الإثنين 24 محرّم 1441 هـ :: 23 سبتمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

الشريعة مبنية على الحِكَم


عناصر المادة
أهمية مقاصد الشريعة:
تعريف المقاصد:
معنى مقاصد الشريعة في الشرع:
أبواب مقاصد الشريعة:
أهمية مقاصد الشريعة:
بناء الشريعة على التعليل:
الأدلة على الشريعة مبنية على الحِكم:
الشريعة مرنة وتناسب كل زمان ومكان:
من مقاصد الشريعة أنها يسيرة وتنفي الحرج:
مصالح أحكام الشريعة على مستوى الفرد:
الحمد لله الذي أنقذنا بنور العلم من ظلمات الضلالة، وهدانا بالاستبصار من عماية الجهالة، ونصب لنا من شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ما أوضح به لنا الدلالة.
نحمده سبحانه وتعالى، ونشكره، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
أهمية مقاصد الشريعة:
00:00:43
 فإن الشريعة عظيمة، ومقاصدها جليلة، ومن تمام نعمة الله سبحانه وتعالى أن نظم لنا حياتنا كلها في هذا الشرع، وجعل لنا فيه ما ينظم هذه الحياة، ومن أسمائه تعالى الحكيم، فهو حكيم في شرعه، وحكيم في قدره، وحكيم في أمره، وحكيم في نهيه سبحانه وتعالى.
فالشريعة مبناها على مصالح العباد في المعاش والمعاد، في الدنيا والآخرة، فهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها.
هذه الشريعة جاءت بالمصلحة ونهت عن المفسدة، فالشريعة عدل بين الله وبين عباده، ورحمته في هذه الشريعة بينة واضحة.
وقد أحاطت هذه الشريعة بجميع أحوال الإنسان، فهناك أحكام للجنين، وأحكام للدفن، وبينهما حياة الإنسان من كونه جنيناً، إلى أن يصير في قبره، وللشرع أحكام في أحواله كلها.
التعرف على مقاصد الشريعة يعظم هذه الشريعة في النفوس، التعرف على مقاصد الشريعة يزيدك إيماناً بالله؛ لأنك تتبين من خلال مقاصد الشريعة حكمة الله، وعدل الله، ورحمة الله، وخبرة الله؛ لأن الله من أسمائه الخبير.
تعريف المقاصد:
00:02:41
 كلمة مقاصد الشريعة، أو جملة مقاصد الشريعة مكونة من كلمتين: مقاصد: جمع مقصد، وكلمة الشريعة.
أما بالنسبة لمعنى التركيب، يعني ما معنى مقاصد الشريعة؟  فإنه ينبني على فهم هاتين الكلمتين.
معنى مقاصد في اللغة:
فقلنا قصد يقصد مقصد هذا مصدر، جمعه مقاصد.
وقصد في اللغة تعني التوجه، واستقامة الطريق قال تعالى:  وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ  [النحل: 9]. فالقصد: هو استقامة الطريق، ومعنى الآية: وعلى الله بيان قصد السبيل، وبيان هذا الطريق الذي هو طريق الحق والهداية والنور والاستقامة، فعلى الله بيان قصد السبيل. فإذن قصد تأتي بمعنى استقامة الطريق والتوجه.
ثانياً: قصد تأتي بمعنى الاستقامة بلا إفراط ولا تفريط، التوسط بلا إفراط ولا تفريط، كقوله تعالى: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ [لقمان: 19].
ثالثاً: القصد يعني الاعتزام والنهوض والتوجه، طيب هذا معنى كلمة مقصد.
معنى الشريعة:
الشريعة تطلق في اللغة على مورد الماء، ومنبع الماء، ومصدر الماء، كما تطلق الشريعة على الملة، والدين، والطريقة، والمنهاج، والسنة.
فيقال: الشريعة والشرع والشرعة وكلها بمعنى واحد.
لماذا أطلقت كلمة الشريعة على منبع الماء؟ لأنه مصدر حياة الإنسان والحيوان والنبات.
فإذاً الشريعة إذا أردنا أن نستلهم من اللغة، هي مصدر حياة النفوس، ومصدر صلاح القلوب، ومصدر استقامة الأحوال، هذا المنبع الذي لا غنى عنه  للسعادة في الدنيا والآخرة.
فمن كلمة الشريعة نفهم أنها منبع للخير، والرخاء، والسعادة، هذا إذن بالنسبة للمعنى اللغوي في مقصد، والشريعة، أو مقاصد والشريعة.
معنى مقاصد الشريعة في الشرع:
00:06:08
 فإذا ضممناهما: مقاصد الشريعة، ما معنى هذه التركيبة؟
الحكم التي أرادها الله تعالى من الأوامر والنواهي، تبين عبودية العباد لله من خلال قيامهم بهذه الشريعة، المعاني والحكم الملحوظة من أحكام هذه الشريعة.
هذه الشريعة فيها مقاصد، ما هي هذه المقاصد؟ حكم، ما هي هذه المقاصد؟ غايات، ما هي هذه المقاصد؟ أسرار.
إذن مقاصد الشريعة: علم يعرف منه حكم الشريعة، وأسرار الشريعة، لماذا شرع الله هذه الأحكام؟ ماذا وراء هذا؟ من أجل ماذا كان هذا الحكم؟
هي التعرف على الغاية من الشريعة، على الغاية من أحكامها، فهو علم دقيق، جليل، عظيم.
فهذا العلم لا يلم به إلا الأذكياء، وأصحاب العمق في النظر والبصيرة؛ لأنه يحتاج إلى استقراء، وسبر غور، وغوص، حتى تستخرج حكم الشريعة تحتاج أن تغوص، فتحتاج أن تجمع الأحكام، وتفهم الأحكام، تسبر الأحكام، تغوص فيها لتستخرج منها العلة، والحكمة، ماذا أراد الله من وراء هذه الأحكام.
أبواب مقاصد الشريعة:
00:08:22
 يمكن أن نستخرج مقاصد إجمالية من كل الشريعة، وممكن نستخرج مقاصد من كل باب من أبواب الشريعة، وممكن نستخرج مقاصد وحكم من أي حكم من أحكام الشريعة.
يعني مثلاً أنا ممكن أقول أن الشريعة كلها مبنية على سعادة العباد في الدنيا والآخرة، تهدف الشريعة إلى حفظ الدين، وحفظ العقل، وحفظ النفس، وحفظ المال، وحفظ العرض مثلاً.
وممكن نأتي إلى باب من أبواب الشريعة: مثلاً البيوع، ونجمع أدلة هذا الباب، وأحكام هذا الباب، وحلال وحرام هذا الباب، وأوامر ونواهي هذا الباب.
فيمكن مثلاً نجد أن البيع أحكام البيع في الشريعة، واضح منها أنها مثلاً تمنع الميسر، والجهالة، والغرر، والربا.
ممكن واحد بنظرة استقرائية مجملة، يقول أنا والله بعد التدبر والتأمل في نصوص وأحكام وأوامر ونواهي كتاب البيوع في الشريعة، أنا وجدت أن هذا الباب أنه أحكام الباب هذا المقصد منها: إباحة التعاملات بالبيع والشراء بلا جهالة، ولا غرر، ولا ميسر، ولا ربا.
وممكن يأتي إلى حكم معين من الأحكام ويقول: إن الحكمة والعلة والقصد من وراء هذا الحكم هو تحقيق كذا أو منع كذا.
إذن هذا العلم مقاصد الشريعة، فيه تعرف على الغايات من وراء الأحكام، هناك كما قلنا أهداف عامة وأهداف خاصة من وراء الأحكام.
الشريعة مبنية على الحكمة:
بناء الشريعة على الحكم والتعليل، وعلاقة الحكمة بالتشريع علاقة وثيقة جداً، فإن الله ما جعل هذه الأحكام عبثية، ما خلقها عبثاً، ولا سدى، ولا مهملة، ما خلق البشرية، ما خلق السموات والأرض عبثاً ولا هملاً ولا سدى، ولا حكم بالأحكام أيضاً هملاً ولا سدى وفوضى وبلا قصد، هذا لا يليق بالله يعني الحكيم العليم، يشرع تشريعات للعباد، ويحكم ويأمر وينهى، ويحل ويحرم بلا حكمة، لا يمكن، هذا لا يتفق أبداً مع أسمائه تعالى وصفاته.
ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأئمة الفقهاء متفقون على إثبات الحكمة والمصالح في أحكامه الشرعية"[منهاج السنة النبوية: 1/77].
هناك حكم يريدها الله، هناك حكم يحبها الله، مصالح يحبها الله موجودة في الأحكام، ولما نقول إن الشريعة مبنية على الحكمة، معناه أن كل وجوب أو تحريم أو إباحة، من ورائه ماذا؟ قصد للشارع، ما جاء عبثاً.
والفقهاء يستعملون كلمة حكمة، يستعملون كلمة مقصود الشارع مثلاً، عندما يبينون ماذا وراء الأحكام.
فمثلاً يقولون: هذا الحكم لأجل المشقة، ما هو الحكم؟ مثلاً قصر الصلاة في السفر، الإفطار في السفر.
فإذن حكمة الحكم هي الباعث على تشريعه، حكمة الحكم هي المصلحة التي أرادها الشارع من وراء هذا الحكم.
أهمية مقاصد الشريعة:
00:13:08
 فالبحث في مقاصد الشريعة بحث في حكم الأحكام، والاطلاع عليها، ومعرفة الغايات من وراء التشريع، وأسراره، ومحاسنه.
وهذا الباب في الحقيقة مفيد في توسيع المدارك، مفيد في زيادة الإيمان، مفيد في الاعتزاز بالدين، مفيد في الدعوة إلى الله؛ لأنك من خلال هذا الموضوع يمكن أن تقنع الكافر بعدل الشريعة، وحكمة الشريعة، فينقاد إليها؛ لأن النفوس والعقول السليمة تريد المصلحة والحكمة تريد، فهذا الباب في الحقيقة مهم في الدعوة لمن يدعو غير المسلمين.
كما أنه مهم في الرد على المنافقين؛ لأن المنافقين يطعنون في أحكام الشريعة، فلما يتبين لك ويتبين لك يا أيتها المرأة المسلمة ما هي الحكمة من وراء هذه الأحكام؟ ما هي المصلحة؟ ما هي الغاية؟
فأول طاعن يرد عليه، يجابه، سواء طعن في الحجاب، في الاختلاط، أي حكم من الأحكام، طعن في ركن من أركان الدين، طعن في الربا، طعن في تحريم الربا.
فدراسة هذا الموضوع إذن مهم في زيادة الإيمان، في الاعتزاز بالدين، في توسيع المدارك وحصول الفقه والتفقه، وكذلك مهم في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
وقلنا أنه يزيد الإيمان لأنه يوقفك يا أيها العبد على حكمة الحكيم سبحانه في شرعه، فتزداد ثقتك في الشريعة وتمسكك بها.
بناء الشريعة على التعليل:
00:15:08
 لما نقول الشريعة مبنية على التعليل. ما معنى ذلك؟
أن أفعال الله سبحانه وتعالى وراها غايات، وراها علل حميدة، وراها مقاصد جليلة، طيب تبين المقاصد هذا كيف يتم؟ بالاستقراء، لا بد من الجمع والاستقراء والفهم، ثم دقة الملاحظة والتتبع لجمع واستخلاص الحكم من الأحكام.
والشاطبي رحمه الله يقول: "والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد، فإن الله تعالى يقول في بعثه للرسل:  رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا  [النساء: 165] "[الموافقات: 2/12].
فلو واحد قال: ما هي الغاية من بعث الرسل؟ لماذا بعث الله الرسل؟  لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ [النساء: 165]. لئلا يأتي واحد يوم القيامة يقول ما دريت ولا علمت، والثاني يقول ما بلغني ولا جاءني كيف أعبدك، فلم تحاسبني ولم تعذبني وأنا ما عندي علم؟
إذن:  رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: 165]." ففقه لماذا أرسل الله الرسل هذا مهم.
وانظر لأهمية هذا في الدعوة إلى الله تعالى مع غير المسلمين، ستجد أنها إثارة هذه النقطة معهم يوجد فرقاً كبيرا.
قال تعالى في أصل الخلق:  وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لـ [هود: 7]. شوف إذا رأيت حرف  لـ  إذا رأيت لام التعليل هذه في النص، فارعها عقلك وقلبك لأن هذه هذا هنا المفتاح، لام التعليل في الحكم هو المفتاح، لما قال: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لـ  [هود: 7]. طيب، لماذا خلق؟  لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً  [هود: 7].
 الغاية من الخلق، أنت تقرأ النص: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ  [الذاريات: 56]. لماذا خلق الله الجن والإنس ما هو السبب؟ ما هي؟ لـ  وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  [الذاريات: 56].
إذن اتضح الآن ما هي الغاية من الخلق، ما هو المقصد الإلهي من وراء الخلق خلق الثقلين.
أما التعاليل في الأحكام في الكتاب والسنة فأكثر من أن تحصى: كقوله تعالى في آية الوضوء:  مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ [المائدة: 6]، الحكمة هنا، أو هذه العلة في الحكم لماذا شرع الله الوضوء؟  لِيُطَهِّرَكُمْ  [المائدة: 6]. للتطهير.
هناك تطهير حسي وتطهير معنوي، فنحن بالوضوء نتطهر من النجاسات، ونتطهر من الأوساخ والأدران، وأيضاً المعنوية مثل الذنوب، أليس إذا توضأ فغسل عينيه خرج منهما الذنوب والمعاصي التي اقترفها بهما، مع الماء أو مع آخر قطر الماء، وكذلك ما اقترفه بيديه وما اقترفه برجليه.
لماذا شرع الصيام؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ  [البقرة: 183]. إذن لعل هذه كلمة مهمة جداً، كلمة مفتاحية هذه، لام التعليل، ولعل، وكي:  كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ  [الحشر: 7]. هذه مهمة للغاية.
إنما جعل الاستئذان من أجل البصر؛ حتى لا تقع عينك على ما لا يريده صاحب البيت.
إذن: لـ ، ولأجل، ومن أجل، كي، ولكي، وكيلا، ولعل، هذه الكلمات التي جاءت في النصوص الشرعية، التي يعرف إذا جئت تدرس أنه ما ذكر بعدها هو القصد والعلة والحكمة والغاية.
قال تعالى في الصلاة:  إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ  [العنكبوت: 45].
طبعاً لا يشترط أنه إذا ذكر حكمة واحدة أو علة واحدة أو غاية واحدة، أو قصداً واحداً، أنه هو كل الغايات، وكل المقاصد، لأنه قد يذكر شيئاً في نص، وعلة في نص آخر، وحكمة في نصٍ ثالث، وهناك شيء يدرك بالنص يعرف بالنص عليه، وشيء يدرك بالاستنباط.
وقال تعالى في القبلة: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ [البقرة: 150]. وفي الجهاد:  أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا  [الحج: 39].
إذن رفع الظلم ودفع الظلم، واضح. في القصاص:  وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ  [البقرة: 179]. فإذن ما هو القصد من وراء تشريع قتل القاتل؟ حياة البقية.
طيب، لماذا قرر الله التوحيد على ذرية آدم واستخرجهم من ظهره؟ لماذا؟
لماذا أخذ الله العهد على ذرية آدم في عالم الذر:  وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ  [الأعراف: 172-173]. حتى لا يقولوا هذا، حتى لا يحتجوا بهذا.
وكذلك فإن من تأمل النصوص التي فيها الأحكام وأفعال الله عز وجل، سيتبين له ماذا وراءها.
والشريعة دين الله الذي وضعه للعباد وهو الحكيم، قال سبحانه:  وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ  [آل عمران: 62]. ورد هذا الاسم في القرآن واحد وتسعين مرة، يحكم ما يشاء بحكمة، يحكم ما يشاء لحكمة، وحكمته سبحانه وتعالى مبنية عليها أحكامه، فأحكامه مبنية على حكمته، وأحكامه صادرة عن حكمته، وأحكامه مقرونة بحكمته.
وقد دل على هذا نصوص كثيرة، والشريعة قال سبحانه عنها:  تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ  [فصلت:42]. حكيم ذو حكمة.
قال ابن القيم رحمه الله: "ومن أعجب العجب أن تسمح نفس بإنكار الحكم والعلل الغائية" [شفاء العليل: 1/205]. التي هي الغاية من كذا، من شرع كذا، من منع كذا، من إباحة كذا.
"ومن أعجب العجب أن تسمح نفس": يعني: وجد من المبتدعة من قالوا لا، أبداً الأحكام ما لها علاقة بالحكم، وأنه يحكم بلا حكمة، لا لحكمة، وأنه في أحكام بدون قصد، يعني كيف؟ هل يعقل هذا؟ هل تقبله نفس؟
قال ابن القيم: "ومن أعجب العجب أن تسمح نفس بإنكار الحكم والعلل الغائية، والمصالح التي تضمنتها هذه الشريعة الكاملة، التي هي من أدل الدلائل على صدق من جاء بها، وأنه رسول الله حقاً، ولو لم يأت بمعجزة سواها لكانت كافية شافية، فإن ما تضمنته من الحكم والمصالح، والغايات الحميدة، والعواقب السديدة، شاهدة بأن الذي شرعها وأنزلها أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين سبحانه وتعالى".
يواصل ابن القيم كلامه يقول: "وكيف يستجيز أن يظن بربه أنه أمر ونهى وأباح وحرم وأحب وكره، وشرع الشرائع، وأمر بالحدود، لا لحكمة ولا لمصلحة يقصدها، بل ما ثم إلا مشيئة محضة" قال: "وأي رحمة تكون بهذه الشريعة؟ وكيف يكون المبعوث بها رحمة للعالمين، لو كان الأمر كما يقول النفاة؟"
من هم النفاة؟ نفاة الحكمة ونفاة التعليل، نفاة القصد، ما في مقصد، ما في قصد.
قال: "وهل يكون الأمر والنهي إلا عقوبة وكلفة وعبثاً" يعني لو قلنا بالقول الفاسد هذا ماذا ستكون الشريعة؟ ستكون عبث، قال: "تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً".
ثم يختم كلامه في هذه الفقرة في كتاب شفاء العليل: "ولو ذهبنا نذكر ما يطلع عليه أمثالنا من حكمة الله في خلقه وأمره، لزاد ذلك على عشرة آلاف موضع".
يعني: يقول ابن القيم في تقديره أنه هو والعلماء لو أرادوا استخراج عدد مواضع ذكر حكم الأحكام، لزادت عن عشرة آلاف موضع. قال: "مع قصور أذهاننا، ونقص عقولنا ومعارفنا"، قال: "وهل يمكن لفقيه على وجه الأرض أن يتكلم في الفقه، مع اعتقاده بطلان الحكمة، والمناسبة، والتعليل، وقصد الشارع بالأحكام، ومصالح العباد"، قال: "جناية هذا القول على الشرائع من أعظم الجنايات" هذا كلامه رحمه الله. [شفاء العليل1/205].
الأدلة على الشريعة مبنية على الحِكم:
00:27:20
 لو قيل: أنت أقنعتني عقلياً أن الأحكام هذه أكيد من ورائها حكم، ومن ورائها مقاصد، ومن ورائها غايات جليلة وعظيمة، لكن أعطني أدلة على ذلك.
وصف الله سبحانه وتعالى نفسه بقوله حاكياً عن نبيه هود:  إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ  [هود: 56]. هذا الموضع الأول.
الموضع الثاني: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ  [النحل: 76].
فإذن عندما نقول إن ربنا على صراط مستقيم، ما معناها؟ لا يفعل شيئاً ولا يحكم بشيء إلا لحكمة يحمد عليها، فأفعاله وقضاؤه، وقدره، وأحكامه كلها لا تخرج عن الحكمة، والمصلحة، والإحسان، والعدل، والصواب.
كما أن كلمات الله عز وجل لا تخرج عن العدل والصدق، كذلك فإن الفعل الخالي عن الحكمة، الخالي عن المصلحة عبث.
وأنت تقول كل يوم "سبحان الله"، فتسبيحك هذا يلزم منه تنزيه الله عن هذا الكلام، لو قلت إن الأحكام ما فيها تعليلات، ما فيها علل، مقاصد، حكم، ما فيها، معناه أنه عبث، يعني: صدرت عشوائياً وفوضوياً بلا قصد، هذا عبث ينزه الله عنه.
كما قال الله:  أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ  [المؤمنون: 115-116].
وقال عز وجل: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ  [الأنبياء: 16-17].
ولذلك الكلام هذا مهم في درء وساوس الشيطان، لا يفوت أن ننبه ونحن نتكلم في أهمية مقاصد الشريعة، أن نقول: إن هذا الباب دراسة هذا الباب من أبواب العلم مهم في محاربة وساوس الشيطان؛ لأن الشيطان قد يدخل عليك في أي حكم، أي حكم من الأحكام ويقول لك: وليش؟ وإيش الفائدة؟ وإيش المصلحة؟ وما يعني شكله ما في إيش يعني ليش أربعة أشهر وعشرة أيام، ليش العدة أربعة أشهر وعشرة أيام، إذا مات الميت يعني ليش.
فإذا صار الإنسان مؤمناً أنه في حكم من وراء كل حكم، وأنه في قصد لله تعالى وغاية، وفي من وراء هذا فائدة ومصلحة، فلو وسوس لك الشيطان في أي حكم، أي حكم، فسيكون عندك من القوة الإيمانية المبنية على العلم الشرعي والتحصين العلمي ما يدفع هذه الوساوس.
إذن هذه فائدة دراسة مقاصد الشريعة، الشريعة الإسلامية مفصلة وكاملة وشاملة لجوانب الحياة، تناولت كل النواحي:  قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ  رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ  [الأنعام: 162-163].
لو جئت إلى الجوانب المتنوعة ستجد فيها أحكام، إذا جئت إلى السياسة ستجد أن فيها أحكام:  وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ  [الأنفال: 61]،  وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ  [الشورى: 38].
في أحكام كثيرة تتعلق بالراعي والرعية، والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، والعلاقات الدولية بين المسلمين وغير المسلمين، والبغاة إذا خرجوا ماذا ينبغي وكيف.. أشياء تتعلق بالسياسة.
إذا جئت إلى الاقتصاد تجد أن الشريعة حاضرة،  وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ  [البقرة: 282]، وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ  [النساء: 5]، ونهى عن بيع ما لا يملك،  لا تبع ما ليس عندك  [رواه أحمد 15312، وصححه الألباني في الجامع الصغير 13162]. إلى آخره.
إذا جئت إلى القضاء ستجد أحكام كثيرة:  وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ  [النساء: 58]،  البينة على المدعي واليمين على من أنكر  [رواه البيهقي: 4371، وصححه الألباني في إرواء الغليل: 307].
إذا جئت إلى التعليم:  وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ  [آل عمران: 79]. ففي سياسات التعليم تبدأ بالقواعد قبل الجزئيات والفرعيات، بكبار العلم قبل صغاره:  وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً  [طه: 114]. فإذن تجد أن فيه نصوص كثيرة.
تقول فرنسية أسلمت: "لقد وجدت في الإسلام منهاج حياة يجيب عن كل التساؤلات، وينظم للإنسان حياته وفق ما ينفعه ويتناسب مع فطرته في المأكل، والملبس، والعمل، والزواج، والاختيارات في الحياة، والعلاقات بالآخرين، ومن ثم فلا عجب أن يوصلني هذا الدين إلى الاطمئنان النفسي".
هؤلاء الذين أسلموا في بعض كلامهم ما يشهد لموضوعنا هذا، أن الذي قادهم للإسلام مثلاً شمول الشريعة، وحكم الشريعة، وأن وراء كل شيء مغطى، وكل شيء وراءه حكمة، كل شيء في الحياة مغطى للشرع مشمول، وكل شيء وراه حكمة، وأن هذا يعني ما فيه لا قانون سويسري، ولا أمريكي، ولا ألماني، ولا إيطالي، ولا صيني، ولا ياباني، ما في شيء يغطي كل الحياة، وما في شيء مدروس بحيث يكون وراه الحكم التي لا تخترق، ولا يعني يعترض عليها، ولا يتبين أنها مزيفة، أو مرجوحة، أو فاسدة، ما هو موجود ما في ما في.
يعني: أبسط الأشياء هؤلاء الغربيون من أولهم إلى آخرهم، في أمريكا وأوربا، ما عندهم في حياتهم مثلا الاستنجاء، وغسل والطهارة من النجاسة ما عندهم، يتبول ويلبس ثيابه على بوله، ما فيه، هذه أبسط شيء، فكيف ببقية الأشياء.
الشريعة مرنة وتناسب كل زمان ومكان:
00:35:08
 أنت تجد أن الشريعة غير قابلة للاختراق بإيرادات صحيحة، يعني ما في مثلاً حكم نسف، أو أنه اتضح أن الحكم هذا ما هو بمصلحة العباد، ما في حكم كذا اتضح أن الحكمة منه خطأ ما فيه حكمة، أو أنه كان ينبغي بشكل آخر، ما في، يعني هات أي حكم في البيع، في الشراء، في الميراث، في النكاح، في الطلاق، في الحضانة، في الكفالة، في الحوالة، في الرهن، في القضاء، في التعزيرات، في الجهاد، هات أي حكم ثبت أو أثبت أنه هو خطأ، ما في.
بينما قوانين البشر دائمة التعديل، يكتشفوا فيها أخطاء دائماً، هذا ما فصل، هذا لازم نحط فيه إضافة، هذا العقوبة غير مناسبة، الأشياء البشرية التغييرات فيها مستمرة.
كذلك يعني مقاصد الشريعة علم يبين لك أن الشريعة مرنة، وأن الشريعة تناسب كل الأزمان وكل الأماكن: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: 1].
يتبين لك أن الشريعة متينة محكمة ما فيها ثغرات:  وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ  [فصلت: 41-42].
وبالاستقراء وجد العلماء أن أدلة الشريعة قائمة على تحقيق مصالح العباد:  إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ  [الإسراء: 9].
فنجد أن الشرع جاء بتحصيل المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها، فالشريعة عدل كلها، ورحمة كلها، مصالح كلها، وحكمة كلها.
قال الشاطبي رحمه الله: "والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد"، وقال أيضاً: "المعلوم من الشريعة أنها شرعت لمصالح العباد، فالتكليف كله إما لدرء مفسدة، وإما لجلب مصلحة، أو لهما معاً". [الموافقات: 1/318].
طيب، يتضح أيضاً من خلال استقراء نصوص الشريعة: أن الشريعة ما جاءت لإعنات العباد، ولا للمشقة عليهم، ولا لإيقاعهم في الحرج:  مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ  [النساء: 147]، بل جاءت للرحمة والتيسير: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ [البقرة: 185].
قلنا أن هناك مقاصد للشريعة عامة، ومقاصد للشريعة خاصة، ومقاصد جزئية، ما هي مقاصد الشريعة العامة؟ التي تعم أبواب الشريعة، مثل حفظ الضرورات الخمس كما قلنا، مقاصد الشريعة الخاصة التي تخص باباً معيناً من الأبواب، مثل القضاء، مثلا النكاح، البيوع، وهكذا.
مقاصد الشريعة الجزئية، ما هي الحكمة أو ما هي المصلحة من وراء هذا الحكم المعين؟ أمر، نهي مثلاً.
يعني: لماذا حرم الزنا؟ لماذا حرم الخمر مثلاً؟ أما بالنسبة للحكم العامة، أو مقاصد الشريعة العامة فهي المعاني الإجمالية الكلية، التي راعاها الشارع في إنزال هذه الشريعة والحكم بها، يعني: لما فرضها تعالى، لما شرع كل هذه الأحكام، ما هي الأشياء التي روعيت موضع نظر الرب سبحانه وتعالى، وماذا قصد الله من وراء هذه الأحكام؟
في مقاصد عامة ماذا أراد الله من وراء ذلك عموماً؟ من وراء كل هذه الشريعة.
فيمكن واحد كما قلنا يجيب إجابات عامة، مثلاً نقول إسعاد العباد في المعاش والمعاد مثلاً، المحافظة على الضرورات الخمس للناس: حفظ الدين، وحفظ العقل، وحفظ المال، حفظ النسب العرض، حفظ النفس.
لما نتكلم على هذا أو في هذا الموضوع، سنجد نصوصاً مثلا: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ  [النحل:90]. كلمة العدل والإحسان يعني هذه من المقاصد العامة للشريعة، يعني هذا كلما نظرت في أي حكم من الأحكام ستجد فيه نوع من العدل أو الإحسان.
كذلك من الحكم العامة أو المقاصد في الشريعة العامة، اللي هي ليست خاصة في باب واحد ولا في حكم واحد: تعبيد المكلف لله، تعبيد الناس لرب العالمين.
ما المقصود من كل هذه الأحكام؟ أن تتذلل النفوس لخالقها، أن تطيع النفوس ربها، أن تمتثل أمره، أن تعتاد شرعه، أن لا تخرج عنه، أن تسعى في مرضاته.
والله ما نظرنا في الشريعة كلها وجدنا أنها تصلح القلب، توجه النفس، فيها الإخلاص، يكتسب الإنسان مثلاً الإقبال على الله.
من مقاصد الشريعة أنها يسيرة وتنفي الحرج:
00:42:15
 من مقاصد الشريعة العامة ككل مثلاً: نفي الحرج، درء الحرج، درء الشدة:  يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ  [البقرة: 185].
إذن رفع العسر، رفع الحرج، خلاص واحد جاء في رأسه شجة واستعمال الماء يهلكه ما يستعمله.
لماذا التيمم؟ لرفع الحرج. ليش الجمع بين الصلاتين؟ لئلا يحرج أمته.
لماذا الجمع والقصر في السفر؟  فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا  [النساء: 101].
العدل، مثلاً:  وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ  [الرحمن: 7-9]. حتى مع العدو:  وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا  [المائدة: 8].
ولذلك عبد الله بن رواحة لما حاول اليهود رشوته، وجمعوا له حلياً من حلي نسائهم، قالوا: هذا لك وخفف عنا وتجاوز في القسم. قال: "يا معشر اليهود أنتم أبغض الخلق إليّ، أنتم أبغض إليّ من أعدادكم من القردة والخنازير، قتلتم أنبياء الله، وكذبتم على الله، ولكن وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم" يعني بالرغم من كل هذا، أنتم الآن حاولتم الرشوة، ومع ذلك لن أنقصكم قسمكم الذي نزلتم فيه على العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، "قد خرصت عشرين ألف وسق من تمر، فإن شئتم فلكم وإن أبيتم فلي، قالوا  بهذا قامت السموات والأرض، قد أخذنا". [سنن الدارقطني: 23].
إذن هذا يجعل حتى الأعداء يرتاحوا نفسياً يرتاحوا نفسياً بهذا قامت السموات.. ويعترفوا.
هذا بالنسبة أمثلة على الحكم العامة من وراء أو في مقاصد الشريعة ككل.
وإذا جئنا إلى أبواب معينة، يعني مثلاً عندنا عبادات وعندنا معاملات.
إذا نظرنا إلى العبادات: ما هي المقاصد من أحكام العبادات؟ المقاصد العامة من أحكام العبادات ما هي؟ يشبه بعض ما سبق، يعني الخضوع لله، والتذلل له، والتوجه إليه، والانقياد، وعمارة القلب بذكره، وتعبيد الجوارح له، ومراقبة الله عز وجل، والحرص على طاعته، إلى آخره، ما هي الحكمة من العقوبات؟
الآن الشريعة فيها حدود وفيها تعزيرات، فيها عقوبات، ما هي الحكمة من وراء ذلك؟ جوابر لأصحابها، تجبر النقص والخلل، وتعوض وتكفر وتطهر.
قال: ومن أصاب من ذلك شيئاً، فعوقب به في الدنيا، فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه.
ما الحكم أيضاً من وراء العقوبات والتعزيرات، غير التطهير؟
الردع والزجر:  جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً  [المائدة: 38]،  ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا  [المائدة: 33]، وشفاء غليل الصدور، يعني: إرضاء المجني عليه،  وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً  [الإسراء: 33]، ليشفي غليله، حتى يرضى، يعيش الآن هو يعيش طيلة عمره منكد من هذا الذي فعل بوليه وفعل: وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ  [الشورى: 41].
مصالح أحكام الشريعة على مستوى الفرد:
00:47:15
 طيب، إذا جئنا إلى الأحكام المعينة الفردية.
قلنا مثلاً الصيام، ماذا وراءه؟ تحصيل التقوى، مع أنه ليس هو الوحيد، ما هو هذا ليس المقصد الوحيد، لكن هذا المقصد الأعظم.
طيب، تطهير النفوس من الأخلاق السيئة، أيضاً حتى الصيام:  من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه  [رواه البخاري 1903]، نجد مثلاً من الحكمة: غض البصر وإحصان الفرج:  فمن لم يستطع فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج...فإنه له وجاء  [رواه البخاري 1905، ومسلم 1400].
وطبعاً أنت تستطيع أن تستخرج، تقول والله أيضاً: الإحساس بحاجة الفقراء، في قضية واحدة وهي الصيام مثلاً.
ولما تأتي للبيع تقول: ماذا قصد الشرع من وراء، ما هي المصلحة؟ ما هي الحكمة؟ لماذا أحل الشارع البيع؟ طيب فيها قضاء حوائج العباد، وتبادل المنافع، وتحقيق الرواج، وتشجيع الزراعة والصناعة والإنتاج، وهكذا، تجي والله ما هو المقصد من وراء مثلاً مشروعية النكاح؟
يعني إشباع حاجة الإنسان بالحلال والبعد عن الحرام، خلاص هذا يلبي نداء الفطرة، يلبي الفطرة:  وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ  [المعارج: 29-30].
تحصيل السكن والمودة والأنس والألفة، الألفة الإلف:  وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً  [الروم: 21].
والله من وراء ذلك وجود النسل:  تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم [رواه ابو داود: 2052، وقال الألباني: "حسن صحيح" في صحيح وضعيف سنن أبي داود: 2050].
من وراء ذلك: بناء المجتمع. هذه لبنات هذه الأسرة،  وإذا جئت إلى الجهاد، وقلت: ما وراء ذلك من الحكم والمقاصد؟
ستجد والله هذا الجهاد يصلح النفوس: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا  [العنكبوت:69].
والمنافقون لا يريدون الجهاد، لا يريدون تطهير أنفسهم أصلاً، والمؤمنون عندهم بذل وتضحية.
من وراء ذلك كسر الطغاة، من وراء ذلك إزالة الشرك، من وراء ذلك إزالة الفتنة:  وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ  [البقرة: 193]، وكسر الطغاة والجبابرة، وإزالة الظلم عن العباد، وتحقيق التوحيد، وتحقيق الشرع، وليحكم في الأرض بشرع الله عز وجل، ويكون الدين كله لله، وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وحماية المسلمين، وهؤلاء المستضعفين من النساء والرجال والولدان: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ  [البقرة:251].
يعني الجهاد أيضاً لإصلاح الأرض، وهكذا وهكذا من أنواع.. بل لو قلت: والله شف هذا الجهاد ينقذ الله به كفاراً من النار، ألم يقل لنا نبينا صلى الله عليه وسلم أنه تعجب من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل، في رواية أبي داود:  يقادون إلى الجنة بالسلاسل  [رواه أبو داود 2679، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود 2677]،  وعجب الله من قوم يدخلون الجنة بالسلاسل  [رواه البخاري: 3010]. وهذا في البخاري.
إذن كيف هذا؟ كيف يكون من مقاصد الجهاد يعني؛ لأن هؤلاء إذا أخذوا أسرى، أو إذا أخذوا في السبي تربوا عند المسلمين، نشأوا عند المسلمين، خلاص دخلوا عند سلطان المسلمين، في البداية يكونوا كارهين ومسلسلين ومقيدين مصفدين وأسرى، ثم خلاص يصير في اندماج، ويبدأ يرى حياة أخرى، أحكام أخرى، شرع ما كان يعرفه، فيدخل الإيمان قلبه ويؤمن، ويقتنع ويسلم ويحسن إسلامه ويدخل الجنة.
إذا جئنا مثلاً إلى قضية مثلاً إيجاب العدة، الآن فقط نضرب أمثلة يعني، يعني في قضية الأحكام المعينة الفردية، الأحكام كأفراد أفراد الأحكام، مثلاً العدة:  وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ  [البقرة: 228].
طيب لماذا العدة؟ حتى تحصل براءة الرحم، ما تختلط الأنساب.
أيضاً من مقاصد العدة: أن يعود الزوجان لبعضهما، أليس هو الآن إذا طلق الطلقة الأولى والطلقة الثانية في عدة، لعله لعلها:  لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً  [الطلاق:1]، كذلك يعني العدة، حتى لو قلت يعني عدة وفاة، حتى لو عدة الطلاق الثالث.
طيب عدة الوفاة تلبية حاجة بشرية لنفس الزوجة في الحزن على زوجها، يعني هي الآن لما، إذا مات زوجها هذه مصيبة كبيرة، هذا الأصل طبعاً الأصل، يعني بعيداً عن فساد الناس وما حصل من التغييرات المنكرات يعني، الأصل أن المرأة إذا مات زوجها تحزن، الحزن هذا كيف يعالج؟ كيف يعالج الحزن؟ كيف عالجت الشريعة حزن المرأة على زوجها، وقد فقدت سندها بعد الله وكافلها، و و إلى آخره.
كونها الآن تمنع من الزواج بعده، والإحداد ممنوع الزينة، ما في طيب، ولا ملابس جميلة، ولا كحل، ولا حناء، ولا تجمل.
طيب هذا طبيعي أن الحزن إذا جاء الإنسان يمكن ما يعني حتى قضية الأكل والشرب تخف، وحتى قضية الرغبة في ثياب جميلة، وكحل، وطيب، يعني تخف، نفسياً يعني، فوافق الشرع الحاجة النفسية، بل جعلها ممنوعة هذه، وممنوع الزواج، يخبر المرأة عن عظم حق الزوج عليها، وعدم نسيان الفضل بينهما، وأن الزوج حقه عظيم، وأنه لما مات منعت من كذا وكذا وكذا.
طيب غير قضية طبعاً، ليست المسألة براءة الرحم فقط، ولذلك يخطئ أحياناً من لا يعرف مقاصد الشريعة، يجي واحد يسأله: لماذا أربعة أشهر وعشرة أيام؟
يقول: إيه براءة الرحم، طيب يمكن الرحم يستبرأ بأقل من هذا، ممكن يستبرأ بحيضة مثلاً، فلابد نعرف المسألة أنه ليس يعني كل ما يتبادر إلى الذهن أنه سبب قد يكون سبباً صحيحاً، أو قد يكون السبب الوحيد.
يقول الدكتور جمال الدين إبراهيم استاذ علم التسمم بجامعة كاليفورنيا، ومدير معامل أبحاث الحياة فيها: "إن دراسة بحثية في الجهاز المناعي للمرأة كشفعت عن وجود خلايا مناعية مخصصة لها ذاكرة وراثية، تتعرف على الأجسام التي تدخل جسم المرأة، وتحافظ على صفاتها الوراثية، وهذه تبقى في جسم المرأة مائة وعشرين يوماً في جهازها التناسلي".
طبعاً بغض النظر الآن عن صحة هذه، لكن عموماً هذه النتيجة تتوافق مع ما جاء في الشرع بشأن ذلك، وأن الدراسة أكدت أنه إذا تغيرت أي أجسام دخيلة للمرأة مثل السائل المنوي قبل هذه المدة يحدث خلل في الجهاز المناعي، يعني لا يمنع أن يكون هذا الكلام صحيحاً.
وكشفت الدراسة أن تلك الخلايا المتخصصة تحتفظ بالمادة الوراثية للجسم الدخيل الأول لمدة مائة وعشرين يوماً، وبالتالي إذا حدث علاقة زواج قبل هذه الفترة ونتج عنها حدوث حمل، فإن الجنين يحمل جزءاً من الصفات الوراثية للجسم الدخيل الأول والجسم الدخيل الثاني.
الآن نحن يكفينا حديث:  من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه زرع غيره  [رواه الطبراني في الكبير: 4483، وحسنه الألباني في الجامع الصغير: 11453]، فحتى ما تصير في بصمة وراثية من الأول وبصمة وراثية من الثاني، ممكن تتداخل الصفات الوراثية من المائين في الجنين الجديد، وقد وُجد أن اشتباك المياه في الرحم الواحد من أسباب السرطانات العظيمة، ولذلك الخيانات الزوجية هذه من نتائجها.
وكذلك الآن الغرب مثلاً الغربيون عندهم عدة مثلنا ثلاث حيضات، وإذا كانت آيسة أو صغيرة ثلاثة أشهر، وإذا مات زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام، ما الكلام هذا غير موجود.
لكن نجد أن بعض يعني خبرائهم، وبعض أطبائهم في مسألة العدد هذه، صار عنده فيها يعني نوع من الاكتشافات بينت لهم أموراً.
يعني أنه فعلاً هذه قضية أن هذه البصمة للزوج في الزوجة نتيجة دخول ماء الزوج إلى رحم الزوجة يصير في بصمة معينة، وهذه البصمة تبقى مدة، تبقى مدة، وإذا دخل ماء آخر لرجل آخر سيضع بصمة أخرى مع تلك البصمة، وممكن البصمة الثانية تؤثر مع البصمة الأولى في الجنين إذا وجد فيصير في تداخل، ممكن يصير نتيجة ذلك أمراض، بلايا، طوام.
وكذلك أنت إذا جئت مثلاً إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقلت المقاصد من وراء ذلك، ستجد أشياء كثيرة جداً، هذه يرد بها على المنافقين.
ففيها حماية للمجتمع من الفساد، وفيها إنقاذ المجتمع، والمحافظة على أمنه، والمحافظة على شرائع الدين، وقل ما شئت أيضاً من الإيجابيات في هذا الموضوع.
المقصود أيها الإخوة والأخوات: أن الشريعة فيها مقاصد، سواءً كلية في كل الشريعة، أو في أي باب من أبوابها، أو في أي حكم من أحكامها.
بذلك نكون قد أنهينا الحلقة الأولى في مقاصد الشريعة، وهي بناء الشريعة على الحكم، أنها مبنية على الحكم، وأن الأحكام مبنية على الحكم.
سنكمل بمشيئة الله غداً بعد صلاة المغرب في هذا الموضوع...وصلى الله وسلم على نبينا محمد.