الثلاثاء 1 ربيع الآخر 1439 هـ :: 19 ديسمبر 2017 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

(1) آداب تلاوة القرآن


عناصر المادة
المقدمة:
سنتكلم اليوم إن شاء الله تعالى في موضوع الآداب الشرعية عن آداب تلاوة القرآن الكريم.
فضل تلاوة القرآن:
ولا شك أن هذا الكتاب هو حبل الله الممدود،  الممدود  من ربنا إلينا من تمسك به هُدي، ومن اعتصم به فاز،  والفوز هو الجنة.
((يجئ القرآن يوم القيامة، فيقول: يا ربِ حله؟ فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده؟ فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب ارض عنه، فيرضى عنه، فيقول: اقرأ وارق، وتزاد بكل آيةٍ حسنة)) [رواه الترمذي: 2915، وقال: "حديثٌ حسن صحيح"، وحسنه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي: 2915].
هذا شيءٌ من فضل تلاوة القرآن، وما لقارئ القرآن من الأجر.
وهو وصية النبي صلى الله عليه وسلم التي أوصانا بها، كما روى الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده، عن أبي سعيد: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((أوصيك بتقوى الله تعالى فإنها رأس كل شيء، وعليك بالجهاد، فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن، فإنه روحك في السماء، وذكرك في الأرض)) [رواه أحمد: 11791، وقال محققو المسند: "إسناده ضعيف].
والله عز وجل قد أوصانا بكتابه في كتابه، بوصايا كثيرة، فيها: الأمر بتلاوة القرآن وترتيله، قال تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} [المزمل: 4]. {الذين يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران: 113]. {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191]. {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر: 9].
فالذي يقرأ كتاب الله عز وجل لاشك أنه هو الفائز يوم القيامة.
آداب تلاوة القرآن:
وهذا الكتاب العزيز تلاوته لها آداب، ومن آداب هذه التلاوة:
الإخلاص في تلاوة القرآن:
أولاً: الإخلاص لله سبحانه وتعالى: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا يوم القيامة عمن تسعر بهم النار، وهم ثلاثة، فمنهم: ((قارئ للقرآن)) والسبب -ولا شك- في تسعير النار به يوم القيامة هو أنه لم يكن من الذين أخلصوا لله سبحانه وتعالى في ذلك، ولذلك هؤلاء الثلاثة الذين تسعر بهم النار، قال النبي عليه الصلاة والسلام فيهم: ((إن الله إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمةٍ جاثية، فأول من يُدعى به رجلٌ جمع القرآن، ورجلٌ قتل في سبيل الله، ورجلٌ كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلتُ على رسولي؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت بما علمت؟ قال: كنتُ أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلانٌ قارئ، فقد قيل ذلك -أخذت أجرك في الدنيا- ثم يسحب إلى النار)) -والعياذ بالله- [رواه الترمذي: 2382، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 22].
فلا بد من الإخلاص لله سبحانه وتعالى في التلاوة.
الطهارة:
ومن آداب تلاوة كتاب الله العزيز كذلك: أن يتلوه على طهارة، ولا شك أن تلاوته على طهارة أفضل، وإن حصل الخلاف بين أهل العلم في حكم الطهارة لتلاوة القرآن لمس المصحف.
أما بالنسبة للتلاوة، فلا شك أن مجرد التلاوة بدون مس المصحف لا يشترط لها الطهارة، بمعنى زوال الحدث الأصغر والأكبر معاً، وإنما إذا كان على جنابة لا يقرأ حتى يغتسل، وعذره يزول، بخلاف عذر الحائض التي تمكث وقتاً لا تستطيع أن تزيل عذرها بيدها، ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إني كرهتُ أن أذكر الله عز وجل إلا على طهرٍ)) [رواه أبو داود: 17، وقال الألباني: "إسناده صحيح على شرط مسلم" كما في صحيح أبي داود: 13].
لا شك أن أعلى ما يُتطهر له هو كلام الله تعالى.
قال الجويني رحمه الله: "لكن تجوز القراءة للمحدث حدثاً أصغر؛ لأنه صح أن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان يقرأ مع الحدث" لكن هذا الحديث، ليس بمعروف، والذي ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يذكر الله على كل أحيانه [رواه مسلم: 852].
ومن هنا قال بعض العلماء: ما دام أنه كان يذكر الله على كل أحيانه، فقراءة القرآن من ذكر الله.
ولذلك يرى بعضهم جواز قراءة القرآن للجنب.
لكن الأحوط أن الجنب لا يقرأ القرآن، والأفضل أن يتطهر الإنسان لقراءة القرآن.
والراجح للحائض: أنه يجوز لها قراءة القرآن، لكن دون مس المصحف، فإن احتاجت إلى مسه بخشبةٍ أو بقلمٍ أو بقفازٍ أو بخرقةٍ، ونحو ذلك.
التسوك عند تلاوة القرآن:
ويستحب كذلك من آداب التلاوة: التسوك، وقد جاء عدد من الأحاديث في هذا الموضوع، فمن ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن العبد إذا تسوك، ثم قام يصلي، قام الملك خلفه فيستمع لقراءته، فيدنو منه أو كلمة نحوها، حتى يضع فاه على فيه، فما يخرج من فيه شيء من القرآن إلا صار في جوف الملك، فطهروا أفواهكم للقرآن)) [رواه البزار: 603، وقال الألباني: حسن صحيح كما في صحيح الترغيب والترهيب: 215].
فإن من فوائد السواك للقراءة:
1- أنه لا يخرج من فم قائم الليل المصلي الذي يقرأ القرآن آية إلا دخلت في فم الملك.
2- أن الملك يضع فاه على فم قارئ القرآن، القائم بالليل.
الاستعاذة عند إرادة تلاوة القرآن:
وكذلك من آداب تلاوة القرآن: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم؛ لأن الله تعالى قال: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98].
ومعنى: {فَإِذَا قَرَأْتَ} أي: إذا أردت القراءة.
قال بعض أهل العلم: يجب التعوذ عند قراءة القرآن لظاهر الأمر.
وجمهور العلماء على استحباب ذلك.
ومن أفضل الصيغ: ((أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه)) كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. [رواه أبو داود: 775، والترمذي: 242، وأحمد: 11491، وصححه الألباني في صحيح أبي داود: 748].
والاستعاذة ليست آية من القرآن، ولذلك لا ترتل ترتيلاً، وإنما تقال: بصوتٍ عال، فإذا بدأ يقرأ رتل، الترتيل المعروف، وميَّز صوته بالتلاوة.
ومن فوائد الجهر بالتعوذ: إظهار شعار القراءة، وأن السامع ينصت للقراءة، ويعلم ماذا سيقوله القارئ: أن بعده قرآن.
قال ابن الجزري رحمه الله: المختار عند أئمة القراءة، الجهر بها. [الإتقان في علوم القرآن: 1/281].
وقال بعضهم: يُسر بها.
وعلى أية حال: إذا تعوذ، يُسمع نفسه.
وهنا مسألة: إذا كان جماعة في مقام التعليم يقرؤون، فتعوذ الأول وقرأ، ثم توقف ليقرأ الثاني، فلا يجب إعادة الاستعاذة؛ لأن القراءة هنا في حكم المتصلة، فلا يجب إعادة الاستعاذة من القارئ الثاني والثالث، وهكذا.
البسملة في أول كل سورة غير براءة:
ومن آداب تلاوة القرآن كذلك: البسملة: أن يحافظ على قراءة البسملة أول كل سورة غير براءة، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف انقضاء السورة وابتداء السورة التي تليها بالبسملة، إلا في موضعٍ واحد، وهو ما بين الأنفال وبراءة، فإن الصحابة تركوهما بغير بسملةٍ بينهما؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم توفي ولم يبين لهم، هل الأنفال وبراءة سورة واحدة أم لا؟
فلو وضعوا البسملة صارتا سورتين منفصلتين، وإذا لم يضعوا البسملة في بداية السورة لتوهم الناس أنهما سورة واحدة، فتركوهما بهذا الشكل الموجود الآن.
وكذلك بما أن البسملة آية، فالسنة ألا تُوصل بما بعدها، فيستعيذ بالله ثم يتوقف، ثم يقرأ البسملة ويتوقف، ثم يشرع في قراءة الآيات، أو السورة.
وبما أن البسملة هي في بداية كل سورة، فإذا بدأ من وسط سورة، فإنه يكتفي بالاستعاذة.
ترتيل القرآن:
ومن آداب التلاوة كذلك: ترتيل القرآن؛ لأن الله قال: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} [المزمل: 4].
ونعتت أم سلمة قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءةً مفسرةً حرفاً حرفاً، وفي البخاري سئل أنس كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كانت مدا، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، يمد ببسم الله- أي: المد الطبيعي حركتين-، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم" [رواه البخاري: 5046].
وفي الصحيح عن ابن مسعود: أن رجلاً قال له: "إني لأقرأ المفصل في ركعة؟ فقال عبد الله: هذا كهذ الشعر؟" -ينكر عليه، أي: الإسراع بالقراءة- "إن أقواما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع" [رواه مسلم: 1945].
وقال ابن مسعود -كما أخرجه الآجري-: "لا تنثروه نثر الدقل" -أي: التمر الرديء- "ولا تهذوه كهذ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن همَّ أحدكم آخر السورة" [أخلاق أهل القرآن، ص: 3].
والترتيل للتدبر، ويعين عليه، وهو أشد تأثيراً في القلوب.
مراتب الإسراع والبطء في قراءة القرآن:
وعلماء القراءة يذكرون أن مراتب الإسراع والبطء في القراءة أربعة:
1- التحقيق.
2- والتدوير.
3- الترتيل.
4- الحدر.
والترتيل، هو الموافق لنص كتاب الله -تعالى-.
والإنسان قد يكون في موضع يريد فيه أن يسرع شيئاً ما، وفي موضع يريد فيه أن يبطئ شيئاً ما.
قد يريد مراجعة حفظ سورة -مثلاً- فيُسرع، وقد يريد أن يتدبر، أو يبحث عن شيء فيتمهل، فهذه المسألة تعود للمصلحة الشرعية، وقد يريد أن يلقن تلميذاً أو صغيراً فيتمهل معه في الأداء، وقد يريد أن يقرأ لنفسه فيكون أسرع.
أما المبالغة في البطء الموجودة في قراء الإذاعات وغيرهم، مما تنفر منه أسماع الناس، فلا شك أن هذا تكلفٌ مقيت، وقد نهينا عن التكلف.
تفخيم التلاوة:
ومن آداب تلاوة القرآن كذلك: تفخيم التلاوة.
ومعنى: التفخيم، أي: أنه لا يقرأه بصوتٍ كصوت النساء إذا كان رجلاً -مثلاً-، وإنما يفخمه إذا كان رجلاً، يقرأ كل شخصٍ بطبيعته، الرجل بطبيعته، والمرأة بطبيعتها، وإنما المقصود أنه لا يتشبه بالنساء، أو بميوعة في الكلام عند تلاوته، وممن ذكر ذلك الزركشي رحمه الله في كتابه: "البرهان". [البرهان في علوم القرآن: 1/467].
الاجتماع لتلاوة القرآن:
ومما يتعلق كذلك بآداب التلاوة: الاجتماع لتلاوته، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)) [رواه مسلم: 7028].
فالاجتماع لتلاوة القرآن ومدارسته، من السنن والمستحبات العظيمة.
ولا يعني قوله: ((يتلون كتاب الله)) أي: يتلونه بصوت واحد.
كما لا يعني قوله: ((يتلون كتاب الله)) أي: كل واحد يقرأ وراء الآخر، مقطع مقطع، كما يفعل كثيرٌ من الناس؛ لأنه قد ثبت عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم كانوا إذا جلسوا أمروا واحداً منهم أن يقرأ ويستمع الباقون.
أما طريقة الإدارة في التلاوة، أي: أن يقرأ كل واحد مقطع، ثم يقرأ الآخر، فهذه طريقةٌ مكروهة، وبعضهم يقول: مبتدعة إلا في مقام التعليم، يعني التعليم عند شيخ، يأمر شخصاً أن يقرأ، ثم يأمر الآخر، وهكذا.. الثالث والرابع، أو في التحفيظ -مثلاً- يسمع الأول ثم الثاني ثم الثالث.
لكن إذا اجتمعوا مجموعة في المسجد، أو في غيره، ما هي السنة؟
أمروا واحداً منهم أن يقرأ، مثل أن يكون أنداهم صوتاً، أو أفضلهم قراءةً، واستمع الباقون.
وكذلك من آداب التلاوة: تحسين الصوت بالقرآن؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً)) [رواه الحاكم في المستدرك: 2125، والدارمي: 3501، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح: 2208].
وفي رواية: ((حُسن الصوت؛ زينة القرآن)) [رواه الطبراني في الكبير: 9881، وحسنه الألباني في صحيح الجامع: 3144].
وكلاهما حديثان صحيحان عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فتحسين الصوت: تجميله، وتزيينه، والاعتناء به، والإبداع فيه.
وسيأتي لهذا مزيد من الشرح إن شاء الله.
تحسين الصوت بالقراءة:
وكذلك من آداب التلاوة: أن يتغنى بالقرآن، وهذا تابع لما ذكرناه قبل قليل، من تحسين الصوت به، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن)) [رواه البخاري: 7527].
وكذلك حديث: ((ما أذن الله لشيءٍ ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به)) [رواه البخاري: 7544، ومسلم: 1883].
فالتغني بالقرآن من آداب التلاوة ومستحباتها.
ومعنى: التغني، تحسين الصوت.
عدم الجهر بالقراءة على الآخرين:
وكذلك من آدابها: ألا يجهر شخصٌ على شخصٍ بالقراءة، فيرفع صوته، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن)) [رواه أحمد: 19044، وقال محققو المسند: "حديث صحيح" وصححه الألباني في مشكاة المصابيح: 856].
لئلا يكون ذلك سبيلاً إلى التشويش.
الكف عن القراءة عند النعاس والتثاؤب:
ومن آداب التلاوة: أنه إذا نعس كف عن القراءة: فقد روى أحمد ومسلم وغيرهما، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا قام أحدكم من الليل، فاستعجم القرآن على لسانه، فلم يدر ما يقول، فليضطجع)) [رواه مسلم: 1872، وأبو داود:1313، وأحمد: 8214].
يعني يذهب وينام، حتى لا يخلط القرآن بغيره، أو تلتبس عليه الآيات، فيُقدم ويُؤخر، أو يهذي، ويذكر حروفاً ليست فيه، ونحو ذلك مما يفعله النعسان.
فإذا نعس، فعليه أن يذهب وينام.
الاعتناء بالسور التي لها فضل:
وكذلك من آداب تلاوة القرآن: أنه يعتني بالسور التي لها فضل، فيُكثر من قراءتها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة! فإنه من قرأ:  {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ}  [الإخلاص:1-2] في ليلة فقد قرأ في ليلته ثلث القرآن)). [رواه البخاري: 5015].
وفي رواية أنه قال: ((احشدوا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن)) ثم قرأ عليهم سورة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [رواه مسلم: 1924].
إذاً، المتابعة، والاعتناء بالآيات التي فيها فضل عظيم، أو السور التي فيها أجر، يكون مما ينبغي لتالي القرآن الكريم.
عدم قراءة القرآن في الركوع والسجود:
من آداب التلاوة: ألا يقرأ القرآن في الركوع والسجود: لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((أيها الناس: إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو تُرى له، ألا وإني نهيتُ أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود، فاجتهدوا في الدعاء، فقمنٌ أن يستجاب لكم)) [رواه مسلم: 1102].
وقد ذكرنا -في الدرس الماضي-: أن علة هذا ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله من أن الركوع والسجود من مواضع الذل، فلا ينبغي أن يقرأ القرآن في مواضع الذل، وإنما فيه تسبيح الله سبحانه تعالى.
وذكر أهل العلم أنه إذا قرأ شيئاً من القرآن في الركوع أو السجود، وأتى بدعاء من القرآن بقصد الدعاء، فإنه لا بأس به، كأن يقول: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201]. {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} [الفرقان: 74].
ونحو ذلك مما ورد من الأدعية في القرآن على سبيل الدعاء، فلا بأس به.
الصبر على الصعوبة في القراءة:
وكذلك من آداب التلاوة: أن يصبر الشخص الذي يجد صعوبةً في التلاوة عليها، مثل العامي الذي يتعب في القراءة؛ لأنه لم يدرس ذلك، أو لم تهيأ له الفرصة لذلك، أو الشخص الذي في لسانه شيء، أو في تركيبة أسنانه شيء، قد يكون يشق عليه القراءة، فيصبر على ذلك، وأجره عظيم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذى يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، وهو عليه شاق، له أجران)) [رواه مسلم: 1898].
فلو صبر على هذه المشقة، يحاول أن يتعلم ما استطاع، فلا شك أنه يؤجر أجراً عظيماً.
ألا يقرأ القرآن في أقل من ثلاثة أيام:
ومن آداب تلاوة القرآن: ألا يقرأ القرآن في أقل من ثلاثة أيام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث)) كما روى ذلك أبو داود والترمذي وابن ماجة، عن ابن عمر مرفوعاً. [رواه أبو داود: 1396، وقال الألباني في صحيح أبي داود: "إسناده صحيح على شرط الشيخين": 1260].
لكن قد يبحث الإنسان عن دليل معين، فيستعرض القرآن في ذهنه استعراضاً، كما فعل الشافعي -رحمه الله-، فقد استعرض القرآن كله في ليلة يبحث عن دليل الإجماع، ثلاث ليالي، فهذا لا يسمى: تلاوة، ونطبق عليه أحكام التلاوة، وآداب التلاوة، فنقول: لا بد من الترتيل، ونحو ذلك، وإنما هذا استعراض يستعرضه في ذهنه يبحث عن شيءٍ معين، فتمر الآيات بسرعة في مخيلته، ولذلك لو أنه لم يحرك لسانه، ولم يجرِ النفس، لا يعتبر قراءة، ولا يؤجر عليها أجر القراءة لما أوصى بقراءة القرآن، وأخبر أن في كل حرف عشر حسنات: ((لا أقول: آلم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)) [رواه أبو داود: 2910، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 1416].
هذا الأجر لا يحصل لمن  تخيل في ذهنه السورة، كما يفعل بعض الناس خطأً في الصلاة، فإنهم يطبقون شفاههم، ولا يحركون ألسنتهم، ولا يجري النفس بالقراءة، ولا يُسمع نفسه، فهذا الشخص لا يعتبر قرأ، ولا يعتبر أنه قرأ الفاتحة، هذا استعرض الفاتحة في ذهنه استعراضاً فقط.
فعلى آية حال: إذا حصل شيءٌ من أجل استعراض، أو من أجل مراجعة حفظ معين، لشيءٍ معين، فلا ينطبق عليه هنا النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث.
البكاء عند تلاوة القرآن الكريم:
وكذلك من آداب التلاوة: البكاء عند تلاوة القرآن الكريم؛ لأن الله قال: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً} [الإسراء:109].
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر ابن مسعود أن يقرأ عليه التفت إليه ابن مسعود، فإذا عيناه تذرفان عليه الصلاة والسلام [انظر الحديث رواه البخاري: 4582].
والبكاء عند قراءة القرآن، لا شك أنه دليل الخشوع إذا كان بكاءً صادقاً.
أنواع البكاء:
فإن البكاء على أنواع:
1- منه ما يكون بكاء رحمة ورقة.
2- ومنه ما يكون بكاء خوف وخشية.
3- ومنه ما يكون بكاء محبة وشوق.
4- ومنه ما يكون بكاء فرح وسرور.
5- ومنه ما يكون بكاء حزن وجزع.
فالبكاء المطلوب عند تلاوة القرآن هو بكاء الخشوع، وليس بكاء النفاق، وليس البكاء المستعار.
التباكي عند قراءة القرآن:
أما التباكي، فهو تكلف البكاء، وقد جاء في حديثٍ: ((إن لم تبكوا فتباكوا)) ولكن الحديث ضعفه الشيخ ناصر، وذكر الشيخ عبد العزيز بن باز في بعض فتاويه: أنه لا يعرف صحته [رواه ابن ماجه: 1337، وضعفه ابن ماجه في صحيح ابن ماجه: 1327].
فالتباكي عند قراءة القرآن البكاء ذكرنا دليله من الكتاب والسنة، وذكرنا أن البكاء عند قراءة القرآن يكون بكاء خشوع وليس بكاء نفاق، مثل التظاهر بالبكاء لأجل أن يقول الناس عنه: إنه خاشع، وإنما هو بكاء خشوع، لو سمعه الشخص ارتاح إليه، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: ((إن من أحسن الناس صوتا بالقرآن، الذي إذا سمعتموه يقرأ، حسبتموه يخشى الله)) [رواه ابن ماجة: 1339، وهو حديثٌ صحيح، صححه الألباني في صحيح ابن ماجه:  1101].
أما بالنسبة للتباكي، فإنه ينقسم إلى: تباكي محمود، وتباكي مذموم.
التباكي المحمود، هو الذي يستجلب رقة القلب، وخشية الله، وليس تباكي الرياء والسمعة، مثلما قال عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد رآه يبكي هو وأبو بكر في شأن أسرى بدرٍ: أخبرني ما يبكيك يا رسول الله، فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد تباكيت لبكائكما؟ [رواه مسلم: 4687] ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: تباكيك خطأ، أو لا تتباكى، أو هذا منهي عنه، ونحو ذلك.
لكن هناك العبارة وردت في كلام بعض السلف: "ابكوا من خشية الله، فإن لم تبكوا فتباكوا" [مصنف ابن أبي شيبة: 14/9].
أما التباكي المذموم، هو الذي يستجلب به حمد الخلق، وثناءهم عليه، فيتظاهر بالبكاء أمام الناس، فهذا تباكي نفاق، كما أن هناك بكاء نفاق وهناك تباكي نفاق، ولا بد من شيء من التفصيل في موضوع البكاء عند تلاوة القرآن الكريم، أو عند سماعه.
بكاء النبي صلى الله عليه وسلم عند قراءة القرآن:
أما النبي صلى الله عليه وسلم فلا شك أنه كان يبكي عند تلاوة القرآن، وليس يعني ذلك أنه كان يبكي دائماً، لكن كان يعرض له البكاء عند تلاوة القرآن، وعند سماعه، كما جاء في الحديث الصحيح، وقال الصحابي: أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، ولجوفه أزيزٌ كأزيز المرجل، يعني يبكي. [رواه النسائي: 1214، وأحمد: 16369، وهو في مختصر الشمائل المحمدية، للألباني: 276].
لأن الأزيز هو صوت البكاء، ولكنه يخرج من الجوف، فهو صوتٌ مكتوم.
والمرجل، الإناء الذي يُغلى فيه الماء.
فكيف يكون صوت الإناء الذي يغلى فيه الماء؟
فهكذا كان صوته عليه الصلاة والسلام، وهو يصلي ويقرأ القرآن، فيجيش جوفه عليه الصلاة والسلام، ويغلي من البكاء من خشية الله -تعالى-.
بكاء الصحابة عند قراءة القرآن:
والصحابة رضوان الله عليهم ثبت كذلك عنهم أنهم كانوا يبكون عند قراءة القرآن الكريم.
ومعلوم قصة أبي بكر في مرض وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، قالت عائشة: إنه رجلٌ رقيق، إذا قرأ غلبه البكاء [رواه البخاري: 682].
وفي رواية: "إن أبا بكر رجلٌ أسيف، إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس" [رواه البخاري: 664].
وكذلك عندما كان في مكة يُصلي بفناء داره، ويجتمع إليه نساء المشركين وأبناؤهم، وكان رجلاً بكاءً لا يملك دمعه رضي الله عنه [رواه البخاري: 2297، ومسلم: 967].
وعمر بن الخطاب سمع نشيجه من وراء الصفوف، لما قرأ قوله تعالى في سورة يوسف: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86] [صحيح البخاري: 1/183] حتى سالت دموعه على ترقوته.
وكذلك فإنه بكى مرةً بدير راهب ناداه: "يا راهب فأشرف، فجعل عمر ينظر إليه ويبكي، فقيل له: يا أمير المؤمنين ما يبكيك من هذا؟ قال: ذكرت قول الله عز وجل في كتابه: {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً} [الغاشية: 3-4].
ناس يشتغلوا ويعملوا ويجدوا ولكن لهم النار، لأن منهجهم ضلال، وكفر، مجتهدين في شرك أو في بدعة.
وكذلك فإن عمر قد كتب إلى رجل سمع أنه يشرب الخمرَ، فكتب إليه: من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان، فسلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب، ذي الطول، لا إله إلا هو إليه المصير.
ولما بلغ الرجل كتاب عمر، جعل يقرأ ويردد، ويقول: غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب، قد حذرني عقوبته، ووعدني أن يغفر لي، فلم يزل يرددها على نفسه، ثم بكى، ثم نزع مما كان فيه من شرب الخمر.
وعائشة -رضي الله عنها- مرَّ عليها القاسم، وهي تقرأ: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} [الطور: 27] ترددها وتبكي وتدعو [إحياء علوم الدين: 4/412].
وعبد الله بن عباس لما قرأ: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق: 19] جعل يرتل، ويكثر النشيج.
وعبد الله بن عمر ما يقرأ قول الله عز وجل: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة: 284] إلا كان يبكي.
وكذلك قال نافع عنه في قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} [الحديد: 16].
والمهم: أن الصحابة بكى عدد منهم في عدد من المواقف.
إذًا، البكاء، ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
بكاء التابعين عند قراءة القرآن:
وكذلك عن التابعين، فكان عمر بن عبد العزيز، مرة يقرأ قول الله: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} [القارعة: 4- 5] بكى.
وكذلك: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى} [الليل: 14].
وفي آية: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ} [الصافات: 24].
{وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً} [الفرقان: 13].
الفضيل بن عياض وابنه علي وغيرهم من علماء السلف وزُهّادهم، كانوا يـبكون عند قراءة القرآن الكريم.
وحتى النساء -كما ذكرنا- عائشة رضي الله عنها.
حكم رفع الصوت والصراخ بالبكاء عند تلاوة القرآن:
لكن هل البكاء يصل إلى درجة الصياح والصراخ؟
الجواب: أبداً، ولذلك، فإن مسألة الصياح والصعق الموجودة عند الصوفية، لا شك أنها من البدع. قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "وما يحصل عند السماع والذكر المشروع من وجل القلب، ودمع العين، واقشعرار الجسوم، فهذا أفضل الأحوال التي نطق بها الكتاب والسنة.
أما الاضطراب الشديد والغشي والموت والصيحات، فهذا إن كان صاحبه مغلوباً عليه لم يُلم عليه" مغلوب، أي: حدث غصباً عنه، حصل بالرغم منه، لم يقصد ذلك، ولم يتكلف؛ لم يُلم عليه "كما قد يكون في التابعين ومن بعدهم، فإن منشأه قوة الوارد على القلب مع ضعف القلب، والقوة" [مجموع الفتاوى: 22/522] أي يكون الوارد عليه في الآية فيها معانٍ عظيمة لما احتملتها نفسه، قلبه أضعف أن يتحملها، فيمكن أن يموت، أو يغشى عليه.
الصحابة كان الوارد والمحل قوياً، ولذلك لم ينقل عنهم أن واحداً منهم مات، أو صعق، وإنما التعليل لمن جاء بعدهم من الصالحين الذي كان يغشى على الواحد منهم أو يموت، سببه أن الوارد أقوى من المحل، فيرد وارد قوي على محل فيه ضعف، أو أضعف من الوارد، فيحدث ما يحدث من الصعق أو الموت.
وسُئل الشيخ عبد العزيز بن باز -نفع الله بعلمه- عن ظاهرة ارتفاع الأصوات بالبكاء؟
فأجاب: لقد نصحت كثيراً من اتصل بي بالحذر من هذا الشيء، وأنه لا ينبغي؛ لأن هذا يؤذي الناس، ويشق عليهم، ويشوش على المصلين وعلى القارئ.
وبالفعل في بعض المساجد في رمضان يكون الوضع مزعجاً جدًا، حيث أن بعض الناس لا يستطيع أن يفهم قراءة القرآن من الإمام، ولا يسمع صوته من زعيق وصياح بعض الناس، وهذا ليس من الخشوع في شيء، ولا هو  طريقة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا الصحابة.
كان بكاؤه عليه الصلاة والسلام بكاءً مكتوماً، ما كان صياحاً وزعيقاً.
قال: فالذي ينبغي للمؤمن أن يحرص على ألا يسمع صوته بالبكاء، وليحذر من الرياء، فإن الشيطان قد يجره إلى الرياء، فينبغي له ألا يؤذي أحدا بصوته، ولا يشوش عليه.
ومعلومٌ أن بعض الناس ليس ذلك باختياره؛ بل يغلب عليه من غير قصد، وهذا معفوٌ عنه إذا كان بغير اختياره، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا قرأ يكون لصدره أزيزٌ كأزيز المرجل من البكاء [سبق تخريجه].
وجاء في قصة أبي بكر: أنه كان إذا قرأ لا يُسْمِع الناس من البكاء.. إلى آخره.
ولكن هذا ليس معناه: أنه يتعمد رفع صوته بالبكاء، وإنما شيء يغلب عليه من خشية الله -عز وجل-.
وكذلك سُئل الشيخ عن التباكي؟
فأجاب:
ورد في بعض الأحاديث: ((إن لم تبكوا فتباكوا)) [سبق تخريجه] ولكن لا أعلم صحته، وقد رواه أحمد، إلا إنه مشهورٌ على ألسنة العلماء، لكن يحتاج إلى مزيد عناية.
والأظهر أنه لا يتكلف، بل إذا حصل بكاءُ، فليجاهد نفسه على ألا يزعج الناس، بل يكون بكاءً خفيفاً ليس فيه إزعاجٌ لأحد حسب الطاقة والإمكان.
هذا ما يتعلق بموضوع البكاء.
التلاوة بين الجهر والإسرار:
ومن آداب التلاوة، وهي قضية: التلاوة بين الجهر والإسرار.
أما قضية الجهر بالقرآن، فقد ورد فيه أحاديث، مثل قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: ((ما أذن الله لشيء ما أذن لنبيٍ حسن الصوت -يتغنى بالقرآن- يجهر به)) [سبق تخريجه].
ومن الجهة الأخرى ورد قوله صلى الله عليه وسلم: ((الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة)) [رواه أبو داود: 1335، والترمذي: 2919، والنسائي: 2561، وأحمد: 17480، وقال الالباني: "إسناده صحيح" كما في صحيح أبي داود: 1204].
فكيف نجمع إذاً بين مدح الجهر الوارد في حديث الصحيحين، وبين مدح الإسرار الوارد في حديث الترمذي وأبي داود والنسائي؟
قال النووي رحمه الله: الجمع بينهما أن الإخفاء أفضل حيث خاف الرياء، أو تأذى مصلون كالداخلين المسجد، يصلون تحية المسجد، أو السنة الراتبة، وواحد يقرأ القرآن، فإذا جهر هذا الذي يقرأ لبَّس على المصلين بجواره، فيكون الإسرار أفضل؟
الإسرار أفضل.
إذاً، حيث خاف الرياء يُسر، أو تأذى مصلون، أو نيام بجهره أسر، والجهر أفضل في غير ذلك؛ لأن العمل فيه أكثر، فيه رفع للصوت، وبذل طاقة وجهد.
"ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع همه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه" يعني القارئ ذاته يستفيد، ويركز أكثر، إذا رفع صوته يكون أجمع لقلبه على القراءة، وأطرد للشيطان، "ويطرد النوم، ويزيد في النشاط". [التبيان في آداب حملة القرآن ص: 105].
إذًا، إذا وصل إلى درجة الإزعاج والتشويش، فإنه ينطبق عليه ما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة)) [رواه أبو داود: 1334، وصححه الألباني في صحيح أبي داود: 1203].
وقد يجهر الإنسان فترة، ثم يتعب فيخفض صوته، ثم يجهر مرةً أخرى إذا تنشط، فهذا لا حرج فيه، كما إذا واصل القراءة لساعة أو ساعتين، فقد يجهر ثم يتعب، فيخفض صوته، ثم يجهر، فهذا لا بأس به أيضاً.
وكان أبو بكر يُسر، وعمر يجهر، فسئل عمر، فقال: "أطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان" أي: النعسان، فأمر أبو بكر أن يرفع شيئاً ما، وأمر عمر أن يُخفض شيء ما [ينظر: تفسير القرآن العظيم: 5/129].
فإذا خشي الرياء أسر، ولا شك.
وإذا كان يعلم أو يريد أن يقتدي به الآخرون -مثلاً- فلا شك أنه إذا جهر، ودعا الناس للعمل، يعني بالقدوة إلى القراءة، فإن هذا المقصد الشرعي منه يؤجر عليه.
القراءة من المصحف إذا لم يشغل عن التدبر:
ومن بعض الآداب التي ذكرها بعض أهل العلم أيضاً: مسألة القراءة في المصحف، أو القراءة من الحفظ، أيهما أفضل للتالي: أن يقرأ من المصحف أو يقرأ من حفظه؟
قال بعضهم في الترجيح: هل القراءة من المصحف أفضل أو على ظهر قلب؟
قال بعضهم: إن القراءة من المصحف أفضل؛ لأن النظر فيه عبادة، فيجتمع القراءة والنظر، وأن استعمال الحاسة -حاسة العين- زيادة على اللسان، وإخراج الصوت، هذا الاستعمال لهذه الحاسة فيه أجر زائد عن عدم استخدام هذه الحاسة.
ولا شك أنه قد ثبت عن بعض الصحابة كعثمان رضي الله عنه أنه كان يقرأ في المصحف، حتى قيل: إنه خرق مصحفين، أي: من كثرة استعماله للمصحف تخرق المصحف، وأخذ مصحفاً أخر.. وهكذا، وقتل رضي الله عنه ودمه على المصحف.
القول الثاني: أن القراءة عن ظهر قلب أفضل، وهو اختيار أبو محمد بن عبد السلام رحمه الله، فقال في أماليه: قيل: القراءة في المصحف أفضل، لأنه يجمع فعل الجارحتين، وهي: اللسان والعين، والأجر على قدر المشقة، وهذا باطل -هذا رأيه رحمه الله-؛ لأن المقصود من القراءة التدبر؛ لقوله تعالى: {لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 29].
والعادةُ تشهد أن النظر في المصحف يُخل بهذا المفهوم فكان مرجوحاً. أي: هو يرى رحمه الله أن القراءة في المصحف يُخالف التدبر؛ لأنه يتدبر أكثر إذا كان يقرأ من حفظه، أي: يركز أكثر.
القول الثالث: وهو اختيار النووي رحمه الله: إن كان القارئ من حفظه يحصل له من التدبر والتفكر وجمع القلب أكثر مما يحصل له من القراءة في المصحف، فالقراءة من الحفظ أفضل، وإن استويا فمن المصحف أفضل، قال: وهو مراد السلف.
فوائد القراءة من المصحف:
ولا شك أن من فوائد القراءة في المصحف:
أولًا: إشغال جارحة العين عن النظر إلى غير المصحف، لأنه ربما إذا لم ينظر في المصحف نظر إلى غير المصحف.
ثانيًا: وكذلك قالوا: إن لمس المصحف فيه داعي إلى الوضوء بخلاف إذا قرأ من حفظه فإنه لا يحتاج أصلاً إلى المصحف حتى يمسه.
ثالثًا: وكذلك قالوا: إنه أأمن من الغلط والتحريف؛ لأنه إذا قرأ من حفظه فيمكن أن يغلط فيه كآية حفظها خطأً، ولكن إذا قرأ من المصحف بالتأكيد تكون القراءة مضبوطة؛ لأنه يقرأ من شيءٍ مكتوب، بخلاف الذاكرة التي يعتريها ما يعتريها.
رابعًا: وقالوا: إن فيه تكفير للنظر المحرم التي ارتكبته العين.
وعلى أية حال: فالمسألة قد تختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، فإذا كان يتدبر أكثر، فلو قرأ من حفظه فليقرأ من حفظه، وإذا كان يخشى الله أكثر لو قرأ من المصحف يقرأ من المصحف، وإذا كان في مكان ليس فيه مصحف فيقرأ من حفظه، وإذا كان في مسجدٍ وعنده مصحف قرأ من المصحف.
إذًا، فالمسألة في هذا واسعة إن شاء الله، وهذا طرف من أقوال أهل العلم في هذه المسألة. 
التوقف عن التلاوة عند خروج الريح:
من آداب التلاوة أيضًا: أنه إذا كان يقرأ فخرجت منه ريح أمسك عن القراءة حتى تنقضي الريح، قال ابن عيينة روى عن زر قال: قلتُ لعطاء: أقرأ القرآن فيخرج مني ريح؟ قال: تمسك عن القراءة حتى تنقضي الريح.
ثم الأفضل أن يتوضأ لمواصلة القراءة، وإن كان لا يمسك المصحف فقرأ وواصل القراءة بغير وضوء، فلا بأس، لكن الأفضل أن يكون على طهارة.
وكذلك لو عرض له تثاؤب: فإنه يُمسك عن القراءة؛ لأجل التثاؤب، حتى لا يتغير الصوت، وتخرج كلمات غير كلمات القرآن.
سجود التلاوة:
كذلك من آداب التلاوة: أنه إذا مرَّ بسجدة للتلاوة سجد، وقال أبو حنيفة بالوجوب، وأن الكفار يندمون على عدم السجود، وأنه لا يُندم إلا على ترك واجب، وقول الجمهور هو القول الراجح إن شاء الله، وهو قول عمر رضي الله عنه أن سجود التلاوة مستحبٌ وليس بواجب.
ولذلك ذكر على المنبر أنه من أراد أن يسجد فليسجد، ومن أراد ألا يسجد فلا يسجد، وأنه ليس عليه حرجٌ من ذلك.
لكن ماذا يفعل إذا أراد أن يسجد؟
يكبر ويسجد.
وذكر شيخ الإسلام رحمه الله: أن الأفضل أن يكون في حال القيام، لأن قول الله: {يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً} [الإسراء: 107].[ينظر: مجموع الفتاوى: 23/145].
الخرور يكون من القيام.
وإذا سجد ماذا يقول في سجوده؟
يقول: سبحان ربي الأعلى، كما يقول في الصلاة، قياساً على الصلاة.
وورد أيضاً دعاء صحيح ثابت في الترمذي وابن خزيمة: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة، فسجدت فسجدت الشجرة لسجودي فسمعتها، وهي تقول: ((اللهم اكتب لي بها عند أجرا، وضع عني بها وزرا، واجعلها لي عند ذخرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبد داود)) فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم سجدةً بعد ذلك ثم سجد، فقال ابن عباس: فسمعته يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة [رواه الترمذي: 579 ، وابن خزيمة: 562، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي:  2722].
فإذاً، لو قال في سجوده: ((اللهم اكتب لي بها أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وارفعني بها درجة)) -كما جاء في الرواية الأخرى- ((وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داوود عليه السلام)) كان ذلك حسناً.
هل يشترط الطهارة لسجود التلاوة؟
هل يشترط الطهارة لسجود التلاوة؟
هذه مسألة اختلف فيها أهل العلم، فالذين قالوا: إنها تُقاس على الصلاة، اشترطوا الطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة.
والمرأة -طبعاً- تتحجب، والذين قالوا: إنه لا يُقاس عليه لم يشترطوا ذلك.
فالأحوط أن الإنسان يكون على طهارة، ويستقبل القبلة، ويكون ساتر العورة، ونحو ذلك من الشروط، ويسجد.
هل إذا رفع يكبر أم لا؟
إذا كان في الصلاة يُكبر؛ لأن الحديث: "كان يصلي بهم، فيكبر كلما خفض ورفع" [رواه البخاري: 785، ومسلم: 893].
فعموم الحديث يقتضي أنه إذا سجد في الصلاة -سجود التلاوة- يكبر عند السجود، ويكبر عند الرفع من سجدة التلاوة.
وفي خارج الصلاة، هل يكبر عندما يرفع من سجود التلاوة أو لا يكبر؟ وهل يتشهد ويسلم أم ليس فيها تشهد ولا تسليم؟ من يستعد ويبحث في المسألة؟ والعلماء قد أحصوا السجدات.
استقبال القبلة عند تلاوة القرآن:
ثم من آداب التلاوة ذكر بعض أهل العلم: استقبال القبلة، واستدلوا بحديث: ((خير المجالس ما استقبل به القبلة)) [رواه الطبراني في المعجم الكبير: 766، بلفظ: ((أكرم))، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب: 1803]، لكن هذا الحديث ضعيف، إنما إذا استقبل القبلة يكون أحسن.
الجلوس بأدب عند قراءة القرآن:
ومن آداب التلاوة أيضاً: أنه ينبغي عليه أن يكون في حال القراءة على هيئة الأدب ما أمكنه، نعم يجوز له أن يقرأ القرآن قاعداً وواقفًا وماشياً ومضطجعاً، كل ذلك جائز؛ لأن الله قال: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 191].
لكن لو جلس متخشعاً أحسن من أن يجلس -مثلاً- على جنبه متكئاً، فمن ناحية الجواز لا بأس أن يقرأ القرآن متكئاً، لكن من ناحية الأفضل إذا جلس جلسة المتخشع فإنه أفضل، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يتربع بعد صلاة الفجر، ويستقبل القبلة، ويذكر الله حتى تطلع الشمس.
عدم هجر القرآن:
ومن آداب التلاوة كذلك: ألا يُطيل العهد بالقرآن سنوات لا يختم -مثلاً-، وإنما لا يُنقص عن ثلاثة، أي: لا يقرأ في أقل من ثلاث، لكن لا يطول به العهد، وقد جاءت عدة أحاديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لشخص: ((اقرأ القرآن في أربعين)) [رواه الترمذي: 2947، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 1154]، وقال: ((اقرأ القرآن في خمس)) [رواه الطبراني في المعجم الكبير: 14273، وصححه الألباني في الجامع الصغير: 1156].
وقال: ((اقرأ القرآن في ثلاث إن استطعت)). [أخرجه الطبراني في الكبير: 5481، وصححه الألباني في الجامع الصغير:  1155].
وقال: ((اقرأ القرآن في كل شهرٍ، اقرأه في عشرين ليلة، اقرأه في عشرٍ، اقرأه في سبعٍ ولا تزد عن ذلك)). [رواه مسلم: 1159].
هذه الروايات المختلفة تدل على أن الناس طاقات... أشغالهم مختلفة، وجودة وسرعة تلاوتهم وتمكنهم يختلف.
إذًا، كل واحد يقرأ بحسب طاقته وأشغاله، ولعل أفضل ما يكون قراءته في أسبوع، كما ورد عن الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم-، وأنهم كانوا يختمونه في الأسبوع يقسمون القرآن سبعة أحزاب.
فجاء أنهم كانوا يقرؤون أول يوم ثلاث سور، واليوم الثاني خمس سور، واليوم الثالث سبع سور، واليوم الرابع تسع، واليوم الخامس إحدى عشرة، واليوم السادس ثلاثة عشر سورة، واليوم السابع المفصل إلى آخر القرآن.
هذا ما ورد عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
سنكمل بقية موضوع آداب التلاوة، وربما نشرع في أدب آخر جديد في المرة القادمة، مع ذكر بدع التلاوة من الهز والإدارة الذي يقوله به بعض أهل العلم، وغير ذلك في الليلة القادمة -إن شاء الله-، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.