السبت 17 ربيع الآخر 1441 هـ :: 14 ديسمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

ضوابط في توحيد الألوهية والتوسل 2


عناصر المادة
ضوابط في توحيد الألوهية:
صور الدعاء والاستغاثة:
الضابط السابع والثامن:
الضابط التاسع: المحبة الشركة هي التي تستوجب الذل التام، والخضوع، وكمال التعظيم، والانقياد.
الضابط العاشر: تحقيق التوحيد، يتضمن تحقيق أصله، وكماله الواجب، وكماله المستحب.
الضابط العاشر والحادي عشر:
أنواع التوحيد متلازمة لا ينفك أحدها عن الآخر:
ضوابط في الأسماء والصفات:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
ضوابط في توحيد الألوهية:
00:00:21
 فقد تقدم من الضوابط والقواعد في توحيد الربوبية والإلهية أن العبادة هي الغاية من خلق الخلق، كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56].
القاعدة الثانية: لا تكون العبادة عبادة إلا باجتماع كمال الحب وكمال الخضوع، فمناطها هو هذا، ولذلك قال بعض السلف: "من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري"، يعني من الخوارج، "ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد". [العبودية: 37].
القاعدة الثالثة: لا تقبل العبادة إلا بالإخلاص والمتابعة،  فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا  [الكهف:110].
الرابعة: كل ما ثبت أنه عبادة فصرفه لله توحيد، وصرفه لغيره شرك.
الخامسة: سؤال غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله شرك، وله صور كثيرة: فقد يسأل ميتًا، وقد يسأل حيًا، وقد يكون حاضرًا عنده، وقد يكون غائبًا، وقد يكون السؤال فيما يقدر عليه، وقد يكون فيما لا يقدر عليه، وقد يكون السؤال دعاء له، وقد يكون بطلب الدعاء منه.
صور الدعاء والاستغاثة:
00:02:00
 وعلى هذا فلدينا صور يمكن أن نلخصها في سبع صور:
الأولى: دعاء الميت والاستغاثة به، وسؤاله العون، والغوث، والمدد، ونحو ذلك شرك أكبر، سواء كان الميت نبيًا، أو وليًا، أو غير ذلك، ولا فرق في هذا بين أن يكون الميت بحضرة الداعي، أو بعيدًا عنه، لأن الداعي دعا غير الله، وتعلق قلبه بغير الله، واستغاث بغير الله، وإذا دعا ميتًا بعيدا فقد أضاف إلى ذلك اعتقاد أن هذا أيضاً على البعد يسمع ويجيب، فهذه أشد، وإن كان أصلا الميت لا يسمع حتى من قرب، كما قال تعالى:  وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ  [فاطر: 22]، وقال: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [النمل: 80].
ومن أمثلة هذه الأدعية الشركية: كقول بعضهم: يا سيدي اقض حاجتي، واكشف كربتي، وأغثني، وانصرني، وارحمني، وأستجير بك اشف مريضي، ونحو ذلك.
الصورة الثانية: أن يطلب من الميت، وهو غائب أن يدعو له، وهذا النوع لا يختلف المسلمون بأنه شرك أكبر، وأنه من جنس شرك النصارى في مريم وابنها عليهما السلام بدعائهما، وأنهما يعلمان ما يفعله العباد على حسب مزاعم النصارى.
الثالثة: أن يطلب من الميت، وهو بحضرة قبره أن يدعو الله له. فهو لا يقول: أجرني، وأغثني، وارزقني، واشفني، والمدد منك، وأعني، وفرج كربتي، هو لا يسأل الميت أن يفعل له، هو يسأل الميت أن يدعو الله له، فما حكم هذه الصورة؟ ومثالها قول بعض هؤلاء عند القبور: يا فلان ادع الله لي بكذا، يا فلان اشفع لي عند الله، فلا شك أن هذه وسيلة مفضية إلى الشرك، وأنه من سؤال غير الله، وهذه وساطة بدعية، ودعاء للأموات وصرف القلوب عن الله -تعالى- لماذا تجعل الواسطة ادع الله مباشرة، لماذا تسأل ميتًا أن يسأل لك.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: "وهذه الأمور المبتدعة مراتب أبعدها عن الشرع أن يسأل الميت حاجة، افعل لي، أو يستغيث به فيها، كما يفعله كثير من الناس بكثير من الأموات، وهو من جنس عبادة الأصنام
المرتبة الثانية: أن يظن أن الدعاء عند قبره مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت، فهذا أيضاً من المنكرات المبتدعة باتفاق المسلمين". [تلخيص كتابة الاستغاثة: 1/145].
وإن كنا لا نقول في هذه الصورة أنه كفر أو شرك مخرج عن الملة، لكنه غلو ووسيلة للشرك، لأنه يقول: أنا أعتقد أن الدعاء عند القبر مستجاب، أو أقرب إلى الله، أو فيه ميزة، صحيح أن هذا بحد ذاته ليس شركًا مخرجًا عن الملة، لكن وسيلة للشرك، ستتطور الأمور، هو الآن يدعو الله في المقبرة باعتقاد أن الدعاء عند القبر أو عند هذا الولي يرجا أكثر استجابته، ولذلك فهي حرام باتفاق المسلمين".
قال ابن تيمية: "من المنكرات المبتدعة"، ليس من هذا النوع أننا إذا دفنا الميت عملنا بالسنة، ودعونا الله للميت، ليس من هذا النوع إذا زرنا المقبرة، وقلنا: السلام عليكم دار قوم مؤمنين  [مسلم: 249]، وأتى الواحد منا قبر أبيه فجعل القبر بينه وبين القبلة ودعا لأن هذه زيارة قبور مشروعة، والدعاء للأموات مشروع، ولا يعتقد الزائر للمقبرة زيارة سنية أن الدعاء عند المقبرة أرجا من الدعاء في المسجد، أو أقرب إلى الله؛ لأن البدعة تلك يأتي القبر ويدعو حتى ولو لغير المقبور الميت، هو يعتقد يقول: المقبرة هذه أو الدعاء عند القبر الفلاني أرجا في الإجابة حتى لو كان الداعي هذا يسأل لنفسه، ولا يدعو للميت، ولذلك بعض الناس يأتي قبر النبي عليه الصلاة والسلام ويدعو بجانب القبر أن يرزقه الله ويعطيه ولدًا، أو ينجحه في الامتحان، أو يرزقه وظيفة، فهو يعتقد أن الدعاء عند القبر أرجا للإجابة، أقرب إلى الله، هذه البدعة المحرمة ووسيلة إلى الشرك.
المرتبة الثالثة: يقول شيخ الإسلام: "أن يسأل صاحب القبر أن يسأل الله له، وهذه بدعة باتفاق أئمة المسلمين. [تلخيص كتابة الاستغاثة: 1/145].
وقال: في موضع آخر: الثانية أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين: ادع الله لي، ادع لنا ربك، أو اسأل الله لنا، كما تقول النصارى لمريم وغيرها، فهذا أيضاً لا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من سلف الأمة، فليس من المشروع أن يطلب من الأموات لا دعاء، ولا غيره" انتهى. [قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة: 1/211].
قال الشيخ عبد الرحمن البراك نفع الله به: "وأما إذا كان الداعي للميت يطلب منه أن يدعو الله له، وهو قريب من قبره لاعتقاد أنه يسمع، فذلك بدعة ووسيلة إلى الشرك، كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع من كلامه" انتهى.
إذاً هنا أضفنا عاملاً آخر غير قضية أنه يعتقد أن الدعاء عند القبر أرجا في الإجابة، الآن أضفنا أن يعتقد الداعي أن المدعو يسمعه، وأن هذا الداعي يسأل هذا الميت أن يسأل الله له، فما حكم هذه؟ لا شك أنها بدعة منكرة، ومحرمة، ومن العلماء من أدخلها في الشرك الأكبر، كما ذكر ذلك من المعاصرين الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله وغيره من أهل العلم، وحملوا كلام شيخ الإسلام على أنه يريد البدعة المكفرة.
قال الشيخ عبد العزيز: طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم أو من غيره من الأموات لا يجوز، وهو شرك أكبر عند أهل العلم، لأنه لا يملك شيئًا بعدما مات عليه الصلاة والسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأموات لا يملكون التصرف بعد الموت في شفاعة، ولا في دعاء، ولا في غير ذلك، فالحاصل أن طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم أو من غيره من الأموات أمر لا يجوز، وهو على القاعدة الشرعية من الشرك الأكبر؛ لأنه طلب من ميت شيئًا لا يقدر عليه، كما لو طلب منه شفاء المريض، أو النصر على الأعداء، أو غوث المكروبين، أو ما أشبه ذلك، فكل هذا من أنواع الشرك الأكبر". [مجموع فتاوى ابن باز: 15/21].
إذاً الشيخ لماذا ألحق هذه الصورة بالشرك الأكبر، وما هي الصورة أن يقول: للميت اشفع لي عند الله، اسأل الله لي كذا، الميت لا يقدر عليها، فأنت تسأله شيئًا لا يقدر عليه، كما لو سألته اشف مريضي، انصرني، ارزقني، ونحو ذلك، وإن كان هي في النظر ليست مثلها في الشدة، فإنه يقول: اشفع  لي عند الله، اسأل الله لي، لكنها تشترك معها في أنه طلب من الميت طلبًا لا يقدر عليه الميت، بل لا يسمعه، والنبي عليه الصلاة والسلام إنما يسمع سماعًا مخصوصًا عندما نصلي عليه، وفي أي مكان من العالم، وليس عند قبره فقط، ولا في مسجده فقط، ولا في المدينة النبوية فقط، لو صليت على النبي صلى الله عليه وسلم في الصين، فإن لله ملكًا يبلغ نبينا السلام، يعني: حتى ما يسمعك مباشرة، ملك يسمع صلاتك عليه ويبلغه، فهذا سماع مخصوص، فإذاً النبي عليه الصلاة والسلام لا يسمع دعاء من يسأله عند قبره فيقول: يا رسول الله تعسرت المعاملة، يا رسول الله تعسرت الولادة، يا رسول الله أدركنا وألحقنا، ويا رسول الله اشفع لنا عند ربك، ويا رسول الله، هذا لا يسمع، فهو سؤال له فيما لا يقدر عليه بل لا يسمعه، ولذلك ألحقها من ألحقها بالشرك الأكبر، بعض الناس يقول اقسم لكم بالله العظيم، أن المعاملة تعسرت وأني بذلت كل شيء ودعوت في كل مكان ورحت عند القبر، وقلت: يا رسول الله، جئتك من مكان بعيد لا تخيبني المعاملة تعسرت، وإني ثاني يوم اتصل عليّ هذا، وقال لي: أبشرك مشت، قد يكون موافقة للقدر، لو قلنا: هذا لم يكذب، أو أخرجنا الكذب على جنب، ماذا يمكن أن يكون الذي حدث؟ موافقة، الله عز وجل قدره أنه يفرجها عليه في هذا الوقت، ليس لهذا السبب, فوافق الفرج هذا الفعل.
ويمكن أن يقال أيضاً: إن الله أجاب دعاء هذا الإنسان لضرورته لا للمكان الذي سأل عنده، أو أنه سأل نبيه؛ لأن الله يجيب دعوة الكافر المضطر، لكن هنا نلاحظ أن هذا سأل رسول الله، ولم يسأل الله، ولذلك نقول السؤال باطل أصلاً، ولو قدر أنه وقع فهو من باب الاتفاق، والابتلاء، لأنه قد تقع أشياء يمتحن الله بها الخلق، يمتحن هذا، ومن عرف القصة هل يتبعون ما حصل به الاتفاق هذا والمصادفة أم يتبعون الدليل والكتاب والسنة، ولذلك الشيطان يتمثل بصورة أبوي أعرابي ماتا، فيتمثل شيطانان له عند خروج الدجال، فيقولان: إنه صادق فاتبعه، فلما يرى واحد أن أبويه خرجا من القبر، يقولان له إن الدجال صادق فاتبعه، هذا امتحان من الله لينظر هل يتبع كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم أم يتبع هذه الصورة التي ظهرت له وقالت: الدجال صادق فاتبعه، يعني: الله له ابتلاءات شديدة في الخلق.
الصورة الرابعة: أن يسأل الحي الحاضر عنده ما لا يقدر عليه إلا الله. مثل: الرزق، والإحياء، والإماتة، وشفاء المريض، وكشف الكربة، فما حكم هذا؟ شرك أكبر، نعم سأل حيًا ليس بميت، وسأل حاضرًا وليس بغائب، لكن سأله ما لا يقدر عليه إلا الله، كما لو قال: يا دكتور اشف مريضي، تكفى أرجوك، هذا شرك أكبر، لأن الشفاء خاص بالله، مما تفرد الله به القدرة على الشفاء  اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا [البخاري: 5742]، حتى وقد سأل حيًا حاضرًا نقول: شرك أكبر سأل، ما لا يقدر عليه إلا الله، لكن لو قال: يا دكتور عالجه، أرجوك، افعل ما تستطيع لا حرج لأن العلاج يستطيعه الطبيب، لكنه قد ينجح، ويثمر، وقد يخفق، ولا يأتي بنتيجة.
الصورة الخامسة: أن يسأل الحي الغائب عنه. أن يسأل حيًا لكن غائبًا عنه من إنس أو جن أو ملك سؤالاً لا يقدر عليه إلا من كان حاضرًا، والحالة الأخرى سؤال لا يقدر عليه ولو كان حاضرًا، فأما سؤال ما لا يقدر عليه ولو كان حاضرًا فهذا لا شك أنه شرك أكبر، أما لو سأله سؤالاً يقدر عليه لو كان حاضرًا لكن هو غائب، فما حكمه؟ هذا شرك، وما وجه كونه شركًا؟ أن فعله يدل عليه أنه يعتقد أن هذا الشيخ، أو الجني، يعلم الغيب، وتنكشف له الأمور من بعد، وهذا الانكشاف والسماع لا يقدر عليه إلا الله، من الذي يسمع البعيد ليس عبر الهاتف، ولا عبر الأجهزة، نتكلم الآن عبر الأحوال التي ليس فيها مثل هذه الأجهزة، أو الواسطات، فهذا وجه كون عملاً شركًا أنه اعتقد بأن الشيخ الحي البعيد يسمع من بعد، وتنكشف له الحجب، ويرى من بعد هذا وجه كونه شركًا، لأن الغائب لا يمكن -يقول الشيخ ابن عثيمين- أن يقوم بمثل هذا فدعاؤه إياه يدل على أنه يعتقد أن له تصرفًا في الكون، وأنه ممكن يرسل من بعيد أشياء.
قال: فيكون بذلك مشركًا، ما حكم أن يسأل الغريق شخصًا حاضرًا في السفينة -مثلاً في الطوافة من رجال الإنقاذ- يقول: أغثني، ما حكمه؟ جائز، لأنه يسمعه، وحاضر عنده، وسأله ما يقدر عليه، لكن لو واحد، وهو غريق: يقول: يا شيخي فلان أدركني، أغثني أنقذني، وشيخه هذا حي لكنه غير حاضر، بعيد في بلد أخرى، أو ينادي جنيًا مثلاً، ما معنى هذا؟ معناه أنه يعتقد بأن هذا الغائب عنده قدرة على الإنقاذ من بعيد، وعنده قدرات، وأنه يسمع النداء من بعيد، وهذا ليس كذلك، فاعتقاد هذا فيه هو الشرك.
الصورة السادسة: سؤال الحي الحاضر حاجة مما هي من مقدور البشر. فهذا جائز لا إشكال فيه، كأن يطلب من إنسان أمامه أن يردفه على دابة، أو يعطيه طعامًا، أو يقرضه مالاً، أو يعالج مريضه، ونحو ذلك، فهذه الأشياء وأمثالها قد تكون عبادة كأن يسأل بعض أهل العلم سؤال مستفتيًا، فهذا ما حكمه السؤال هذا طاعة وقربة، امتثال لقول الله:  فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: 43].
وقد يكون طاعة وقربة، كما لو سأل أيضاً إخوانه المسلمين، أن يغيثوا إخوانهم الآخرين، فقال: يا أيها الناس إخوانكم في الشام في ابتلاء عظيم، أنقذوهم، فسألهم أمامه حاضرون ما يقدرون عليه.
وقد يكون السؤال مباحًا كما لو سأل ماعونًا من جاره، أو سأل قرضًا من شخص، وقد يكون محرمًا كتسول الغني، ومن الطلب الجائز طلب الدعاء ممن يظن فيه الخير والصلاح من الأحياء، فهذا أمر يستطيعه هذا الحي، ويقدر عليه، وهو أمر مشروع؛ لأنه يدعو الله لأخيه المسلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وذلك أن المخلوق يطلب من المخلوق ما يقدر عليه المخلوق، والمخلوق قادر على دعاء الله ومسألته، فلهذا كان طلب الدعاء جائزًا، كما يطلب منه الإعانة بما يقدر عليه، فأما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يجوز أن يطلب إلا من الله سبحانه، لا يطلب ذلك لا من الملائكة، ولا من الأنبياء، ولا من غيرهم". [قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة:1/193].
الصورة السابعة: سؤال الحي الغائب عنه أن يدعو الله له:
يمكن أن نقول أيضاً: أن هناك صورة سابعة سؤال الحي الغائب عنه أن يدعو الله له، وهذه ممكن تدخل في بعض ما سبق، لكن لمجرد مزيد من التوضيح، قال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله: "في تصحيح الدعاء، وهذا إنما يقع من غلاة الطرقية في شيوخهم، وتعظيمهم الأولياء، فإن كان عن دعوى أنه يعلم الغيب ومنه إحاطته بحال مريده، وما يدعو به فهذا شرك أكبر، لأنه نزل المخلوق منزلة الخالق في علم الغيب، معناها أنه يعتقد أن شيخه البعيد الغائب يعلم حاله ويقدر على إنقاذه، فإذاً لماذا ننزل هذه المسألة في الشرك؛ لأنه نزل المخلوق منزلة الخالق في علم الغيب، والله سبحانه وتعالى يقول: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ  [النمل:65].
قال: وإن لم يعتقد السائل أن المدعو يعلم الغيب فسؤاله عبث مبتدع، يعني: لو قال واحد: أنا ما أعتقد أن شيخي يعلم الغيب، نقول: إذاً سؤالك ما هو عبث أنت تضيع وقتك، الآن إذا كنت تعتقد أنه لا يعلم الغيب، وأنه لا تنكشف له الحجب، لأن الغيب منه ما هو غيب ماضي، ومنه ما هو غيب حاضر نحن الآن نعلم ما يدور في قيعان المحيطات؟ تعلم الآن ماذا يحدث في السماوات، فهناك غيب ماض، وغيب حاضر، وغيب مستقبل، فوجه دخوله في الشرك، إذاً أن دعاؤه الحي الغائب معناها أنه يعتقد أن هذا يعلم الغيب من بعيد، وأن له قدرة على إنقاذ من بعيد، قلنا: القاعدة السادسة التسوية بين الله وغيره في شيء من خصائص الله تعالى، فهذا شرك أكبر.
الضابط السابع والثامن:
00:24:54
 والقاعدة السابعة: تسوية غير الله بالله في اللفظ فقط، فهذا شرك أصغر، وبيناه.
القاعدة الثامنة: الخوف الشركي هو خوف التأله والتعبد والتعظيم، لماذا نقول هذا؟ حتى نخرج الخوف الطبيعي، الخوف من الأسد والحية مثلاً، خوف الابن من أبيه أن يعاقبه إذا عصاه مثلاً، لكن من خاف من مخلوق أن يميته، أو يقطع رزقه، فلا شك أن هذا خوف شركي، فإنه لا يقدر على الإحياء والإماتة إلا الله، ولا يقدر على قطع الرزق إلا الله.
فإن قال قائل: فهذا القاتل بالمسدس ماذا يقدر عليه؟ وصاحب الشركة أنهى خدمات هذا الموظف ما هي قدرته؟
فنقول: هؤلاء أسباب هذا القاتل سبب للإماتة، ولن يقدر عليها؛ لأنه قد يطلق النار ولا يصيب، وقد يطلق النار ويصيب ولا يقتل، فلا يقبض الروح إلا الله.
وصاحب الشركة الذي فصل الموظف لا يقدر على قطع الرزق، هذا صار سببًا للانقطاع، وليس هو الذي يقطع، وأحيانًا يفصل الشيخ وينزل راتبه بالخطأ في حسابه، لأن الله كاتب له رزق رغمًا عن الذي فصله، يقول: نزل راتبي في الحساب وأنا مفصول، ويرزقه الله من طريق آخر، وقد يعيده صاحب العمل أو غيره، فإذاً الذي يقطع الرزق هو الله، هذا كان سببًا لانقطاع رزقه من الطريق الفلاني، وقد يخيب أحيانًا، كما قلنا: فإذاً الخوف الشركي هو خوف التأله، والتعبد، والتعظيم.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: "اعلم أن الخوف والخشية تارة يقع عبادة، وتارة يقع طبيعة وعادة، وذلك بحسب أسبابه ومتعلقاته، فإن كان الخوف والخشية خوف تأله، وتعبد، وتقرب بذلك الخوف إلى من يخافه، وكان يدعو إلى طاعة باطنة، وخوف سري يزجر عن معصية من يخافه، كان تعلقه بالله من أعظم واجبات الإيمان، وتعلقه بغير الله من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله". [القول السديد: 1/119].
إذاً ما هو خوف السر؟ أن بعض الناس يعتقد أن هذا الشخص تجب طاعته، وإذا ما أطاعه ستحدث له مصيبة، ولو كان غائبًا، فقد يعتقد بعضهم في أبيه أو في غيره وهو غائب عنه أنه إذا عصاه في غيبته سيضره ذاك الشخص، فيترك مثلاً معصيته أو مخالفته على البعد خشية أن يضره من بعد، هذا خوف السر، هذا خوف شركي، يعتقد بعض الصوفية في مشايخهم أنه لو سافر الشيخ وصار بعيدًا لا بدّ من طاعته عن بعد، لأنك لو خالفت الشيخ عن بعد فإن الشيخ سيعلم بمخالفتك، وستتضرر من جراء ذلك، فهذا خوف السر، هذا الخوف من البعد خوف شركي.
وإذا صاحب ذلك محبة لهذا الشخص وذله وخوف منه على البعد صارت عبادة واضحة.
قال الشيخ: "وإن كان الخوف طبيعيًا كمن يخشى من عدو أو سبع أو حية، أو نحو ذلك مما يخشى ضرره الظاهري، فهذا النوع ليس عبادة، ولا ينافي الإيمان". [القول السديد: 1/119].
لكن ما رأيكم بمن يخاف من ثأر الحية بعد قتلها لو اعتقد أن الحية تثأر منه بعد قتلها؟ ما حكم هذا القول؟ خوف شركي. لأن هذا اعتقاد باطل، لأن الحية لا تثأر بعد موتها، فهذا اعتقد أن الحية بعد موتها تثأر منه، هذا خوف شركي، ولو نظرت في بعض أفعال العباد على ضوء هذا لوجدت أن كثيرًا منهم مبتلون بشيء من هذا.
الضابط التاسع: المحبة الشركة هي التي تستوجب الذل التام، والخضوع، وكمال التعظيم، والانقياد.
00:30:49
 القاعدة التاسعة: المحبة الشركة هي التي تستوجب الذل التام، والخضوع، وكمال التعظيم، والانقياد.
قال ابن القيم رحمه الله: "وأما المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا لله وحده، ومتى أحب العبد بها غيره كان شركًا لا يغفره الله، فهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع، والتعظيم، وكمال الطاعة، وإيثاره على غيره، فهذا المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلاً، وهي التي سوى المشركين بها آلهتهم وبين الله فيها، كما قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة: 165].
وأصح القولين أن المعنى: يحبونهم كما يحبون الله، فسووا بين أندادهم وبين الله في المحبة". [طريق الهجرتين: 1/442]، وهي محبة تقتضي تقديم المحبوب فيها على النفس، والمال، والولد، وتقتضي كمال الخضوع، والتعظيم، والإجلال، والطاعة والانقياد ظاهرًا وباطنًا، وهذا شرك، ولا شك.
ولعله رحمه الله أشار إلى ما يقع فيه عدد من العشاق في العشق؛ أن الأمر يتطور في علاقته بمعشوقته أو بمعشوقه إلى درجة أنه يحبه محبة فيها ذل، وخضوع، وتقديم له على النفس، والنفيس، والوالد، والولد، يعني: مثل محبة الله، فإذاً  وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ  [البقرة: 165]، يدخل فيه عشق بعض العشاق، وأن بعض الشباب والفتيات يضعف الإيمان في قلوبهم لدرجة، ويجهلون لدرجة، ويعصون لدرجة أنهم يقعون في الشرك؛ عندما يدخلون في علاقات يقدس فيها المحبوب والمعشوق تقديسًا لا يليق إلا بالله، فهذا إذاً من الشرك، ومن صوره.
الضابط العاشر: تحقيق التوحيد، يتضمن تحقيق أصله، وكماله الواجب، وكماله المستحب.
00:33:04
 القاعدة العاشرة الضابط العاشر: تحقيق التوحيد، يتضمن تحقيق أصله، وكماله الواجب، وكماله المستحب، وبحسبها يتفاضل المؤمنون، فتحقيق التوحيد يستلزم تحقيق أصل التوحيد، بإفراد الله تعالى بربوبيته، وإلهيته، وأسمائه، وصفاته.
الثاني: تحقيق كمال التوحيد الواجب، وتخليصه مما حرم الله تعالى من الشرك الأصغر، والبدع غير المكفرة، والمعاصي طبعاً تحقيق الأصل، تحقيق الأصل ينجي من الخلود من النار، وتحقيق الكمال الواجب ينجي من الدخول في النار.
الثالث: تحقيق الكمال المستحب وهو تخليص القلب من الالتفات إلى غير الله؛ أرجبحيث أنه يكون متوجهًا إلى الله بكليته، فليس فيه مكان لغير الله، فبهذا يفعل المستحبات، ويترك المكروهات والمشتبهات.
الضابط العاشر والحادي عشر:
00:34:16
 الحادي عشر: ما يقدح في أصل التوحيد شرك أكبر، وما يقدح في كماله شرك أصغر.
الثاني عشر: الاعتقاد في الأسباب بذاتها شرك في الربوبية والألوهية، وشرحنا ذلك، وقلنا في موضوع شرك الأسباب: أن من اعتقد أن السبب يفعل بنفسه هذا أشرك، جعل السبب خالقًا مقدرًا  مؤثرًا بذاته، ومن اعتقد أن السبب لا يؤثر إلا بإذن الله هذا سليم ولا حرج في ذلك، وهذا هو الطبيعي، وهذا فعل العقلاء أنهم يأخذون بالأسباب، ويتوكلون على الله، ويعتقدون أن الأسباب لا تؤثر بنفسها، وأنها تؤثر بإذن الله، وأن الله لو أراد أن يسلب السبب التأثير سلبه، كما سلب خاصية الإحراق من النار التي ألقي فيها إبراهيم الخليل، وقلنا: إن من جعل ما ليس بسبب سببًا -فوضع سوارًا في يده مثلاً، وقال: هذا يعالج الروماتيزم، فجعل هذا السوار- شرك أصغر، لأنه لو قال: هو يؤثر بنفسه صار شرك أكبر، لكن هو يقول هذا سبب في العلاج من الروماتيزم، فيكون هذا من شرك الأسباب الشرك الأصغر.
وكثير من الناس الآن واقعون في هذا، وبعض الدورات الحديثة، والأطروحات الحديثة توقع الناس في هذا الشرك الأصغر، تدخل عليهم أشياء من العلاج بالطاقة؛ لتوقعهم في النهاية في الشرك الأكبر، نظريات العلاج بالطاقة ونحوها الموجودة، التي فيها بدايات معقولة، أول ما تسمع الكلام ولما تغوص وتدخل فيه يتبين لك أن المسألة فيها من وثنيات الشرق ما فيها، وإذا استمريت ممكن الواحد يقع في الشرك الأكبر والكفر المخرج عن الملة، فمثلاً بعضهم يقول: النظر إلى الشمس بصمت يعالج الموضوع الفلاني.
ممكن تدل التجربة والطب والخبرة والواقع على أن الجلوس في الشمس من الساعة التاسعة إلى الساعة الثالثة عصرًا يساعد في زيادة فيتامين د الذي تحتاجه العظام، لكن بصمت هذه مقدمة الدخول الشرك الأصغر، الذي هو جعل ما ليس بسبب سببًا، تمهيدًا لدخول الشرك الأكبر الذي هي تأثير الكواكب في الناس شفاء وسعادة إلى آخره، وهذا هو الشرك الأكبر المخرج عن الملة، فإذاً الطاوية والطاو واليونج واليانج ونظريات الطاقة تأخذ الناس تدخلهم من أبواب؛ أولها فيه بعض الناس يقول: هذا ممكن، ثم إلى الشرك الأصغر، ثم إلى الشرك الأكبر، فإذاً القاعدة الثالثة عشرة من اتخذ سببًا لم يتثبت بالشرع ولا بالتجربة كونه سببًا فقد أشرك شركًا أصغر.
أنواع التوحيد متلازمة لا ينفك أحدها عن الآخر:
00:37:54
 الرابع عشر: أنواع التوحيد متلازمة لا ينفك أحدها عن الآخر، فأنواع التوحيد الثلاثة توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات بينها علاقة تلازم، لا ينفك نوع منها عن الآخر، بل ثبوت بعضها وصحته يستلزم ثبوت البقية، فهي متلازمة يكمل بعضها بعضاً، ولا يمكن استغناء بعضها عن الآخر، فلا ينفع توحيد الربوبية إذا لم يقم توحيد الألوهية، ولا يقوم توحيد الألوهية بدون توحيد الأسماء والصفات، ولا يقوم هذا إلا بالأول والثاني، فكلها يستلزم بعضها بعضاً، ولذلك لا تجد أحدًا يوحده في  ألوهيته إلا وقد وحده في ربوبيته، لكن قد تجد من يوحده في ربوبيته ككفار قريش ولا يوحدوه في ألوهيته، ولذلك نلزم ونقول ما دام وحده في الربوبية، واعتقد أنه الخالق الرازق المحيي الميت الذي ينصر والذي يضر وينفع فكيف تعبد غيره؟ وكيف تصرف نوع من أنواع العبادة لغيره؟ فنلزمهم بتوحيد الألوهية عبر توحيد الربوبية، ولذلك كان توحيد الربوبية هو أصل توحيد الإلهية، ودليله الأكبر، وتوحيد الربوبية لا يصير به الإنسان مسلمًا حتى يأتي بأنواع التوحيد الأخرى، فلا ينجي من النار ولا يدخل الجنة إلا شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، التي يقر ويذعن بها بحق الله عليه، ويصرف العبادة لله تعالى فقط، راجعنا الآن ما سبق من ضوابط القواعد التوحيد، وكنا قد ذكرنا ضوابط في التوسل، وهي مسألة تلحق به لأن التوسل منه ما هو شركي، ومنه ما هو بدعي محرم ليس بشركي، ومنه ما هو بدعة مثل: السؤال بجاه النبي، أو بجاه الولي، وذكرنا التوسل المشروع مثل: التوسل بأسماء الله وصفاته، والتوسل بعمل صالح عمله الإنسان، والتوسل بدعاء الصالحين.
ضوابط في الأسماء والصفات:
00:040:36
 فلننتقل الآن إلى ضوابط في الأسماء والصفات:
أولاً: أسماء الله وصفاته توقيفية لا مجال للعقل فيها. فلا نثبت لله تعالى اسمًا ولا صفة إلا ما دل الكتاب والسنة عليه؛ لأنه هو الذي يعلم أسماءه وصفاته سبحانه ولا طريق لنا لمعرفتها إلا من طريقه، ولا طريق منه إلا الوحي، فيجب الوقوف على ما جاء في الكتاب والسنة، ولا يزاد ولا ينقص في ذلك في هذا الباب؛ باب الأسماء والصفات؛ لأن العقل المجرد لا يمكن أن يدرك كل ما يستحقه الله من الأسماء والصفات، ممكن العقل يدرك البعض، ممكن تجيب واحد مثلاً خالي من العلم تمامًا، أسلم حديثًا، ما عنده علم أبداً، ما نظر في الكتاب والسنة، أو تأتي بعاقل من الكفار حتى؛ تقول له: هل هذا الكون له مدبر وخالق وموجد؟ فيقول: بلا شك ما يمكن يكون صدفة، ماذا تتصور من صفات الخالق الذي أوجد هذا الكون؟ فيقول: أتصور أنه عليم، أتصور أنه خبير، أتصور أنه حكيم، لأنني أجد في كل شيء مرتب موزون في الكون، في دورات، لكن هل يمكن أن يتوصل أن لله وجهًا، أو يدًا، إلى آخره من الأسماء والصفات، الجواب: لا، العقل المجرد لا يدل على ذلك، لا يقود إلى معرفة كل الأسماء والصفات، فلذلك ما لنا طريق إلا النص،  وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء: 36].
وذكر الله في المحرمات والكبائر قال:  وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ  [الأعراف: 33]، ولأن تسمية الله بما لم يسم به نفسه، ووصفه تعالى بما لم يصف به نفسه جريمة، وجناية على الله في حقه تعالى، وسوء أدب معه، وقول عليه بما لا علم.
وقد وردت الأسماء والصفات في الكتاب العزيز والسنة النبوية، كقوله عز وجل:  هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ  [الحشر: 22-23].
الآيات وكذلك قال:  غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ  [غافر: 3]، فنثبت لله ما سمى به نفسه، ونثبت له من الصفات ما وصف به نفسه من الحياة، والعلم، والسمع، والبصر، والمغفرة، والمحبة، والقدرة، والغضب، والرضا، والقوة، والعزة، والكره، والغضب، والكلام، والمشيئة، والإرادة، والبطش، من صفات الأفعال مثلاً، ومن صفات الذات نثبت له: الوجه، والعينين، واليدين، والاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين العباد في القضاء، فليس من أسماء الله تعالى مثلاً البرهان، ولا من أسماء الله تعالى الموجود، ولا من  أسماء الله تعالى الثابت، ولا من أسماء الله تعالى الدائم، ولا من أسماء الله تعالى البادي، وبعض الناس يسمي الله بأسماء تشيع بين الناس، ويطلقونها على الله وليس لها دليل.
ثانيًا: ما دل على ذات الله فهو اسم، وما دل على معنى قائم بالذات فهو صفة:
ما دل على ذات فهو اسم، وما دل على الصفة القائمة بالذات أو المعنى القائم بالذات فهو صفة، ما دل على ذات الله فهو اسم، وما دل على معنى قائم بالذات فهو صفة، وهذا ضابط مهم في التفريق بين الأسماء والصفات، فالاسم يدل على ذات الله تعالى كالقادر، والعليم، والحكيم، والسميع، والبصير، والقدير.
والصفة معنى قائم بالذات: كالعلم، والحكمة، والرحمة، والعزة، والسمع، والبصر، والوجه، والعينين، واليدين، والاستواء، والنزول، والمجيء، والإتيان، وهكذا.
ثالثًا: أسماء الله تعالى أعلام، وأوصاف. أعلام باعتبار دلالته على الذات، وأوصاف باعتبار دلالته على المعاني القائمة بالذات، فكل اسم من أسمائه يدل على الذات المسماة، وعلى الصفة التي يتضمنها هذا الاسم، فالعليم يدل على الذات، ويدل على صفة العلم، والقدير يدل على ذاته تعالى، وعلى صفة القدرة، والرحيم يدل على ذاته تعالى، وعلى صفة الرحمة، أما أسماؤنا نحن فإنها تدل في الأصل على ذاتنا فقط، ولذلك قد يسمى شخص صادق، وهو من أكذب الناس، حكيم وهو أحمق، محسن وهو بخيل جدا، اسمه كريم لكن ولا ريال، وبعضهم يسمي طاهر، وهو من أنجس الناس، تقي وهو فاجر.
فإذاً أسماؤنا تدل على ذواتنا لكن ليس بالضرورة تدل على صفات فينا، بل قد تكون صفات المسمى عكس اسمه تمامًا، أما أسماء الله تعالى فإنها أسماء تدل على الذات، وتدل على معاني في ذاته تعالى قائمة بها، يستحقها صدقًا وفعلاً هو كذلك، هذا من الفروق العظيمة.
فالأسماء باعتبار دلالتها على الذات مترادفة؛ لدلالته على مسمى واحد، وهو الله عز وجل، وبالاعتبار الثاني الذي هو دلالتها على الصفات متباينة؛ لدلالة كل واحد على صفة غير التي يدل عليها الاسم الآخر؛ لأن اسم العليم مثلاً يدل على صفة العلم، ولكن اسم القدير يدل على صفة القدرة، فهو معنى آخر، ولا شك أن هذه المعاني متناسبة، يعني ليست متضادة، ولكن لله تعالى صفات أيضاً متقابلة، فمثلاً هو قوي يعني ينتقم سبحانه، جبار يبطش، وكذلك هو رحيم يغفر، ويتجاوز، ويستر، ويتوب، ويحسن، فإذاً الحي، والعليم، والقدير، والسميع، والبصير، والرحمن، والرحيم، والعزيز، والحكيم، أسماء لمسمى واحد، وهو الله عز وجل لكن معنى الحي غير معنى العليم، ومعنى العليم غير معنى القدير، وهكذا.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: "فأسماؤه كلها متفقة في الدلالة على نفسه المقدسة، ثم كل اسم يدل على معنى من صفاته، ليس هو المعنى الذي دل عليه الاسم الآخر، فالعزيز يدل على نفسه مع عزته، والخالق يدل على نفسه مع خلقه، والرحيم يدل على نفسه مع رحمتها، ونفسه تستلزم جميع صفاته، فصار كل اسم يدل على ذاته والصفة المختصة به بطريق المطابقة، وعلى أحدهما بطريق التضمن، وعلى الصفة الأخرى بطريق اللزوم، وهكذا". [الإيمان الكبير: 1/107].
ذكرنا ثلاثة من الضوابط في الأسماء باقي هناك ضوابط أخرى، أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد معين، الأسماء لا تشتق من الصفات والأفعال، أما الصفات تشتق من الأسماء، وأن باب الصفات أوسع من باب الأسماء، وباب الأخبار أوسع من باب الصفات، وغيرها من القواعد سنأتي عليها في الدرس القادم إن شاء الله.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.