، وجعله مناطاً للتّكليف عند الإنسان، وجعله ينظر فيه، ويتفكر في النفس والكون والآفاق، ويتَعِظ ويعتبر، ويُسخِّر نعم الله تعالى ويستفيد منه، ومن تكريم الإسلام للعقل ما جاء في الكتاب العزيز أن الله خَصَّ أصحاب العقول بالمعرفة التامة بمقاصد العبادة، وحكم التشريع، فقال بعد أن ذكر جملةً من أحكام الحج: وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة: 197]، وقال لما ذكر أحكام القصاص:  وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ  [البقرة: 179].
ثانياً: قصَّر سبحانه وتعالى الانتفاع بالذكر والموعظة على أصحاب العقول فقال:  وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ  [البقرة: 269]، وقال:  لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ  [يوسف: 111].
وذكَر اللهُ تعالى أصحاب العقول، وجمَع لهم النظر في ملكوته، والتفكر في آلائه مع دوام ذكره ومراقبته وعبادته كما قال عز وجل:  إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ  [آل عمران: 190-191].
أما الذين اعتمدوا على العقل طريقاً لمعرفة الحق واليقين مع الإعراض عن الوحي،  كما هي حال الفلاسفة، فلم يَصِلُوا إلى شيء، وإنما وصلوا إلى التَّيه والضَّلال والحيرة، أما أهل العلم والإيمان فينظرون في ملكوت الله وخلقه، والسموات والأرض نظراً يستَحضِر عندهم اتعاظاً، ويستَجلِب التَّذكر، ومعرفة الله عز وجل، وزيادة الإيمان فهو الذي له الخلق والأمر سبحانه وتعالى.
وقد ذم الله الذين قلدوا آبائهم وألغوا عقولهم فقال:  وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ  [البقرة:170].
وكذلك خامساً: من تكريم نظرة الإسلام للعقل: أن الإسلام حرَّم الاعتداء على العقل، فأيُّ شيءٍ يُعطِّله أو يُنقصه، فمثلاً حُرِّم المُسكرت والمفترات، وكل ما خامر العقل وغطاه، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  [المائدة:90].
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومُفتر. [رواه أحمد: 26634، وأبو داود: 3688، وضعّفه الألباني في سنن أبي داود: 3688]. رواه أبو داود وبعض أهل العلم حسنه، الدِّيَة كاملةٌ في العَقل، لو أحدٌ اعتدى على آخر، ضربه ففَقِد عقله، أصبح مجنوناً، يُعطِى دِيةً كاملةً، كأنَّه قتله، دية العقل إذا زال بالكلية دية كاملة، ليست نصف دية ولا ربع دية، وإنما دية كاملة.
سادساً: شدَّد الإسلامُ في تعاطي ما ينافي العقل، حتى من ناحية منهجيَّة التَّفكير؛ كالتَّطَيُّر والتَّشاؤم، وما علاقته الرَّقم "ثلاثة عشر" بالشَّقاء والتَّعاسة، كقولهم: يكون حَظُّ الشَّخص سَيِّءٌ ونحو ذلك؟ فلا توجد أيُّ علاقة، هذا يُخالف العَقل السَّليم، ولذلك جعل الله التَّطيُّر والتشاؤم وإتيان الكُهَّان وادِّعاء علم الغيب حراما؛ لأنَّ كلَّ هذا يتنَافى مع العقل تنافياً واضحاً جداً، ولذلك حرَّمَه، كل خرافة  لا غول ولا صفر  [رواه مسلم: 2222].
ولذلك كل ما كان من اعتقادات باطلة؛ كاعتقادات العرب في الجن، أو الوحوش، تتغيَّر وتتلون وتضلهم عن الطريق وتهلكهم، كما كانوا يعتقدون في الغول، كله اعتقادات باطلة. فالجن موجودون نعرفهم، لهم أذى وشرٌّ لكن فَرقٌ بين هذا وبين الاعتقادات الأخرى التي اخترعها هؤلاء العرب وجَرُوا عليها، وكذلك قضية التَّنجيم، ما علاقة ذهاب كوكب من مكان إلى مكان بحوادث تحدث على الأرض؟ لا علاقة، بل هذا يتنافى مع منهج العقل السَّليم.
مجالات العمل العقلي:
00:31:54
 إنَّ العقل في الإنسان من صفات كماله أن يكون عاقلاً وعنده عقل، لكن له حدودٌ لا يتجاوزها وقدرٌ لا يتخطَّاه، والإنسان هو نفسه مخلوق وعقله مخلوق، وإذا كان هو ضعيفاً فعقله فيه ضعفٌ أيضاً، ولذلك فإنَّ هناك أشياء لا يدركها العقل، فلو قال قائل: إلى أي حد نستعمل العقل؟ وإلى أي حد ممكن يصل؟ فنقول: لا يمكن يتعدَّى على المحسوسات، بمعنى: لو دخلت في عالم غيبيات فليس للعقل أي دور في الاستنباط والتفكير إطلاقاً، فلا يُدرك الغيبيات، ولو كان العقل يُدرك الغيبيات لتساوى البشر مع الله في العلم في علم الغيب، وكذلك فإن الإدراك وهو العلم بتفاصيل الأمور والصفات والأحوال والأفعال والأحكام ليس إلا لله تعالى، ولا يمكن العقل في قصوره وضعفه أن يستخرج هذه الأشياء، ولنأخذ مثلاً على ذلك: الروح التي هي سِرُّ الحياة، إذا مات الإنسان خرجت روحه، وكذلك إذا نام، لكن لا تنفصل عنه انفصالاً كلياً، ويمكن تقطع المسافات الشاسعة وتذهب إلى البلاد النائية وتفعل من الأعاجيب ما لا يَخطُر بالبال، لكن لا نعرف كيفيتها، لا شكلها ولا طعمها ولا منظرها ولا وزنها، ولا نعرف عنها ولا عن حدودها شيئاً  قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي  [الإسراء: 85].
الله عزَّ وجلَّ أخبرنا في الكتاب والسُّنَّة بأشياء عن الروح فقط، فالذي نعرفه ما أخبرنا الله به، أخبر أنها تصعد وتنزل وأنها تذهب وتجيء، ولا  نعرف عنها إلا ما أخبرنا الله به، فإذاً مجال العقل هو العلوم الضرورية والنَّظرية، لكن ليس مجالها العلوم الغيبية، يمكن أن يُدرك العقل ما في الطبيعة؛ كالرياضيات، والطب، والصناعات إلى آخره،  وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ  [النحل: 16].
خَلقَ لهم علامات، وأمرهم أن يتوجهوا إلى القبلة، يستعملوا عقولهم في استخدام العلامات في التوجه إلى القبلة.
موقف العقل من الاعتقادات:
ما هو موقف العقل في الأشياء الاعتقادية؟ والعلوم التي لا تدركها العقول مثل مسائل الاعتقاد ولاسيما التفصيل منها، لا يمكن أنَّ العقل يعلمها لولا مجيء الوحي، فالمسائل الكبار معروفة بالعقل، لكن التفاصيل والجزئيات لا يمكن تكون معروفة بالعقل، أما مسألة وجود الله ممكن تُعرف بالعقل والفطرة فطَرَ الله النَّاس عليها، لكن تفاصيل الوحي لا تعرف بمجرد العقل، مثلاً حوض النبي صلى الله عليه وسلم كيف نعرف شكله؟ وما لون الماء الذي فيه؟ وأنَّ طعمه أحلى من العسل؟ وأنَّ فيه كيزان وأنها عدد نجوم السماء؟ وأنه يصب فيه ميزاب من الجنة من نهر الكوثر؟ كل هذه التفاصيل لا يمكن نعرفها؛ لأنها من أمور الغيب، فلا يمكن معرفتها بالعقل، ولابد من أن نرجع إلى الوحي، فكثير من مسائل الاعتقاد إذاً لا تدرك العقول حقيقتها وكيفياتها، وإن كان العقل عرف التفاصيل من الوحي فلا زال غير قادر على تخيُّل الكيفية والصفة، فلو أن الله عز وجل ما أخبرنا أن له وجه ويدان وأصابع سبحانه وتعالى كما جاء في السنة وغير ذلك، وله سمع وبصر، وله قدم، وله حقو كما أخبرنا، جاءت بذلك الآيات والأحاديث، وأنه يُرى في الآخرة، فلو ما أخبرنا بذلك لا نستطيع أن نعرف شيئاً من هذا، وبعد أن أخبرنا بذلك هل العقل فهم كل شيء؟ لا، فلا زالت القضية بالنسبة لنا معلومات نوقِن بها وعرفناها من جهة الشرع ومن جهة الوحي لكن لا نستطيع أن نتخيل الكيفية بعقولنا، فيمكن العقل أن يُدرك أن هناك شيء يغيب، ويُقرُّ به ولا يحيله، ولذلك فإنَّ من القواعد المهمة في العقل أن الرُّسل قد جاءت بمحيرات العقول لا بالمستحيلات، جاءوا بالمحالات ما يجيب لك فالشرع لا يأتي بشيءٍ مستحيل عقلاً، لكن ممكن يأتي بشيء يحير العقل، والعقل يعجز عن إدراكه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وكل واحد من وحدانية الربوبية والإلهية وإن كان معلوماً بالفطرة الضرورية البديهية وبالشرعية النبوية الإلهية فهو أيضاً معلوم بالأمثال المضروبة التي هي المقاييس العقلية" [مجموع الفتاوى: 2/37].
والقرآن جاء بالأدلة العقلية على أكمل وجه على أصول الدين من الإلاهيات والنبوات والسمعيات، "وليس في الكتاب والسنة وإجماع الأمة شيء يخالف العقل الصريح؛ لأن ما خالف العقل الصريح باطل، وليس في الكتاب والسنة والإجماع باطل، ولكن فيه ألفاظ قد لا يفهمها بعض الناس أو يفهمون منها فهماً باطلاً فالآفة منهم لا من الكتاب والسنة" [مجموع الفتاوى11/490].
فنحن نعرف أنَّ الله يُرى يوم القيامة سبحانه وتعالى، ونؤمن بذلك، ونؤمن بأن له وجهاً سبحانه وتعالى، وليس كوجه المخلوقين، ولكنننا لا نعرف الكيفية ولا يمكن أن نهتدي إليها، وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا  [طه:110].
القواعد المتعلقة بالنقل والعقل، وموقف العقل من النقل:
00:0041:15
 أولاً: لا يجوز وضع العقل في مقابل الشرع، فقد يقول بعضهم أنَّ عندنا شرع وعقل، وهذا تقسيم سيء جداً، لا يجوز؛ لأنك إذا جعلتهما متقابلين أوهمت الناس والسامعين أن العقل شيء والشرع شيء ثاني، وهذا خطأ، فالعبارة الصحيحة: العقل من الشرع، والعقل الصحيح دليل من أدلَّة الشرع، فلو سألت أحداً حتى لو كان كافراً وعنده عقل صحيح،  وقلت له: هل تستطيع أن تستنبط أنه يوجد هناك حساب يوم القيامة؟ ودار أخرى بعد الموت وفيها حساب؟ فهل يمكنه أن يستنبط ذلك من غير أدلة آيات وأحاديث؟ هذا ممكن، مثل وجود الله يُدركه العقل بدون الوحي، لكن لا يمكن يدرك تفاصيل ذلك، فلا يمكن يُدرك قضية تطاير الصحف، والتفاصيل المتعلقة إلا من جهة الوحي، طيب، فلا يجوز وضع العقل مقابل الشرع.
ثانياً: العقل الصَّريح لا يعارض النَّقل الصَّحيح، فلا تعارض بينهما في أي حال من الأحوال.
ثالثاً: إن الرسل جاؤوا بمحاراة العقول ولم يأتوا بمحالاة العقول، ولذلك لما قيل لأعرابي كيف عرفت أنَّه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأنَّه نبيٌ؟ قال: "لم يأمر بشيء فقال العقل ليته نهى عنه، ولم ينه عن شيء فقال العقل ليته أمر به" [مفتاح دار السعادة: 2/117].
يعني لما نظرت في الأوامر والنواهي التي جاء بها، لما أمر بالصلاة أو بالزكاة أو بالحج أو ببر الوالدين أو بصلة الرحم، أو بالأمر بالمعروف، فالعقل يؤيد ذلك ولا يعارضه، ولا يوجد شيء نهى عنه فقال العقل الصحيح ليته أمر به، فهو نهى عن الزنا عن السرقة وشرب الخمر ونكاح المحارم وإلى آخره، لا يمكن العقل الصحيح يقول ليته أمر بالزنا، وأمر باللواط، فعرفت حقاً أنه نبي.
رابعاً: أنَّ العقل قد يخفى عليه بعض ما جاء في الشَّرع فحقه في ذلك التَّسليم والانقياد، سواءً كان في جانب العبادات، مثلاً:  كيف يعرف العقل أنصبة الزكاة، وعدد ركعات الصلوات، وأنصبة المواريث بدون وحي؟ فالتَّفاصيل الغيبية لا يمكن معرفتها إلا من جهة الوحي، إذاً هناك أشياء لا دخل للعقل فيها، ولا يمكن أن يعرفها، فالوحي هو الذي يعرفها، ويأتي بها، وعلى العقل التسليم.
خامساً: العقل لا يمكنه معرفة تفاصيل الشَّرع استقلالاً مثل أنصبة الزكاة والمواريث، فإذاً العقل قد يخفى عليه بعض ما جاء في الشرع وحقه التسليم والانقياد، ولا يمكن يعرف تفاصيل الصفات إلا إذا دلَّه الوحي على ذلك، بخلاف المعتزلة، الذين قالوا: يمكن للعقل معرفة التفاصيل في الصفات والأسماء والشرائع وهذا ممتنع.
سادساً: أن العقل مع النقل كالعين مع ضوء الشمس، فإذا ضعُف أحدهما ضعف الإبصار، إذا كان كلاهما قويٌّ كان البصيرة قويَّة، وإذا كان حديث ضعيف أو موضوع أو أوهام وخرافات، دين خرافات، فالعقل كيف يتعامل مع الخرافات؟ ولو كان الدين الصحيح وهذا إنسان عقله مريض ومعوج ومنحرف فما الفائدة؟.
ملاحظة أخيرة لم يصح في فضل العقل حديثاً مستقل، وما أحسن قول الشاعر في قضية العلم والعقل الذي قال فيه:
علم العليم وعقل العاقل اختلافا *** من الذي منهما قد أكمل الشرفا
فالعقل قال أنا أحررت غايته *** لأنني بي رب الناس قد عُرفا
فأفصفح العلم إصفاحاً وقال له *** بأين الله في تنزله اتصفا

هل اتَّصف أنَّه عليم أو أنه عاقل؟
فبان للعقل أن العلم سيده *** فقبل العقل رأس العلم وانصرفوا

لا يوجد عقل بدون علم، فإذاً العلم سيد العقل، ابن تيمية رحمه الله ألف كتابه العظيم "درأ تعارض العقل والنقل" في الرد على هؤلاء العقلانيين وأهل الفلسفة والأشاعرة والمعتزلة وغيره، وليثبت أنَّه لا يوجد تعارض، يقولون: إذا تعارض العقل مع النقل نقدم العقل، فابن تيمية يثبت في كتابه أنَّه لا تعارض، فكرة مهمة جداً في الكتاب، أثبت ابن تيمية في الكتاب بالبراهين القاطعة أنَّه لا تعارض، وما يزعمه أولئك من التعارض مرض في عقولهم لا في النقل، فالله عزَّ وجلَّ أثبت أنَّه في جهة العلو، وجاءوا وقالوا: محصور! فأثبت لهم أنَّ العقل لا يحيل العلو، ولذلك أصحاب العقول الصحيحة يعرفون أنَّ الله في العلو، حتى الكافر إذا جائته مصيبة لا شعورياً يرفع رأسه وبصره إلى السماء، -وأنا رأيت ذلك- وهذا أصل الفطرة، وهو الدليل الأخير الذي نتحدث عنه في مصادر تلقي العقيدة المصادر الثانوية، فالعقل والفطرة دليلان مساندان ليسا مستقلين، العقل يحفظ هذا، دليل مساند وليس مستقل، والفطرة كذلك.
من مصادر تلقي العقيدة: الفطرة:
00:52:21
 والفطرة هي: ما فُطر عليه الإنسان، فالطفل المفطور على أنَّ الله في السماء، والإنسان إذا وجد في نفسه ضيقاً رفع يديه إلى السماء، فالنَّفوس مفطورة على محبة من أحسنَ إليها، هذه فطرةٌ حتى عند البهائم موجودة، فالولد يرضع من ثدي أمه بالفطرة، التي يسمونها أحياناً غريزة، فيعرف ثدي أمِّه ويرضع بما غرزه الله في نفسه بالفطرة، حتى عند الحيوانات فالحمل يخاف من الذئب، لم يُعلِّمه أحد، فأول ما يرى شكل الذئب يحاول الهرب، لماذا؟ بالفطرة.
تعريف الفطرة لغةً:
الفطرة: من فطر الشيء يفطره فطراً فانفطر، يعني: شقه، وتفطَّر تشقَّق، وقال تعالى:  إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ  [الانفطار: 1].
يعني: تشققت، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم الليل حتى تتفطر قدماه. [رواه البخاري: 4837].
يعني: تنشق، فطر الله الخلق يعني خلقهم وبدأهم، فالفطر كما أنه الشقق الفطر كذلك يُطلق على الاختراع والابتداع، كما قال تعالى:  الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ  [فاطر: 1].
يعني: خالق السموات والأرض ومبتدئهما عز وجل، وقال ابن عباس رضي الله عنه: كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها أنا بدأتها [تفسير ابن كثير: 1/46]. فعرف ابن عباس أن فاطر معناها بدأها فطرها يعني بدأها.
تعريف الفطرة اصطلاحاً:
والفطرة في الاصطلاح: هي الإسلام، ورد لفظ الفطرة في القرآن الكريم في آية واحدة يعني بمصدر وهي قوله تعالى:  فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ  [الروم:30]. والسنة ورد حديث:  كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه  [رواه البخاري: 1385، ومسلم: 2658].
كمثل البهيمة تُنتج البهيمة هل ترى فيها جدعاء، اقرءوا إن شئتم  فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ  [الروم:30].
مذاهب الناس في الفطرة:
ذهب الناس في الفطرة مذاهب:
قالوا: الفطرة هي الخِلقة التي عليها المولود، ولكن هذا كلام ناقص.
والقول بأن الفطرة هي السلامة من المعرفة والإنفاق، وهذا مذهب خطير، قالوا: الفطرة حياديَّة، لا تَعرف الله ولا تنكره، هذا قول وكلام خطأ، النبي صلى الله عليه وسلم قال:  فأبواه يهودانه أو ينصرانه  [رواه البخاري: 1385، ومسلم: 2658].
لماذا لم يقل: يسلمانه أو يمسلمانه؟ لأنه مفطور على الإسلام، ثم لو كانت الفطرة حيادية  لا معرفة الله ولا إنكار الله فلماذا مدح الله الفطرة في قوله:  فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا  [الروم:30]  فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم: 30].
وكذلك فإن مُجرّد خلق الطفل على حال حياديَّة كما يقولون، وتَمكُّنه من معرفة الرَّب إذا بلغ معناها، أنَّه ليس حنيفاً وهو صغير، كيف ذلك ونحن نرى أن بعض العلماء لما سُئِلوا عن إعتاق الرَّقبة في طفل صغير أذن بذلك؛ لأن من شرط الرَّقبة أن تكون مسلمةً، قال: هو مسلم، فالله فطره على الإسلام.
فقالوا في الفطرة أقوالاً كثيرة، ومنها: التَّمكُّن من المعرفة، وقالوا: إنَّ الفطرة الابتداء الذي خلقهم الله عليه من الحياة والموت والسَّعادة والشَّقاوة، ولكن الفطرة على الصحيح هي الإسلام، وهذا أشهر الأقوال، وأصحها، وهو المعروف عند عامَّة السَّلف حتى من أهل التأويل،  فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ  [الروم:30].
فالحافظ ابن كثير رحمه الله قال: "سدد وجهك، أقم وجهك سدد وجهك، واستمر على الدين الحنيفية ملة إبراهيم التي فطر الله الخلق عليها" [تفسير ابن كثير: 3/313].
والله فطرهم على توحيده، وأنه لا إله غيره، وهكذا.
وكذلك فإن قوله:  لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ  [الروم:30]. هذا خبر بمعنى الطلب، أي: جعلت فِطَر أولادكم سليمةً، لا تغيِّروها ولا تُبدلِّوها ولا تُحرِّفوها،  كل مولود يولد على الفطرة  [رواه البخاري: 1385، ومسلم: 2658].
يعني: على الإسلام، وفي رواية:  ما من مولود إلا وهو على الملة  [رواه مسلم: 2658]. وسأل أبي هريرة عن رجل عليه رقبة مؤمنة أيجزأُ عنه الصبي أن يعتقه وهو رضيع؟ قال: نعم، لأنه ولد على الفطرة يعني الإسلام. [التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: 18/76-77].
ومن مات أبواه وهما كافران يُحكم بإسلامه، كما قال الإمام أحمد رحمه الله. [فتح الباري: 3/248]. فالتغيير لملل الكفر دون ملة الإسلام، حيث لا يمكن له أن يتحوَّل عن الإسلام إلى غيره؛ لأنه مفطور عليه، فأبواه يهودانه وينقلانه إلى ملة أخرى، بوذية نصرانية مجوسية، فإذاً الفطرة هي: الإسلام، والله سبحانه وتعالى فطرَ الخلق على معرفته وتوحيده عز وجل، فالفطرة دالَّةٌ على توحيد الربوبية، وكذلك فإن الفطرة دالَّةٌ على توحيد الأسماء والصفات بالجملة، فالخلق مفطورون على أنَّ الله أجلَّ وأكبر وأعظم وأعلى وأعلم وأكمل من كل شيء، هذا في فِطر الناس، فلا يستطيع أحدٌ يعرف أنَّ لله  وجه أو أنَّ لله يدين لكن يعرف بالفطرة أنَّ الله أكمل وأعلم وأعلى وأعظم فهذه بالفطرة كلها، أما تفاصيل الصفات لا تُدرك إلا بالوحي، وكذلك فإن الناس مفطورين على الإقرار بوجود الله عز وجل، والفطرة تدلُّ على صفة العلو أيضاً؛ لأن الإنسان كما ذكرنا عند الأعراب والعجائز والصبيان حتى الكفار بطباعهم وقلوبهم سليمة إذا قيل لهم أين الله، أو صار بهم ضرٌّ ارتفعت أبصارهم إلى جهة العلو، قال شيخ الإسلام: "وأكثر الفطر السليمة إذا ذُكر لهم قول النفاة بادروا بتجهيلهم وتكفيرهم" [درء تعارض العقل والنقل: 3/281].
يعني: حتى اليهودي والنصراني يُجهِّل الأشعري الذي يقول: إن الله في كل مكان، يجهِّله يقول هذا جاهل، أما الله فوق.
الفطرة تدلُّ على توحيد الألوهية:
الفطرة تدل على توحيد الألوهية؛ لأنَّ الفطرة تأبى أن يكون هناك صانعان وخالقان يُقصدان معاً بالعبادة، الفطرة تتِّجه إلى عبادة شيءٍ واحد، لا تقبل توزيع العبادة، لكن الناس هم الذين يجعلون أولادَهم مُشركين، ويُربُّونهم على الشِّرك، والإنسان من البيئة السيئة يُولد على الشِّرك ويتأثر به، ويعتقد الشِّرك ويواظب عليه، ولا يرى في سؤال المقبور وعبادة المقبور خطأً أو عيباً أو ذماً ونحو ذلك ويصير له ديناً.
وبعد أن عرفنا مصادر تلقي العقيدة عند السلف، فما هو موقف الفِرَق في قضية مصادر تلقي العقيدة؟
موقف الفِرَق من مصادر تلقي العقيدة:
00:62:14
 الفِرَق اضطَربت كثيراً في قضية المصادر، فمثلاً الخوارج يُعظِّمون القرآن، لكنهم لا يفهمونه  على وجهه، ولا على فهم السلف، ولا يرون اتِّباع السُّنَّة التي تخالف القرآن في ظنِّهم، فالإجماع المنقول عنهم أنهم ينكرونها، أقوالهم اختلفت في قضية العقل وقضية الفطرة.
مَوقِفهم من القرآن:
بالنسبة للرَّافضة فالقول عنهم بتحريف القرآن والزيادة والنقص فيه واضح، ومؤلفاتهم في ذلك معروفة، مثل كتاب فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب للطُبرسي، هذا ألَّف كتاباً وهو منهم يُثبت تحريف القرآن، إذاً عقديتهم فيه -أو على الأقل- عقيدة بعضهم في القرآن أنَّه مُحرَّف، وكذلك نعمة الله الجزائري الرافضيّ من فقهاء الإماميَّة بزعمهم نقل في كتابه قائلاً: "إن الأصحاب، يعني: أصحابه، قد أطبقوا على صحة الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن". [الأنوار: 2/357- 358].
وهكذا عقد محمد بن حيدر الخرساني من معاصريهم الفصل الثالث عشر في مقدمة تفسيره، في وقوع الزيادة والنَّقيصَة والتَّقديم والتَّأخير والتَّحريف والتَّغيير في القرآن الذي بين أظهرنا، في كتابه بيان السعادة في مقام العبادة.
مَوقِفهم من السُّنَّة:
أما بالنُّسبَة للسُّنَّة النَّبويَّة فمعروفٌ أنَّهم يُنكرون جُلَّها؛ لأنَّها عن الصَّحابة الذين كفَّروا أكثرَهم، ووضعوا بدلاً من ذلك الكافي للكليبي.
مَوقِفهم من الإجماع:
بالنُّسبة للإجماع يعتقدون في كتب أصولهم بعدم إمكانه.
مَوقِفهم من العقل:
وكذلك بالنُّسبَة للعقل اختَلَفَت أنظارُهم فيه، فبعض فِرَقهم كغلاة السبأيِّة والغرابية والخطَّابية يحضرون الاجتهاد، ولا يُقيمون للعقل وزناً، والإماميَّة افترقوا على قسمين: الأصوليون رفعوا العقل إلى مرتبة الدليل، والأخباريون اقتصروا على الأخبار الواردة في كتبهم الموثوقة بزعمهم، وأما بالنُّسبة لمصادر التلقي يقول الرافضيُّ: الأئمَّة المعصومون مصادر تَلَقِّي، وأنَّ الإمام مصدر تلقي، وهذا من الاختلافات الجذرية بيننا وبينهم، إذا كان التَّشريع عندنا انتهى بوفاة النَّبي عليه الصلاة والسلام فالتشريع عندهم استمر إلى سنة 260هـ لما دخل آخرُ واحدٍ في السرداب.
موقف المعتزل من القرآن:
بالنُّسبة للمعتزلة: القرآن عندهم من جملة الدلائل، لكنهم نصَّبوا العقل حاكماً على النَّقل وهذه بليَّتهم الأساسية كما صرَّح به عبد الجبار الهمداني، وهو أكبر معتزلي، وأكبر مؤصِّل لمذهبهم، وكذلك القِلَّة ينكرون السُّنَّة إذا خالفت العقل، والعقل عندهم هو الأصل كما تقدَّم، وهم من أشدِّ الناس انحرافاً فيه.
موقف الأشاعرة من القرآن:
والأشاعرة يقولون بحجية القرآن لكن جمهورهم وافقوا المعتزلة في اعتقادهم؛ لأن الدَّليل النَّقلي: القرآن والسُّنة لا يفيد اليقين، وأن البراهين العقلية تفيد اليقين، وأما السُّنة فنعرف فيها أنهم لا يعتقدون بخبر الآحاد، ولا يرونه حجة في العقيدة.
موقف الصُّوفية من مصادر التلقي في العقيدة:
وأما بالنُّسبة للصُّوفية فهذا بحثٌ مستقِّلٌ، والصوفية فيها سِعَة