الثلاثاء 8 شوّال 1445 هـ :: 16 أبريل 2024 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

قدوات الشباب


عناصر المادة
الخطبة الأولى
فضيلة الصحابة ومدح الله لهم
الاقتداء بالصحابة فضيلة
عظم أمنيات الصحابة تدل على عظم نفوسهم
صور مشرقة من تحمل شباب الصحابة للمسؤولية
صحابيات يتحملن المسؤولية
الفرق بين شبابنا وشباب الصحابة
الشباب قوة عظيمة، وفرصة لا تعوض

الخطبة الأولى

00:00:05

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد: فإنّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله ﷺ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

فضيلة الصحابة ومدح الله لهم

00:00:32

قال الله في كتابه العزيز مادحاً أصحاب نبيه الكريم، والذين يسيرون على نهجهم: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُالتوبة:100.

صلَّوا معه إلى القبلتين، وبايعوه بيعة الرضوان، وقاتلوا معه في بدر، وشهدوا المشاهد، عاينوا التنزيل، رافقوه في نزول الوحي، وسمعوه منه غضاً طرياً، حملوا العلم، فقهوا عنه، تأسوا به، ساروا على نهجه، فتحوا البلاد.

الاقتداء بالصحابة فضيلة

00:01:33

أصحاب النبي ﷺ غفر الله لجميعهم، وأوجب لهم الجنة - كما في كتابه -، هم قدوتنا: وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ التوبة:100، يجب علينا أن نتأسى بهم، وأن نقتبس من أفعالهم الحسنة؛ لأن الله رضي عنهم، رضي عنهم بالإيمان، ورضوا عنه بالثواب.

رضي عنهم في العبادة، ورضوا عنه بالجزاء.

رضي عنهم بطاعتهم لنبيه ﷺ، ورضوا عنه بقبول وحيه وشرعه.

هؤلاء قدوتنا، هؤلاء الذين حملوا الدين، هؤلاء الذين انتشر بهم الإسلام، هؤلاء الذين توسعت بهم رقعة دولة هذا الدين شرقاً وغرباً.

عُباد ليل إذا جن الظلام بهم وأسد غاب إذا ناد الجهاد بهم
يا ربي فابعث لنا من بعدهم نفراً كما عابد دمعه في الخد أجراه
هبوا إلى الموت يستجدون لقياه يشيِّدون لنا مجداً أضعناه

تلاميذ محمد ﷺ الذين وصفهم الله بقوله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً هذا في العبادة، والإخلاص: يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً، وعلامة أثر هذا الإخلاص، وهذه العبادة: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، لفضلهم ذكرهم الله في الكتب المتقدمة: مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَالفتح:29.

هؤلاء الذين كانوا جيلاً مختاراً ينبغي علينا، وعلى شبابنا اليوم أن يتأسوا بهم، وإذا نظرت إلى حال شبابنا وشباب الصحابة رأيت العجب العُجاب، والفرق الشاسع؛ ما الذي شغل أولئك؟ وما الذي يشغل هؤلاء؟ وإذا جاءت الإحصاءات بأن ثلاثة أرباع الشباب يشتغلون بالقنوات الفضائية، ولعب الورق، وبغشيان المقاهي، وسماع الأغاني، وضياع الأوقات، وهكذا، فإن شباب الصحابة في المقابل كان يشغلهم عز الدين، وطاعة الرحمن، ونصرة الله ورسوله.

عظم أمنيات الصحابة تدل على عظم نفوسهم

00:04:44

هؤلاء شباب الصحابة كانت أمنياتهم تدل على ما فيه نفوسهم، قال النبي ﷺ لشاب صغير من الصحابة، وهو ربيعة بن كعب الأسلمي:  سل أطلب ما تريد (سل)، فقال: أسألك مرافقتك في الجنة، قال:أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود [رواه مسلم برقم (489)]،لكن ما هي أماني الشباب في هذه الأيام؟ أن يصوِّر مع فلان أو فلانة، أو يسافر لحضور حفلة فلان أو فلانة، أو يكون مثل فلان أو فلانة، حتى صارت جراحات التجميل يقلدون ويتشبهون بها بفلان أو فلانة.

صور مشرقة من تحمل شباب الصحابة للمسؤولية

00:05:37

تميَّز صحابة النبي ﷺ تميَّز شبابهم بتحمل المسؤولية، بتحمل الأعباء، بتقلد الأمور، وهم في السن المبكرة؛ لأن هذه النفوس الوثابة، وهؤلاء أصحاب التضحية العظيمة كانوا يريدون فعلاً نصرة الله ورسوله، كانوا يريدون عز الإسلام، وطاعة الرحمن، يقول النبي ﷺ لأحدهم: يا زيد، تعلم لي كتاب يهود؛ فإني والله ما آمن يهود على كتابي، قال زيد: "فتعلمت كتابهم، ما مرت بي خمس عشرة ليلة حتى حذقته، وكنت أقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه، وأجيب عنه إذا كتب"رواه أحمد [رواه أحمد برقم (21108)، وحسن إسناده الأرناؤوط وغيره في تحقيق المسند (35/490)]، فهذا تعلم لغة بأكملها، تعلم لغة في خمس عشرة يوماً لحاجة النبي ﷺ، وحاجة الإسلام، وهكذا استمرت معه هذه الخصلة ليقال له بعد موت النبي ﷺ: "يا زيد" لكن القائل أبو بكر هذه المرة "إنك رجل شاب عاقل، ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ، فتتبع القرآن فاجمعه"، وهكذا يقول زيد، وهو يشعر بثقل هذه المهمة، والعبء الذي كُلف به: "فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن...، فقمت، فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع، والأكتاف والعُسب، وصدور الرجال"[رواه البخاري برقم (4679)]، وهكذا كُلِّف زيد برئاسة اللجنة التي شُكِّلت من الصديق والفاروق لجمع القرآن الكريم، فأيُّ مهمة تلك التي قام بها ذلك الشاب، نفعت أجيال الأمة إلى أن تقوم الساعة، ومن أسباب حفظ الله لكتابه.

كانوا يحملون العلم، يقول النبي ﷺ لابن عباس على صغر سنه: اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل[رواه أحمد برقم (2393)، وقال الأرناؤوط وغيره: إسناده قوي، انظر تحقيق المسند (4/225)]، فيحمل ابن عباس العلم، ويجتهد في جمعه؛ من بعد النبي ﷺ يتنقل بين الصحابة، يبيت على عتبة هذا، ويحضر مجلس هذا، ويأخذ بركاب هذا، ويسأل هذا، ويسمع؛ حتى جمع علماً غزيراً، فهكذا كانوا في حمل العلم ونشره.

النبي ﷺ يوكل إليهم مهاماً عظيمة، ولكنه يجد رجالاً يقوم بها، على حداثة أسنانهم، هذا مصعب بن عُمَير الشاب يذهب سفيراً إلى المدينة ليفتحها بالقرآن وليس بالسيف، ومعلوم دوره ، وهكذا معاذ يذهب إلى اليمن، يرسل شاباً واحداً لبلد بأكملها! لكن هؤلاء على قدر القيام بهذه المهمة، فينشر الإسلام في اليمن.

أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه لم يصل العشرين ويقود جيشاً، قال ﷺ: وايم الله أي: وأيمنُ ويمينُ، وايم الله، لقد كان خليقاً للإمارة، وإن كان من أحب الناس إليَّقال ﷺ في أبيه وفيه: وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده[رواه البخاري برقم (4250)].

سار بجيش قوامه ثلاثة آلاف مقاتل إلى شمال الجزيرة، وينتصر على كل من لقيه حتى بلغ مؤته، وأدخل الرُّعب في قلب هرقل ومن معه، وكرَّ راجعاً إلى المدينة سالماً غانماً بدون أن يقع شيء لجيشه حتى قال المسلمون: "ما رأينا جيشاً أسلم من جيش أسامة" يعني رجع سالماً دون أي إصابة.

كان شباب الصحابة رضوان الله عليهم يقودون السرايا والبعوث، ويحملون رسائله ﷺ، ويتنافسون في الخروج للتضحية بأرواحهم، كان شباب الصحابة رضوان الله عليهم يقودون السرايا والبعوث، ويحملون رسائله ﷺ، ويتنافسون في الخروج للتضحية بأرواحهم، ويردُّ سمرة بن جندب، ورافع بن خديج، فقيل: "يا رسول الله، إن رافعاً رامٍ"! يجيد الرمي، فأجازه، فقيل: "يا رسول الله، إن سمرة يصرع رافعاً لو صارعه"، فأجازه، ويبكي عُمير ، فيشفق عليه النبي ﷺ، فيجيزه، فعقد له أخوه سعد حمائل سيفه من صغره، وهكذا ذكر أصحاب السير والمؤرخون أنه قُتل ببدر، وهو ابن ستة عشرة؛ قتله من صناديد قريش عمرو بن ود الذي انتقم منه عليٌ بقتله في الخندق[المقتفى من سيرة المصطفى (1/159)].

ويقف اثنان من شباب الصحابة عن يمين عبد الرحمن بن عوف وشماله ليسألانه بحسب المسموعات التي سمعاها من أهليهما عن تاريخ الدعوة في مكة الذي لم يحضراه، فيقول قائلهما: "يا عم، هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، ما حاجتك إليه يا ابن أخي؟! قال: أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ؛ والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا"[رواه البخاري برقم (3141)، ومسلم برقم (1752)] لا يفارق الخيال الخيال حتى يموت الأعجل منا.

وهكذا وجد النبي ﷺ في أصحابه عدداً كبيراً يصلح للقيادة والإدارة، والدعوة ونشر الإسلام، وهكذا كانوا بتربيته ﷺ رجالاً على صغر أسنانهم؛ يحفظون الأسرار، يحملون الأخطار، يَعبُدون بالليل والنهار، ويضربون بسيف الحق الكفار.

تلك العُصبة المؤمنة التي تابعت النبي ﷺ، ودار الأرقم للأرقم بن أبي الأرقم المخزومي - على صغر سنه وهو شاب - كانت مقراً للدعوة، ولقاءات النبي ﷺ بأصحابه، والمسلمين الجدد.

لم تكن قضية تحمل المسؤولية والأعباء مقتصرة على أمر الدعوة والجهاد في سبيل الله، بل كانت أيضاً حَملاً للمسؤوليات الاجتماعية، فقد يموت الأب، ويخلف وراءه شاباً، وعنده تركة من الأخوات، من الإناث، من الضعيفات، فماذا يفعل؟ يقول جابر : أن أباه عبد الله مات، "وترك تسع بنات" كم هي ثقيلة هذه التركة؟! تسع بنات! البنت تحتاج إلى حماية، ورعاية، وتزويج من الكُفْء، ولي، حكيم.

قال جابر: "فتزوجت امرأة ثيباً، فقال لي رسول الله ﷺ: يا جابر، تزوجت؟قلت: نعم، قال: فبكرٌ أم ثيب؟قلت: بل ثيبٌ يا رسول الله، قال: فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك" يعني بكر صغيرة، قال جابر:"إن عبد الله" يعني أباه "هلك وترك تسع بنات، وإني كرهت أن آتيهن بمثلهن، فأحببت أن أجيء بامرأة تقوم عليهن، وتصلحهن وتمشُطهن، فقال رسول الله ﷺ:أصبت، بارك الله لك "[رواه مسلم برقم (715)]، فهذا يتحمل، ويضحي بالزواج من البكر، ويتزوج بثيب؛ لأنه أحس بالمسؤولية الاجتماعية تجاه أخواته، والقيام بالتركة الثقيلة التي خلَّفها أبوه المجاهد المقتول يوم أحد شهيداً في سبيل الله.

لم تكن الأشياء التي تولوها خفيفة، يقول زيد في الحديث السابق: "فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن" إنها مهمة ستعتمد عليها معرفة الأجيال اللاحقة إلى قيام الساعة بهذا الكتاب، بكتاب الله .

فعلم ما استطعت لعل جيلاً ولا ترهق شباب الحي يأساً
سيأتي يحدث العجب العُجاب فإن اليأس يخترم الشباب

فلا بد أن يقوموا لله، أعلم الأمة بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وهو شاب.

أعلمهم بالفرائض زيد بن ثابت ر، وهو شاب.

أعرفهم بالقضاء علي بن أبي طالب ، وهو شاب.

لما وصفهم النبي ﷺ بهذه الأوصاف، والفقه، والعلم، والإدراك لهذه الأنواع من مجالات الدين العظيمة كانوا شباباً، وكان أُبيٌّ أقرأهم، وجابر بن عبد الله ينقل حجة النبي ﷺ بتفاصيلها، ومالك بن حويرث يقدم مع شباب صغار إلى المدينة للتعلم، فينقل لنا صفة صلاة النبي ﷺ.

لما قدم أبو هريرة على النبي ﷺ كان عمره لا يتعدى سبعاً وعشرين سنة، وهذه السنوات القليلة التي لازم فيها النبي ﷺ حفظ فيها ما حفظ.

وكانوا في العبادة كذلك: لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِالنور: من الآية37.

لما قدم المهاجرون المدينة كانوا فقراء؛ ما معهم مال، لعدد منهم لم يكن هناك مأوى، يقول ابن عمر : "كنت غلاماً شاباً، وكنت أنام في المسجد"؛ لم يكن له بيت في البداية، وهكذا كان عدد من شباب الصحابة ينامون في المساجد، فروى الترمذي عن ابن عمر قال: "كنا ننام على عهد رسول الله ﷺ في المسجد ونحن شباب"، لكن ابن عمر وهو شاب كان لا ينام من الليل إلا قليلاً، وبنى حجرة بيده قال: "ما أعانني عليها أحد من خلق الله"[رواه البخاري برقم (6302)]، وتزوج فيها.

عبد الله بن عمرو بن العاص الذي جاء إلى النبي ﷺ يقول: "يا رسول الله، دعني أستمتع من قوتي ومن شبابي"[رواه أحمد برقم (6834)، وقال الأرناؤوط وغيره: صحيح لغيره، انظر تحقيق المسند (11/460)]، ويريد أن يصوم الدهر، ويقوم الليل، والنبي ﷺ يرفق به، ويقول: صم وأفطر، وقم ونم، وصم من الشهر ثلاثة أيام؛ فإن الحسنة بعشر أمثلها، قلت: إني أطيق أفضل من ذلك؟ قال: فصم يوماً، وأفطر يومين ،قلت: إني أطيق أفضل من ذلك؟ قال:فصم يوماً، وأفطر يوماً؛ فذلك صيام داود ، وهو أفضل الصيام، فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك؟ فقال النبي ﷺ: لا أفضل من ذلك "متفق عليه [رواه البخاري برقم (1976) بلفظه، ومسلم برقم (1159)].

عندما يتعلق الشباب بالمساجد، ماذا تكون النتيجة؟ يحصدون خيراً، ويكُفُّهُم ذلك عن الشر، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد[رواه البخاري برقم (1423) بلفظه، ومسلم برقم (1031)].

كانت التضحية من شباب الصحابة رضوان الله عليهم من أجل هذا الدين مانعة لهم من انغماس في الشهوات، أو اتباع التوافه، والاشتغال بالسخافات، وهكذا.

 

يا خير جيل على الأرض التي بُسطت فرسان حرب إذا ما الحرب قد حميت
يا خير جيل صحبتم خير من وطأت هم الذين لشرع الله قد حملوا
ما سار مثلكم في البر والبحر رهبان ليل إذا ما جُلْت في السحر
أقدامه الأرض في حل وفي سفر هم الهداة بآي الله والسور

صحابيات يتحملن المسؤولية

00:20:32

لم تكن القضية مقتصرة على الذكور، بل الإناث أيضاً، فنشرت عائشة رضي الله عنها علماً لم تنشره امرأة في العالم، ورعت رضي الله عنها خديجة الدعوة، وآزرت النبي ﷺ، وكانت المرأة الحانية، المرأة الراعية الأمينة الناصحة المؤيدة المثبتة المساندة لزوجها ﷺ؛ يأوي إليها؛ فتسري عنه، يشكو إليها؛ فتجلي ما به، تقوم عليه، وهي التي وهبته من نفسها ومالها.

ما أغناه عن الناس، وأم سُليم تقول لأبي طلحة: "والله ما مثلك يا أبا طلحة يُرد؛ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تُسلم فذاك مهري، وما أسألك غيره"[رواه النسائي برقم (3341)، وصححه الألباني في صحيح أحكام الجنائز ص (24)] يعني لا صفراء، ولا بيضاء، لا ذهب، ولا فضة.

لما ندب النبي ﷺ النساء إلى الصدقة لم يكد ثوب بلال يتسع لما تصدقن به.

الفرق بين شبابنا وشباب الصحابة

00:21:57

لما جعلوا نشاطهم وقوتهم في طاعة الله، فإن الشيخوخة والكبر أين ستكون؟ إذا كان الإنسان في وقت عنفوانه، وشدة شهوته وشبابه هو في طاعة الله؛ عبادة وعلم، ودعوة وجهاد في سبيل الله، وقيام لله بالحجة، ونفع الإسلام، بناء المساجد، وهكذا كانوا في صحبة النبي ﷺ يتفقهون، يتعلمون، يحمون المدينة، يحرسون، وكان هذا شأنهم، ولذلك فإنهم لما كبروا كبروا على طاعة.

وأما إضاعة وقت الشباب في الملاهي، والملذات، والسخافات، كم من أوقات الشباب تضيع اليوم؟! وفي أي شيء تضيع؟! إتلاف الإطارات! أو تضيع في المقاهي والشيشات! أو تضيع في الشبكة والشاشات! الأرصفة والطرقات تشهد لهم أم عليهم؟ وليت هذا كف شره عن الناس، بل الشر متعدي كما أن نفع شباب الصحابة كان متعدياً أيضاً، لكن شتان بين من نفعه متعدٍ، وبين من شره متعدي.

الشباب قوة عظيمة، وفرصة لا تعوض

00:23:29

لا يحقر الشاب نفسه في أداء دوره، قال الزهري لبعض الشباب: "لا تحقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم؛ فإن عمر بن الخطاب كان إذا نزل به أمر دعا الشباب، فاستشارهم يبتغي حدة عقولهم"[سنن البيهقي الكبرى (10/113)]، وقال الحسن البصري:"يا معشر الشباب عليكم بالآخرة فاطلبوها، فكثيراً رأينا من طلب الآخرة، فأدركها مع الدنيا، وما رأينا أحداً طلب الدنيا، فأدرك الآخرة معها"[الزهد الكبير للبيهقي (1/65)]، وقال محمد بن يوسف: "كان سفيان الثوري يقيمنا بالليل؛ يقول: قوموا يا شباب صلوا ما دمتم شباباً"[الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي (1/96)].

وهذا الشباب يذهب بسرعة، ثم يتأسف عليه الإنسان، قال أحمد بن حنبل رحمه الله: "ما شبهت الشباب إلا بشيء كان في كُمِّي فسقط"[طبقات الحنابلة (1/76)]شيء كان في الجيب وسقط، يعني يذهب بسرعة.

ولا زال هناك في الأمة - والحمد لله - شباب صالحون يسيرون على هدي الصحابة، ويجتهدون، هؤلاء رحمة للأمة، وينبغي أن يكونوا كذلك ممن سلك سبيل المعالي، وممن إذا جنّ الظلام فلا تراهم من الإشفاق إلا ساجدين، ومن الذين يحملون العلم، فيشرونه، ويدعون الناس إلى الحق.

فنسأل الله أن يهدينا سواء السبيل، وأن يُنعم علينا باتباع الحق والتنزيل، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، أنت المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

1 - رواه مسلم برقم (489)
2 - رواه أحمد رواه أحمد برقم (21108)، وحسن إسناده الأرناؤوط وغيره في تحقيق المسند (35/490)
3 - رواه البخاري برقم (4679)
4 - رواه أحمد برقم (2393)، وقال الأرناؤوط وغيره: إسناده قوي، انظر تحقيق المسند (4/225)
5 - رواه البخاري برقم (4250)
6 - المقتفى من سيرة المصطفى (1/159)
7 - رواه البخاري برقم (3141)، ومسلم برقم (1752) 
8 - رواه مسلم برقم (715)
9 - رواه البخاري برقم (6302)
10 - رواه أحمد برقم (6834)، وقال الأرناؤوط وغيره: صحيح لغيره، انظر تحقيق المسند (11/460)
11 - متفق عليه رواه البخاري برقم (1976) بلفظه، ومسلم برقم (1159)
12 - رواه البخاري برقم (1423) بلفظه، ومسلم برقم (1031)
13 - رواه النسائي برقم (3341)، وصححه الألباني في صحيح أحكام الجنائز ص (24) 
14 - سنن البيهقي الكبرى (10/113)
15 - الزهد الكبير للبيهقي (1/65)
16 - الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي (1/96)
17 - طبقات الحنابلة (1/76)