الثلاثاء 15 ربيع الأوّل 1441 هـ :: 12 نوفمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

قنديل في المسجد


عناصر المادة
الخطبة الأولى
نور الله في قلب المؤمن
أماكن النور
آداب المساجد
الخطبة الثانية
صلاة المرأة في البيت
حال السلف مع المساجد
الخطبة الأولى
00:00:04
 
إن الحمد لله، نحمده، و نستعينه، و نستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمدا عبده ورسوله 

أما بعد:

فإن الله -سبحانه وتعالى- ضرب الأمثال للناس، وأمرهم أن يتدبروها ويعقلوها، لعلهم يتفكرون، ولعلهم يتدبرون، والذي يفهم الأمثال يصيب علما، وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَالعنكبوت: 43، ولا أفضل من كلام الله نتدبر فيه، ونتفكر في أمثاله لعل الله -تعالى- أن يجعلنا ممن شملهم بنعمة التفكر والتذكر والعلم.

نور الله في قلب المؤمن
00:00:45

قال الله -سبحانه وتعالى-: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌالنور: 35، أية عظيمة في سورة النور التي سميت لأجل هذه الآية، اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، هو هادي السماوات والأرض، وهو الذي يدبر الأمر فيهما في نجومهما وشمسهما وقمرهما، الله منور السماوات والأرض، فهو الذي نورهما -سبحانه وتعالى- اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فبنوره أضاءت السماوات والأرض، كما جاء في الحديث الصحيح لما قام النبي ﷺ من الليل قال: اللهم لك الحمد، أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن...  الحديث.وهو في الصحيحين.

قال الله -تعالى- في هذه الآية: مَثَلُ نُورِهِ، مثل هداه في قلب عبده المؤمن، مثل نور الله الذي يقذفه في قلب عبده المؤمن، كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ، فهذا المؤمن الذي جعل الله الإيمان والقرآن في صدره، فضرب المثل له فقال: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فبدأ بنور نفسه ثم ذكر نور المؤمن، فقال: مثل نور من آمن به هذا معنى الآية، أو مثل نوره في قلب عبده المؤمن، كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ، فشبه قلب المؤمن في صفائه في نفسه بالقنديل من الزجاج الشفاف الجوهري، وما يستهديه من القرآن والشرع، مثل المؤمن الذي يأخذ من القرآن والشرع، ويرجع إلى القرآن والشرع، مصدره القرآن والشرع، بالزيت الجيد الصافي المشرق المعتدل هذا الذي لا كدر فيه ولا شائبة، زيت نقي، فضرب المثل للمؤمن الذي يستقي من الشرع المطهر والقرآن الكريم، مادة صافية القرآن لا كدر فيه ولا شائبة، وشرع الله في القرآن والسنة شرع صافي، شبهه بالزيت الجيد المشرق المعتدل، إنه الذي يمد قلب ذلك المؤمن، فيكون النور فيه، فيكون كهذه الفتيلة الموقدة في المشكاة.

والمشكاة: قال بعض المفسرين: هي الكوة في الحائط ليس فيها منفذ، قال بعضهم: هو موضع الفتيلة من القنديل، وهو المشهور مكان الفتيلة في القنديل هو المشكاة.

 فِيهَا مِصْبَاحٌالمصباح: هو النور الموقد في هذه الفتيلة، المصباح هذا في زجاجة، زجاجة صافية كذلك قلب المؤمن.

 الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ، ينير أشد استنارة، كالكواكب الدراري في السماء، يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ، يستمد من زيت زيتون، شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ، ليست في شرقي بقعتها فلا تصل إليها الشمس في أول النهار، ولا في غربيها فيتقلص عنها الفيء قبل الغروب، بل هي في مكان وسط تفرعه الشمس من أول النهار إلى آخره؛ فلذلك يجتبي زيتها معتدل صافياً مشرقاً، إنها شجرة لا يظلها جبل، ولا شجر، ولا كهف، ولا يواريها شيء؛ ولذلك كان زيتها صافياً، إنها بأرض فيحاء واسعة، إذا أشرقت الشمس، أشرقت عليها، وإذا غربت غربت عليها؛ فلذلك كان زيتها أصفى ما يكون، إنها في مستوى من الأرض في مكان فسيح، بارد، ظاهر، ضاح للشمس، فيكون زيتها أصفى وألطف؛ ولذلك ضرب الله به المثل.

والخلق قد ألقى الله عليهم نوراً أصاب بعضهم، وأخطأ بعضهم؛ كما جاء في الحديث الصحيح:  إن الله -عَزَّ وَجَلَّ- خَلَقه خَلْقه فيِ ظلْمة، ثم ألقَى عليهم من نوره يومئذ، فمن أصابه من نوره يومئذ اهتدى، ومن أخطأَه ضلَّ ، قال عبدالله ابن عمر راوي الحديث: فلذلك أَقول: جَفَّ القَلَم على علم -الله عز وجل- رواه الإمام أحمد، وهو حديث صحيح، هؤلاء الذين اصطفاهم الله من خلقه، فأنار بصائرهم بالهدى، والإيمان، والشرع، والقرآن، هؤلاء الذين يستمدون من الشرع المطهر سائر مواقفهم، يأخذون منه كل معتقداتهم، ويسيرون بناء على نور الشرع في أفعالهم وأقوالهم، وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، فهو أعلم بمن يستحق الهداية،

وهو أعلم بمن يستحق الإضلال فأظله، ولا يضل الله إلا من يريد الضلال، فيكون إضلال الله له جزاء بما اختار، وبما كسب، فلما زاغوا أزاغر الله قلوبهم، ليس هؤلاء الضلال مجبورين على الضلال، بل هم الذين اختاروه؛ ولذلك لما ضلوا أضلهم الله، ولما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، فكانت قلوب العباد كما قال النبي ﷺ: قلب المؤمن مثل السراج. وهذا الذي ضرب به المثل في الآية، ولما ضرب الله مثل قلب المؤمن وما فيه من الهدى والعلم، وشبهه بالمصباح في الزجاجة الصافية المتوقد من زيت طيب، وذلك كالقنديل.

أماكن النور
00:09:25

ذكر الأماكن التي تتعلق فيها قلوب المؤمنين، أين تكون قلوب المؤمنين معلقة؟ أين تعلق القناديل؟ تعلق في البيوت، القناديل تعلق في البيوت وقلب المؤمن معلق في بيت ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد ، فقال الله -تعالى- بعد هذه الآية مباشرة: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ، إنه رابط عجيب بين تلك الآية، وهذه التي جاءت وراءها مباشرة، فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ، في هذه البيوت قلوب المؤمنين معلقة، مثل القناديل المعلقة في البيوت، لكن هذا القنديل من نوع خاص في صفائه وطيب مادته، إنه قنديل خاص معلق في مكان خاص لما كان طيباً، صار معلقاً بأطيب الأماكن، وما هي أطيب الأماكن؟ وما هي أحب البقاع إلى الله؟ إنها المساجد أحب البقاع إلى الله في الأرض، فهي بيوته هي بيوت الله -سبحانه- التي يعبد فيها ويوحد؛ ولذلك قال: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ، أمر برفعها: أذن الإذن الشرعي، وأمر العباد بإقامتها، وبنائها وتطهيرها مادة ومعنى، التطهير المادي والمعنوي، فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ، تطهر من النجاسات الحسية، ومن النجاسات المعنوية، فتطهر من الدنس، واللغو، والأفعال والأقوال التي لا تليق بها، فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ.

ولذلك جاءت الأحاديث في فضل بناء المساجد، وقال النبي ﷺ: من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة ، أخرجاه في الصحيحين، وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب. رواه الإمام أحمدوأهل السنن ،إلا النسائي وهو حديث صحيح، أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور، ما المقصود بالدور؟ هي الأحياء التي يسكنها الناس ليست في الخلاء، ولا في الفضاء، ولا في الأماكن النائية التي لا يغشاها الناس، لكن في الأحياء، في المحلات التي يسكن فيها الناس، هذا هو نص الحديث أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور. فأيما حي فيه تواجد سكاني فلابد أن يبنى فيه مسجد.

آداب المساجد
00:13:08

ويا فرحة من بنى مسجداً في حي مكتظ بالسكان حينما يجيء يوم القيامة ليرى حسناته أمثل الجبال؛ مما غشي الناس فيه مسجده الذي بناه، وكان سبباً في ذكرهم لله فيه، وعبادتهم فيه، وصلاتهم فيه، وحفظ القرآن فيه، وذكر العلم فيه، وحلقاته، وخطبه، ومواعظه، وكل ذلك فيه، والخير في المسجد.

وقال البخاري: قال عمر: "أكن الناس من المطر" ما يحفظهم من المطر ومن الحر، "وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس"رواه البخاري في كتاب بنيان المسجد من كتاب الصلاة في صحيحه ، ولذلك نهى النبي ﷺ عن زخرفة المساجد، وقال في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود: ما أمرت بتشييد المساجد والتشييد الزخرفة والمبالغة ما أمرت بتشييد المساجد  قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفة اليهود والنصارى. ، فاليهود والنصارى يزخرفون معابدهم، وإذا رأيت كنيسة من الداخل هالك ما فيها من الألوان، والصور، والنقوش، والزخارف، وكذلك تشبه بعض الأمة باليهود والنصارى فزخرفوا مساجدهم، نقوش، وألواناً، وفسيفساء، وآيات محفورة في الجدران، والأسماء الحسنى، وأسماء الخلفاء، وغير ذلك نقشت على الجدران، والآيات فوق المحراب، ما هو الدليل على كتابة قوله تعالى مثلاً: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَآل عمران: 37، فوق المحراب في المسجد ، ما هو الدليل؟

وما هو الوجه الشرعي لإنفاق الأموال؟ ما هو الدليل على إباحة إنفاق الأموال في زخرفة المساجد، وترصيع جدرانها بالآيات، والكلام، والنقوش، والألوان؟ إنه إضاعة مال، إنهم سيحاسبون على ذلك، وقال ﷺ: لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد ، رواه أبو داود، وهو حديث صحيح، يتباهى الناس في المساجد ، فيقول: مسجدي أكبر، ومسجدي أنفقت عليه كذا، وأتيت بنحات من المغرب خصيصاً؛ لكي يفعله فيه ما فعل، يتباهى الناس بالمساجد ، والمساجد لم تبنى للمباهاة، وإنما بنيت لذكر الله، فلا يجوز أن يكون فيها ما يشغل العابد عن العبادة، ولا الذاكر عن الذكر، ولا المصلي عن الصلاة، إنما تكن الناس من المطر، تحفظهم من الحر، نعم لكل ذلك، ولكن لا لهذه الإضاعة للمال، فليحذر الذين يريدون بناء المساجد من تقليد اليهود والنصارى.

 أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُالنور: 36، فلا يذكر اسم غيره بالباطل، ولا يذكر فيها ما يلهي عن ذكر الله، ولذلك نهينا عن البيع في المساجد، فجاء في الحديث الحسن الذي رواه أبو داود عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله ﷺ عن البيع والابتياع وعن تناشد الأشعار في المساجد. رواه أحمد وقال الترمذي: حسن، الأشعار الباطلة الملهية عن ذكر الله، أما ما فيه ذكر الله فلا بأس به، البيع خارج المسجد خارج سور المسجد، لا تبع شيئاً داخله، ولا تضع إعلانات تجارية داخل المسجد، كله يوضع خارج المسجد.

وقال ﷺ: إذا رأيت من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك  ادعوا عليه بالخسارة، لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة في المسجد، ويقول: من وجد لي مفتاحاً، ومن وجد محفظة، ومن وجد مالي، ينشد ضالته في المسجد، فقولوا: لا ردها الله عليك فدعوا عليه الا يجدها، إنه حديث رواه الترمذي وهو صحيح، لماذا؟ وما شاكل ذلك من أنواع الأمور الدنيوية، لأن المساجد بنيت لذكر الله -عز وجل-.

بل إن اتخاذ المساجد طرق أمر مذموم،  ومن أشراط الساعة المذمومة أن يمر الرجل بالمسجد لا يصلي فيه ركعتين ، ولذلك نهينا على اتخاذ المساجد طرقاً.، إلا لحاجة لم يجد ممدوحة عنها، ولا مفراً منها، فلا بأس في ذلك، أو أن يدخله لينادي شخصاً، ونحو ذلك، كما فعلت أم المؤمنين، وكما فعل غيرها من الصحابة.

ونهينا عن شهر السلاح فيه، وأن يمر الإنسان بالسهام حتى لا يجرح المسلمين. ، لا في مسجدهم، ولا في سوقهم، ولا تتخذ سوقاً، لا تتخذ في داخلها أما  فيه خارجها فلا بأس، فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِالجمعة: 10.

وعن موضوع المجانين والصبيان، قال ابن كثير -رحمه الله- في تجنيب المساجد المجانين والصبيان: "وذلك لأنهم يلعبون فيه، ولا يناسبهم".

وقد كان عمر ابن الخطاب -رضي الله عنه- إذا رأى صبيان يلعبون في المسجد ضربهم بالمخفقة، وهي الدرة وكان يعس بالمسجد بعد العشاء، ضربهم بالمخفقة وهي الدرة العصى التي كانت معه -رضي الله تعالى عنه-، فالمجانين الذين ضيعت عقولهم، أو سخر بهم الناس، يؤدي تركهم في المسجد إلى اللعب فيها، ولا يؤمن من تقذيرها وتنجيسها من قبلهم.

وأما الصبيان فإن الصبيان المميزين الذين يأتون الصلاة بشرائطها من الطهارة، وستر العورة، وغير ذلك؛ فإنهم يقامون في صفوف الناس في الصلاة، وأما غير المميزين من الصغار البالغي الصغر، أو الذين لا يأتون بشرائط الصلاة، لا في ستر العورة، ولا في الوضوء؛ فإنهم لا يقامون في الصف فإذا حمله أبوه ووضعه أمامه أو خلف الناس فلا بأس، إذا لم يكن يؤذي المصلين، ولم يكن يؤذي بالمسجد، هكذا نفعل بصبياننا في المسجد، نجمع بين صيانة المساجد وتربيتهم على ذكر الله فيها، ونفرق بين الأحوال المختلفة، جمعاً بين النصوص التي وردت في الصبيان في المساجد منعه اتيانا.

نسأل الله عز وجل أن يرزقنا تربية الأبناء كما يحب ويرضى، وأن يرزقنا القيام بحقوق بيوته في الأرض كما يحب ويرضى، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية
00:21:42

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر أن ترفع البيوت ليذكر فيها اسمه، وأشهد أن محمداً رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي أقام بيوت الله -سبحانه وتعالى- وأسسها على التقوى، ورضي الله عن أصحابه الذين آزروه، والذين قاموا معه بنصرة الدين، وبناء المساجد في الأمصار، ودعوا الناس إلى الله -عز وجل- رضوان الله عليهم، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين:

عباد الله! فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُالنور: 36، فلا يصيح فيها الناس، ولا يتجادلون بالباطل، ولا يتخاصمون فيها، وكثير من الناس وبعضهم من كبار السن يرفعون الأصوات في المساجد، ويملؤونها لغطاً وضجيجا، ويحرمون العباد من الهدوء الذي ينعم فيه بالهم، ويقلقون راحت الناس، وهذه مصيبة كبيرة، سمع عمر ابن الخطاب -رضي الله عنه- صوت رجل في المسجد فقال: أتدري أين أنت؟ أتدري أين أنت؟، هكذا قال عمر -رضي الله عنه- رواه النسائيوهو حديث صحيح.

هذه المساجد التي يتأدب الإنسان قبل دخولها، مقدماً رجله اليمنى قائلاً :اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج اللهم إني أسألك من فضلك ، ويصلي على النبي ﷺ هذه المساجد يذكر فيها اسمه، يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِالنور: 36، أي: بكرة وعشيا، والأصيل هو آخر النهار، والتسبيح يشمل كل شيء حتى القرآن في الصلاة، يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، هؤلاء الذين يسبحون، أخر الفاعل إظهاراً لشأنه، من هو الفاعل؟ ما هو الفاعل؟ رجال يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، انتهت الآية، رجال في أولها، رجال إشعارا بهممهم السامية، ونياتهم وعزائمهم العالية التي بها صاروا عماراً للمساجد، هذه صفة الرجولة، هذه الرجولة، يا عباد الله! فإن الله أثنى على الرجال، وذكر الرجولة بالمدح في القرآن، رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِالنور:  37.

صلاة المرأة في البيت
00:24:55

وأما النساء فصلاتهن في بيوتهن أفضل، كما قال النبي ﷺ: صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها  في قعر بيتها، في أخفى مكان فيه صلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها ، وقال ﷺ:  خير مساجد النساء قعر بيوتهن ، حديثان صحيحان، ولما قال النبي ﷺ لامرأة أبي حميد الساعدي: قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من لك صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي حتى المسجد القريب للمرأة أفضل من المسجد البعيد، فأمرت فبني لها مسجد في أقصى بيت من بيوتها وأظلمه، فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله -عز وجل- رواه الإمام أحمد،وهو حديث صحيح.

حال السلف مع المساجد
00:26:11

 رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِالنور:  37، لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ، مر ابن مسعود -رضي الله عنهم- على قوم من أهل السوق، وقد نودي بالصلاة، وقد تركوا الدكاكين ونهضوا إلى الصلاة، فقال: هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه: رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.

مر ابن مسعود -رضي الله عنهم- على قوم من أهل السوق، وقد نودي بالصلاة، وقد تركوا الدكاكين ونهضوا إلى الصلاة، فقال: هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه: رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.

 

ومر عبدالله بن عمر في السوق وقد أقيمت الصلاة، وقد أغلقوا حوانيتهم، ودخلوا المسجد، فقال ابن عمر: فيهم نزلت: رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، إذا أردت أن تعرف السلف، ما هو السلف؟ في إغلاق الدكاكين عند النداء، فاسمع السلف، السلف لك في إغلاق الدكاكين عند النداء.

قال عمر بن دينار: كنت مع سالم بن عبدالله، ونحن نريد المسجد فمررنا بسوق المدينة، وقد قاموا إلى الصلاة، وقد خمروا متاعهم – غطوا- هذه البسطات، فنظر سالم إلى أمتعتهم ليس معها أحد لا حراسة ولا شيء، فتلا سالم هذه الآية: رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُالنور: 37.

من شدة الفزع البصر يتقلب، والقلب يتقلب، وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ غافر:  18، القلوب لدى الحناجر، القلب يصبح في الحنجرة، إنه يوم تشخص فيه والأبصار، إنه يوم عبوس، يعبس فيه العابس والفاجر من الأهوال فيه، قمطرير: طويل أشد الطول، هؤلاء الذين يخافون ذلك اليوم لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِالنور:  38، كما خافوه في الدنيا أمنهم في الآخرة، وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍالنور:  38.

أيها المسلمون! إنها آيات جديرة أن تحمس المسلم على غشيان بيوت الله، وإعطائه حقه، وترك كل ما يلهي عن ذكر الله، لا تجارة ولا بيع، ولا لهو، ولا برامج، ولا مسلسلات، ولا قنوات فضائية، ولا مباريات رياضية، إذا كان الذي يكسب رزقه ورزق عياله يؤمر بترك البيع والتجارة للمسجد، فكيف بالذي يشاهد ما يدمر نفسه وعياله ولا يأتي للصلاة في المسجد؟ كيف به؟ ما هو حاله؟ نسأل الله السلامة والعافية.

اللهم إنا نسألك أن تعيننا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، أعنا على أنفسنا يا ربنا، وأصلح أنفسنا وشأننا وذرياتنا وبيوتنا، إنك أرحم منا بنا من أنفسنا، وإنك أنت أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألك النصر في فلسطين، اللهم فرق شمل اليهود ومن تبعهم من المنافقين، اللهم ألق بذور العداوة بينهم، اللهم شتت شملهم كما تملأوا على إخواننا المسلمين، اللهم أرنا فيهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم انصر اخواننا المسلمين في كوسوفو، اللهم انصرهم، اللهم احفظهم مما يريدون الوقاع بهم يا رب العالمين.

إنهم قد تجمعوا، أيها الإخوة، وهذا الجيش الصربي يمد الآن الحصار ليشمل الحدود الألبانية الكوسوفية، حتى يقطع خطوط الإمداد بين المسلمين في كوسوفو وإخوانهم في ألبانيا، وبعد اكتمال الحصار، وتجهيز المعدات، وإعداد الخطط، سيبدأ الاقتحام، ويبدأ الحرب، وهم ينذرون المسلمين ويقولون لهم: الآن إما أن تسيروا كما نريد، وإلا فذكروا ما أريناكم قريباً من تحريق القرى، وقوافل اللاجئين، قالوها هكذا، في اليومين الماضيين، اذكروا التحريق اليسير الذي أريناكم في قراكم وقوافل اللاجئين، اذكروه، وإلا ستكون العاقبة في الإقليم كله، وهكذا يشتد الحصار، وهكذا تكتمل الخطة للإيقاع بالمسلمين،

والله ناصرهم، والله معين المستضعفين، والله ناصر الضعفاء، وغالب الأقوياء، ومن ذا الذي يقوى أمام الله -عز وجل- ومن ذا الذي يقوم أمامه، والله غالب على أمره، وكل شيء بقدر، وكل شيء بحكمة -سبحانه وتعالى-، اللهم انصر المجاهدين، اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل المسلمين، اللهم اجعلنا في بلادنا آمنين وسائر المؤمنين الموحدين يا رب العالمين، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِي الصافات: 180 - 182.